بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحَمدُ للَّهِ المُنَزَّهِ عَنِ الأَشبَاهِ فِي الأَسمَاءِ وَالأَوصَافِ، المُقَدَّسِ عَنِ الجَوَارِحِ وَالآلاتِ وَالأَطرَافِ، خَضَعَت لِعِزَّتِهِ الأَكوَانُ وَأَقَرَّت عَنِ اعتِرَافٍ، وَانقَادَت لَهُ القُلُوبُ وَهِيَ فِي انقِيَادِهَا تَخَافُ. كَشَفَ لِلمُتَّقِينَ اليَقِينَ فَشَهِدُوا، وَأَقَامَهُم فِي اللَّيلِ فَسَهِرُوا وَشَدُّوا، وَأَرَاهُم عَيبَ الدُّنيَا فَرَفَضُوا وَزَهِدُوا، وَقَالُوا نَحنُ أَضيَافٌ. وَقَضَى عَلَى المُخَالِفِينَ بِالبِعَادِ، فَفَاتَهُمُ التَّوفِيقُ وَالإِسعَادُ، فَكُلُّهُم هَامَ فِي الضَّلالِ وَمَا عَادَ.
أَحمَدُهُ عَلَى سَترِ الخَطَايَا وَالاقتِرَافِ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيهِ ﴿ق﴾، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ الَّذِي أُمِنَ بِبَيعَتِهِ الخِلافُ، وَعَلَى عُمَرَ صَاحِبِ العَدلِ وَالإِنصَافِ، وَعَلَى عُثمَانَ الصَّابِرِ عَلَى الشَّهَادَةِ صَبرَ النِّظَافِ، وَعَلَى عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ مَحبُوبِ أَهلِ السُّنَّةِ الظِّرَافِ،
أَمَّا بَعدُ:
فَمَا زِلنَا نَتَكَلَّمُ فِي الأَذكَارِ الَّتِي يَقُولُهَا العَبدُ المُؤمِنُ عِندَ النَّومِ، وَكُنَّا بَدَأنَا بِالحَدِيثِ:
وَفِى الصَّحِيحَينِ وَغَيرِهِمَا عَن عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنهَا أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيلَةٍ جَمَعَ كَفَّيهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا وَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، وَ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾، وَ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا مَا استَطَاعَ مِن جَسَدِهِ، يَبدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأسِهِ وَوَجهِهِ وَمَا أَقبَلَ مِن جَسَدِهِ، يَفعَلُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
وَوَصَلنَا إِلَى قَولِ أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا:
وَ ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ المُرَادُ أَيضًا كَمَا قُلنَا فِي السُّوَرِ الَّتِي قَبلَهَا أَنَّهُ قَرَأَ السُّورَةَ كَامِلَةً، وَهِيَ السُّورَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ المُعَوِّذَتَينِ، وَقَد مَرَّ الكَلَامُ عَلَى فَضَائِلِهِمَا وَسَبَبِ نُزُولِهِمَا.
أَمَّا فِي مَعنَاهَا فَقَد قَالَ العُلَمَاءُ: مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1)﴾: ﴿قُل﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿أَعُوذُ﴾ أَستَجِيرُ وَأَلتَجِئُ ﴿بِرَبِّ النَّاسِ﴾ مَالِكِهِم وَمُدَبِّرِهِم لِيَحفَظَنِي، خُصُّوا بِالذِّكرِ تَشرِيفًا لَهُم وَمُنَاسَبَةً لِلِاستِعَاذَةِ مِن شَرِّ المُوَسوِسِ فِي صُدُورِهِم، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: أَعُوذُ مِن شَرِّ المُوَسوِسِ إِلَى النَّاسِ بِرَبِّهِمُ الَّذِي يَملِكُ عَلَيهِم أُمُورَهُم وَهُوَ إِلَهُهُم وَمَعبُودُهُم.
وَهُنَا تَحذِيرٌ مُهِمٌّ، رَبُّ النَّاسِ الأَحرَارِ هُوَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَحدَهُ، أَمَّا مَا شَاعَ بَينَ العَوَامِّ مِن إِطلَاقِهِم عَلَى الأَبِ لَفظَ رَبِّ الأُسرَةِ فَهُوَ فَاسِدٌ مِن حَيثُ اللُّغَةُ وَمِن حَيثُ الشَّرعُ، فَرَبُّهُم بِمَعنَى مَالِكِهِم هُوَ اللهُ تَعَالَى وَلَيسَ أَبَاهُم، فَهُم مِلكٌ للهِ تَعَالَى، فَيَنبَغِي أَن تُستَبدَلَ هَذِهِ الكَلِمَةُ بِغَيرِهَا بِمَا لَا يُخَالِفُ الشَّرعَ، كَقَولِهِم مَثَلًا ((مُعِيلُ العِيَالِ)) فَأَبُوهُم هُوَ الَّذِي يُعِيلُهُم، فَيَجُوزُ أَن يُقَالَ هُم عِيَالُهُ وَهُوَ يُعِيلُهُم، فَلَا ضَرَرَ فِيهِ.
﴿مَلِكِ النَّاسِ (2)﴾ بِنَفسِ المَعنَى تَقرِيبًا، أَي مَالِكِهِم وَمُدَبِّرِ أُمُورِهِم وَمَصَالِحِهِم.
فَمِن أَسمَاءِ اللهِ المَلِكُ، وَمَعنَاهُ: أَنَّ اللهَ مَوصُوفٌ بِتَمَامِ المُلكِ، وَمُلكُهُ أَزَلِيٌ أَبَدِيٌ، وَأَمَّا المُلكُ الَّذِي يُعطِيهِ لِلعَبدِ فِي الدُّنيَا فَهُوَ حَادِثٌ يَزُولُ.
وَمِن خَوَاصِّ اسمِ اللهِ المَلِكِ أَنَّ مَن وَاظَبَ عَلَيهِ وَقتَ الزَّوَالِ كُلَّ يَومٍ مِائَةَ مَرَّةٍ صَفَا قَلبُهُ وَزَالَ كَدَرُهُ، وَمَن قَرَأَهُ بَعدَ الفَجرِ كُلَّ يَومٍ مِائَةً وَعِشرِينَ مَرَّةً أَغنَاهُ اللهُ مِن فَضلِهِ.
﴿إِلَهِ النَّاسِ (3)﴾ أَي مَعبُودِهِم،
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَهِ﴾ مَعنَاهُ المَعبُودُ، وَهَذَا اللَّفظُ مَوضُوعٌ لِلمَعبُودِ بِحَقٍّ فَقَط، ثُمَّ استَعَارَهُ المُشرِكُونَ لِمَا يَعبُدُونَهُ مِن دُونِ اللهِ مِن حَجَرٍ وَنُحَاسٍ وَغَيرِهِ كَمَا قَالَ ذَلِكَ الفَيُّومِيُّ فِي المِصبَاحِ المُنِيرِ. وَلَا يَصِحُّ لُغَةً وَلَا يَجُوزُ شَرعًا أَن يُطلَقَ لَفظُ الإِلَهِ عَلَى غَيرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَيسَ لَفظُ الإِلَهِ مَوضُوعًا فِي الأَصلِ لِكُلِّ مَعبُودٍ، وَإِلَّا لَم يَصِحَّ مَعنَى: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» لِأَنَّهُ لَو كَانَ الإِلَهُ وُضِعَ لِمَعنَى المَعبُودِ بِدُونِ تَخصِيصٍ بَل عَلَى الإِطلَاقِ لَم يَصِحَّ قَولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، لِأَنَّ المَعبُودَاتِ بِالبَاطِلِ كَثِيرَةٌ، لَكِن لَمَّا كَانَ الإِلَهُ مَعنَاهُ المَعبُودُ بِحَقٍّ وَهُوَ اللهُ صَحَّت هَذِهِ الكَلِمَةُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، أَي لَا مَعبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ، أَي أَنَّ كُلَّ مَا يُعبَدُ مِن دُونِ اللهِ مَعبُودٌ بِبَاطِلٍ لَيسَ مَعبُودًا بِحَقٍّ، قَالَ اللُّغَوِيُّ أَبُو هِلَالٍ العَسكَرِيُّ فِي «الفُرُوقِ»: «الإِلَه هُوَ الَّذِي يحِقّ لَهُ العِبَادَة، فَلَا إِلَه إِلَّا اللهُ، وَلَيسَ كُلُّ مَعبُودٍ يَحِقُّ لَهُ العِبَادَةُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الأَصنَامَ مَعبُودَةٌ وَالمَسِيحَ مَعبُودٌ، وَلَا يَحِقُّ لَهُ وَلَهَا العِبَادَةُ». وَكَذَا عَدَّ الإِمَامُ أَبُو مَنصُورٍ البَغدَادِيُّ الإِلَهَ مِن أَسمَاءِ اللهِ الخَاصَّةِ.
﴿مِن شَرِّ الوَسوَاسِ الخَنَّاسِ (4)﴾: ﴿مِن شَرِّ الوَسوَاسِ﴾ الشَّيطَان وَالوَسوَسَةُ الصَّوتُ الخَفِيُّ ﴿الخَنَّاسِ﴾ لِأَنَّهُ يَخنِسُ وَيَتَأَخَّرُ عَنِ القَلبِ كُلَّمَا ذُكِرَ اللَّهُ.
وَمِن جُملَةِ البَلَاءِ الَّذِي قَد يُصِيبُ العَبدَ فِي الدُّنيَا الوَسوَاسُ، وَنَظَرًا لِكَثرَةِ مَنِ ابتُلِيَ بِهِ فِي زَمَانِنَا وَالأَزمِنَةِ المَاضِيَةِ تَكَلَّمَ فِيهِ العُلَمَاءُ وَالأَطِبَّاءُ وَالنَّاصِحُونَ وَالحُكَمَاءُ، فمن المهم بيانه،
ومعناه فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ هُوَ “الخَفَاءُ”. فَأَصلُ الوَسوَسَةِ: الصَّوتُ الخَفِيُّ وَكُلُّ صَوتٍ لَا يُفهَمُ تَفصِيلُهُ لِخَفَائِهِ، وَكَذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي النَّفسِ خَفِيًّا. واصطِلَاحًا: هو حَدِيثُ النَّفسِ أَوِ الشَّيطَانِ بِمَا لَا نَفعَ فِيهِ وَلَا خَيرَ لِذَاتِهِ، أَو بِمَا يُؤَدِّي إِلَى مَا لَا نَفعَ فِيهِ وَلَا خَيرَ.
وَليُعلَم أَنَّ المُصَابُينَ بِهَذَا الدَّاءِ عَلَى قِسمَينِ: قِسمٌ يَذهَبُ وَيَزُولُ عَنهُم سَرِيعًا كَحَالِ كَثِيرٍ مِنَ الأَمرَاضِ العَارِضَةِ، وَهَذَا يَكُونُ بِأَخذِ العِلَاجِ وَالعَمَلِ عَلَيهِ.
وَقِسمٌ يُهمِلُونَ عِلَاجَهُ أَو يَعجِزُونَ عَنهُ أَو يَترُكُ نَصِيحَةَ مَن يُعَالِجُهُ فيَستَمِرُّ مَعَهُم طَوِيلًا حَتَّى يُصبِحَ المُوَسوِسُ أَسِيرَ الخَوفِ وَالحُزنِ وَالهَمِّ وَالغَمِّ وَيَغرَقَ فِيهِ، فَيُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي عِبَادَاتِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ وَحَيَاتِهِ، بَل قَد يَمتَدُّ ذَلِكَ إِلَى عَقلِهِ، وَرُبَّمَا أَدَّاهُ ذَلِكَ إِلَى تَركِ العِبَادَاتِ أَو حَتَّى إِلَى الكُفرِ، نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ.
ولِلوَسوَسَةِ أَسبَابٌ مِنهَا:
فَقَد يَكُونُ مِنَ الشَّيطَانِ، مَعنَاهُ أَنَّ الشَّيطَانَ يُلقِي فِي قَلبِ الشَّخصِ وَسوَسَتَهُ وَيُلَازِمُهُ وَيُلِحُّ عَلَيهِ فِي ذَلِكَ حَتَّى يُتعِبَهُ وَيُنهِكَهُ وَيُنَكِّدَ عَلَيهِ عَيشَهُ، وَهَذَا قَد يَكُونُ بِسَبَبِ السِّحرِ وَالعَينِ وَنَحوِ ذَلِكَ، فَلَا يَجِدُ بَعدَ ذَلِكَ لَذَّةً وَلَا خُشُوعًا وَلَا يَهنَأُ بِالعِبَادَةِ فَيُؤَدِّي إِلَى تَركِهَا فِي بَعضِ الأَحيَانِ، وَهَذَا هُوَ الغَرَضُ الَّذِي يُرِيدُ أَن يَصِلَ لَهُ الشَّيطَانُ، فَيَعرِضُ وَيُلِحُّ بِالوَسوَسَةِ لِكُلِّ مَن تَوَجَّهَ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِذِكرٍ أَو غَيرِهِ، فَكُلَّمَا أَرَادَ العَبدُ التَّوَجُّهَ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِقَلبِهِ جَاءَهُ الوَسوَاسُ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ بِمَنزِلَةِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ، كُلَّمَا أَرَادَ العَبدُ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ بِالطَّاعَاتِ أَرَادَ الشَّيطَانُ قَطعَ الطَّرِيقِ عَلَيهِ.
وَقَد يَكُونُ مِنَ الشَّخصِ نَفسِهِ، وَيُوَضِّحُ مَعنَاهُ قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ النَّفسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [سورة يوسف/ الآية 53] أَي كَثِيرَةُ الأَمرِ بِالسُّوءِ.
وَمِنهَا: قِلَّةُ العِلمِ الشَّرعِيِّ وَالجَهلُ بِأَحكَامِ الدِّينِ: وَذَلِكَ أَنَّ الجَهلَ مِن أَعظَمِ أَبوَابِ الشَّيطَانِ الَّتِي يَدخُلُ مِنهَا، وَقَد قَالَ العُلَمَاءُ: ((الوَسوَاسُ إِمَّا خَبَلٌ فِي العَقلِ وَإِمَّا جَهلٌ فِي الدِّينِ))، فَالجَاهِلُ قَد يُعِيدُ وُضُوئَهُ أَو صَلَاتَهُ مَثَلًا ظَنًّا مِنهُ أَنَّهُ لَم يُحسِنِ الوُضُوءَ أَوِ الصَّلَاةَ، ثُمَّ مَا يَلبَثُ أَن يُصبِحَ وَسوَاسًا يَعجَزُ عَنِ التَّخَلُّصِ مِنهُ، وَقَد يَدخُلُ عَلَيهِ مِن أَبوَابٍ أُخرَى فِي العِبَادَاتِ أَو حَتَّى فِي العَقِيدَةِ، فَقَد يُورِدُ لَهُ خَاطِرًا لَا يَعرِفُ مَا حُكمهُ فَيُخَوِّفُهُ الشَّيطَانُ وَيَزِيدُ الأَمرَ عَلَيهِ حَتَّى يَسأَلَ فِي حُكمِهِ، فَإِذَا سَأَلَ فِي حُكمِهِ يُوَلِّدُ الشَّيطَانُ لَهُ سُؤَالًا آخَرَ، ثُمَّ سُؤَالًا غَيرَهُ، وَهَكَذَا حَتَّى يُتعِبَهُ وَيُرهِقَهُ، وَبَعضُ النَّاسِ أَوصَلَهُم هَذَا إِلَى حَدِّ الكُفرِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.
ضَعفُ العَقلِ: وَقَد مَرَّ أَنَّ الوَسوَاسَ إِمَّا خَبَلٌ فِي العَقلِ وَإِمَّا جَهلٌ فِي الدِّينِ، أَي لَيسَ عَقلُهُ سَلِيمًا، وَهَذَا قَد يُعَالَجُ بِالطِّبِّ النَّبَوِيِّ أَو الطِّبِّ الحَدِيثِ، فَعَلَى الشَّخصِ أَن يَسأَلَ طَبِيبًا ثِقَةً عَارِفًا فِي هَذَا الأَمرِ لِيُعطِيَهُ العِلَاجَ.
وَمِنهَا: العُزلَةُ وَعَدَمُ مُخَالَطَةِ النَّاسِ غَالِبًا، وَذَلِكَ أَنَّ اعتِزَالَ النَّاسِ وَالبُعدَ عَنهُم وَعَدَمَ مُشَارَكَتِهِم فِي اجتِمَاعَاتِهِم لَهُ أَضرَارٌ جَسِيمَةٌ غَالِبًا، وَقَد بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ بِقَولِهِ:«لَو يَعلَمُ النَّاسُ مَا فِي الوَحدَةِ مَا أَعلَمُ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيلٍ وَحدَهُ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ. فَالعُزلَةُ وَالِانطِوَاءُ مِن مَدَاخِلِ الشَّيطَانِ عَلَى بَعضِ النَّاسِ وَسَبَبٌ فِي الإِصَابَةِ بِالوَسوَاسِ، وَفِي الحَدِيثِ:«فَإِنَّ الشَّيطَانَ مَعَ الوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الِاثنَينِ أَبعَدُ» رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
وَمِنهَا: الفَرَاغُ: فَلَا يَخفَى أَنَّ النَّفسَ إِن لَم تَشغَلهَا بِمَا يَنفَعُهَا فِي دِينِهَا وَدُنيَاهَا شَغَلَتكَ بِمَا يَضُرُّكَ أَو لَا مَنفَعَةَ فِيهِ غَالِبًا، وَقَد قَالَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ:
| إِنَّ الشَّبَابَ وَالفَرَاغَ وَالجِـدَة | مَفسَدَةٌ لِلمَرءِ أَيُّ مَفسَدَة |
لِذَا فَإِنَّ الفَرَاغَ مِن أَسبَابِ حُصُولِ الأَوهَامِ وَالوَسَاوِسِ.
لَكِن مِن رَحمَةِ اللهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ أَن جَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، وَمَعَ كُلِّ مَرَضٍ شِفَاءً، وَالوَسوَسَةُ كَغَيرِهَا مِنَ الأَمرَاضِ لَهَا دَوَاءٌ، وَيَنبَغِي لِمَن أُصِيبَ بِهَذَا المَرَضِ أَن يَسعَى فِي سُلُوكِ الأَسبَابِ المَشرُوعَةِ لِلتَّدَاوِي مِنهُ،
وَطُرُقُ عِلَاجِ الوَسوَسَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، مِن أَهَمِّهَا:
المُحَافَظَةُ عَلَى التَّحصِينِ وَالأَورَادِ وَالأَذكَارِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا حِصنٌ حَصِينٌ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ وَوَسوَسَتِهِ وَمِن كُلِّ شَرٍّ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف/ 205]، فَالغَفلَةُ عَن ذِكرِ اللهِ مِن أَعظَمِ مَدَاخِلِ الشَّيطَانِ عَلَى الإِنسَانِ.
وَمِن هَذِهِ الأَذكَارِ – عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ لَا الحَصرِ -: قِرَاءَةُ الفَاتِحَةِ وَالإِخلَاصِ وَالمُعَوِّذَتَينِ كَمَا نَصَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ لِصَحَابِيٍّ عَنِ المُعَوِّذَتَينِ: «إِنِ استَطَعتَ أَن تَقرَأَ بِهِمَا فِي كُلِّ صَلَاةٍ فَافعَل»، وَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ عَنِ المُعَوِّذَتَينِ: «مَا تَعَوَّذَ المُتَعَوِّذُونَ بِمِثلِهِمَا».
وَالإِكثَارُ مِن قَولِ: لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَإِنَّهَا شِفَاءٌ مِن تِسعِينَ دَاءً أَقَلُّهَا الهَمُّ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ.
وَالإِكثَارُ مِن قَولِ: اللهُ اللهُ رَبِّي لَا أُشرِكُ بِهِ شَيئًا.
وَقَولُ: آمَنتُ بِاللهِ وَرُسُلِهِ، مَرَّةً وَاحِدَةً عِندَ حُصُولِ الوَسوَاسِ ثُمَّ يَتفُلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَن يَسَارِهِ أَي يَنفُخُ نَفخًا خَفِيفًا مَعَ رِيقٍ خَفِيفٍ، وَيُكَرِّرُهُ كُلَّمَا احتَاجَ إِلَيهِ.
وَغَيرُ ذَلِكَ مِنَ الأَذكَارِ وَالتَّحصِينَاتِ الوَارِدَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا عَلَّمَهُ لِأَصحَابِهِ.
وَمِنَ الدَّوَاءِ: عِلَاجُ سَبَبِ الوَسوَاسِ إِن كَانَ سَبَبُهُ السِّحرَ أَوِ العَينَ أَوِ الخَبَلَ فِي العَقلِ أَو نَحوَ ذَلِكَ مِمَّا يُقَوِّي الشَّيطَانَ عَلَيهِ. وَذَلِكَ بِاللُّجُوءِ إِلَى الرُّقيَةِ الشَّرعِيَّةِ، وَقَد كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرقِي نَفسَهُ وَأَهلَهُ، وَيَحُثُّ أَصحَابَهُ عَلَى الرُّقيَةِ إِذَا اشتَكَى أَحَدُهُم مِن شَيءٍ.
وَمِنهُ: طَلَبُ العِلمِ الشَّرعِيِّ وَالعَمَلُ بِهِ، فَفِي طَلَبِ العِلمِ وَالعَمَلِ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي تَعُودُ عَلَى العَبدِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ مَا لَا يُحصِيهِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، مِنهَا: سَدُّ بَابِ الجَهلِ الَّذِي يَدخُلُ مِنهُ الشَّيطَانُ عَلَى الإِنسَانِ، وَدَحضُ وَرَدُّ شُبُهَاتِ الوَسوَسَةِ الَّتِي تَعرِضُ لِلإِنسَانِ، وَمَا كَانَ لِيَتِمَّ هَذَا إِلَّا بِالعِلمِ الشَّرعِيِّ.
البُعدُ عَنِ الفَرَاغِ وَشُغلُ النَّفسِ بِالأُمُورِ النَّافِعَةِ خُصُوصًا مَا يَحتَاجُ إِلَى إِعمَالِ الفِكرِ لِلتَّلَهِّي عَنِ الوَسوَاسِ، وَذَلِكَ كَالِاشتِغَالِ بِتَعَلُّمِ عِلمِ الدِّينِ وَمُرَاجَعَتِهِ وَحِفظِ المُتُونِ، أَوِ الِاشتِغَالِ بِعُلُومِ العَرَبِيَّةِ كَالنَّحوِ، أَو نَحوِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ نَفعٌ لَهُ، وَعَدَمُ مُشَاهَدَةِ التِّلفَازِ وَالشَّاشَاتِ وَشُغلِ النَّفسِ وَإِضَاعَةِ الوَقتِ بِمَا لَا يُفِيدُ.
وَمِنهُ: عَدَمُ الخَوضِ فِي المَسَائِلِ الَّتِي يُلقِيهَا الشَّيطَانُ عَلَيكَ وَعَدَمُ البَحثِ عَن أَجوِبَتِهَا، لِأَنَّ هَذَا يُقَوِّي الوَسوَاسَ، وَتَذَكَّر أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيكَ أَن تُجِيبَ الشَّيطَانَ عَلَى هَذِهِ الأَسئِلَةِ لِأَنَّهُ لَا يَسأَلُهَا طَلَبًا لِلعِلمِ.
تَعَلُّمُ عِلمِ التَّجوِيدِ، فَهَذَا يُسَاعِدُ عَلَى مَعرِفَةِ كَيفِيَّةِ نُطقِ الحُرُوفِ الصَّحِيحَةِ فَيُسَاعِدُكَ هَذَا عَلَى عَدَمِ الشَّكِّ فِي أَنَّهُ هَل خَرَجَ الحَرفُ صَحِيحًا أَو لَا، فَيَقطَعُ عَنكَ هَذَا الوَسوَاسَ.
ومِن أَسبَابِ الوَسوَاسِ كَثرَةُ المَسَائِلِ بِلَا حَاجَةٍ فِيمَا لَم يَحصُل، وَذَلِكَ أَنَّ طَرِيقَ تَحصِيلِ العِلمِ الشَّرعِيِّ لَيسَ بِالأَسئِلَةِ، إِنَّمَا طَرِيقُهُ حُضُورُ مَجَالِسِ العِلمِ وَتَلَقِّي المُتُونِ وَالكُتُبِ مِن أَفوَاهِ العُلَمَاءِ العَارِفِينَ، فَلَا يَنبَغِي أَن يُكثِرَ الوَاحِدُ مِنَ الأَسئِلَةِ الَّتِي لَا يَحتَاجُ لَهَا وَلَم تَحصُل بَعدُ، وَلَم يَكُن صَحَابَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِمَّن يُكثِرُ السُّؤَالَ عَمَّا لَا يُحتَاجُ إِلَيهِ، فَحَصَلَ لَهَمُ النَّفعُ العَظِيمُ، وَلَم يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ غَالِبًا يُرَخِّصُ فِي المَسَائِلِ إِلَّا لِلأَعرَابِ وَالوُفُودِ القَادِمِينَ عَلَيهِ يَتَأَلَّفُهُم بِذَلِكَ، فَأَمَّا المُهَاجِرُونَ وَالأَنصَارُ المُقِيمُونَ بِالمَدِينَةِ الَّذِينَ رَسَخَ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِم فَنُهُوا عَنِ المَسأَلَةِ فِيمَا لَا يُحتَاجُ إِلَيهِ.
فَالَّذِي يَتَعَيَّنُ عَلَى المُسلِمِ الِاعتِنَاءُ بِهِ وَالِاهتِمَامُ أَن يَبحَثَ عَمَّا جَاءَ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، ثُمَّ يَجتَهِدَ فِي فَهمِ ذَلِكَ وَالوُقُوفِ عَلَى مَعَانِيهِ، ثُمَّ يَشتَغِلَ بِالتَّصدِيقِ بِذَلِكَ إِن كَانَ مِنَ الأُمُورِ العِلمِيَّةِ، وَإِن كَانَ مِنَ الأُمُورِ العَمَلِيَّةِ بَذَلَ وُسعَهُ فِي الِاجتِهَادِ فِي فِعلِ مَا يَستَطِيعُهُ مِنَ الأَوَامِرِ وَاجتِنَابِ مَا يُنهَى عَنهُ، وَتَكُونُ هِمَّتُهُ مَصرُوفَةً بِالكُلِّيَّةِ إِلَى ذَلِكَ لَا إِلَى غَيرِهِ.
أَمَّا كُتُبُ الفَتَاوَى الَّتِي أَلَّفَهَا العُلَمَاءُ وَضَبَطُوهَا وَمَحَّصُوهَا فَهَذِهِ يَستَفِيدُ مِنهَا أَهلُ العِلمِ العَارِفُونَ الضَّابِطُونَ.
فَعَلَى مَن أُصِيبَ بِذَلِكَ أَن يَتَعَلَّمَ القَوَاعِدَ الَّتِي تُحَصِّنُهُ مِنَ الوُقُوعِ فِي مَسَائِلِ حُكمِ مَن قَالَ كَذَا، وَأَن يَتَعَلَّمَ أَسَاسِيَّاتِ العِبَادَاتِ وَالفَرضَ العَينِيَّ وَيُرَاجِعَهَا كُلَّ مُدَّةٍ حَتَّى يَعلَمَ كَيفَ يَصِحُّ نَحوُ الوُضُوءِ وَالغُسلِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَتَكبِيرِ التَّحَرُّمِ وَالنِّيَّةِ، وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكثُرُ دُخُولُ الشَّيطَانِ مِنهُ، فَإِذَا تَعَلَّمَ هَذِهِ القَوَاعِدَ وَالأَسَاسِيَّاتِ تَلَهَّى عَنِ الشَّيطَانِ وَانقَطَعَ عَنِ الِاستِرسَالِ مَعَهُ فِي خَوَاطِرِهِ الَّتِي يُلقِيهَا عَلَيهِ، فَإِنَّ الِاستِرسَالَ مَعَهُ فِيهَا يَزِيدُ الوَسوَاسَ.
﴿الَّذِي يُوَسوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5)﴾: ﴿الَّذِي يُوَسوِسُ فِي صُدُورِ﴾ قُلُوبِ ﴿النَّاسِ﴾ إِذَا غَفَلُوا عَن ذِكرِ اللَّهِ.
﴿مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)﴾ ﴿مِنَ الجِنَّةِ﴾ أَيِ الجِنِّ ﴿وَالنَّاسِ﴾ وَفِي مَعنَى الآيَةِ قَولَانِ: أَحَدُهُمَا: يُوَسوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ جِنَّتِهِم وَنَاسِهِم، فَسَمَّى الجِنَّ هَهُنَا نَاسًا كَمَا سَمَّاهُم رِجَالًا فِي قَولِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ [سورة الجن/ الآية 6] وَسَمَّاهُم نَفَرًا بِقَولِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿استَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ [سورة الجن/ الآية 1]، وَعَلَى هَذَا القَولِ يَكُونُ الوَسوَاسُ مُوَسوِسًا لِلجِنِّ كَمَا يُوَسوِسُ لِلإِنسِ،
وَالثَّانِي: أَنَّ الوَسوَاسَ الَّذِي يُوَسوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ هُوَ مِنَ الجِنِّ، وَالمَعنَى: مِن شَرِّ الوَسوَاسِ الَّذِي هُوَ مِنَ الجِنِّ،
وَليُعلَم أَنَّ الشَّيطَانَ أَشَدُّ أَعدَائِنَا كَمُسلِمِينَ، لِذَلِكَ حَذَّرَ عُلَمَاءُ المُسلِمِينَ مِنَ اقتِفَاءِ أَثَرِ إِبلِيسَ وَأَتبَاعِهِ، وَذَكَرُوا أَنَّ مِمَّا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِينَ بُغضُ الشَّيطَانِ، أَي كَرَاهِيَتُهُ، لأِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَذَّرَنَا فِي كِتَابِهِ مِنهُ تَحذِيرًا بَالِغًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [سُورَةَ فَاطِر/ الآية 6]
وَلِشِدَّةِ مَا يُفسِدُ إِبلِيسُ وَأَعوَانُهُ فَإِنَّنَا فِي كُلِّ قِرَاءَةٍ لِلقُرآنِ وَفِي كُلِّ صَلَاةٍ نَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، فَأَنتَ إِذَا قُلتَ: “أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ” فَاعلَم أَنَّهُ عَدُوُّكَ وَمُتَرَصِّدٌ لِصَرفِ قَلبِكَ عَنِ ذِكرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَسَدًا لَكَ عَلَى مُنَاجَاتِكَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُجُودِكَ لَهُ، مَعَ أَنَّهُ لُعِنَ لِأَنَّهُ اعتَرَضَ عَلَى اللهِ وَتَرَكَ سَجدَةً وَاحِدَةً وَلَم يُوَفَّق لَهَا، وَأَنَّ استِعَاذَتَكَ بِاللهِ سُبحَانَهُ مِنهُ تَكُونُ كَذَلِكَ بِتَركِ مَا يُحِبُّهُ الشَّيطَانُ وَتَبدِيلِهِ بِمَا يُحِبُّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ. فَالِاستِعَاذَةُ تَصرِفُ عَنكَ الشَّيطَانَ الرَّجِيمَ بِإِذنِ اللهِ.
وَالشَّيطَانُ هُوَ الكَافِرُ مِن كُفَّارِ الجِنِّ، وَيُطلَقُ الشَّيطَانُ وَيُرَادُ بِهِ إِبلِيسُ الَّذِي هُوَ جَدُّهُمُ الأَعلَى. قال تَعَالَى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [سورة البقرة/ الآية 102]، فَالجِنُّ صنفَانِ: مُؤمِنٌ وَكَافِرٌ، وَالمُؤمِنُونَ مِنهُم صِنفَانِ: أَتقِيَاءُ وَغَيرُ أَتقِيَاءٍ، كَمَا فِي البَشَرِ، والأَتقِيَاءُ قِلَّةٌ قَلِيلَةٌ فِي الإِنسِ وَالجِنِّ.
وَقَد كَانَ إِبلِيسُ يَعبُدُ اللهَ وَكَانَ مُختَلِطًا بِالمَلَائِكَةِ فِي الجَنَّةِ، وَكَانَ اسمُهُ عَزَازِيل، ثُمَّ لَمَّا كَفَرَ سُمِّيَ إِبلِيسَ، وَأَصلُهَا أُبلِسَ أَي أُبعِدَ مِنَ الخَيرِ، فَمَعنَى إِبلِيس مُبعَدٌ مِنَ الخَيرِ.
وَليُنتَبَه إِلَى أَنَّ إِبلِيسَ لَم يَكُن مِنَ المَلَائِكَةِ طَرفَةَ عَينٍ:
وَلَيسَ صَحِيحًا مَا يُروَى مِن أَنَّهُ كَانَ طَاوُوسَ المَلَائِكَةِ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذ قُلنَا لِلمَلائِكَةِ اسجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَن أَمرِ رَبِّهِ﴾ [سورة الكهف/ الآية 50]، فَالآيَةُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ كَانَ مِن جِنسِ الجِنِّ، وَيَدُلُّ عَلَيهِ أَيضًا أَنَّ خَلقَ إِبلِيسَ مُختَلِفٌ عَن خَلقِ المَلَائِكَةِ، فَإِنَّ إِبلِيسَ خُلِقَ مِن نَارٍ أَمَّا المَلَائِكَةُ فَقَد خُلِقُوا مِن نُورٍ، فَعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خُلِقَتِ المَلَائِكَةُ مِن نُورٍ، وَخُلِقَ الجَانُّ مِن مَارِجٍ مِن نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُم» رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ، فَأَصلُ خِلقَةِ إِبلِيسَ وَالجِنِّ مِنَ النَّارِ، كَمَا أَنَّ أَصلَ الإِنسِ هُوَ الطِّينُ، وَأَصلُ المَلَائِكَةِ هُوَ النُّورُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ الجَانَّ مِن مَارِجٍ مِن نَارٍ﴾ [سورة الرحمن/ الآية 15] أي اللَّهَبِ الصَّافِي الَّذِي يَكُونُ فِي أَعلَى النَّارِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيضًا أَنَّهُ قَد وَرَدَ القُرءَانُ صَرِيحًا فِي كُفرِ إِبلِيسَ وَفِسقِهِ كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذ قُلنَا لِلمَلَائِكَةِ اسجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبلِيسَ أَبَى وَاستَكبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة/ الآية 34] وَفِي الآيَةِ الأُخرَى قَالَ: ﴿فَفَسَقَ عَن أَمرِ رَبِّهِ﴾ [سورة الكهف/ الآية 50]. وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي المَلَائِكَةِ: ﴿لَا يَعصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ﴾ [سورة التحريم/ الآية 6].
وَهُم أَجسَامٌ لَطِيفَةٌ لَا يُمسَكُونَ بِاليَدِ، كَالنُّورِ وَالظَّلَامِ، وَقَد أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ بَنِي آدَمَ لَا يَرَونَ الجِنَّ عَلَى صُورَتِهِمُ الأَصلِيَّةِ، فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُم هُوَ وَقَبِيلُهُ مِن حَيثُ لَا تَرَونَهُم﴾ [سورة الأعراف/ الآية 27]، لَكِن يَرَى الإِنسَانُ الجِنَّ بِأَشكَالٍ أُخرَى يَتَشَكَّلُونَ عَلَيهَا، فإن لَهُم صُوَرًا وَأَشكَالًا وَأَلوَانًا مُختَلِفَةً، فَقَد تَكُونُ أَنتَ قَد رَأَيتَ جِنِّيًّا مُتَشَكِّلًا وَلَم تَعرِف أَنَّهُ جِنِّيٌّ.
وَقَد يَتَشَكَّلُونَ فِي صُوَرِ بَنِي ءَادَمَ مَعَ ظُهُورِ عَلَامَةٍ فَارِقَةٍ، والعَلَامَةُ الفَارِقَةُ قَد تَكُونُ فِي العَينِ، فَقَد يَتَشَكَّلُ الجِنِّيُّ عَلَى صُورَةِ إِنسِيٍّ لَكِن بِبُؤبُؤٍ طُولِيٍّ كَعَينِ القِطِّ، أَو بِرِجلَي مَاعِزٍ، وَيَتَشَكَّلُونَ أَيضًا عَلَى صُوَرِ البَهَائِمِ، كَالحَيَّاتِ وَالعَقَارِبِ وَالكِلَابِ أَوِ القِطَطِ السُّودِ. اللهُ أَعطَاهُمُ القُدرَةَ عَلَى التَّشَكُّلِ عَلَى غَيرِ هَيئَاتِهِم. وَلَا يَكَادُ عَصرٌ مِنَ العُصُورِ يَخلُو مِن ذِكرِ مُشَاهَدَاتِ النَّاسِ لِلجِنِّ الَّذِينَ يَظهَرُونَ عَلَى غَيرِ صُوَرِهِمُ الأَصلِيَّةِ. وأَحيَانًا يَتَشَكَّلُونَ عَلَى أَشكَالٍ خَبِيثَةٍ مُخِيفَةٍ، كَشَكلِ امرَأَةٍ قَبِيحَةِ الوَجهِ أَو قَزَمٍ. وَالِجنِّيُّ الَّذِي يَتَشَكَّلُ بِهَذِهِ الهَيئَاتِ الخَبِيثَةِ لَا يَكُونُ تَقِيًّا؛ لِأَنَّ الأَتقِيَاءَ مِنهُم لَا يَتَشَكَّلُونَ عَلَى صُوَرٍ خَبِيثَةٍ.
وَلِلجِنِّ عَالَمٌ غَيرُ عَالَمِ الإِنسِ وَعَالَمِ المَلَائِكَةِ، وَهُم مُتَّصِفُونَ بِصِفَةِ العَقلِ وَالإِدرَاكِ، وَمُكلَّفُونَ مَأمُورُونَ مَنهِيُّونَ، يَأكُلُونَ وَيَشرَبُونَ، مِنهُم أَغنِيَاءُ وَمِنهُم فُقَرَاءُ. وَمِنهُمُ الذُّكُورُ وَمِنهُمُ الإِنَاثُ، فَهُم يَتَزَوَّجُونَ وَيَتَكَاثَرُونَ، لَكِن يَتَكَاثَرُونَ بِالبَيضِ، وَأَعمَارُهُم أَطوَلُ مِن أَعمَارِنَا الآنَ، وَلَهُم مُلُوكٌ.
وَأَكثَرُ تَوَاجُدِ الجِنِّ فِي الأَمَاكِنِ المَهجُورَةِ الخَرِبَةِ، وَفِي مَوَاضِعِ النَّجَاسَاتِ كَبُيُوتِ الخَلَاءِ، وَفِي الصَّحَارِي وَالكُهُوفِ، وَأَيضًا فِي البُيُوتِ، وَهُمُ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمُ العُمَّارُ.
وَالتَّلَبُّسُ نَوعٌ مِن أَذَى الجِنِّ مُنتَشِرٌ بِكَثرَةٍ، وهُوَ دُخُولُ الجِنِّ فِي جَسَدِ الإِنسَانِ وَالسَّيطَرَةُ عَلَيهِ، وَلَهُ عَلَامَاتٌ وَأَعرَاضٌ تَظهَرُ عَلَى الشَّخصِ مِنهَا: أن يَتَصَرَّفَ بِتَصَرُّفَاتٍ غَرِيبَةٍ، كَأَن يَضرِبَ غَيرَهُ، أَو يَصرُخَ بِطَرِيقَةٍ مُرعِبَةٍ، أَو يَتَخَبَّطَ فِي الأَرضِ، أَو يَتَكَلَّمَ الجِنُّ عَلَى لِسَانِهِ، وَقَد يَتَكَلَّمُ بِلُغَاتٍ أُخرَى، أَو لُغَاتٍ غَيرِ مَفهُومَةٍ لِلبَشَرِ. وَأَيضًا: التَّغيِيرَاتُ السُّلُوكِيَّةُ، وَهِيَ تَصَرُّفَاتٌ غَرِيبَةٌ وَغَيرُ مُعتَادَةٍ لِلشَّخصِ. وآلَامٌ فِي الجِسمِ لَا يَستَطِيعُ الأَطِبَّاءُ تَحدِيدَ سَبَبِهَا. وأَحلَامٌ مُزعِجَةٌ: كَرُؤيَةِ كَوَابِيسَ مُستَمِرَّةٍ وَأَحلَامٍ مُخِيفَةٍ. وَأَيضًا يَجِدُ صُعُوبَةً فِي الصَّلَاةِ وقِرَاءَةِ القُرءانِ وسَمَاعِ الأَذَانِ.
وإِصَابَةُ الجِنِّ قَد تُوصِلُ بَعضَ النَّاسِ إِلَى الجُنُونِ. وَقَد يَكُونُ سَبَبُ التَّلَبُّسِ هُوَ الانتِقَامَ، فَقَد يَتَلَبَّسُ الجِنُّ بِالإِنسَانِ انتِقَامًا لِمَوقِفٍ مُعَيَّنٍ. أَو قَد يَكُونُ السَّبَبُ الجِنَّ العَاشِقَ، وَهُوَ جِنٌّ يَشعُرُ بِمَيلٍ أَو شَغَفٍ نَحوَ إِنسَانٍ، وَقَد يَتَسَبَّبُ لَهُ بِأَذًى جَسَدِيٍّ أَو نَفسِيٍّ نَتِيجَةَ هَذَا العِشقِ، فَقَد يَعشَقُ جِنّيٌّ أُنثَى، أَو جِنِيَّةٌ تَعشَقُ ذَكَرًا. وَكَثِيرٌ مِن إِصَابَاتِ الجِنِّ لِلبَشَرِ تَكُونُ فِي بَيتِ الخَلَاءِ وَمَحَلِّ الاغتِسَالِ، أَو عِندَ نَزعِ الثِّيَابِ مِن غَيرِ ذِكرِ الأَورَادِ الخَاصَّةِ لِلوِقَايَةِ وَلِمَنعِ رُؤيَةِ الجِنِّ لِعَورَاتِنَا.
وَالشَّيَاطِينُ تُحِبُّ رَائِحَةَ الدَّسَمِ، فَإِن لَم يَغسِلِ الشَّخصُ يَدَيهِ قَبلَ نَومِهِ إن كَانَ عَلَيهَا رَائِحَةُ الدَّسَمِ فإنَّ الشَّيَاطِينَ تَجِدُ ذَلِكَ فَقَد تَأتِيهِ وَتُؤذِيهِ.
وَأَحيَانًا يَكُونُ سَبَبُ التَّلَبُّسِ هُوَ إِيذَاءَ بَعضِ البَشَرِ لِلجِنِّ: مِثلَ سَكبِ المَاءِ السَّاخِنِ دُونَ ذِكرِ اللَّهِ، أَو إِيذَاءَ الجِنِّ دُونَ قَصدٍ. كَمَا حَصَلَ فِي زَمَنِ سَيِّدِنَا عُمَرَ عِندَمَا بَالَ شَخصٌ فِي جُحرٍ لِلجِنِّ وَهُوَ لَا يَعلَمُ، فَخَطَفَتهُ الشَيَاطِينُ خَمسَ سِنِينَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهلِهِ بَعدَ كُلِّ هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، وَقِصَّةُ خَلَاصِهِ مِنهُم أَنَّ قَبَائِلَ مِنَ الجِنِّ المُسلِمِينَ غَزَوا هَؤُلَاءِ الشَّيَاطِينَ وَدَارَت بَينَهُم مَعرَكَةٌ، فَانتَصَرَ الجِنُّ المُسلِمُونَ عَلَيهِم فَحَرَّرُوهُ وَخَيَّرُوهُ بَينَ أَن يَبقَى بَينَهُم مُعَزَّزًا مُكَرَّمًا أَو أَن يَرجِعَ لأَهلِهِ، فَاختَارَ الرَّجُوعَ لأَهلِهِ.
وَعِلَاجُ التَّلَبُّسِ وَالأَذَى يَكُونُ بِالرُّقيَةِ الشَّرعِيَّةِ التِي وَرَدَت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَيسَ مَا يَفعَلُهُ أَهلُ الدَّجَلِ مِنَ الضَّربِ والسَبِّ!! وَمَن دَاوَمَ عَلَى قِرَاءَةِ أَورَادِ التَّحصِينِ كَآيَةِ الكُرسِيِّ والمُعَوِّذَاتِ فَقَد تَحَصَّنَ بِحِصنِ اللهِ العَظِيمِ.
ولِلشَّيطَانِ ذُرِّيَّةً مِن صُلبِهِ. قَالَ بَعضُ التَّابِعِينَ: ذُرِّيَّةُ إِبلِيسَ الكَافِرُونَ هُمُ الشَّيَاطِينُ.
وَمِنهُم: زَلَنبُورُ صَاحِبُ الأَسوَاقِ، أَيِ الَّذِي يُضِلُّ النَّاسَ فِي الأَسوَاقِ، لَهُ رَايَةٌ كَرَايَةِ الجَيشِ يَضَعُ رَايَتَهُ فِي كُلِّ سُوقٍ بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ، يَجعَلُ تِلكَ الرَّايَةَ عَلَى حَانُوتِ أَوَّلِ مَن يَفتَحُ وَآخِرِ مَن يُغلِقُ.
وَفِي مُسنَدِ البَزَّارِ عَن سَلمَانَ الفَارِسِيِّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَكُونَنَّ إِنِ استَطَعتَ أَوَّلَ مَن يَدخُلِ السُّوقَ وَلَا آخِرَ مَن يَخرُج مِنهَا فَإِنَّهَا مَعرَكَةُ الشَّيطَانِ وَبِهَا يَنصِبُ رَايَتَهُ».
وَمِنهُم ثُبَرُ وَهُوَ صَاحِبُ المَصَائِبِ أَيِ الَّذِي يُضِلُّ النَّاسَ وَقَتَ نُزُولِ المَصَائِبِ بِهِم، فَيَأمُرُ بِضَربِ الوُجُوهِ وَشَقِّ الجُيُوبِ، وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ المُحَرَّمَاتِ.
وَمِنهُمُ الأَعوَرُ صَاحِبُ أَبوَابِ الزِّنَى الَّذِي يُضِلُّ النَّاسَ لِيُوقِعَهُم فِي الزِّنَا.
وَمِنهُم مُسَوَّطُ صَاحِبُ الأَخبَارِ أَيِ الَّذِي يَتَسَبَّبُ فِي نَقلِ الأَخبَارِ الكَاذِبَةِ بَينَ النَّاسِ، يَأتِي بِهَا فَيُلقِيَهَا فِي أَفوَاهِ النَّاسِ فَلَا يَجِدُونَ لَهَا أَصلًا. فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ: «إِنَّ الشَّيطَانَ لَيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ فَيَأتِي القَومَ فَيُحَدِّثُهُم بِالحَدِيثِ مِنَ الكَذِبِ فَيَتَفَرَّقُونَ فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنهُم: سَمِعتُ رَجُلًا أَعرِفُ وَجهَهُ وَلَا أَدرِي مَا اسمُهُ يُحَدِّثُ».
وَمِنهُم دَاسِمُ الَّذِي إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيتَهُ فَلَم يُسَلِّم وَلَم يَذكُرِ اسمَ اللَّهِ تَسَلَّطَ عَلَيهِ فِي بَيتِهِ بِأَن يُعَكِّرَ عَلَيهِ مَعِيشَتَهُ، وَإِذَا أَكَلَ وَلَم يَذكُرِ اسمَ اللَّهِ أَكَلَ مَعَهُ.
وَعَنْ أُبَىِّ بنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ الْوَلْهَانُ فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ. وَيَنْبَغِى أَنْ لا يَسْتَرْسِلَ الإِنْسَانُ مَعَ الْوَسْوَاسِ بَلْ يَنْبَغِى أَنْ يَلْجَأَ إِلَى اللَّهِ فِى دَفْعِهِ وَأَنْ يُعْرِضَ عَنْهُ وَأَنْ يُبَادِرَ إِلَى قَطْعِهِ بِالِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهِ حَتَّى لا تَتَنَكَّدَ عِيْشَتُهُ وَيَنْبَغِى أَنْ لا يَقْعُدَ وَحْدَهُ بَلْ يَقْعُدُ مَعَ الصَّالِحِينَ.
وَمِنهُم مُرَّةُ وَهُوَ صَاحِبُ المَزَامِيرِ وَبِهِ يُكَنَّى، أَيِ الَّذِي يُوَسوِسُ لِلنَّاسِ فَيَكثُرُ مِنهُمُ استِعمَالُ المَزَامِيرِ وَهِيَ آلَةٌ مُحَرَّمَةٌ.
وَمِنهُمُ الهَفَّافُ يَكُونُ بِالصَّحَارَى يُضِلُّ النَّاسَ وَيُتَيِّهُهُم فَيَضِيعُونَ عَن طَرِيقِهِم. وَقَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: أَنَّ الهَفَّافَ هُوَ صَاحِبُ الشَّرَابِ، أَيِ الَّذِي يُوَسوِسُ لِلنَّاسِ حَتَّى يَشرَبُوا الخَمرَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
وَمِنهُمُ الغِيلَانُ، قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: «إِذَا تَغَوَّلَت لِأَحَدِكُمُ الغِيلَانُ فَليُؤَذِّن فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ». وَاحِدُهَا غُولٌ، وَالغِيلَانُ جِنسٌ مِنَ الجِنِّ.
وَمِنهُم: خِنزَبُ وَهُوَ الَّذِي يَأتِي بَعضَ النَّاسِ في الصَّلَاةِ، فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّ عُثمَانَ بنَ أَبِي العَاصِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الشَّيطَانَ قَد حَالَ بَينِي وَبَينَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلبِسُهَا عَلَيَّ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ذَاكَ شَيطَانٌ يُقَالُ لَهُ خِنزَبٌ، فَإِذَا أَحسَستَهُ فَتَعَوَّذ بِاللهِ مِنهُ، وَاتفُل عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا». قَالَ: فَفَعَلتُ ذَلِكَ فَأَذهَبَهُ اللهُ عَنِّي.
وَعَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ قَالَ: إِذَا أَصبَحَ إِبلِيسُ بَثَّ جُنُودَهُ فَيَقُولُ مَن أَضَلَّ مُسلِمًا أَلبَستُهُ التَّاجَ، قَالَ فَيَقُولُ لَهُ القَائِلُ لَم أَزَل بِفُلَانٍ حَتَّى طَلَّقَ زَوجَتَهُ، قَالَ: يُوشِكُ أَن يَتَزَوَّجَ. وَيَقُولُ آخَرُ: لَم أَزَل بِفُلَانٍ حَتَّى عَقَّ، قَالَ: يُوشِكُ أَن يَبُرَّ. وَيَقُولُ القَائِلُ: لَم أَزَل بِفُلَانٍ حَتَّى شَرِبَ، قَالَ: أَنتَ! قَالَ وَيَقُولُ: لَم أَزَل بِفُلَانٍ حَتَّى زَنَى، قَالَ: أَنتَ، قَالَ وَيَقُولُ: لَم أَزَل بِفُلَانٍ حَتَّى قَتَلَ، قَالَ: أَنتَ أَنتَ! رواه أحمد وابن حبان.
قَالَ بَعضُ الفُقَهَاءِ: إِنَّ شَيطَانًا يُقَالُ لَهُ البَيضَاوِيُّ يَتَمَثَّلُ لِلفُقَرَاءِ المُوَاصِلِينَ فِي الصِّيَامِ أي الذين يُكثرون من الصيام فَإِذَا استَحكَمَ مِنهُمُ الجُوعَ وَأَضَرَّ بِأَدمِغَتِهِم يَكشِفُ لَهُم عَن ضِيَاءٍ وَنُورٍ حَتَّى يَملَأَ عَلَيهِمُ البُيُوتَ فَيَظُنُّونَ أَنَّهُم قَد وَصَلُوا أَي إِلَى رِضوَانِ اللهِ وَنَعِيمِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللهِ وَلَيسَ كَمَا ظَنُّوا.
حِينَ خُلِقَ آدَمُ وَفُضِّلَ عَلَى إِبلِيسَ حَسَدَهُ إِبلِيسُ عَلَى ذَلِكَ وَاعتَرَضَ عَلَى اللهِ وَطُرِدَ مِن رَحمَةِ اللهِ، فَأَقسَمَ إِبلِيسُ أَن يُضِلَّ مَنِ استَطَاعَ مِن أَبنَاءِ آدَمَ وَأَن يَبقَى عَلَى ذَلِكَ مُحَاوِلًا إِغوَاءَهُم وَإِضلَالَهُم إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَقَد كَانَ النَّاسُ فِي زَمَنِ آدَمَ عَلَى الصَّوَابِ يُعَلِّمُهُم آدَمُ بِوَحيِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مُستَعمِلِينَ فِي ذَلِكَ عُقُولَهُم مُتَّبِعِينَ لِرَسُولِهِم آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، إِلَى أَنِ انفَرَدَ قَابِيلُ بِهَوَاهُ فَقَتَلَ أَخَاهُ، وَكَانَ سَبَبُ هَذَا الِانحِرَافِ إِبلِيسُ عَلَيهِ لَعنَةُ اللهِ، ثُمَّ مَا زَالَ يَنحَرِفُ بِمَن تَبِعَهُ مِن أَبنَاءِ آدَمَ وَوَافَقَهُ حَتَّى تَشَعَّبَتِ الأَهوَاءُ بِالنَّاسِ فَشَرَّدَتهُم فِي بَيدَاءِ الضَّلَالِ، فَعَبَدُوا الأَصنَامَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ بَعدَ إِدرِيسَ، وَاختَلَفُوا فِي العَقَائِدِ وَالأَفعَالِ اختِلَافًا خَالَفُوا فِيهِ الرُّسُلَ وَالعُقُولَ اتِّبَاعًا لِأَهوَائِهِم وَمَيلًا إِلَى عَادَاتِهِم وَتَقلِيدًا لِكُبَرَائِهِم، وَاتِّبَاعًا لِإِبلِيسَ لَعَنَهُ اللهُ، إِلَّا فَرِيقًا مِنَ المُؤمِنِينَ.
ثُمَّ جَاءَ الأَنبِيَاءُ بِالبَيَانِ الكَافِي، وَقَابَلُوا الأَمرَاضَ بِالدَّوَاءِ الشَّافِي، وَتَوَافَقُوا عَلَى مِنهَاجٍ لَم يَختَلِف، فَدِينُ كُلِّ الأَنبِيَاءِ هُوَ الإِسلَامُ، وَعَقِيدَةُ كُلِّ الأَنبِيَاءِ التَّوحِيدُ وَعَدَمُ الإِشرَاكِ بِاللهِ شَيئًا، فَأَقبَلَ الشَّيطَانُ يَخلِطُ بِالبَيَانِ شُبَهًا، وَبِالدَّوَاءِ سُمًّا، وَمَا زَالَ يَلعَبُ بِالعُقُولِ إِلَى أَن فَرَّقَ الجَاهِلِيَّةَ فِي مَذَاهِبَ سَخِيفَةٍ، وَبِدَعٍ قَبِيحَةٍ، فَأَصبَحُوا يَعبُدُونَ الأَصنَامَ فِي البَيتِ الحَرَامِ، وَيُحَرِّمُونَ السَّائِبَةَ – قيل: كَانَ الرجُل إِذَا نَذَر لِقدُوم مِنْ سَفَر، أَوْ بُرْءٍ مِنْ مَرَض، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ قَالَ ناقِتي سَائِبَةٌ، فَلَا تُمنَع مِنْ ماءِ وَلَا مَرْعى، وَلَا تُحْلَب، وَلَا تُرْكَب -، وَالبَحِيرَةَ – قِيلَ: هِيَ بنْت السَّائبة، كَانُوا إِذَا تابَعت النَّاقَةُ بيْن عشْر إِنَاثٍ لَمْ يُركَب ظهرُها، وَلَمْ يُجَزَّ وَبرها، وَلَمْ يَشْرب لبَنَها إِلَّا ولدُها أَوْ ضَيْف -، وَالوَصِيلَةَ – قيل: هِيَ الشَّاةُ إِذَا وَلَدَتْ سِتَّة أبْطُن، أُنْثَيَيْنِ أُنْثَيْين، وولَدَت فِي السَّابِعَةِ ذَكرا وأنْثَى، قَالُوا: وَصَلْتَ أَخَاهَا، فأحَلُّوا لَبَنَها لِلرِّجال، وحرَّموه عَلَى النِّساء -، وَالحَامَ – فَحْلُ الْإِبِلِ يَضْرِبُ الضِّرَابَ الْمَعْدُودَ، فَإِذَا قَضَى ضِرَابَهُ وَدَعُوهُ لِلطَّوَاغِيتِ وَأَعْفَوْهُ مِنَ الْحَمْلِ، فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ-، وَيَرَونَ وَأدَ البَنَاتِ، وَيَمنَعُونَهُنَّ المِيرَاثَ، إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِنَ الضَّلَالِ الَّذِي سَوَّلَهُ لَهُم إِبلِيسُ.
فَمِن جُملَةِ مَا لَبَّسَ إِبلِيسُ بِهِ عَلَى النَّاسِ أُمُورُ العَقَائِدِ، حَيثُ إِنَّهَا الأَمرُ الأَسَاسُ الَّذِي يُبنَى عَلَيهِ كُلُّ الأَعمَالِ الأُخرَى، وَلَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ عَمَلٌ إِذَا فَسَدَت عَقِيدَتُهُ، لِذَلِكَ عَمَدَ إِبلِيسُ إِلَى ضَربِ هَذَا الأَسَاسِ فَنَتَجَ الفِرَقُ المُختَلِفَةُ الكَثِيرَةُ عَلَى مَرِّ العُصُورِ، المُشَبِّهَةُ وَالمُجَسِّمَةُ وَالمُشرِكُونَ وَالجَاحِدُونَ وَالمُعَطِّلُونَ وَالمُكَذِّبُونَ وَالمُدَّعُونَ لِلنُّبُوَّةِ، ثُمَّ لَم يَقتَصِرِ الأَمرُ عَلَى ذَلِكَ، بَل دَخَلَ عَلَيهِم فِي أَمرِ الفُرُوعِ فَحَرَّفَ بَعضَهُم أَحكَامَ اللهِ وَحَلَّلُوا الحَرَامَ وَحَرَّمُوا الحَلَالَ وَأَوجَبُوا مَا لَم يُوجِبِ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَأَنكَرُوا وُجُوبَ مَا أَوجَبَهُ اللهُ تَعَالَى.
وَفِي مُقَابَلَةِ هَذِهِ الحَربِ مِن إِبلِيسَ وَأَعوَانِهِ عَلَى المُؤمِنِينَ يَنبَغِي مِنَ الوَاحِدِ أَن يَكُونَ حَذِرًا مِن هَذَا العَدُوِّ مُجَانِبًا لَهُ، وَيَنبَغِي أَن يُغلِقَ عَلَيهِ مَدَاخِلَهُ الَّتِي يَدخُلُ مِنهَا لِيُوَسوِسَ لَهُ، وَمِن أَهَمِّ مَا يُحَارَبُ بِهِ الشَّيطَانُ هُوَ العِلمُ، أَن يَتَعَلَّمَ أُمُورَ دِينِهِ وَعَقِيدَتَهُ وَأَحكَامَ شَرِيعَتِهِ لِيَكُونَ عَلَى بَيِّنَةٍ بِذَلِكَ، فَإِذَا أَرَادَ الشَّيطَانُ بَعدَ ذَلِكَ أَن يَدخُلَ عَلَيهِ فِي أَمرٍ عَرَفَهُ فَاجتَنَبَهُ، وَإِذَا أَرَادَ أَن يُلَبِّسَ عَلَيهِ فِي مَسأَلَةٍ انتَبَهَ لِهَذَا التَّلبِيسِ فَسَلِمَ مِنهُ وَاتَّبَعَ الحَقَّ، وَإِذَا أَرَادَ إِغوَاءَهُ وَإِضلَالَهُ كَانَ فِي حِصنٍ مِنهُ فَلَا يَصِلُ إِلَيهِ.
فَالعِلمُ بِمَنزِلَةِ الحِصنِ الَّذِي يَتَحَصَّنُ بِهِ النَّاسِ لِيَحفَظُوا أَنفُسَهُم مِن عَدُوِّهِم، وَهُوَ بِمَثَابَةِ الدِّرعِ الَّذِي يَقِيهِم سِهَامَ الشُّبَهِ وَالتَّلبِيسَاتِ الشَّيطَانِيَّةِ، فَمَن كَانَ عِندَهُ هَذَا الدِّرعُ وَتَحَصَّنَ بِهَذَا الحِصنِ سَلِمَ وَأَمِنَ عَلَى نَفسِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى مَزلَقَةٍ وَمَهلَكَةٍ يَلعَبُ بِهِ الشَّيطَانُ يَمنَةً وَيَسرَةً وَهُوَ لَا يَشعُرُ حَتَّى يُلقِيَهُ فِي النَّارِ، نَسأَلُ اللهَ السَّلَامَة.
ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا مَا استَطَاعَ مِن جَسَدِهِ، يَبدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأسِهِ وَوَجهِهِ وَمَا أَقبَلَ مِن جَسَدِهِ، أي وَمَا أَدبَرَ مِنهُ يَفعَلُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
وَاللهُ سُبحَانَهُ أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ،
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ،
اللهم أَلهِمنَا القِيَامَ بِحَقِّكَ، وَبَارِك لَنَا فِي الحَلَالِ مِن رِزقِكَ، وَانفَعنِي بِمَا أَقُولُ وَالحَاضِرِينَ مِن خَلقِكَ، وَأَصلِح كُلًّا مِنَّا بِإِصلَاحِ قَلبِهِ، وَأَنعِم عَلَيهِ بِغُفرَانِ ذَنبِهِ، وَانفَعنِي وَكُلَّ حَاضِرٍ بِجَسَدِهِ وَلُبِّهِ، بِرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
والله تعالى أعلم وأحكم