الفاتحة هي أعظمُ سورةٍ في كتابِ اللهِ وبها افتتاحُ أعظمِ الكتبِ السماويةِ، هيَ أمُّ الكتابِ، سورةٌ يقرؤها المسلمُ كلَّ يومٍ سبعَ عشرةَ مرّةً على الأقلِّ، ولا تصحُّ الصلاةُ إلا بها عندَ الشافعيِّ، وهي أفضلُ سورةٍ في القرآنِ.
معان كثيرة في لفظ موجز
قالَ المُفَسِّرُ البِقَاعِيُّ
هِيَ السُّورَةُ الجَامِعَةُ عَلى وَجَازَتِهَا جَمِيعَ معاني القرآنِ
قَالَ الفَخرُ الرَّازِيُّ فِي بِدَايَةِ تَفسِيرِهِ لِسُورَةِ الفاتحةِ
اعْلَمْ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى لِسَانِي فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ الْكَرِيمَةَ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْ فَوَائِدِهَا وَنَفَائِسِهَا عَشَرَةُ آلَافِ مَسْأَلَةٍ، وشرع في شرحِها وإثباتِ هذا الكلامِ تفصيلًا وقال بعدَ ذلك: فَلِهَذَا السَّبَبِ سُمِّيَتْ بِأُمِّ الْكِتَابِ كَمَا أَنَّ الدِّمَاغَ يُسَمَّى أُمَّ الرَّأْسِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى جَمِيعِ الْحَوَاسِّ وَالْمَنَافِعِ.
موضع نزول سورة الفاتحة
اختَلفَ العلماء في موضع نزول الفاتحة
قالَ بعضُهم نزلَتْ في مكةَ وهو قولُ عليٍّ وابنُ عباسٍ وأبي هريرةَ والأكثرينَ، لأنه لا يُعرَف في الإسلامِ صلاةٌ بغير فاتحةِ الكتابِ.
وقالَ بعضُهم كانَ نزولُهَا بالمدينةِ وهوَ منسوبٌ إلى جماعةٍ، منهم مجاهدٌ تلميذُ ابنِ عباسٍ. قال ابنُ رجبٍ في تفسيرِه سورةَ الفاتحةِ بعد أنْ ذكرَ هذهِ الأقوالَ: والصحيحُ أنَّها أُنزِلت بمكةَ.
عدد آيات سورة الفاتحة
قالَ ابنُ عَطِيَّةَ في المُحَرَّرِ الوَجِيزِ: الإجماعُ أنها سبعُ آياتٍ، وقولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾، هو الفصلُ في ذلك.
وَلْيُعْلَمْ أَنَّ عددَ كلماتِهَا خمسٌ وعشرونَ وعددُ حروفِها مائةٌ وثلاثةٌ وعشرونَ.
أسماء الفاتحة
- فاتحةُ الكتابِ
- وفاتحةُ القُرءان
- والقُرءانُ العظيم
- والسبعُ المثاني
- والوافية
- والكنزُ
- والكافية، لأنها تكفي في الصَّلاةِ عن غيرِها ولا يكفي عنها غيرُها
- والأساس، لأنها أصلُ القُرءانِ وأولُ سورةٍ فيه
- والنور
- وسورةُ الحمد
- وسورةُ الشكر
- والرقيةُ
- والشفاءُ والشافية
- وسورةُ الصلاة، لِتَوقُّفِ الصلاةِ عليها
- وسورةُ المناجاةِ، لأنَّ العبدَ يناجي فيها ربَّه بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ والمناجاةُ هي المخاطبةُ
- وسورةُ التفويض، لاشتمالِهَا عليه في قولِه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
وقد ذكرَها السيوطيُّ في الإتقانِ وذكرَ بعضَها ابنُ رجبٍ في تفسيرِه للفاتحةِ وفخرُ الدينِ الرازيُّ في تفسيرِه وغَيرُهُم.
تفسير الآيات
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
سورة الفاتحة
الاستعاذة: (أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ)
الِاسْتِعَاذَةُ لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْءَانِ إِجْمَاعًا وَمَعْنَاهَا أَسْتَجِيرُ بِاللَّهِ لِيَحْفَظَنِى مِنْ أَذَى الشَّيْطَانِ، وفِيهَا إِشَارةٌ لِمُخَالَفةِ الشَّيطَان الرَّجِيم والاستِجَارَة باللهِ مِن شُرُورِه، وَهِي تَصرِفُ عَنكَ الشَّيطَانَ الرَّجِيمَ بِإِذنِ اللهِ، فَالشَّيَاطِين تُؤذِي النَّاسَ إِلَّا مَن حَفِظَه اللهُ مِن ظُلمِهَا، فَسُلطَانُ إِبلِيسَ وأَعوانِه غَالِبًا عَلَى الذِينَ يُوَالُونَه ويَتَّبِعُوْنَ وَسَاوِسَه وَلَيسَ عَلَى العُلَمَاء.
البسملة: ﴿بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ﴾
البَسمَلَةُ ءايةٌ عظِيمَة يَضُمُّ معنَاهَا أَبَوابًا كثِيرَةً مِن العَقَائِد، كان يَأمُر النَّبِي ﷺ بِكِتَابَتِها في بِدَايَة رَسائِلِه، وهِيَ أوَّل آياتِ الفَاتِحَة، وقَد اختَلَفَ الفُقَهَاء فِي كَونِ البَسمَلَة آيةً مِن الفَاتِحة أَم لَا.
مواضع يستحب ذكر البسملة فيها:
- عند دخول البيت وعند الخروج منه.
- للحفظِ والتحصينِ صباحًا مساءً.
- للاستشفاء والرقية.
- عند دخول المسجد والخروج منه.
- عند غلق الأبواب وتغطية الآنية.
- عند النوم.
- في أوّل الخطب ومقدمات الكتاب.
- عند دخول الخلاء وعند التَّعري.
- في أول الوضوء.
- عند الأكل.
- عند الجماع.
- عند الذبائح والصيد.
- عند وضع الميت المسلم في قبره.
- عند الغزو.
- عند الإصابة في المعركة.
وفي غير ذلك من المواضع، ففضل البسملة عظيم وأسرارها كثيرة لا يحصيها إلا الله عز وجل وقد ذكر الفقهاء لها خصائص كثيرة.
معنى باسم الله
ابتداء الفاتحة باسم الله معناه أبتدئ فعلي هذا ذاكرا لاسم الله الأعظم المفرد مستعينا ومتبركا به في عملي الذي أعمله، فنحن نقولها متبركين بها في ابْتِدَاءِ الْقِرَاءَةِ، ففيها إثبات معنى التوكل والاستعانة برب العزة عز وجل.
الحمد لله رب العالمين
الْحَمْدُ هُوَ الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِىِّ، وللحمدلة فضائل كثيرة ثبتت في أحاديث النبي ﷺ، وفيها وصفُه سبحانه بـ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي المالكِ لكلِّ ما دخل في الوجود، وفيها إثبات الربوبية لله عز وجل.
الرحمن الرحيم
- الرَّحمَن مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ شَمِلَتْ رَحْمَتُهُ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ الَّذِى يَرْحَمُ الْمُؤْمِنِينَ فَقَطْ فِي الآخِرَةِ
- الرَّحِيمُ هُوَ الَّذِى يَرْحَمُ الْمُؤْمِنِينَ.
مالك يوم الدين
أَيْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَالِكُ وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي الْمَخْلُوقَاتِ كَيْفَ يَشَاءُ، وَيَوْمُ الدِّينِ هُوَ يَوْمُ الْجَزَاءِ، وهو أشد الأيام التي خلقها الله وأشقها، إلا على من سلمه الله وهون عليه.
إياك نعبد وإياك نستعين
أَيْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَحْدَهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ أَنْ يُتَذَلَّلَ لَهُ نِهَايَةُ التَّذَلُّلِ وَهُوَ الَّذِى يُطْلَبُ مِنْهُ الْعَوْنُ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ وَدَوَامِ الْهِدَايَةِ لِأَنَّ الْقُلُوبَ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَد عَرَف الصُّلَحاءُ مِن هَذِه الأُمَّة هَذَا المَعنى فَانقَطَعُوا لِعِبَادَة اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وتَجَرَّدُوا لَهَا، وكانَت استِعَانَتُهم بِاللهِ تعَالَى فَهُو خَيرُ مَن يُستَعَانُ بِه وَيُلتَجَأُ إِلَيهِ سُبحَانَه.
⚠️ تنبيه
لَيسَ معنَى قَولِه تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أنه لا يُتَوَسَّلُ بِالأَنبِيَاءِ والأولياء والصالحين، لا، بل إنه ثبت في العقل والنقل جواز ذلك من باب الأخذ بالأسباب، والأخذ بالأسباب مع اعتقاد أن الله خالق كل شيء لا يعارِضُ الدين ولا يقدح في التوحيد وهو أمر جائِزٌ مُجمَعٌ على جَوَازِه.
فمعنى الآية إذًا: نحن نطلب منك يا رب أن تخلق لنا العون وهذا لا يقدر عليه أحد غيرك، وقد حثنا الشرع الحنيف على أن نسأل الله كل شيء نريده من خيري الدنيا والآخرة وعلى هذا كان السلف الصالح رضوان الله عليهم.
وفي قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ الحث لِلعباد على أن يستعينوا بالله القادر على كل شيء.
اهدنا الصراط المستقيم
أَيْ أَكْرِمْنَا بِاسْتِدَامَةِ الْهِدَايَةِ عَلَى الإِسْلامِ وثَبِّتنَا عَلَيهِ.
⚠️ تَوضِيحٌ وَتَنبِيهٌ
الصراط المستقيم أي الإسلامُ، وهو دينُ اللَّهِ الذي رضيه لعباده الصالحين وهو دين الله في الأرض والسماء، وهو الَّذي كانَ عليهِ جميعُ الرسلِ، فلم ينزل جبريل على نبي من الأنبياء بغير الإسلام، كما قالَ سيدنا نوحٌ عليه الصلاة والسلام: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وقد وصف النبيُّ ﷺ الأنبِياءَ بِقَولِه: “دِيْنُهُمْ وَاحِدٌ“، رواه البخاري.
والشيطانُ يريد أن يُبعِدَنا عن الصراط المستقيم وهو يأمرُ بسلوكِ الطرقِ المُنحَرِفَةِ عن الصراطِ المستقيم، فهنيئا لمن غلب الشيطان وثبت على الإسلام ففيه نَجَاتُنَا مِن الخُلُود فِي النِيران.
صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين
وصفَ اللهُ في سُورةِ الفاتحةِ الصراطَ بأنَّه ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ دِينَ الَّذِينَ أَكْرَمْتَهُمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمَلائِكَةِ وَهُوَ الإِسْلامُ.
وهذا بمثابة زيادة توضيح لحال من خُتِمَتْ سورة الفاتحة بذكرهم ومن خُتِمَت في الاستعاذة من طريقهم، فالذين أنعم الله عليهم هم الذين رضي لهم الإسلام دينا وهم أهل السنة والجماعة فهم عدول دائما بين أطراف شذوذ، هم جمهور هذه الأمة الأشاعرة والماتريدية، فأهل السنة والجماعة ممن كانوا على هذه العقيدة قد أنعم الله عليهم وظهر هذا الإنعام في حياتهم وبعد وفاتهم.
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وَهُمُ الْيَهُودُ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وَهُمُ النَّصَارَى.
وَمَعْنَى الْغَضَبُ فِي صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِرَادَةُ الْعُقُوبَةِ.
فوصفت الآية الكريمة اليهودَ بأنهم مغضوب عليهم، واستحقوا هذا الوصف لأنهم كفروا بالله فتجرؤوا على تشبيه الله بخلقه.
كلمة ءامين
ءَامِين لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْءَانِ إِجْمَاعًا وَمَعْنَاهَا اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ.
والله أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين.