بداية باب النهي عن البدع ومحدثات الأمور

المقدمة

الحَمدُ للهِ العَلِيِّ الأَعلَى الوَهَّابِ، ‌خَالِقِ ‌الأَسبَابِ وَمُجرِي السَّحَابِ، حَفِظَ الأَرضَ بِالجِبَالِ مِنَ الاضطِرَابِ، وَقَهَرَ الجَبَّارِينَ وَذَلَّلَ الصِّعَابَ، أَنزَلَ القُرآنَ يَحُثُّ فِيهِ عَلَى اكتِسَابِ الثَّوَابِ، وَزَجَرَ فِيهِ عَن أَسبَابِ العِقَابِ، أَحمَدُهُ عَلَى رَفعِ الشَّكِّ وَالارتِيَابِ، وَأُقِرُّ لَهُ بِالتَّوحِيدِ إِقرَارًا نَافِعًا يَومَ الحِسَابِ، وَأَعتَرِفُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ خَيرُ مَن دَاسَ عَلَى التُّرَابِ، صلى الله وسلم عليه وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ خَيرِ الأَصحَابِ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي إِذَا ذُكِرَ فِي مَجلِسٍ طَابَ، وَعَلَى عُثمَانَ المَقتُولِ ظُلمًا وَمَا تَعَدَّى الصَّوَابَ، وَعَلَى عَلِيٍّ البَدرِ يَومَ بَدرٍ وَالصَّدرِ يَومَ الأَحزَابِ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَالأَصحَابِ، اللَّهُمَّ يَا مَن ذَلَّت لَهُ جَمِيعُ الرِّقَابِ، وَجَرَت بِأَمرِهِ السَّحَابُ، أَلهِمنَا عِندَ السُّؤَالِ صَحِيحَ الجَوَابِ، وَارزُقنَا وَالقَارِئِينَ عِمَارَةَ القُلُوبِ مِنَ الخَرَابِ، بِرَحمَتِكَ يَا كَرِيمُ يَا بَرُّ يَا تَوَّابُ، أَمَّا بَعدُ:

فَقَد أَنهَى الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بَابًا فِي وُجُوبِ الِانقِيَادِ لِحُكمِ اللهِ وَمَا يَقُولُهُ مَن دُعِيَ إِلَى ذَلِكَ وَأُمِرَ بِمَعرُوفٍ أَو نُهِيَ عن منكر،

 بَدَأَ بِبَابٍ فِي النَّهْيِ عَنِ الْبِدَعِ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، وَهُوَ بِهَذَا التَّرْتِيبِ رَحِمَهُ اللَّهُ، يُرْشِدُ الْقَارِئَ لِكِتَابِهِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ: أَنْ يَبْقَى مُنْقَادًا لِحُكْمِ اللهِ، ثَابِتًا عَلَى مَا جَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مُجْتَنِبًا أَيَّ طَرِيقٍ يُبْتَدَعُ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

فسنَقْرَأُ مَا صَدَّرَ بِهِ الْبَابَ مِنْ آيَاتٍ قُرْآنِيَّةٍ، كَعَادَتِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تُؤَدِّي الْمَقْصُودَ وَالْمَطْلُوبَ، ثُمَّ مَا يَتْبَعُهُ مِمَّا يُوصِلُ الْمَعْنَى مِنْ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ.

بداية الباب مع الشرح

قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: بَابٌ فِي النَّهيِ عَنِ البِدَعِ وَمُحدَثَاتِ الأُمُورِ:

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَمَاذَا بَعدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس: 32]، وَقالَ تَعَالَى: {مَا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ} [الأنعام: 38]، وَقالَ تَعَالَى: {فَإِن تَنَازَعتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] أَيِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقالَ تَعَالَى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُستَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]، وَقالَ تَعَالَى: {قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللهُ وَيَغفِر لَكُم ذُنُوبَكُم} [آل عمران:31] وَالآياتُ في البَابِ كَثيرةٌ مَعلُومَةٌ.

بَابٌ فِي النَّهيِ (النَّهْيُ فِي الشَّرِيعَةِ وَاللُّغَةِ لَا يَكُونُ دَائِمًا عَلَى مَعْنَى التَّحْرِيمِ، بَلْ يَكُونُ أَحْيَانًا عَلَى مَعْنَى الْكَرَاهَةِ، وَأَحْيَانًا عَلَى مَعْنَى الْحُرْمَةِ. 

قَالَ الْأُصُولِيُّونَ فِيمَا يُفِيدُهُ النَّهْيُ الْمُطْلَقُ: فِيهِ مَذَاهِبُ، أَصَحُّهَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي التَّحْرِيمِ. قَالَ الْبُرْمَاوِيُّ: وَهَذَا مَا تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، فَفِي الرِّسَالَةِ فِي بَابِ الْعِلَلِ فِي الْحَدِيثِ مَا نَصُّهُ: «وَمَا نُهِيَ عَنْهُ فَهُوَ عَلَى التَّحْرِيمِ حَتَّى تَأْتِيَ دَلَالَةٌ عَنْهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَ التَّحْرِيمِ». وَفِي الْأُمِّ فِي كِتَابِ صِفَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ كُلَّ مَا نَهَى عَنْهُ فَهُوَ مُحَرَّمٌ حَتَّى تَأْتِيَ دَلَالَةٌ أَنَّهُ بِمَعْنَى غَيْرِ التَّحْرِيمِ». وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ. وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: «قَطَعَ الشَّافِعِيُّ قَوْلَهُ بِأَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ قَوْلًا وَاحِدًا، حَتَّى يَرِدَ مَا يَصْرِفُهُ، وَلَهُ فِي الْأَمْرِ قَوْلَانِ». اهـ. 

وَقَالَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ أَيْضًا: تَرِدُ صِيغَةُ النَّهْيِ لِمَعَانٍ، مِنْهَا التَّحْرِيمُ، نَحْوُ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾، وَالْكَرَاهَةُ، نَحْوُ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾، وَلِلْإِرْشَادِ، نَحْوُ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، وَتَرِدُ الصِّيغَةُ لِلدُّعَاءِ، نَحْوُ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾، وَلِبَيَانِ الْعَاقِبَةِ، نَحْوُ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾، أَيْ: عَاقِبَةُ أَمْرِهِمُ الْحَيَاةُ لَا المَوْتُ. 

وَلِلتَّقْلِيلِ، نَحْوُ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾، أَيْ: فَهُوَ قَلِيلٌ بِخِلَافِ مَا عِنْدَ اللهِ. 

وَلِلِاحْتِقَارِ، نَحْوُ: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، وَالمُرَادُ تَحْقِيرُ شَأْنِ الْمُخَاطَبِ بِهَذَا النَّهيِ. وَلِليَأسِ، نَحْوُ: ﴿لَا تَعتَذِرُوا اليَومَ﴾.اهـ)

عَنِ البِدَعِ (البِدعَةُ لُغَةً: مَا أُحدِثَ عَلَى غَيرِ مِثَالٍ سَابِقٍ. وَشَرعًا: المُحدَثُ الَّذِي لَم يَنُصَّ عَلَيهِ القُرآنُ وَلَا الحَدِيثُ.

والدَّلِيلُ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ عَلَى البِدعَةِ الحَسَنَةِ: قَولُهُ تَعَالَى فِي مَدحِ المُؤمِنِينَ مِن أُمَّةِ سَيِّدِنَا عِيسَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأفَةً وَرَحمَةً وَرَهبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبنَاهَا عَلَيهِم إِلَّا ابتِغَاءَ رِضوَانِ اللهِ﴾، فَاللهُ امتَدَحَ المُسلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى شَرِيعَةِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ لِأَنَّهُم كَانُوا أَهلَ رَحمَةٍ وَرَأفَةٍ، وَلِأَنَّهُمُ ابتَدَعُوا الرَّهبَانِيَّةَ، وَهِيَ الِانقِطَاعُ عَنِ الشَّهَوَاتِ المُبَاحَةِ زِيَادَةً عَلَى تَجَنُّبِ المُحَرَّمَاتِ، حَتَّى إِنَّهُمُ انقَطَعُوا عَنِ الزِّوَاجِ وَتَرَكُوا اللَّذَائِذَ مِنَ المَطعُومَاتِ وَالثِّيَابَ الفَاخِرَةَ وَأَقبَلُوا عَلَى الآخِرَةِ إِقبَالًا تَامًّا، فَاللهُ امتَدَحَهُم عَلَى هَذِهِ الرَّهبَانِيَّةِ مَعَ أَنَّ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ لَم يَنُصَّ لَهُم عَلَيهَا. 

أَمَّا قَولُهُ تَعَالَى فِي بَقِيَّةِ الآيَةِ: ﴿فَمَا رَعَوهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ فَلَيسَ فِيهَا ذَمٌّ لَهُم وَلَا لِلرَّهبَانِيَّةِ الَّتِي ابتَدَعَهَا أُولَئِكَ الصَّادِقُونَ المُؤمِنُونَ، بَل ذَمٌّ لِمَن جَاءَ بَعدَهُم مِمَّن قَلَّدَهُم فِي الِانقِطَاعِ عَنِ الشَّهَوَاتِ مَعَ الشِّركِ أَي مَعَ عِبَادَةِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَأُمِّهِ.

 وأَقوَالُ وَأَفعَالُ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ تَدُلُّ عَلَى البِدعَةِ الحَسَنَةِ: فَقَد أَحدَثَ الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ المَرضِيُّونَ أَشيَاءَ لَم يَفعَلهَا الرَّسُولُ ﷺ وَلَا أَمَرَ بِهَا مِمَّا يُوَافِقُ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، فَكَانُوا قُدوَةً لَنَا فِيهَا، فَهَذَا أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ يَجمَعُ القُرآنَ وَيُسَمِّيهِ بِالمُصحَفِ، وَهَذَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يَجمَعُ النَّاسَ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ عَلَى إِمَامٍ وَاحِدٍ وَيَقُولُ عَنهَا: «نِعمَتِ البِدعَةُ هَذِهِ»، وَهَذَا عُثمَانُ بنُ عَفَّانٍ يَأمُرُ بِالأَذَانِ الأَوَّلِ لِصَلَاةِ الجُمُعَةِ، وَهَذَا الإِمَامُ عَلِيٌّ يُنقَطُ المُصحَفُ وَيُشَكَّلُ فِي زَمَانِهِ عَلَى يَدِ يَحيَي بنِ يَعمُرَ، وَهَذَا عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ يَعمَلُ المَحَارِيبَ وَالمَآذِنَ لِلمَسجِدِ، كُلُّ هَذِهِ لَم تَكُن فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَهَل سَيَمنَعُهَا هَؤلَاءِ فِي أَيَّامِنَا هَذِهِ؟ أَو أَنَّهُم سَيَتَحَكَّمُونَ فَيَستَبِيحُونَ أَشيَاءَ وَيُحَرِّمُونَ أَشيَاءَ؟! وَقَد فَعَلُوا ذَلِكَ، فَإِنَّهُم حَرَّمُوا المَولِدَ وَأَبَاحُوا نَقطَ المُصحَفِ وَتَشكِيلَهُ، وَأَبَاحُوا أَشيَاءَ كَثِيرَةً مِمَّا لَم يَفعَلهَا الرَّسُولُ ﷺ، كَالرُّزنَامَاتِ وَمَوَاقِيتِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَم تَظهَر زَمَنَ الرَّسُولِ ﷺ وَزَمَنَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، وَهُم يَشتَغِلُونَ بِهَا وَيَنشُرُونَهَا بَينَ النَّاسِ. 

وَكَذَلِكَ أَقوَالُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ تَدُلُّ عَلَى البِدعَةِ الحَسَنَةِ: قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «المُحدَثَاتُ مِنَ الأُمُورِ ضَربَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا أُحدِثَ مِمَّا يُخَالِفُ كِتَابًا أَو سُنَّةً أَو إِجمَاعًا أَو أَثَرًا، فَهَذِهِ البِدعَةُ الضَّلَالَةُ، وَالثَّانِيَةُ: مَا أُحدِثَ مِنَ الخَيرِ وَلَا يُخَالِفُ كِتَابًا أَو سُنَّةً أَو إِجمَاعًا، وَهَذِهِ مُحدَثَةٌ غَيرُ مَذمُومَةٍ»، رَوَاهُ البَيهَقِيُّ بِالإِسنَادِ الصَّحِيحِ فِي كِتَابِهِ مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ)

وَمُحدَثَاتِ الأُمُورِ (أَيِ الأُمُورُ الَّتِي أُحدِثَت بَعدَ الرَّسُولِ ﷺ) (وَإِنَّ النَّاظِرَ إِلَى اسْمِ الْبَابِ هُنَا يَعْلَمُ أَنَّ النَّهْيَ يَتَوَجَّهُ إِلَى الْبِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ، وَإِلَى الْمُحْدَثَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلْأُصُولِ وَلِلشَّرِيعَةِ، لَا لِكُلِّ مَا حَدَثَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ):

قَالَ الله تَعَالَى: {فَمَاذَا بَعدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلال} [يونس: 32] (أَوَّلًا أَذْكُرُ هُنَا السَّبَبَ الَّذِي قَدْ يَكُونُ جَعَلَ الْحَافِظَ النَّوَوِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَبْدَأُ بِهَذِهِ الْآيَةِ هَذَا الْبَابَ، 

وَهُوَ كَأَنَّهُ يَقُولُ: الْتَزِمْ طَرِيقَ الْحَقِّ الْوَاضِحَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ وَشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَبَعْدَ هَذَا: أَيُّ طَرِيقٍ غَيْرُ هَذَا الْحَقِّ لَنْ تَجِدَ بَعدَهُ إِلَّا طَرِيقَ الضَّلَالِ وَالْبَاطِلِ، وَالْعِيَاذُ بِاللهِ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَزِيغَ عَنِ الْحَقِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَالْتَزِمْهُ وَتَمَسَّكْ بِهِ، وَلَا تَحِدْ عَنْهُ رَفَّةَ عَيْنٍ، لِأَنَّ غَيْرَهُ ضَلَالٌ، وَالْعِيَاذُ بِاللهِ) (وَبِدَايَةُ هَذِهِ الآيَةِ قَولُهُ تَعَالَى: [فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا ‌بَعْدَ ‌الحَقِّ ‌إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ]، فَهَذِهِ الآيَةُ فِيهَا وَصفُ اللهِ بِأَنَّهُ الحَقُّ، وَالحَقُّ مِن أَسمَاءِ اللهِ الحُسنَى هُوَ الثَابِتُ الوُجُودِ الَّذِي لَا شَكَّ فِي وُجُودِهِ، اللهُ تَعَالَى ثَابِتُ الوُجُودِ، أَي وُجُودُهُ ثَابِتٌ بِالعَقلِ وَالنَّقلِ، وَالدَّلِيلُ العَقلِيُّ عَلَى وُجُودِ اللهِ تَعَالَى: هُوَ مَا أَشَارَ إِلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَد صَحَّ أَنَّهُ قَالَ عَن قَولِهِ تَعَالَى: [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِم وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خلق السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرضِ رَبَّنَا مَا خلقت هَٰذَا بَٰاطِلًا سُبحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ]، «وَيلٌ لِمَن قَرَأَهَا وَلَم يَتَفَكَّر فِيهَا»، فَإِنَّ النَّظَرَ فِي مَخلُوقَاتِ اللهِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الخَالِقِ وَوَحدَانِيَّتِهِ، وَقَد قَالَ عُلَمَاءُ أَهلِ السُّنَّةِ إِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَن يَكُونَ فِي قَلبِهِ الدَّلِيلُ الإِجمَالِيُّ عَلَى وُجُودِ اللهِ، فَالوَاحِدُ مِنَّا يَعرِفُ مِن نَفسِهُ أَنَّهُ لَم يَكُن مَوجُودًا فِي وَقتٍ مِنَ الأَوقَاتِ ثُمَّ وُجِدَ وَخُلِقَ، وَمَن كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ وَأَنَّهُ مُحتَاجٌ إِلَى مَن أَوجَدَهُ بَعدَ أَن لَم يَكُن لِأَنَّ العَقلَ السَّلِيمَ يَحكُمُ بِأَنَّ وُجُودَ الشَّيءِ بَعدَ عَدَمِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُحتَاجٌ إِلَى مُوجِدٍ لَهُ، وَهَذَا المُوجِدُ هُوَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

فهَذَا العَالَمُ مُتَغَيِّرٌ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ، الهَوَاءُ يَهُبُّ تَارَةً وَيَسكُنُ تَارَةً وَيَسخُنُ وَقتًا وَيَبرُدُ فِي وَقتٍ ءَاخَرَ وَتُشرِقُ الشَّمسُ مِنَ المَشرِقِ وَتَغرُبُ مِنَ المَغرِبِ وَتَكُونُ الشَّمسُ فِي وَسَطِ النَّهَارَ بَيضَاءَ وَفِي ءَاخِرِهِ صَفرَاءَ، فَكُلُّ هَذِهِ التَّغَيُّرَاتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الأَشيَاءَ حَادِثَةٌ مَخلُوقَةٌ لَهَا مُغَيِّرٌ غَيَّرَهَا وَطَوَّرَهَا، وَهَذِهِ الأَشيَاءُ أَجزَاءٌ مِن هَذَا العَالَمِ فَهَذَا العَالَمُ مَخلُوقٌ حَادِثٌ مُحتَاجٌ إِلَى مَن خَلَقَهُ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى.

 فَلَو قَالَ مُلحِدٌ لَا يُؤمِنُ بِوُجُودِ اللهِ: نَحنُ لَا نَرَى اللهَ فَكَيفَ تُؤمِنُونَ بِوُجُودِهِ؟ يُقَالُ لَهُ إِن لَم تَكُن تَرَاهُ فَانَّ ءَاثَارَ فِعلِهِ كَثِيرَةٌ، فَوُجُودُ هَذَا العَالَمِ وَمَا فِيهِ مِنَ المخلُوقَاتِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ اللهِ، فَالكِتَابُ لَا بُدَّ لَهُ مِن كَاتِبٍ، وَالبِنَاءُ لَا بُدَّ لَهُ مَن بَنَّاءٍ، وَكَذَلِكَ هَذَا العَالَمُ لَا بُدَّ لَهُ مِن خَالِقٍ خَلَقَهُ وَأَوجَدَهُ، وَأَمَّا كَونُكَ لَا تَرَاهُ فَلَيسَ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ وُجُودِهِ، فَكَم مِنَ الأَشيَاءِ الَّتِي تُؤمِنُ بِوُجُودِهَا وَأَنتَ لَا تَرَاهَا، وَمِن ذَلِكَ عَقلُكَ وَرُوحُكَ وَأَلَمُكَ وَفَرَحُكَ. 

يُروَى أَنَّ بَعضَ المَلَاحِدَةِ دَخَلُوا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرَادُوا الفَتكَ بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَفتَأُ يَرُدُّ ضَلَالَاتِهِم وَيَفضَحُ زَيغَهُم، فَقَالَ لَهُم: أَجِيبُونِي عَلَى مَسأَلَةٍ ثُمَّ افعَلُوا مَا شِئتُم، فَقَالُوا لَهُ: هَاتِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ يَقُولُ لَكُم: إِنَّي رَأَيتُ سَفِينَةً مَشحُونَةً بِالأَحمَالِ مَملُوءَةً بِالأَثقَالِ قَدِ احتَوَشَتهَا فِي لُجَّةِ البَحرِ أَموَاجٌ مُتَلَاطِمَةٌ وَرِيَاحٌ مُختَلِفَةٌ وَهِيَ مِن بَينِهَا تَجرِي مُستَوِيَةً لَيسَ لَهَا مَلَّاحٌ يُجرِيهَا وَلَا مُدَبِّرٌ يُدَبِّرُ أَمرَهَا هَل يَجُوزُ ذَلِكَ فِي العَقلِ؟ قَالُوا: لَا، هَذَا شَيءٌ لَا يَقبَلُهُ العَقلُ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: سُبحَانَ اللهِ إِذَا لَم يُجِزِ العَقلُ سَفِينَةً تَجرِي مِن غَيرِ مَلَّاحٍ يُدِيرُهَا فِي جَرَيَانِهَا، فَكَيفَ يَجُوزُ قِيَامُ هَذِهِ الدُّنيَا عَلَى اختِلَافِ أَحوَالِهَا وَتَغَيُّرِ أَعمَالِهَا وَسَعَةِ أَطرَافِهَا مِن غَيرِ صَانِعٍ وَحَافَظٍ؟! فَبَكَوا جَمِيعًا وَقَالُوا: صَدَقتَ وَأَغمَدُوا سُيُوفَهُم وَتَابُوا بِالإِسلَامِ.اهـ 

ومما يدل على هذا المعنى ما قَالَهُ تَعَالَى: [وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ]، فَتَأمَّل تُربَةً تُسقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَتَأثِيرُ الشَّمسِ فِيهَا مُتَسَاوٍ، وَالثِّمَارُ الَّتِي تَجِيءُ مِنهَا مُختَلِفَةٌ فِي الطَّعمِ وَاللَّونِ وَالطَّبِيعَةِ وَالشَّكلِ وَالرَّائِحَةِ وَالمَنَافِعِ وَالخَاصِّيَّةِ مَعَ العِلمِ أَنَّ الأَرضَ وَاحِدَةٌ وَالمَاءَ وَاحِدٌ، فَلَو كَانَ حُدُوثُ الأَشيَاءِ بِفِعلِ الطَّبِيعَةِ كَمَا يَقُولُ المُلحِدُونَ لَجَاءَت مُتَشَابِهَةً، فَإِنَّ الطَّبِيعَةَ الوَاحِدَةَ تَفعَلُ فِي الجِسمِ الوَاحِدِ فِعلًا مُتَمَاثِلًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُدُوثَ الحَوَادِثِ هُوَ بِفِعلِ قَادِرٍ مُختَارٍ عَالِمٍ، وَبِمثلِ هَذَا استَدَلَّ الإِمَامُ الشَّافِعِي رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِيمَا يُروَى عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: “وَرَقَةُ التُّوتِ رِيحُهَا وَطَعمُهَا وَلَونُهَا وَاحَدٌ، تَأكُلُ مِنهَا الغَزَالَةُ فَيَخرُجُ مِنهَا المِسكُ، وَتَأكُلُ مِنهَا دُودَةُ القَزِّ فَيَخرُجُ مِنهَا الحَرِيرُ، وَيَأكُلُ مِنهَا الجَمَلُ فَيَخرُجُ مِنهُ البَعَرُ، وَيَأكُلُ مِنهَا المَاعِزُ فَيَخرُجُ مِنهُ اللَّبَنُ أَيِ الحَلِيبُ”.اهـ وَسُئِلَ أَعرَابِيٌّ عَن وُجُودِ اللهِ فَقَالَ: البَعرَةُ تَدُلُّ عَلَى البَعِيرِ وَءَاثَارُ الأَقدَامِ تَدُلُّ عَلَى المَسِيرِ أَفَلَا يَدُلُّ هَذَا العَالَمُ عَلَى وُجُودِ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ.اهـ بَلَى تَبَارَكَ اللهُ الخَلَّاقُ العَظِيمُ.

 ثُمَّ إِنَّ العَقلَ يُدرِكُ بِالنَّظَرِ السَّلِيمِ فِي مَخلُوقَاتِ اللهِ تَعَالَى أَنَّ خَالِقَهَا لَا يُشبِهُهَا بِوَجهٍ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ خَالِقُ العَالَمِ يُشبِهُهُ بَأَيِّ وَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِجَازَ عَلَيهِ مَا يَجُوزُ عَلَى هَذَا العَالِمِ مِنَ الحُدُوثِ وَالحَاجَةِ وَالافتِقَارِ وَالتَّغَيُّرِ، لِأَنَّ المُتَشَابِهَاتِ يَجُوزُ عَلَيهَا مَا يَجُوزُ عَلَى بَعضِهَا، وَلَاحتَاجَ إِلَى مُوجِدٍ أَوجَدَهُ وَمُحدِثٍ أَحدَثَهُ، فَإِنَّ الحَادِثَ مُحتَاجٌ إِلَى مَن أَوجَدَهُ وَخَصَّصَهُ بِمَا هُوَ عَلَيهِ مِنَ الهَيئَةِ وَالصُّورَةِ، وَالمُتَغَيِّرُ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ مُحتَاجٌ إِلَى مَن يُغَيِّرُهُ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ وَالمتَحَيِّزُ فِي المَكَانِ وَالجِهَةِ لاَ بُدَّ أَن يَكُونَ جِسمًا وَافتِقَارُ الجِسمِ إِلَى مَن حَدَّهِ بِهَذَا المِقدَارِ مِن طُولٍ وَعَرضٍ وَسَمكٍ وَاضِحٌ لَا لَبسَ فِيهِ لِصَاحِبِ عَقلٍ سَلِيمٍ، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَن ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُحتَاجًا لِشَيءٍ مِنَ الأَشيَاءِ لَكَانَ مَخلُوقًا حَادِثًا وَلَم يَكُن إِلَهًا أَزَلِيًّا) 

(وَهُنَا أَذْكُرُ إِشَارَةً أَخْتِمُ بِهَا تَفْسِيرِي لِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَهِيَ التَّذْكِيرُ بِأَنَّ الْحَقَّ مَا جَاءَ بِهِ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَإِثْبَاتُ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، أَذْكُرُ مِنْهَا: التَّذْكِيرَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ خَالِقُنَا، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَصَالِحِنَا وَمَا يُصْلِحُ أُمُورَنَا فِي دُنْيَانَا وَآخِرَتِنَا، وهذا هو الْحَقُّ الْمَقْصُودُ الَّذِي يَدَّعِيهِ كَثِيرُونَ، وَمَا أَبْعَدَهُمْ عَنْهُ. وَأَوْحَى اللَّهُ بِهِ لِلْأَنْبِيَاءِ، وَخَتَمَهُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَتَكَلَّمَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَوَصَفَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّهُ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. وَأَغْلَبُ النَّاسِ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَبِهِ يُنَادُونَ وَإِلَيْهِ يَسْعَوْنَ ظَاهِرًا، وَلَكِنْ أَكْثَرُهُمْ بَعِيدُونَ عَنْهُ مَصْرُوفُونَ عَنْهُ، فَقَدْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.

 يَا أَحْبَابِي: أَقُولُ لَكُمْ عَلَى مَا رَأَيْتُ وَجَرَّبْتُ وَخَبَرْتُ: كُلٌّ يَرَى الْحَقَّ مِنْ جِهَتِهِ، وَكُلٌّ يَدَّعِي الْحَقَّ، وَلَكِنْ لَيْسَ الْكُلُّ أَصَابَ وَسَدَّدَ وَأُعِينَ عَلَى مَعْرِفَةِ الحَقِّ مِنْ وُجُوهِهِ. فَالْحَقُّ يَتَّضِحُ فِي نَظَرِ الْبَعْضِ، وَيَخْفَى وَيَلْتَبِسُ وَيَشْتَبِهُ فِي نَظَرِ الْأَكْثَرِينَ، وَهَذَا مِنَ الْفِتَنِ الَّتِي افْتُتِنَ بِهَا أَكْثَرُ النَّاسِ هَذِهِ الْأَيَّامَ وَقَبْلَ هَذِهِ الْأَيَّامِ. 

وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. وَالْحِكْمَةُ مِنْ هَذِهِ الْفِتَنِ الَّتِي تَنْزِلُ وَتَكْثُرُ مَعَ الْوَقْتِ، هُوَ مَا قَالَهُ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، أَيْ: لِيَمِيْزَهُ لَكُمْ فَتَعْلَمُوهُ، أَمَّا هُوَ سُبْحَانَهُ فَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ. وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، مِنْ أَوْضَحِهَا أَنَّنَا نَرَى فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ كَمْ مِنْ أَعْدَاءِ الدِّينِ يَقْتُلُونَ الْمُسْلِمِينَ وَيُرِيقُونَ دِمَاءَهُمْ وَيَسْتَبِيحُونَ بِلَادَهُمْ، وَهَؤُلَاءِ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَبِهِ يُنَادُونَ صُورَةً، وَيَقْتُلُونَ الْأَطْفَالَ وَالنِّسَاءَ، وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ بِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللهِ، وَالْعِيَاذُ بِاللهِ، وَلَا يُسَاوِرُ قَلْبَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ شَكٌّ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ، وَهُوَ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْهُ. وَلَكِنْ نَزَلَتِ الْفِتَنُ حَتَّى نُمَيِّزَ نَحْنُ وَيَظْهَرَ لَنَا مَنْ الْخَبِيثُ وَمَنْ الطَّيِّبُ، فَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا، وَيَسْتَقِرَّ التَّسْلِيمُ لِأَمْرِ اللهِ فِي قُلُوبِهِمْ، وَيَزْدَادَ الَّذِينَ كَفَرُوا بُعْدًا فَوْقَ بُعْدِهِمْ. 

وَهَذَا التَّقْسِيمُ ذَكَرَهُ رَبُّنَا فِي كِتَابِهِ، حَيْثُ يَقُولُ: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾. فَإِذَا كُنْتَ فِعْلًا عَلَى الْحَقِّ وَبِهِ تُنَادِي، وَلَمْ يَلْتَبِسْ عَلَيْكَ الْأَمْرُ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ مُوَفَّقٌ مُسَدَّدٌ مُعَانٌ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ لَكَ، فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي يَخْلُقُ الْهُدَى وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ لِمَا يَشَاءُ، فَاحْمَدِ اللَّهَ أَنْ جَعَلَكَ فِي صَفِّ أَهْلِ الْحَقِّ قَوْلًا وَفِعْلًا وَاعْتِقَادًا، وَاثْبُتْ عَلَى هَذَا. 

وَهَذِهِ أُمُورٌ تَنْكَشِفُ لِلْجَمِيعِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتَلْتَبِسُ عَلَى الْأَكْثَرِينَ فِي الدُّنْيَا. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّدَادَ وَالتَّوْفِيقَ) 

وَقالَ تَعَالَى: {مَا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ} [الأنعام: 38] (أي في اللوح المحفوظ فإنه أثبت فيه ما يقع من الحوادث. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ: مَا تَرَكْنَا شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ كَتَبْنَاهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ. اهـ وقيل: أي في القرآن أي ما تركنا شيئاً من أمر الدين إلا وقد دَلَلْنَا عليه في القرآن؛ إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يُتَلقّى بيانها من الرسول عليه الصلاة والسلام، أو من الإجماع، أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب؛ قال الله تعالى: [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ] أَيْ: لِكُلِّ شَيْءٍ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي أَمْرِ الدِّينِ.اهـ) 

(مُخْتَصَرُ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَنْفَعُكُمْ تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَا تَصْرِفُوا أَذْهَانَكُمْ وَأَوْقَاتَكُمْ فِي طَلَبِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ الْوَاضِحُ. فإِذَا أَرَدْتُمُ الْحَقَّ فَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾. إِذَا أَرَدْتُمُ النَّجَاةَ فَهِيَ فِي كِتَابِ اللهِ)، 

وَقالَ تَعَالَى: {فَإِن تَنَازَعتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] أيِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (وَهَذَا أَمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَنَازَعَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ أَنْ يُرَدَّ التَّنَازُعُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾ [الشُّورَى: 10]. فَمَا حَكَمَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَشَهِدَا لَهُ بِالصِّحَّةِ فَهُوَ الْحَقُّ، وَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ. 

وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، أَيْ: رُدُّوا الْخُصُومَاتِ وَالْجَهَالَاتِ إِلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِمَا فِيمَا شَجَرَ بَيْنَكُمْ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَحَاكَمْ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا يَرْجِعْ إِلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ، رَادًّا لِحُكْمِ اللهِ، فَلَيْسَ مُؤْمِنًا بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) (فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾، بَيَانُ طَرِيقِ النَّجَاةِ مِنَ الْفِتَنِ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْعَقِيدَةِ. فَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْآرَاءُ وَرَأَيْتَ ابْتِدَاعَ الْعَقَائِدِ، فَرُدَّ الْأَمْرَ بِرُمَّتِهِ إِلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، تَجِدُ طَرِيقَ النَّجَاةِوَالْخَلَاصِ مِنْ شُؤْمِ الْفِتَنِ. 

فَبَعْدَ وَفَاةِ نَبِينَا ﷺ وَفِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، بَدَأَتِ الْفِتَنُ فِي الْعَقَائِدِ وَانْتَشَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَثُرَتْ وَتَنَوَّعَتْ أَسْلِحَةُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ بِهَا الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ. 

وَمِنْ أَخْطَرِهَا مِمَّا جَاءَ وَظَهَرَ فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي الْهِجْرِيِّ: بِدْعَةُ الْقَوْلِ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، وَالْعِيَاذُ بِاللهِ، وَمِنْ أَوَّلِ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا وَابْتَدَعَهَا جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ، أَبُوْ مُحْرِزٍ الرَّاسِبِيُّ، أُسُّ الضَّلَالَةِ، وَرَأْسُ الْجَهْمِيَّةِ، كَانَ صَاحِبَ جِدَالٍ، كَانَ يُنْكِرُ صِفَاتِ اللهِ، وَيُنَزِّهُ البَارِئَ عَنْهَا بِزَعْمِهِ، وَيَقُوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَإِنَّ اللهَ فِيْ الْأَمْكِنَةِ كُلِّهَا، وَمِنْ عَقَائِدِ الْجَهْمِيَّةِ أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ تَفْنَيَانِ، وَالْإِنْسَانُ مُجْبَرٌ عَلَىْ أَفْعَالِهِ. قَالُوا عَنْهُ: الضّالُّ الْمُبْتَدِعُ، هَلَكَ فِيْ زَمَانِ صِغَارِ التَّابِعِيْنَ وَقَدْ زَرَعَ شَرًّا عَظِيْمًا. مَاتَ سَنَةَ 128.

وَرَوَىْ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيْدِ الْحِمَّانِيُّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا حَنِيْفَةَ يَقُوْلُ: جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ الْخُرَاسَانِيُّ كَافِرٌ.اهـ

وَمِن أَفسَدِ مَا نُقِلَ عَنهُ قَولُهُ بِالحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، وَمَن يَقُولُونَ بِهَذِهِ المَقَالَاتِ يُسَمُّونَهُم أَهلَ الوَحْدَة المطْلَقَة وَيُسَمُّونَهُمْ أَهْلَ الحُلُول زَلُّوا فِي كُلِّ هَذَا. فَأَهْلُ الوَحْدَة يَقُولُونَ: العَبْدُ هُوَ الرَّبُّ، وَالرَّبُّ هُوَ العَبْدُ!! وَأَهْلُ الحُلُولِ يَقُولُونَ: الرَّبُّ يَدْخُلُ فِي العَبْد! هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ أَكْفَرِ خَلْقِ الله وَلَوِ انْتَسَبُوا إِلَى الإِسْلام، هَؤُلَاءِ قَالُوا إِنَّ اللهَ يَتَّحِدُ مَعَ العَبدِ الذِي يَصِيرُ وَلِيًّا.

فَلْيُعْلَمْ أَنَّ الغُلُوَّ فِي الدِّينِ مَمنُوعٌ، وَالغُلُوُّ مُجَاوَزَةُ الحَدِّ، وَمِنَ الغُلُوِّ مَا هُوَ كُفرٌ وَخُرُوجٌ عَنِ المِلَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فَإِنَّ الانْحِرَافَ عَنِ الإِسلَامِ بِدَعوَى التَّصَوُّفِ وَبِدَعوَى مَدحِ الرَّسُولِ ﷺ غَيرُ مَقبُولٍ، وَقَدْ رَفَضَهُ أَشيَاخُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ الكَرِيمَةِ، فَقَدْ حَذَّرُوا مِرَارًا وَتَكْرَارًا مِنَ الْمُنْحَرِفِينَ القَائِلِينَ بِوَحدَةِ الوُجُودِ وَالقَائِلِينَ بِالحُلُولِ وَالْمُغَالِينَ فِي الْمَشَايِخِ إِلَى حَدِّ مُخَالَفَةِ الشَّرعِ الحَنِيفِ. 

وَذَلِكَ لِأَنَّ عَقِيدَةَ السَّادَةِ الصُّوفِيَّةِ الحَقِيقِيِّينَ الصَّادِقِينَ وَالأَولِيَاءِ الْمُقَرَّبِينَ هِيَ التَّمَسُّكُ بِعَقِيدَةِ الْمُسلِمِينَ وَالأَمْرُ بِالوَاجِبَاتِ وَاجتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ وَالتِزَامُ نَهْجِ الصَّالِحِينَ وَعَدَمُ التَّعَلُّقِ بِالدُّنيَا وَالإِقبَالُ بِهِمَّةٍ عَلَى الآخِرَةِ وَاتِّبَاعُ مَسْلَكِ الزَّاهِدِينَ.

 وَإِنَّهُ يَحِزُّ فِي أَنْفُسِنَا مَا نَرَى وَمَا نَسمَعُ مِنْ أَدعِيَاءِ التَّصَوُّفِ الذِينَ شَوَّهُوا سُمعَةَ الطُّرُقِ الصُّوفِيَّةِ، وَمِمَّا نَسْمَعُهُ مِنْ بَعْضِهِمْ، يَدَّعِي أَنَّهُ يَنْشُدُ وَيَمْدَحُ الرَّسُولَ ﷺ بِزَعْمِهِ، وَيَتَكَلَّمُ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ. يَقُولُ عَنِ اللَّهِ: أَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا الشَّجَرُ، أَنَا الْجَوْهَرُ الْمَكْنُونُ، أَنَا الْحَوَاسُ الْخَمْسُ، أَنَا الْجِهَاتُ السِّتُّ، أَنَا الْأَشْجَارُ الَّتِي تَشْتَعِلُ بِالنَّارِ، أَنَا الْكَوْنُ، أَنَا الرَّحِيقُ، أَنَا السُّكَّرُ، أَنَا الشَّمْسُ، أَنَا الْقَمَرُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَشُكُّ صَاحِبُ عَقلٍ سَلِيمٍ فِي كُفْرِ قَائِلِهِ. 

وَهِيَ بِالْأَصْلِ قَصِيدَةٌ لِوَاحِدٍ يُسَمَّى النسيْمِي فِي الْقَرْنِ الثَّامِن، قُتِلَ وَصُلِبَ، وَكَفَّرَهُ الْعُلَمَاءُ ونقلَ كُفْرَهُ وَقِصَّةَ قَتْلِهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي كِتَابِهِ إِنْبَاءُ الْغُمْرِ وَفِي الدُّرَرِ الْكَامِنَةِ، وَتِلْمِيذُهُ الْبَقَاعِيُّ وَكَذَلِكَ السُّخَاوِيّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ كَفَّرُوهُ عَلَى هَذَا. وَمَعَ كُلِّ هَذِهِ الْمُخَالَفَاتِ يُنْقَلُ عَنْهُمْ هَؤُلَاءِ، أَقْصِدُ بَعْضَ أَهْلِ الْوَحْدَةِ وَالِاتِّحَادِ ادِّعَائُهُمُ الوِلَايَةَ وَالْمَقَامَاتِ وَالأَحوَالَ وَدَرَجَةَ القُطْبِيَّةِ وَالإِرشَادَ، وَافتِرَائُهُمْ عَلَى الْمَشَايِخِ الأَجِلَّاءِ، بِكَلَامٍ جُلُّهُ افتِرَاءٌ، كَافْتِرَائِهِمْ عَلَى الشَّيخِ مُحيِ الدِّينِ بنِ عَرَبِي وَالشَّيخِ عَبدِ القَادِرِ الجِيلَانِيِّ وَالشَّيخِ أَبِي يَزِيدَ البُسطَامِيِّ وَغَيرِهِمْ مِن أَئِمَّةِ الدِّينِ وَأَعلَامِ الْمُسلِمِينَ وَسَادَةِ الصُّوفِيَّةِ الصَّادِقِينَ.

وَالكَثِيرُ مِن هَؤُلَاءِ الأَدْعِيَاءِ ارْتَدُّوا عَنِ الدِّينِ لِزَنْدَقَتِهِمْ وَانغِمَاسِهِمْ فِي مُستَنْقَعِ القَولِ بِالحُلُولِ وَالزَّندَقَةِ وَوَحْدَةِ الوُجُودِ الْمُطلَقَةِ الَّتِي حَارَبَهَا السَّادَةُ الصُّوفِيَّةُ وَأَعْلَنُوا بَرَاءَتَهُمْ مِمَّنْ يَقُولُ بِهَا وَفِي هَذَا يَقُولُ السَّيِّدُ الشَّرِيفُ أَحمَدُ الرِّفَاعِيُّ الكَبِيرُ: “كُلُّ طَرِيقَةٍ خَالَفَتِ الشَّرِيعَةَ فَهِيَ زَندَقَةٌ”. ويَقُولُ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي بَيَانِ تَكفِيرِ أَهلِ الحُلُولِ وَالوَحدَةِ المُطلَقَةِ فِي كِتَابِهِ “الحَاوِيْ لِلفَتَاوِي” 2/129.

 الحَمدُ للهِ وَسَلَام عَلَى عِبَادِهِ الذِينَ اصطَفَى، القَولُ بِالحُلُولِ وَالاتِّحَادِ الذِي هُوَ أَخُو الحُلُولِ، أَوَّلُ مَنْ قَالَ بِهِ النَّصَارَى إِلَّا أَنَّهُمْ خَصُّوهُ بِعِيسَى إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَمَّا الْمُتَوَسِّمُونَ بِسِمَةِ الإِسلَامِ فَلَمْ يَبتَدِعْ أَحَدٌ مِنهُمْ هَذِهِ البِدعَةَ إِلَى أَنْ قَالَ: “… غَيرَ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ غُلَاةِ الْمُتَصَوِّفَةِ نُقِلَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا بِمِثلِ هَذِهِ المَقَالَةِ وَمَا زَالَ العُلَمَاءُ وَمُحَقِّقُو الصُّوفِيَّةِ يَبينُونَ بُطلَانَ القَولِ بِالحُلُولِ وَالاتِّحَادِ وَيُنَبِّهُونَ عَلَى فَسَادِهِ وَيُحَذِّرُونَ مِنْ ضَلَالِهِ”. 

وَقَالَ الإِمَامُ الرَّازِيُّ فِي كِتَابِ “المُحَصّلِ فِي أُصُولِ الدِّينِ”: مَسأَلَةٌ: البَارِئُ تَعَالَى لَا يَتَّحِدُ بِغَيرِهِ، لِأَنَّهُ حَالَ الاتِّحَادِ إِنْ بَقِيَا مَوجُودَينِ فَهُمَا اثنَانِ لَا وَاحِدٌ، وَإِنْ صَارَا مَعدُومَينِ فَلَمْ يَتَّحِدَا، وَإِنْ عُدِمَ أَحَدُهُمَا وَبَقِيَ الآخَرُ فَلَمْ يَتَّحِدَا، لِأَنَّ المَعدُومَ لَا يَتَّحِدُ بِالمَوجُودِ.اهـ

وَقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِهِ “الشِّفَا” مَا مَعنَاهُ: أَجمَعَ المُسلِمُونَ عَلَى كُفرِ أَصحَابِ الحُلُولِ وَمَنِ ادَّعَى حُلُولَ البَارِئِ سُبحَانَهُ فِي أَحَدِ الأَشخَاصِ كَقَولِ بَعضِ المُتَصَوِّفَةِ، وَالبَاطِنِيَّةِ وَالنَّصَارَى وَالقَرَامِطَةِ.اهـ

وَقَالَ الشَّيخُ عِزُّ الدِّينِ بنُ عَبدِ السَّلَامِ فِي قَوَاعِدِهِ الكُبرَى: “وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الإِلَهَ يَحُلُّ فِي شَىءٍ مِنْ أَجسَادِ النَّاسِ أَوْ غَيرِهِمْ فَهُوَ كَافِرٌ”.اهـ

وَمِنَ الكَلَامِ الذِي يَقُولُهُ بَعضُ مُدَّعِي التَّصَوُّفِ وَالذِّكرِ وَالتَّدَيُّنِ قَولُهُمْ “مَا الكَونُ إِلَّا القَيُّومُ الحَيُّ” وَهَذِهِ الكَلِمَةُ وَغَيرُهَا مَوجُودَةٌ فِي كِتَابٍ اسمُهُ “مَزَامِيرُ دَاودَ” وَمِمَّا جَاءَ فِي هَذَا الكِتَابِ المُسَمَّى “مَزَامِيرَ دَاودَ” عِبَارَاتٌ صَرِيحَةٌ بِالقَولِ بِالوَحدَةِ المُطلَقَةِ وَالحُلُولِ مِثلُ القَولِ: 

إِذَا ذَكَرْتَهُ بِالجِدِّ تَرَى مَا لَا تَرَاهُ **** كُلُّ مَا تَهوَاهُ مَوجُودٌ فِي ذَاتِ اللهِ 

وَمِنهَا القَولُ:

اثنَانِ نَحنُ وَفِي الحَقِيقَةِ وَاحِدٌ *** لَكِنْ أَنَا الأَدنَى وَأَنتَ الأَكبَرُ

وَهَذَا الكَلَامُ يُفِيدُ عَقِيدَةَ الحُلُولِ وَالوَحْدَةَ المُطلَقَةَ وَمَعنَى الوَحدَةَ المُطلَقَةَ بِزَعمِهِمْ أَنَّ اللهَ جُملَةُ العَالَمِ، وَمَعنَى الحُلُولِ أَيْ حُلُولِ اللهِ فِي الأَجسَامِ تَعَالَى اللهُ عَن ذَلِكَ، وَكِلتَا العَقِيدَتَينِ ضِدُّ التَّوحِيدِ ضِدُّ الإِسلَامِ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، [سورة الشورى:11]. 

وَيَقُولُ القُطبُ الفَردُ الجَامِعُ وَالبَدرُ المُحَمَّدِيُّ اللَّامِعُ الشَّهِيرُ بالرواس رَضِيَ اللهُ عَنهُ:

دَعْ وَهْمَ أَهْلِ الوَحْدَةِ الْمُطْلَقَهْ **** وَافْهَمْ رُمُوزَ الجَمْعِ وَالتَّفْرِقَهْ

كُلُّ اتِّحَادٍ حُكْمُهُ بَاطِلٌ **** وَشَاهِدُ الظَّاهِرِ قَدْ مَزَّقَهْ

مَنْ غَيَّرَ الأَيَّامُ أَحوَالَهُ **** وَشَيَّبَتْ رَغْمًا لَهُ مَفْرِقَهْ

ثُمَّ حَنَتْهُ ثُمَّ طَاحَتْ بِهِ **** تَحْتَ الثَّرَى فِي حُفْرَةٍ مُغْلَقَهْ

وَمَنْ يَرَى الفَقْرَ وَيَلْقَى العَنَا **** وَتَعْتَرِيهِ النُّوَبُ الْمُقْلِقَهْ

وَكُلَّ وَقْتٍ كُلُّهُ حَاجَةٌ **** لِثَوبِهِ وَالْخُبْزِ وَالمِلعَقَهْ

وَتَكْتَنِفْهُ فِي الْخَلَا وَحْشَةٌ **** وَيَتَّزِرْهُ الْأُنْسُ بِالطَّقْطَقَهْ

يَبُولُ مَقْهُورًا وَتَلْوِي بِهِ **** لِنَوْمِهِ جُثَّتُهُ الْمُعْرَقَهْ

يَكُونُ عَيْنَ اللهِ عَزَّ اسْمُهُ **** حَاشَا وَذَا مِنْ دَنَسِ الزَّنْدَقَهْ

فَنَزِّهِ الْخَالِقَ عَنْ قَوْلِ مَنْ **** أَشرَكَ وَاطْرَحْ هَذِهِ الشَّقْشَقَهْ

مَا وَحَّدَ اللهَ تَعَالَى امْرُؤٌ **** مُعْتَقِدٌ بِالوَحْدَةِ الْمُطلَقَهْ

وَاعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَذُمُّونَ طُرُقَ الصُّوفِيَّةِ وَالأَولِيَاءِ جَهْلًا وَتَعَنُّتًا فَلَا أُولَئِكَ نَجَوا وَلَا هَؤُلَاءِ نَجَوا إِنَّمَا يُذَمُّ مَنْ حَادَ عَنِ الشَّرِيعَةِ وَاتَّخَذَ البَاطِلَ وَهَوَاهُ سَبِيلًا. 

وَقَالَ الشَّيخُ أَحمَدُ الرِّفَاعِيُّ: “لَفْظَتَانِ ثُلْمَتَانِ فِي الدِّينِ أَيْ هُمَا هَدْمٌ لِلدِّينِ القَولُ بِالوَحدَةِ، وَالشَّطَحُ الْمُجَاوِزُ لِحَدِّ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ). 

وَقالَ تَعَالَى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُستَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]، (وَفِي الصِّرَاطِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْقُرْآنُ، وَالثَّانِي: الْإِسْلَامُ. فَأَمَّا «السُّبُلُ»، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ الضَّلَالَاتُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْبِدَعُ وَالشُّبُهَاتُ. فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، أَيْ: فَتُضِلُّكُمْ عَنْ دِينِهِ.اهـ 

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي بَيَانِ مَعْنَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ: هُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ مِنَ الْعِبَادِ غَيْرُهُ. وأَصْلُ الصِّرَاطِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الطَّرِيقُ. وَالْمُسْتَقِيمُ: السَّوِيُّ الَّذِي لَا عِوَجَ فِيهِ.اهـ

وقد جاء في كتاب الله في أكثر من موضع الأَمْرُ بِالثَّبَاتِ عَلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ وَهَكَذَا تَكُوْنُ النَّجَاةُ، فقد ثَبَتَ فِي عَقَائِدِ المُسْلِمِينَ أَنَّ النَّجَاةَ مِنَ العَذَابِ وَالمُؤَاخَذَةِ وَالعِقَابِ قَلِيْلِهِ وَكَثِيرِهِ يَومَ القِيَامَةِ لَا يَكُوْنُ إِلَّا بِالْتِزَامِ طَرِيقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا]، وَهُمْ مِنَ القَرْنِ الثَّالِثِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ حُمَاةُ الدِّينِ وَحُرَّاسُ العَقِيدَةِ وَالذَّابُّونَ عَنْ دِينِ اللهِ المُدَافِعُونَ عَنْهُ بِالحَالِ وَالمَقَالِ، وَهُمْ مَنِ اتَّبَعُوْا جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ مِنْ صَحَابَةٍ وَتَابِعِينَ وَنَثَرُوا عِلْمَهُمْ فِي البِلَادِ الإِسْلَامِيَّةِ وَثَبَّتُوا مَنْهَجَ أَهْلِ الحَقِّ وَأَمْرَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ هُمْ جُمهُورُ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ وَهُمُ الصَّحَابَةُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ فِي المُعتَقَدِ أَيْ أُصُولِ الِاعتِقَادِ، وَهِيَ الأُمُورُ السِّتَّةُ المَذكُورَةُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ الَّذِي قَالَ فِيهِ الرَّسُولُ ﷺ: “الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ”.اهـ فَالَّذِي عَلَيهِ أَهْلُ السُّنَّةِ الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ هُوَ التَّوحِيدُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الأَنبِيَاءُ وَالمُرسَلُونَ وَكَانَ عَلَيهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَالأَئِمَّةُ الأَربَعَةُ حُمَاةُ الدِّينِ، كُلُّهُمْ يُقِرُّونَ بِالأُصُولِ المَذكُورَةِ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ. 

وبيان هذا الأمر على وجهه أنه لَمَّا اشتَدَّ الأَمرُ عَلَى المُسلِمِينَ مِن كَثرَةِ أَهلِ البَاطِلِ البِدعِيِّينَ وَإِذَاعَتِهِم الشُّبَهَ، اشتَغَلَ الإِمَامُ الأَشعَرِيُّ فِي نُصرَةِ مَذهَبِ أَهلِ السُّنَّةِ وَتَبِعَهُ مَنْ أَخَذَ مِنهُ العِلمَ وَسَارَ عَلَى دَربِهِ مِن عُلَمَاءِ المُسلِمِينَ الَّذِينَ صَارَ يُشَارُ إِلَيهِم بِالبَنَانِ.

وَكَذَلِكَ الإِمَامُ أَبُو مَنصُورٍ المَاتُرِيدِيُّ فَقَد قَامَا بِتَدوِينِ عِلمِ التَّوحِيدِ بِقَوَاعِدِهِ وَمَسَائِلِهِ، فَقَرَّرَا عَقَائِدَ أَهلِ السُّنَّةِ وَأَوضَحَاهَا إِيضَاحًا تَامًّا مَعَ الرَّدِّ عَلَى المُخَالِفِينَ مِن مُعتَزِلَةٍ وَمُشَبِّهَةٍ وَغَيرِهِم، فَصَارَ كُلُّ أَهلِ السُّنَّةِ بَعدَ هَذَينِ الإِمَامَينِ يُنسَبُونَ إِلَى أَحَدِهِمَا، فَيُقَالُ لِبَعضِ أَهلِ السُّنَّةِ أَشعَرِيَّةٌ وَلِبَعضٍ مَاتُرِيدِيَّةٌ، وَكِلَا الفَرِيقَينِ مِن أَهلِ السُّنَّةِ لَيسَ بَينَهُمَا اختِلَافٌ فِي أُصُولِ العَقَائِدِ، إِنَّمَا بَينَهُمَا اختِلَافٌ فِي بَعضِ فُرُوعِ العَقَائِدِ، وَهَذَا لَا يُعَابَانِ بِهِ، لِأَنَّ مِثلَ هَذَا حَصَلَ فِي الصَّحَابَةِ. 

فَيَتَّضِحُ لَنَا أَنَّ الَّذِينَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِم هُمُ الَّذِينَ ارتَضَوا مَنهَجَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فَثَبَتُوا عَلَيهِ، فَالنَّبِيُّ ﷺ أَمَرَ بِالثَّبَاتِ عَلَى مَنهَجِ النُّبُوَّةِ وَلَا سِيَّمَا فِي العَقِيدَةِ وَالأَحكَامِ، وَجُمهُورُ المُسلِمِينَ اليَومَ فِي العَقِيدَةِ هُمُ الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ، هَؤُلَاءِ اليَومَ مِئَاتُ المَلَايِينِ مِنَ المُسلِمِينَ. وَقَد أَوصَى الشَّرعُ الحَنِيفُ بِالتِزَامِ مَا عَلَيهِ جَمَاعَةُ المُسلِمِينَ وَحَذَّرَ مِن مُخالَفَتِهِم فَإِنَّ فِي المُخَالَفَةِ لَهُم هَلَاكًا وَضَلَالًا مُبِينًا، فَيَنبَغِي عَلَى مُرِيدِ رِضَا اللهِ وَسَلَامَةِ دِينِهِ أَن يَعرِفَ مَا كَانَ عَلَيهِ سَلَفُ هَذِهِ الأُمَّةِ فِي العَقِيدَةِ وَالأَحكَامِ فَيَلتَزِمَهُ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ كَانُوا عَلَى عَقِيدَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَوِ اختَلَفُوا فِي الفُرُوعِ وَالأَحكَامِ الفِقهِيَّةِ، وَمِنهُمُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ) 

وَقالَ تَعَالَى: {قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللهُ وَيَغفِر لَكُم ذُنُوبَكُم} [آل عمران:31] (يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ مُحَبَّةُ اللهِ تَعَالَى بِتَعْظِيمِهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَكَامِلُ هَذِهِ الْمَحَبَّةِ يَكُونُ بِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ الْأَعْظَمِ ﷺ وَطَاعَتِهِ بِالانْقِيَادِ لِشَرِعِ اللهِ تَعَالَى، وَبِاتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، أَيْ بِالتِّزَامِ تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، الَّتِي هِيَ أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى مُرْشِدًا وَمُبِينًا لِعِبَادِهِ كَيْفَ تَكُونُ وَكَيْفَ تَتَحَقَّقُ مَحَبَّتُهُمْ لِخَالِقِهِمْ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، أَيْ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ، يَا أَشْرَفَ الْخَلْقِ، إِنْ كُنْتُمْ تَقْصِدُونَ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعَالَى وَطَاعَتَهُ، فَاتَّبِعُونِي فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَافْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ. وَيَكُونُ حُسْنُ الْمُتَابَعَةِ بِأَدَاءِ مَا أَوْجَبَ، وَاجْتِنَابِ مَا حَرَّمَ. فَالْعَبْدُ التَّقِيُّ هُوَ الَّذِي يُطِيعُ رَبَّهُ، وَهَذِهِ عَلاَمَةُ الْمَحَبَّةِ الصَّادِقَةِ. يَقُولُ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ: «مِنْ عَلَامَاتِ الْمُحِبِّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُتَابَعَةُ حَبِيبِ اللهِ (أَيْ سَيِّدِنَا مُحَمَّد ﷺ) فِي أَخْلَاقِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَوَامِرِهِ وَسُنَنِهِ». وَإِنْ كَانَ مَنْ كَانَ صَادِقًا فِي حُبِّهِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَكَانَ اتِّبَاعُهُ لِلنَّبِيِّ الْمُصْطَفَى ﷺ اتِّبَاعًا كَامِلًا، فَيَجِدُ حَلَاوَةَ وَلَذَّةَ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِهِ، وَيَكُونُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَحِبَّائِهِ الصَّالِحِينَ. 

وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَالَّذِي وَصَلَ إِلَى كَمَالِ مَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ يَصِيرُ مُنَوَّرَ الْقَلْبِ وَإِيمَانُهُ يَصِيرُ كَامِلًا، وَيَصِيرُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ وَأَحِبَّائِهِ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَهَذَا الْوَلِيُّ هُوَ الْمُسْتَقِيمُ بِطَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ بِأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابِ المُحَرَّمَاتِ وَالإِكْثَارِ مِنَ النَّوَافِلِ)

 (فَنَحنُ يَجِبُ عَلَينَا أَن نُحِبَّ رَسُولَ اللهِ مَعَ التَّعظِيمِ أَكثَرَ مِن مَحَبَّتِنَا لِأَيٍّ مِن خَلقِ اللهِ، فَلَا نُعَظِّمُ أَحَدًا مِن خَلقِ اللهِ كَمَا نُعَظِّمُ رَسُولَ اللهِ، وَلَا أَكثَرَ مِن تَعظِيمِنَا لِرَسُولِ اللهِ، وَلَا نُجِلُّ أَحَدًا مِن خَلقِ اللهِ أَكثَرَ مِن إِجلَالِنَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ.

 أَمَّا مَحَبَّتُنَا للهِ فَمَحَبَّةٌ أَعلَى، مَحَبَّتُنَا للهِ مَحَبَّةُ عَابِدٍ لِمَعبُودٍ، وَمَحَبَّةُ مَملُوكٍ لِمَالِكٍ، وَمَحَبَّةُ مَربُوبٍ لِرَبٍّ، حُبُّنَا للهِ حُبُّ عِبَادَةٍ لَهُ سُبحَانَهُ، حُبُّ تَذَلُّلٍ إِلَى النِّهَايَةِ، هَذَا النَّوعُ مِنَ الحُبِّ خَاصٌّ بِاللهِ، وَلَا نَصرِفُهُ لِغَيرِ اللهِ.

 أَمَّا مَحَبَّتُنَا لِرَسُولِ اللهِ فَيَنبَغِي أَن تَكُونَ دُونَ مَحَبَّتِنَا للهِ لَكِن أَعلَى مِن مَحَبَّتِنَا لِأَيِّ مَخلُوقٍ دُونَهُ ﷺ، عَرَفتُم مَرَاتِبَ الحُبِّ؟

 لَا نَصرِفُ الحُبَّ حُبَّ العِبَادَةِ وَحُبَّ التَّعظِيمِ وَالتَّذَلُّلِ إِلَى الغَايَةِ إِلَّا للهِ عَزَّ وَجَلَّ، شَيءٌ اختَصَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ نَفسَهُ، وَأَمَرَنَا أَن نُحِبَّهُ هَذَا النَّوعَ مِنَ المَحَبَّةِ، وَلَا يَجُوزُ لَنَا أَن نُحِبَّ مَخلُوقًا، كَمَا نُحِبُّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَو كَانَ هَذَا المَخلُوقُ نَبِيًّا كَسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، اللهُ تَعَالَى قَالَ فِي القُرءَانِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُم كَحُبِّ اللهِ﴾، يَعنِي مَحَبَّةً مِثلَ مَحَبَّتِهِم للهِ، لَكِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَبَى ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ هَذَا النَّوعُ مِنَ الحُبِّ للهِ أَفرَدْنَا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، خَصَّصنَا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، لِأَنَّهُ حُبُّ عِبَادَةٍ، حُبٌّ مَقرُونٌ بِنِهَايَةِ التَّعظِيمِ وَغَايَةِ التَّذَلُّلِ، هَذَا لَا نَصرِفُهُ لِمَخلُوقٍ وَلَو كَانَ مَلَكًا أَو نَبِيًّا، ثُمَّ بَعدَ هَذَا يَأتِي فِي الدَّرَجَةِ دُونَ هَذِهِ الرُّتبَةِ مَحَبَّتُنَا فِي أَنبِيَاءِ اللهِ وَرُسُلِ اللهِ، لَكِنَّنَا نَخُصُّ نَبِيَّنَا عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَعلَى أَنوَاعِ الحُبِّ لِلمَخلُوقِ، بِأَعلَى أَنوَاعِ الحُبِّ الَّذِي صَرَفنَاهُ لِلمَخلُوقِ) وَالآياتُ في البَابِ كَثيرةٌ مَعلُومَةٌ.