الحديث (156) · النهي عن كثرة السؤال والتكلف في المسائل

الدرس ١٥٢ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٥٧:٤٨

المقدمة

الحمدُ لله المطَّلعِ على ظاهِر الأمْرِ ومكنونِه، العالم بسرِّ العبدِ وجهرهِ وظنونِه، المُتَفرِّدِ بإنْشَاءِ العالم وإبْداعِ فُنُونِه، المدبِّر لكلٍّ منهُمْ في حركتِه وسُكُوْنِه، أحْسَنَ كلَّ شَيْءٍ خَلق، وفتَق الأسماع وشقَّ الحَدَق، وأحْصَى عَدَدَ ما في الشَّجَرِ من وَرَق، في أعْوادِه وغُصُونِه، مَدَّ الأرْضَ ووضعَها وأوْسَعَ السماءَ وَرفعَها، وسَيَّرَ النجومَ وأطْلعهَا، في حنْدسِ اللَّيلِ ودُجُوْنه، أنزل القطْر رَذاذًا، فأنْقَذَ به البِذْر من اليُبْسِ إنْقاذًا، {هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ} [لقمان: 11]، أحْمُده على جوده وإحسْانِه، وأشْهد أن لا إِله إِلَاّ الله وحْدَه لا شريكَ له في أُلُوهِيَّتِهِ وسُلْطانِه، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه المؤيَّدُ ببُرهانِه، صلَّى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكرٍ في جميع شأنه، وعلى عُمرَ مقْلقِ كِسْرى في إيوانِه، وعلى عثمانَ ساهرِ ليْلِهِ في قرآنِه، وعلى عليٍّ قالعِ بابِ خيْبرَ ومُزَلْزِل حُصونِه، وعلى آلِهِ وأصحابه المجتهد كلٌ منهم في طاعةِ ربِّه في حركتِه وسكونِه، وسَلَمَ تسليما، أما بعد:

الحديث والشرح

قال الحافظ النووي رحمه الله: وَقالَ تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] (دَلَّتْ هَذِهِ الآيةُ الكريمةُ أَنَّ الذِي يَبتَعِدُ عَنْ مِنهَاجِ مُحَمَّدٍ ﷺ فهُوَ مُعرَّضٌ للفتنةِ والعياذُ باللهِ، مُعَرَّضٌ أَنْ يَنصَرِفَ عَنِ الصِّرَاطِ المُستقِيمِ الذِي يَهدِي لَهُ محمدٌ ﷺ، وصِرَاطُ اللهِ المذكورُ فِي كتابِ اللهِ هُوَ طريقُ أهلِ السنةِ والجماعةِ، فَنَحنُ نَدْعُو فِي كُلِّ صَلَاةٍ فَرضًا كَانَتْ أَمْ نَفْلًا أَنْ يُثَبِّتَنَا اللهُ عَلَى طَرِيقِ الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ، نَقُولُ: [اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ]، أَيِ الطَّرِيقَ، وَالمَعنَى ثَبِّتنَا عَلَى الطَّرِيقِ، وَالمُرَادُ بِهِ طَرِيقُ الحَقِّ وهو ملة الإسلام، أي المنهاج الواضح أَي أَكرِمنَا بِاستِدَامَةِ الهِدَايَةِ عَلَى الإِسلَامِ، أَو يَكُونُ المَعنَى اهدِنَا فِي المُستَقبَلِ كَمَا هَدَيتَنَا فِي الحَالِ، أَو أَرشِدنَا، أَو قَدِّمنَا إِلَيهِ، أَو وَفِّقنَا، أَوِ ارزُقنَا الهِدَايَةَ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: [اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ]، هُوَ دِينُ اللهِ الَّذِي لَا يَقبَلُ مِنَ العِبَادِ غَيْرَهُ.اهـ وَالْمُسْتَقِيمُ: السَّوِيُّ الَّذِي لَا عِوَجَ فِيهِ. وَقَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ فِي العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ: وَدِينُ اللهِ فِي الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَاحِدٌ وَهُوَ دِينُ الإِسْلامِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: [إِنَّ الدِّيْنَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ]، وَقَالَ تَعَالَى: [وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيْنًا]، وَهُوَ بَينَ الغُلُوِّوَالتَّقصِيرِ وَبَينَ التَّشبِيهِ [وَهُوَ تَشبِيهُ اللهِ بِخَلقِهِ وَهَذَا ضِدُّ القُرآنِ الكَرِيمِ، فَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ تَنزِيهُهُ سُبحَانَهُ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ] وَالتَّعطِيلِ [التَّعطِيلُ هُوَ نَفيُ وُجُودِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ أَيِّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الثَّابِتَةِ لَهُ سُبحَانَهُ، كَالوَحدَانِيَّةِ وَالقِدَمِ أَيِ الأَزَلِيَّةِ، وَالبَقَاءِ وَالحَيَاةِ وَالعِلمِ وَالكَلَامِ وَالقُدرَةِ وَالإِرَادَةِ أَيِ المَشِيئَةِ وَغَيرِهَا] وَبَيْنَ الجَبرِ [أَصحَابُ هَذَا الِاعتِقَادِ الفَاسِدِ هُمُ الجَبرِيَّةُ يُسَمَّوْنَ الجَهمِيَّةَ هُمْ أَتبَاعُ جَهْمِ بنِ صَفوَانَ الَّذِي زَعَمَ أَنَّ الجَنَّةَ وَالنَّارَ تَبِيدَانِ وَتَفنَيَانِ، وَأَنَّ عِلمَ اللهِ تَعَالَى حَادِثٌ، وَامتَنَعَ مِنْ وَصفِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّهُ عَالِمٌ أَوْ حَيٌّ، وَقَالَ بِحُدُوْثِ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى فَاتَّفَقَ أَصنَافُ النَّاسِ عَلَى تَكفِيرِهِ هُوَ وَجَمَاعَتُهُ كما قال البغداديُّ] وَالقَدَرِ[أَصحَابُ هَذَا الِاعتِقَادِ الفَاسِدِ هُمُ الْقَدَرِيَّةُ وَهُمُ الَّذِيْنَ يَنْفُوْنَ تَقْدِيْرَ اللهِ تَعَالَىْ لِكُلِّ الْأَشْيَاءِ فَيَقُوْلُوْنَ: اللهُ قَدَّرَ الْخَيْرَ دُوْنَ الشَّرِّ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَىْ فَكَذَّبُوْا الْقُرْآنَ بِذَلِكَ فَإِنَّ رَبَّنَا عَزَّ وَجَلَّ قَدَّرَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ كَمَا جَاءَ فِيْ الْقُرْآنِ الْكَرِيْمِ حَيْثُ يَقُوْلُ سُبْحَانَهُ: وخلق كل شيء فقدره تقديرا] وَبَينَ الأَمنِ [أَيِ الأَمنِ مِنْ عُقُوبَةِ اللهِ، وَهُوَ الِاسْتِرْسَالُ فِي الْمَعَاصِي مَعَ الِاتِّكَالِ عَلَى رَحْمَةِ اللهِ] وَالإِيَاسِ [الآيِسُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ أَيِ القَانِطُ مِنْ رَحمَةِ اللهِ وَهُوَ أَنْ يُسِىءَ الْعَبْدُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَيَظُنَّ أَنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ لَهُ وَأَنَّ اللهَ لا مَحَالَةَ سيُعَذِّبُهُ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ] فَهَذَا دِينُنَا وَاعْتِقَادُنَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَنَحْنُ بُرَءَاءُ إِلَى اللهِ مِنْ كُلِّ مَنْ خَالَفَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ، وَنَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الإِيمَانِ وَيَخْتِمَ لَنَا بِهِ وَيعْصِمَنَا مِنَ الأَهْوَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ [الأَهْوَاءُ جَمْعُ هَوًى، وَهُوَ الأَمْرُ البَاطِلُ الَّذِي تَمِيلُ إِلَيهِ النُّفُوسُ، وَقَدْ يُطلَقُ الْهَوَى بِمَعنَى الحُبِّ لَكِنَّهُ لَيْسَ المَعنَى المَقصُودَ هُنَا] وَالآرَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ وَالْمَذَاهِبِ الرَّدِيَّةِ مِثْلِ الْمُشَبِّهَةِ[الْمُشَبِّهَةُ: مِنَ الْفِرَقِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْإِسْلَامِ. وَهُمْ أَيِ الْمُشَبِّهَةُ صِنْفَانِ: صِنْفٌ شَبَّهُوْا ذَاتَ الْبَارِئِ بِذَاتِ غَيْرِهِ، وَصِنْفٌ آخَرُوْنَ شَبَّهُوْا صِفَاتِهِ بِصِفَاتِ غَيْرِهِ، وَكُلُّ صِنْفٍ مِنْ هَذِيْنِ الصِّنْفَيْنِ مُفْتَرِقُوْنَ إِلَىْ أَصْنَافٍ شَتَّىْ، وَأَوَّلُ ظُهُوْرِ التَّشْبِيْهِ صَادِرٌ عَنْ بَعْضِ الْغُلَاةِ وَمِنْهُمُ السَّبَائِيَّةُ -أَوِ السَّبَئِيَّةُ- الَّذِيْنَ سَمَّوْا عَلِيَّ بْنَ أَبِيْ طَالِبٍ إِلَهًا وَشَبَّهُوْهُ بِذَاتِ الْإِلَهِ، وَمِنْهُمُ الْبَيَانِيَّةُ أَتْبَاعُ بَيَانِ بْنِ سَمْعَانَ الَّذِيْ زَعَمَ أَنَّ مَعْبُوْدَهُ إِنْسَانٌ مِنْ نُوْرٍ عَلَىْ صُوْرَةِ الْإِنْسَانِ فِيْ أَعْضَائِهِ وَأَنَّهُ يَفْنَىْ كُلُّهُ إِلَّا وَجْهَهُ، وَغَيْرُهُمْ كَثِيْرٌ] وَالْمُعْتَزِلَةِ [الْمُعْتَزِلَةُ: يَنْقَسِمُوْنَ إِلَىْ عِشْرِيْنَ فِرْقَة، كُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهَا تُكَفِّرُ سَائِرَهَا، وَيَجْمَعُهَا كُلَّهَا فِيْ بِدْعَتِهَا أُمُوْرٌ، مِنْهَا نَفْيُهَا كُلِّهَا عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ صِفَاتِهِ الْأَزَلِيَّةِ، وَمِنْهَا اتِّفَاقُهُمْ عَلَىْ الْقَوْلِ بِحُدُوْثِ كَلَامِ اللهِ تَعَالَىْ، وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ جَمِيْعًا بِأَنَّ اللهَ غَيْرُ خَالِقٍ لِأَكْسَابِ النَّاسِ وَلَا لِشَىْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْحَيَوَانَاتِ وَلِأَجْلِ هَذَا سَمَّاهُمُ الْمُسْلِمُوْنَ قَدَرِيَّةً، وَمِنْهَا اتِّفَاقُهُمْ عَلَىْ دَعْوَاهُمْ فِيْ الْفَاسِقِ مِنْ أُمَّةِ الْإِسْلَامِ بِالْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ وَأَنَّهُ لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ، وَلِأَجْلِ هَذَا سَمَّاهُمُ الْمُسْلِمُوْنَ مُعْتَزِلَةً لِاعْتِزَالِهِمْ قَوْلَ الْأُمَّةِ بِأَسْرِهَا، وَغَيْرِهَا مِنَ الضَّلَالَاتِ، وَقِيْلَ أَوَّلُ مَا سُمُّوْا الْمُعْتَزِلَةَ فِيْ زَمَنِ الْحَسَنِ الْبِصْرِيِّ لِأَنَّ زَعِيْمَهُمْ وَاصِلَ بْنَ عَطَاءٍ اعْتَزَلَ حَلْقَةَ دَرْسِ الْحَسَنِ الْبِصْرِيِّ، وَهُوَ وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ رَأُسُ الْاعْتِزَالِ، طَرَدَهُ الْحَسَنُ عَنْ مَجْلِسِهِ لَمَّا قَالَ: الْفَاسِقُ لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ، فَانْضَمَّ إِلَيْهِ عَمْرٌو، وَاعْتَزَلَا الْحَلْقَةَ، وَكَانَ مِنْ جَهْلِهِ يُجِيْزُ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ بِالْمَعْنَىْ، وَمِمَّا خَالَفَ فِيْهِ صَرِيْحَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيْمَانِ قَوْلُهُ إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَيْرَ، وَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَخْلُقُ الشَّرَّ، وَإِنَّ مَنْ دَخَلَ النَّارَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا. وَمِنْ مُصَنَّفَاتِهِ: «أَصْنَافُ الْمُرْجِئَةِ» وَ «الْمَنْزِلَةُ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ» وَ«طَبَقَاتُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ». وُلِدَ سَنَةَ 80 هـ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 131هـ] وَالْجَهْمِيَّة وَالْجَبْرِيَّةِوَالْقَدَرِيَّةِوَغَيْرِهِمْ مِنَ الَّذِينَ خَالَفُوا السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ وَحَالَفُوا الضَّلالَةَ، وَنَحْنُ مِنْهُمْ بَرَاءٌ وَهُمْ عِنْدَنَا ضُلَّالٌ وَأَرْدِيَاءٌ وَبِاللهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ.اهـ). وَقالَ تَعَالَى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: 34] (المرادُ بآياتِ اللهِ القرآنُ الكريمُ، والحكمةُ هي السنةُ النبويةُ والحديثُ، وهيَ تتنزلُ في بيوتِ النبيِّ ﷺ، وهذهِ الآيةُ فيها إشارةٌ وتذكيرٌ لزوجاتِ النبيِّ ﷺ ورضيَ اللهُ عنهنَّ بأنْ يَذكُرْنَ هذَا الخيرَ العظيمَ الذِي يتنَزَّلُ كثيرٌ منهٌ في بيوتِهِنَّ، فَيَلتَزِمْنَ بِهِ وَيَنشُرْنَهُ للمسلمينَ والمسلماتِ، وهَذَا الذِي كَانَ فَقَدْ كَانَتْ زَوجاتُ النبيِّ ﷺ لَهُنَّ دَورٌ كَبيرٌ فِي نشرِ آياتِ القرآنِ والحديثِ النبويِّ، وزوجاتُ النبيِّ ﷺ التِي توفيَ عنهنَّ كلُّهُنَّ وَلِيَّاتٌ، وهُنَّ زَوجَاتُهُ فِي الدُّنيَا والآخِرَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ تَزَوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ: خَديجةُ بنتُ خُوَيلد. تزوَّجها وهو ابنُ خمسٍ وعشرينَ سنة. وبقيتْ معهُ حتى بعثَه اللهُ عزَّ وجل، فكانتْ له وزيرَ صِدْقٍ، وماتتْ قبلَ الهجرة بثلاثِ سنينَ، على أحدِ الأقوالِ. ثم تزوجَ سَوْدَةَ بنتَ زَمْعَةَ، بعدَ خديجةَ بمكةَ قبلَ الهِجرة. وكَبِرَتْ عندَه، وأراد طلاقَها، فوهَبَتْ يومَهَا لعائشةَ، فأمسَكَها. وتزوجَ رسولُ اللهِ ﷺ عائشةَ بنتَ أبي بكرٍ الصِّديقِ بمكةَ قبلَ الهجرةِ بسنتينِ. وبنَى بها بعد الهجرةِ بالمدينةِ وهي بنتُ تسعِ سنينَ. وماتَ النبيُّ ﷺ وهيَ بنتُ ثمانِ عشرةَ. وتزوجَ رسولُ اللهِ ﷺ حفصةَ بنتَ عمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنهما. تُوفِّيتْ سنة سبعٍ وعشرينَ، وقيلَ: سنةَ ثمانٍ وعشرينَ. وتزوجَ رسولُ اللهِ ﷺ أمَّ حبيبةَ بنتَ أبي سفيان، واسمها: رَمْلةُ بنتُ صخرِ بنِ حربٍ. هاجَرتْ معَ زوجِها عبيدِ الله بنِ جَحْش إلى أرضِ الحبشةِ، فتنصَّرَ بالحبشةِ، وأتمَّ اللهُ لَهَا الإسلامَ. وتزوَّجَها رسولُ اللهِ ﷺ، وهيَ بأرضِ الحبشةِ. وأصْدَقها عنهُ النجاشيُ بأربعِ مئة دينارٍ، بعثَ رسولُ اللهِ ﷺ عمروَ بنَ أميَّة الضَّمري فيها إلى أرضِ الحبشةِ. ووَلِيَ نكاحَها عثمانُ بنُ عفانَ، وقيلَ: خالدُ بنُ سعيدِ بنِ العاصِ. توفيتْ سنةَ أربعٍ وأربعينَ. وتزوجَ رسولُ اللهِ ﷺ أمَّ سلمةَ، واسمُها: هندُ بنتُ أبي أميَّة. توفِّيتْ سنةَ اثنتين وستِّينَ، ودفِنتْ بالبقيعِ بالمدينةِ، وهيَ آخرُ أزواجِ النبيِّ ﷺ وفاة. وقيل: إنَّ ميمونةَ آخرهنَّ. وتزوجَ رسولُ اللهِ ﷺ زينبَ بنتَ جحشٍ وهيَ بنتُ عمتِهِ أُمَيمةُ بنتُ عبدِ المطلبِ. توفِّيتْ بالمدينةِ سنةَ عِشرين، ودُفنتْ بالبقيع. وتزوجَ رسولُ اللهِ ﷺ زينبَ بنتَ خُزيمة بنِ الحارث، وكانت تسمَّى: أمَّ المساكين، لكثرةِ إطعامِها المساكينَ. وتزوجَها سنةَ ثلاثٍ مِن الهجرة، ولم تلبثْ عندَه إلا يسيرًا: شهرينِ أو ثلاثةً. وتزوجَ رسولُ اللهِ ﷺ جويريةَ بنتَ الحارثِ الخزاعيةَ، سُبِيَتْ في غَزْوة بني الـمُصطلقِ، فوقعتْ في سهمِ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شماسٍ، فكاتَبَهَا، فقَضَى رسولُ اللهُ ﷺ كتابَتها، وتزوجَها في ستٍّ مِن الهجرة. وتوفيتْ في ربيعٍ الأولِ سنةَ ستٍّ وخمسينَ. وتزوجَ رسولُ اللهِ ﷺ صفيةَ بنتَ حُييّ بن أخطب، سُبِيَتْ في خَيبرَ سنةَ سبعٍ مِن الهجرةِ، وكانتْ قبلَه تحتَ كنانةَ بن أبي الحُقَيقِ، قَتَلَهُ رسولُ اللهِ ﷺ، وأعتقَ صفيةَ، وجعلَ عِتقَها صَداقَها. وتوفِّيتْ سنةَ ثلاثينَ. وقيلَ: سنةَ خمسينَ. وتزوج رسولُ اللهِ ﷺ ميمونةَ بنتَ الحارثِ، تزوجَها رسولُ اللهِ ﷺ بِسَرِفٍ، وبنى بها فيه، وماتتْ به. وهو ماءٌ على تسعةِ أميالٍ من مكةَ. وهي آخرُ مَن تزوجَ من أمهاتِ المؤمنينَ. توفِّيتْ سنةَ ثلاثٍ وستِّينَ. فهذه جملةُ مَنْ دَخَل بهنَّ من النِّساء، وهُنَّ إحدى عشرة. وعَقَد على سبعٍ، ولم يدخُل بهنَّ)، والآياتُ فِي البَابِ كَثِيرَةٌ مَعلُومَةٌ.

وَأَما الأحاديث: فالأول: عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْء فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

الشرحُ والتعليقُ علَى هذَا الحديثِ: فالأولُ (أيِ الحديثُ الأولُ مِن بابٍ فِي الأمرِ بالمحافظةِ على السنةِ وهوَ الحديثُ السادسُ والخمسونَ بعدَ المائةِ مِنْ كتابِ رياضِ الصالحينَ): عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (هذا الحديثُ لهُ قصةٌ أذكرُها بكامِلِهَا وهيَ فِي صحيحِ مسلمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى ‌أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ».اهـ وكانَتْ هذهِ الحادثةُ فِي حجةِ الوداعِ. هوَ بالأصلِ فِي شرحِ الذِي جرَى: النبيُّ ﷺ قالَ: “أَيُّها النّاس، قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ فَحُجُّوا” فقامَ الأَقْرَعُ بنُ حابِس، قالَ: “أَفِي كُلِّ عامٍ يا رَسُولَ الله؟” النبيُّ ﷺ، ماذَا قالَ؟ قال: “فَحُجُّوا”. الذِي يَحُجُّ مَرَّةً يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَجَّ، أَلَيسَ كذلِك؟ فَإِذا وَقَعَ ذلِكَ مِنْهُ مَرَّةً كَفَى ذلِك! سَأَلَهُ الرَّجُل سَكَت، سَأَلَهُ سَكَت، سَأَلَهُ سَكَت، ثُمَّ أَجابَهُ النّبِيُّ: “لَوْ قُلْتُ نَعَم، لَوَجَبَت“. يَعْنِى أَنْتَ سَأَلْتَنِي، لَوْ قُلْتُ نَعَم فِي كُلِّ عام، لَصارَ الحَجُّ واجِبًا عَلَيْكُم فِي كُلِّ عام! قالَ: “لَوْ قُلْتُ نَعَم، لَوَجَبَت وَلَما اسْتَطَعْتُم!” لَما استَطَعْتُم أَنْ تَفْعَلُوا ذلك! وهذا ماذا يُؤْخَذُ مِنْهُ؟؟ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ ما قالَهُ نَبِيُّ اللهِ ﷺ، سَواءٌ كانَ عَنْ وَحْيٍ أَوِ اجْتِهادٍ فَهُوَ حَقٌّ، لا بُدَّ مِنَ الأَخْذِ بِهِ! لا يَكُونَ خَطَأً، لأَنَّ النَّبِيَّ قال: “لَوْ قُلْتُ نَعَم، لَوَجَبَت“، معْنَاهُ لَوِ اجْتَهَدْتُ فقلتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ أَيْ لَكَانَ اجتِهَادِي صَحِيحًا وَلَكَانَ الحكمُ كَمَا قلتُ، لأَنَّ النبيَّ كانَ يَجوزُ لَهُ الاجْتِهادُ فِيما لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ. النَّبِيُّ أَكْمَلُ مِنَ الشّافِعِيِّ عِلْمًا وَمَعْرِفَةً وَفَهْمًا إلخ، بِلا شَكٍّ، فَإِذا كانَ يَجُوزُ للشافِعِيِّ الاجْتِهادُ فَكَيْفَ بِالنّبِيِّ ﷺ؟ لَكِنِ المواضِعُ التي يَدْخُلُ مِنْها الخَلَلُ إِلَى اجْتِهادِ المجْتَهِدِ فَيُخْطِئُ، أَحْيانًا المجتَهِدُ يُخْطِئ، أَحْيانًا الشّافِعِيّ يَقُولُ عَنْ شىءٍ إنَّهُ حَلالٌ وَمالِكٌ يَقُولُ عَنْهُ حَرامٌ، لا بُدَّ أَنَّ أَحَدَهُما أخطَأَ باجتِهَادِهِ! لا بُدَّ أَنَّ أَحَدَهُما أَصابَ الحُكمَ الصحيحَ وَالآخَرَ أَخْطَأَ! لا يَكُونُ الشىءُ حَلالًا وَحَرامًا فِي نَفْسِ الوَقْت!! لَكِنْ خَطَؤُهُ مُغْتَفَر لأنَّهُ بَلَغَ دَرَجَةَ الاجْتِهادِ! أَمّا الرَّسُولُ ﷺ، فَالأُمُور التي بِسَبَبِها يَغْلَطُ المجْتَهِد، هذهِ فِي حَقِّهِ ﷺ مَعْدُومَةٌ!! فَلا يَغْلَطُ! فَإِذَا قالَ شيْئًا، وَحْيًا كانَ أَوْ عَنِ اجْتِهادٍ، لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صَوابًا، مَوافِقًا للحُكْمِ عِنْدَ الله! لِذلِكَ النَّبِيُّ ﷺ قال: “لَوْ قُلْتُ نَعَم، لَوَجَبَت”، لَوَجَبَ عَلَيْكُم الحجُّ فِي كُلِّ عامٍ!) (فالنبيُّ ﷺ لا يخطئُ في اجتهادِه لأنَّ اللهَ قالَ (وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) فكيفَ يخطئُ. مِنْ هنَا يُعلَمُ أَنَّهُ لَا يُخطِئُ فِي التشريعِ كيفَ يخطئُ واللهُ قَالَ (وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) يعني هوَ الحقُّ. ما قالَ ربُّنَا إلَّا إذَا كانَ عَنِ اجتهادٍ. اللهُ أخبرَ أنَّ مَا حكمَ بهِ النبيُّ ﷺ هوَ حكمُ اللهِ كيفَ يكونُ خطأً وأنَّ العبادَ مأمورونَ باتباعِهِ فكيفَ يكونُ خطأً بلِ الإمامُ الشافعيُّ في كتابِ الأمِّ نصَّ علَى أنَّ النبيَّ ﷺ لا يخطئُ في اجتهادِه في الاجتهادِ في الأحكامِ ليسَ كلامُنا في القضايا ليسَ كلامُنا في التدبيراتِ الحربيةِ وما شابَهَ ذلكَ ليسَ كلامُنا فيمَا إذَا تقَاضَى عندَهُ اثنانِ ففِي البخاريِّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضيَ اللهُ عنهَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضيَ اللهُ عنهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ ‌بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي نَحْوَ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ».اهـ هذَا يدلُّ علَى أنَّ النبيَّ ﷺ يحكمُ بالظاهرِ وبحَسَبِ الظاهِرِ قدْ يَظْهَرُ أنَّ واحدًا لَهُ الحَقُّ دونَ الآخرِ ليسَ كلامُنا عنِ التدبيرِ في الحربِ، أليسَ سأَلَهُ الصحابيُّ فِي بدرٍ فقالَ إنِّي أرَى أنْ نَنتَقِلَ إلَى موضعِ كذَا فأخذ برأيه، فقد روي أَنَّ ‌الْحُبَابَ ‌بْنَ ‌الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَنْزِلَ، أَمَنْزِلًا أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَهُ، وَلَا نَتَأَخَّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟ قَالَ: بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلِ، فَانْهَضْ بِالنَّاسِ حَتَّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنْ الْقَوْمِ، فَنَنْزِلَهُ، ثُمَّ نُغَوِّرُ [أيْ نَطْمِسُ] مَا وَرَاءَهُ مِنْ الآبَارِ، ثُمَّ نَبْنِي عَلَيْهِ حَوْضًا فَنَمْلَؤُهُ مَاءً، ثُمَّ نُقَاتِلُ الْقَوْمَ، فَنَشْرَبُ وَلَا يَشْرَبُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ. فَنَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ النَّاسِ، فَسَارَ حَتَّى إذَا أَتَى أَدْنَى مَاءٍ مِنْ الْقَوْمِ نَزَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالآبارِ فَطُمِسَتْ، وَبَنَى حَوْضًا عَلَى البئرِ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ، فَمُلِئَ مَاءً، ثُمَّ قَذَفُوا فِيهِ الْآنِيَةَ.اهـ فإذًا ليسَ كلامُنَا عَن هذَا إنَّمَا كلامُنَا عنِ الأحكامِ فالمرادُ هنَا هوَ الاجتهادُ فِي الأحكامِ الشرعيةِ كيفَ يتصورُ منهُ خطأٌ؟ كيفَ يقولُ مَنْ ينتَسِبُ إلَى مذهبِ الشافعيِّ إنَّهُ يجوزُ أنْ يخطئَ النبيُّ ﷺ فِي اجتهادِهِ والشافعيُّ نفسُهُ نصَّ أنهُ لَا يخطئُ، تاجُ الدينِ السبكيُّ فِي كتابِهِ الإبهاجِ فِي شرحِ المنهاجِ يقولُ: أنَا أُطَهِّرُ كتابِي أنْ أذكُرَ فيهِ غيرَ هذَا القولِ أيْ أنَّهُ لَا يخطئُ فِي اجتهادِهِ. أخبرنَا أنَّ مَا ذكرَ النبيُّ ﷺ أنَّهُ حكمُ الشرعِ فهوَ صِدقٌ ونحنُ مأمورونَ باتباعِهِ كمَا قالَ تعالَى فِي سُورةِ الحشرِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ فكيفَ يُتَصَوَّرُ منهُ خطأٌ معَ إخبارِ اللهِ تعالى بأنَّهُ حكمُهُ سبحانَهُ وأنَّهُ علينَا اتِّباعُهُ سواءٌ كانَ مَا ءَاتَانا ﷺ بِوَحْىٍ أمْ باجتهادٍ منهُ. وقد نصَّ الشافعيُّ رحمهُ اللهُ فِي الأمِّ على براءةِ اجتهادِهِ منَ الخطأ.اهـ وحكاهُ الأستاذُ أبو منصورٍ عن أصحابِنا كمَا نقلَهُ فِي البحرِ المحيطِ.اهـ وقالَ الرازيُّ والصفِيُّ الهنديُّ إنَّهُ الحقُّ.اهـ وردَّهُ الزركشِيُّ في البحرِ المحيطِ فِي الأصولِ وقالَ إنَّهُ قولٌ لا نُورَ عليهِ.اهـ وقالَ فِي تشنيفِ المسامعِ ويُقالُ لِمَنْ جوَّزَهُ بشرطِ عدمِ التقريرِ أليسَ يصدقُ صدورُ الخطأ المضادِّ لمنصبِ النبوةِ ويلزمُكَ محالٌ مِنَ الهَذَيَانِ وهُوَ أنْ يكونَ بعضُ المجتهدينَ فِي حالِ إصابَتِهِ أكملَ مِنَ المُصطفَى ﷺ فِي تلكَ الحالةِ معاذَ الله.اهـ وقالَ المكِّيُّ فِي الإعلامِ: إنَّ القولَ بجوازِ الخطأ علَى الأنبياءِ فِي الاجتهادِ بعيدٌ مهجورٌ لا يُلتفَتُ إليه.اهـ): « (ثم بعدَ ذلكَ قالَ النبيُّ ﷺ تِتِمَّةَ الحديثِ، قالَ هذَا الجزءَ الذِي ذكرَهُ النوويُّ هنَا) دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ (النبيُّ ﷺ قالَ: ((دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ)) فَأَرَادَ مِنْهُم ﷺ أَنْ يقومُوا بظواهرِ الْأَوَامِرِ مِنْ غيرِ تَعَمُّقٍ وتَكَلُّفٍ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: ((قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ)) يَكْفِي فِي امْتِثَال هَذَا حجَّةً وَاحِدَةً، فَالسؤالُ: هَل هُوَ كلَّ عَامٍ؟ تكلُّفٌ وتَعَمُّقٌ)، إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤَالِهِمْ (يَعْنِي: المسائِلُ الَّتِي لَا تَدْعُو الحاجَةُ إِلَيْها كَسُؤالِ النّصارَى عِيسَى بنَ مَرْيَم عَلَيْهِ وعَلى أُمِّهِ السّلام، مِنْهُم قَوْلُهُم وَطَلَبُهُم وَسُؤالُهُم لِعِيسَى بنَ مَرْيَم عَلَيْهِ السلام ﴿هَلْ يستطيُع رَبُّكَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْنا ماِئَدةً مِنَ السَّماء﴾، هذا السُّؤال مِنْ هؤلاءِ إِنَّما هُوَ سُؤالٌ يُشْبِهُ التَّعَنُّفَ. لَكِنَّ سيِّدَنا عِيسَى ﷺ سَأَلَ اللهَ لَهُم ما طَلَبُوهُ. فَأَجابَهُ اللهُ تعالى إِلَى سُؤالِهِ وَأَنْزَلَ لَهُم مائِدَةً مِنَ السَّماء، رَأَوْها بِأُمِّ العَيْن، تَهْبِطُ مِنَ السّماءِ وَعَليهَا سَمَكٌ وَخُبزٌ لكِنْ لأَنَّهُم سَأَلُوا هذَا السُّؤالَ الذي فِيهِ شِبْهُ تعَنُّفٍ، اللهُ تعالى شَدَّدَ عَلَيْهِم! فَنهاهُم أَنْ يَدَّخِرُوا مِنْ هذا الطّعامِ الذِي عَلَى هذهِ المائِدَةِ شيئًا. يَعني إِذا أرادُوا: يأكلوا بقَدْرِ مَا يريدونَ، لَكِنْ لا تَدَّخِرُوا مِنْ هذا الطّعامِ شيئا فِي بُيُوتِكُم وَكُونُوا أُمناءَ عَلَى هذا. فَصارُوا يَطْعَمُونَ وَيَدَّخِرُونَ فِي بيوتِهِم، فانْتَقَمَ اللهُ عَزَّ وَجَلّ مِنْهُم فَمَسَخَ بَعْضَهُم قِرَدَةً وَبَعْضَهُم خَنازِير! مِثْلُ هذَا السُّؤالِ، إِنَّما هُوَ سُؤالُ تَعَنُّفٍ، ليسَ سُؤالَ حُبٍّ فِي التَّعَلُّم كَما كانَ يَسْأَلُ الصَّحابَةُ غالِبًا رَسُولَ اللهِ ﷺ. وَلِذلِكَ، حِينَ تَكَلَّمَ الرّسُولُ مَعَ أَصْحابِهِ ذاتَ يَوْمٍ فقالَ لَهُم: “إِنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا” فقامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحابِهِ فقالَ: “يا رَسُولَ اللهِ، كُلَّ عام؟” يَعْنِى كُلّ سَنَة يَجِبُ عَلَيْنا أَنْ نَحُجَّ؟ حَتّى رَدَّدَ سُؤالَهُ مِرارا وَرَسُولُ الله ﷺ يُعْرِضُ عَنْهُ، حَتّى قالَ ﷺ: “لَوْ قُلْتُ نَعَم” مَعْناهُ يَجِبُ عَلَيْكُم أَنْ تَحُجُّوا كُلَّ عام، “لَوَجَبَت عَلَيْكُم وَلَما اسْتَطَعْتُم” لَعَجَزْتُم عَلَى أَنْ تَحُجُّوا كُلَّ عام، فَسُؤالُ هذا الصّحابِيِّ لَوْ أَنَّ الرّسُولَ أَجابَ أَنْ نَعَم، الحَجُّ فَرْضٌ فِي كُلِّ عامٍ عَلَى كُلِّ مُكَلَّف، لأَدّى هذا إِلَى حَرَجٍ وَضِيق عَلَى المكَلَّفِين لِذلِكَ أَنْكَرَ اللهُ قَوْلَهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ يَعْنِي إِنْ يُوَضِّحِ الرَّسُولُ ﷺ الجَوابَ عَلَى أَسْئِلَتِكُم هذِهِ ﴿تَسُؤْكُمْ﴾ يَعْنِي تَتَعَرَّضُونَ بِسَبِ جَوابِهِ لأَمْرٍ فِيهِ شِدَّةٌ وَفِيهِ ضِيقٌ. لِذلِكَ بَعْضُ الأُمَمِ الماضِيَةِ كانُوا يُشَدِّدُونَ فِي الأَسْئِلَةِ عَلَى أَنْبِيائِهِم، فَشَدَّدَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِم) (مِنَ الأُمُورِ التي سَأَلَها الأُمَمُ الماضِيَةُ لأَنْبِيائِهِم، وَشَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِم، فَشَدَّدَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِم، ما حَصَلَ زَمَنَ سيِّدِنا مُوسَى عَلَيْهِ السلام مِنْ أَنَّ شَخْصًا قَتَلَ ابنَ أَخِيهِ وَقِيلَ غَيرُ ذلِك. قَتَلَ قَرِيبًا لَهُ، وَأَلْقاهُ عَلَى قارِعَةِ الطّرِيق! فَضَجَّ الناس! مَنِ الذي قَتَلَ هَذا!! وَصارُوا يَتَّهِمُونَ أُناسًا لا دَخَلَ لَهُم حَتَّى كادَت أَنْ تَقَعَ فِتْنَةٌ بينَ النّاس فَجاءَ رَهْطٌ إِلَى سيِّدِنا موسَى يسْأَلُونَهُ أنْ يُبَيِّنَ لهم مَنِ القاتل فَسيِّدُنا مُوسَى عَلَيْهِ السلام سَأَلَ اللهَ بِذلِك فَجاءَ الأَمْرُ مِنَ اللهِ أَنْ يَذْبَحُوا بَقَرَة، فَبَدَلَ أَنْ يَلْتَزِمُوا أَمْرَ اللهِ تعالى حيثُ قالَ لهُمْ موسى عليهِ السلامُ ﴿إنَّ اللهَ يأمرُكُم أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرة﴾ معناهُ أَيّ بَقَرَةٍ تَذْبَحُونَها، تَكونونَ وَفَيْتُم وَفَعَلْتُم ما أَمْرَ اللهِ تعالى. اللهُ لَمْ يَذْكُر لَهُم صِفاتٍ لِهذه البَقَرَة! فقالُوا مُشَدِّدُونَ عَلَى أَنْفُسِهِم، صارُوا يسْأَلُونَ أَسْئِلَةً لا تَدْعوا الحاجَة أَنْ يُسْأَلَ عَنْها! صارُوا يَقُولونَ لِموسَى ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا﴾ ثُمَّ سَأَلُوهُ فقالوا: سَل رَبَّكَ ما صِفَتُها وَما شَكْلُها. سَأَلُوا أَسْئِلَةً فَشَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِم بِسَبَبِ هذه الأَسْئِلَة شَدَّدَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِم، هَذَا تَعْنِيتٌ مِنْهُمْ وَقِلَّةُ طَوَاعِيَةٍ، وَلَوِ امْتَثَلُوا الْأَمْرَ وَذَبَحُوا أَيَّ بَقَرَةٍ كَانَتْ لَحَصَلَ الْمَقْصُودُ، لَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، حَتّى بَحَثُوا عَنْ بَقَرَةٍ لَمْ يَجِدُوا بالصِّفات التي شَدَّدَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِم فِيها إِلّا عِنْدَ شَخْصٍ واحِدٍ وَطَلَبَ صاحِبُ هذه البَقَرَة مِثْلَ وَزْنِها ذَهَبا! وَلَوْ أَنَّهُم ذَبَحُوا أَيَّ بَقَرَةٍ لَكانَ أَجْزَأَهُم ذلِك! ثُمَّ إِنَّ اللهَ تعالَى أَمَرَهُم أَنْ يَذْبَحُوا هذه البَقَرَة وَأَنْ يَأْخُذُوا جُزْءًا مِنْ هذه البَقَرَة بَعْدَ ذَبْحِها فَيَضْرِبُوا هذا المقْتُولَ بِهذا الجُزْءِ مِنَ البَقَرَة كَما قالَ اللهُ تعالى فِي القرءان ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِى اضرِبُوهُ بِبَعْضِ هذهِ البَقَرَةَ، فَضَرَبُوهُ بفَخِذِ هذهِ البَقَرَةِ فَأَحْياهُ اللهُ عَزَّ وَجَلّ. قَعَدَ، ثُمَّ سُئِلَ: مَنِ الذِي قَتَلَكَ، فقالَ قَتَلَنِي فُلانٌ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حالَتِهِ التِي كانَ عَلَيْها. تَشْدِيدُهُم عَلَى أَنْفُسِهِم وَكَثْرَةُ مَسائِلِهِم كانَ سَبَبًا عَلَى تَشْدِيدِ اللهِ عَلَيْهِم) (روَى البخاريُّ عَنْ ‌أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَصَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُ لَكُمْ. فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ، كَانَ إِذَا لَاحَى (مِنَ الْمُلَاحَاةِ وَهِيَ الْمُمَارَاةُ وَالْمُجَادَلَةُ) يُدْعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ. ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ» مَعْناهُ يَنْبَغِي أَنْ نَنْقادَ وَأَنْ نَسْتَسْلِمَ لِحُكْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَضائِهِ وَأَنْ نَرْضَى بِذلِك. فنزلت هَذِهِ الْآيَةُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌لا ‌تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُم}.اهـ قامَ رجلٌ كَما فِي بَعْضِ الرِّواياتِ، فَسَأَلَ الرَّسُولَ سُؤالًا، لا تَدْعُو الحاجَةُ إِلَى السُّؤالِ عَنْهُ، فَقال: “يا رسُولَ اللهِ، أَينَ أَنا فِي الآخِرَة؟” يَعني أَسْكُنُ جَنَّةً أَوْ نارًا؟ فقال ﷺ: “أَنْتَ فِي النّار” شَىء عَظِيم. فدلَّت هذهِ الأحاديثُ على النهيِ عن السُّؤالِ عمَّا لا يُحتاجُ إليهِ مِمَّا يسوءُ السائلَ جوابُه مثلُ سؤالِ السائلِ؛ هلْ هوَ في النارِ أو في الجنةِ، وهلْ أبوه مَنْ ينتسِبُ إليهِ أو غيرُه، وعلى النهيِ عنِ السؤالِ على وجهِ التَّعَنُّتِ والعَبَثِ والاستهزاءِ، كمَا كانَ يفعَلُه كثيرٌ مِنَ المنافقينَ وغيرُهم ولمْ يكنْ النبيُّ ﷺ غالبا يُرخِّصُ في المسائلِ إلَّا للأعرابِ والوُفودِ القادمينَ عليه، يتألَّفُهُم بذلكَ، فأمَّا المهاجرونَ والأنصارَ المقيمونَ بالمدينةِ الذينَ رَسَخَ الإيمانُ في قلوبِهم، فنُهُوا عَنِ المسألةِ فيما لا يُحتاجُ إليهِ فالذِي يتعيَّنُ على المسلمِ الاعتناءُ بهِ والاهتمامُ أن يبحثَ عمَّا جاءَ عنْ الله ورسوله ﷺ ثمَّ يجتهدُ في فَهْمِ ذلكَ، والوقوفُ على معانيهِ، ثم يَشْتَغِلُ بالتصديقِ بذلكَ إنْ كانَ مِن َالأمورِ العلميةِ، وإنْ كانَ مِنَ الأمورِ العمليةِ، بذلَ وسْعَهُ في الاجتهادِ في فِعْلِ ما يستطيعُه مِنَ الأوامرِ، واجتنابِ ما يُنهى عنهُ، وتكونُ همَّتُهُ مصروفةً بالكليةِ إلى ذلكَ لا إلى غيرِه. وهكذَا كانَ حالُ أصحابِ النبيِّ ﷺ والتابعينَ لَهُم بإحسانٍ في طلبِ العلمِ النافعِ مِنَ الكتابِ والسنةِ فأمَّا إنْ كانتْ همةُ السامعِ مصروفةً عندَ سماعِ الأمرِ والنهيِ إلى وَضْعِ أمورٍ قد تقعُ، وقدْ لا تقعُ، فإنَّ هذَا مِمَّا يدخلُ فِي النَّهي، ويثبِّطُ عَنِ الْجِدِّ في متابعةِ الأمرِ. وقد سألَ رجلٌ ابنَ عمرَ فيمَا رواهُ الترمذيُّ عنِ استلامِ الحجرِ، فقالَ لهُ: رأيتُ النبيَّ ﷺ يستلمُه ويقبِّلُه، فقالَ لهُ الرجلُ: أرأيتَ إنْ غُلِبْتُ عليهِ؟ أرأيتَ إنْ زُوحِمْتُ؟ فقالَ لهُ ابنُ عمرَ: اجْعَلْ “أَرَأَيْتَ” باليمنِ، رأيتُ النبيَّ ﷺ يستلِمُه ويقبِّلُه ومرادُ ابنِ عمرَ أنَّه لا يكنْ لكَ همٌّ إلَّا في الاقتداءِ بالنبيِّ ﷺ ولا حاجةَ إلى فرضِ العجزِ عنْ ذلكَ أو تعسُّرِه قبلَ وقوعِه؛ فإنَّه قد يُفَتِّرُ العزمَ عنِ التَّصميمِ علَى المتابعةِ، فإنَّ التَّفقُّهَ في الدِّين، والسُّؤالَ عنِ العِلمِ إنَّما يُحمَدُ إذَا كانَ للعملِ، لا لِلمراءِ والجدالِ. ولهذَا المعنَى كانَ كثيرٌ مِنَ الصحابةِ والتابعينَ يكرهونَ السؤالَ عنِ الحوادثِ قبلَ وقوعِها، ولا يُجيبونَ عن ذلكْ، قالَ عمروُ بنُ مُرة: خرجَ عمرُ علَى الناسِ، فقالَ: أُحرِّجُ عليكُم أنْ تسألونَا عنْ مَا لمْ يكنْ، فإنَّ لنَا فيمَا كانَ شُغُلًا. وكانَ زيدُ بنُ ثابتٍ إذَا سُئِلَ عنِ الشَّيءِ يقولُ: كانَ هذَا؟ فإنَّ قالوا: لا، قالَ: دعوهُ حتَّى يكونَ. وقالَ مسروقٌ: سألتُ أبيَّ بنَ كعبٍ عنْ شيءٍ، فقالَ: أكانَ بعدُ؟ فقلتُ: لا، فقالَ: أَرِحْنَا حتَّى يكونَ فإذَا كانَ اجتهدْنَا لكَ رأيَنَا. وروَى أحمدُ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّه نهى عَنِ الأُغلوطَاتِ. وفسَّرَها الأوزاعيُّ، وقالَ: هيَ شدادُ المسائلِ. وقالَ عيسَى بنُ يونسَ: هيَ مَا لا يحتاجُ إليهِ مِنَ كيفَ وكيفَ. وقالَ الأوزاعيُّ: إنَّ اللهَ إذَا أرادَ أنْ يحرِمَ عبدَه بركةَ العلمِ، ألقَى علَى لسانِه المغاليطَ، فلقدْ رأيتُهم أقلَّ الناسِ علمًا. ومَنْ سلَكَ طريقةَ طلبِ العلمِ علَى مَا ذكرْنَاه، تمَكَّنَ مِنْ فَهْمِ جوابِ الحوادثِ الواقعةِ غالبًا؛ لأنَّ أصولَهَا تُوجَدُ فِي تلكَ الأصولِ المشَارِ إليهَا، ولَا بدَّ أنْ يكونَ سلوكُ هذَا الطريقِ خلْفَ أئمةِ أهلِهِ المجمَعِ علَى هدايتِهم ودرايتِهم كالشافعيِّ وأحمدَ ومالكٍ وأبي حنيفةَ ومَنْ سلكَ مسلَكَهم، فإنَّ مَنِ ادَّعَى سلوكَ هذَا الطريقَ علَى غيرِ طريقِهم، وقعَ فِي مفاوُزَ ومهالكَ، وأخذَ بمَا لا يجوزُ الأخذُ بهِ، وتركَ ما يجبُ العملُ بهِ ومِلاكُ الأمرِ كلَّه أنْ يقصِدَ بذلكَ وجهَ اللهِ، والتقرُّبَ إليهِ بمعرفةِ ما أنزلَ على رسولِه، وسلوكِ طَريقِه، والعملِ بذلكَ، ودعاءِ الخلقِ إليهِ، ومَنْ كانَ كذلِكَ، وفَّقَه اللهُ وسدَّدَه، وألهمَه رُشْدَهُ، وعلَّمَه ما لمْ يكنْ يعلَمْ، وكانَ مِنَ العلماءِ الممدوحينَ في الكتابِ في قولِه تعالَى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} ومِنَ الراسخينَ في العلمِ.اهـ) (مِمّا أَهْلَك الذينَ كانوا فِي الأُمَمِ السّابِقَة كَثْرَةُ مَسائِلِهِم مِنْ غَيرِ حاجة، فَالسُّؤالُ للحاجَة لا يَكُونُ مَذْمُومًا. إِذا كُنتُ واقِعًا فِي مَسْأَلَة وَأَرَدْتُ أَنْ أَعَرف إِنْ كانت حَلالًا أَوْ حَرامًا هذا ليسَ مَذْمُومًا، بَلْ هذا مَمْدُوح لأَنَّهُ لا يَجُوزُ لِي أَنْ أَدْخُلَ فِي أَمْرٍ إِلّا بعْدَ أَنْ أَعلَمَ حُكْمَ اللهِ فِيه! هذا مسَألَة إِجْماع! بَعْض الناس أَحْيانًا يَدْخُلُوا فِي أَمْرٍ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا حُكْمَ الله! مَثَلًا يشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَعْلَم إنْ كانَ هذا الأمر يَحِلّ أَوْ لا يَحِلّ. أَوْ يَبِيع أَوْ يَسْتَأْجِر أَو يَعْمَلُ عَقْدًا مِنَ العُقُود قَبْلَ أَنْ يعْلَم حُكَم اللهِ فِي هٰذا الأَمر! أَوْ ينذُر إِلخ. العُلَماء قالُوا: لَيسَ للإِنْسانِ أَنْ يَدْخُلَ فِي شىءٍ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ حُكْمَ الشَّرْعِ فِيهِ، فَلا بُدَّ أَنْ يَسْأَلَ أَهلَ العِلْم! قالَ تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ هذا السُّؤال ممْدُوح، ليس مَذْمُومًا. أَمّا الأَسْئِلَة التي ما وَقَعَت وَلا يَحْتاجُ إِلَيْها فَهٰذا ليسَ مُسْتَحْسنًا. فَلِذلِكَ يَنْبَغِي عَلَى المسلِم أَنْ يَسْأَلَ السُّؤالُ الذي يَحْتاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ جَوابِهِ وَفِى مَعْرِفَةِ جَوابِهِ نَفْعٌ. لِذلِكَ قال عَلَيْهِ الصلاةُ وَالسّلام فِي أُناسٍ مِنْ أَصْحابِهِ أَفْتَوْا إِنْسانًا أَصابَت رأْسَهُ شَجَّة، يَعْنِى أُصِيبَ بِجُرُح بَلِيغ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ أَجْنَبَ فِي ليلَةٍ بارِدَة فَسَأَلَ بَعْضَ أَصْحابِ رَسُولِ الله هَلْ يَغْتَسِل أَمْ لا، فقالُوا اغْتَسِل، فَمات!! لأَنَّ هذا الماءَ أَصابَ الجُرْحَ البَلِيغ فَكانَ سببَ مَوْتِهِ. أَفْتَوْهُ بِخِلافِ الشرْع!! وَلَمْ يَسأَلُوا أُناسًا هُم أَهْلًا بِأَنْ يُسْأَلُوا مِنْ أَصْحابِ رَسُولِ الله. حِينَ بَلَغَ الرَّسُولَ ما حَصَل، قال ﷺ: “إِنَّما كانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَغْسِلَ (يَعْنِى الصّحيح) وَيَعْصِبَ (يَعْنِى يَضَعُ عِصابَة عَلَى الجُرح) وَيَتَيَمَّم” يَعْنِى بَدَلًا عَنْ غَسْلِ الْمَوْضِع الذي عَلَيْهِ هذه العِصابَة. ثُمَّ قال ﷺ: “قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ الله!” دَعَا عَلَيْهِم ﷺ لَأَنَّهُم أَفْتَوْهُ بِغَيرِ حُكْمِ الله!! ثُمَّ قال ﷺ: “هَلّا سَأَلُوا إِذا عَجَزُوا” يَعْنِى يَسْأَلُوا أَهْل العِلْم! لِماذا يَتَجاوَزُ الإِنْسانُ حَدَّهُ فَيُفْتِي بِخِلافِ الشّرْع. “هَلّا سَأَلُوا إِذا عَجَزُوا” أَوْ “إِذا جَهِلُوا؟ فَإِنَّ شِفاءُ العيِّ السُّؤال” إِذا عَجَزْتَ عَنْ مَعْرِفَةِ الحُكم فِي مَسأَلَةٍ شَرْعِيَّةٍ فاسْأَل أَهْلَ العِلْم! فَلا مانِعَ أَنْ تَسْأَلَ سُؤالًا لِتُحَصِّلَ جَوابًا يَنْفَعُكَ فِي أَمْرِ دِينِكَ. أَمّا السُّؤالَ الذي لا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَلا حاجَة تَدْعُو إِلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ نَتْرُكَ السُّؤالَ عَنْهُ لأَنَّ بَعْضَ النّاسِ فِي زَمانِنا تَجِدُهُ يَسْأَلُ أَسْئِلَةً لا تَدْعُو الحاجَةُ إِلَى مَعْرِفَةِ أَجْوِبَتِها وَلا يَتَوَصَّلُ عَلَى مَعْرِفَةِ أَجْوِبَتِها كَثِيرُ نَفْع يَعْنِى تَجِدُ بَعْض الناس يَجْهَلُ أَحْكام الوُضُوء الضّرورِيّة وَيَجْهَلُ أَحْكام الاسْتِنْجاء وَيَجْهَلُ أَحْكامَ التَّيَمُّمِ وَالغُسُل وَتَجِدُهُ أَحْيانًا يَجْهَلُ أَشياءَ فِي أُمُورِ العَقائِد وَيَأْتِيكَ لِيَسْأَلَكَ عَنْ كَلْبِ أَهْلِ الكَهْفِ ما اسمُهُ! أَوْ تَجِدُ البَعْض يَسأَل أُمُّ مُوسَى ما كانَ اسْمُها!؟؟ أَوَّلًا تَعَلَّم الأَشياءَ التي تَشْتَدُّ حاجَتُكَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ فِي أُمُورِ العَقائِد وَأُمُورِ الأَحْكام تعَلَّمِ الأُمورَ التي إِذا قَصَّرْتَ فِي تَعَلُّمِها تَسْتَحِقُّ أَنْ تُعاقَبَ فِي الآخِرَة. أَمّا لَوْ أَنَّ الإِنْسانَ عاشَ عُمُرَهُ لا يَعْرِفُ اسْمَ أُمِّ مُوسَى وَلا يَعْرِفُ اسْمَ كَلْبِ أَهْلِ الكَهْفِ، لا يَضُرُّهُ فِي دِينِهِ. وَلَو عاشَ عُمُرَهُ لا يَعْرِفُ أَسْماءَ أهلِ الكَهفِ أَيْضًا لا يَضرُّهُ فِي أَمْرِ دِينِهِ وَلا يَنْقُصُ هذا مِنْ قَدْرِهِ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ شيئا لأَنَّهُ لَنْ يُعاقَبَ عَلَة هذا فِي الآخِرَة أَمّا إِنْ قَصَّرَ تَعَلُّمَ أُمُورَ العَقائِد والأَحكام الضّرورِيَّة، فَإِنُّهُ سيُسألُ عَنْ هذا يَوْمَ القِيامَة) وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْء فَاجْتَنِبُوهُ (“اجتَنِبُوهُ” مِنَ الْمُجانَبَة. الْمُجانَبَة مَعْناهُ أَنْ تَكُونَ فِي جانِب وَالشىءُ فِي جانِبٍ ءاخَر. مَعناهُ اتْرُكُوه! “مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ” فاتْرُكُوه، وَهذا تَحْرِيمٌ! “مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ” فَلا تَقْرَبُوهُ!! لا تَفْعَلُوه! وَهذا كَما هُوَ عَلَى إِطْلاقِهِ. حَرَّمَ عَلَيْنا رَسُولُ اللهِ مَثَلًا شُرْبَ الخَمْرِ فَإِذًا لا بُدَّ أَنْ نَجْتَنِبَه! قد يسْأَل شَخْص: إِذا شَخْص خُنِقَ بِاللُّقْمَة وَكادَ يَخْتَنِق وَلا يسْتَطِيعُ أَنْ يُسيغَها إِلّا بِشَرْبَةِ خَمْرٍ، أَلَيسَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَناوَلَها عِنْدَ ذلِك؟؟ نَقُول: فِي هذه الحال لا يَكُونُ حَرامًا، هذا ما حَرَّمَهُ النّبِيُّ عَلَيْهِ، فَيَبقَى كَلامُهُ عَلَى إِطْلاقِهِ. “مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ” عَلَى إِطْلاقِهِ، كُلُّ شىء نهَى عَنْهُ النّبِيّ لا بُدَّ مِنِ اجْتِنابِهِ. الصَّلاة مَثَلًا لا يَجُوزُ للمُسلِم أَنْ يَترُكَها ويقطعها وَيَذْهَبَ إِلَى شَخصٍ ءاخَر مَثَلًا وَلَكِنْ إِنْ كان هناكَ شخص مُسْلِم أَعْمَى سيَقَعُ فِى حُفْرَة فَيَتَضَرَّر، وَلا يُنْقَذ إِلّا بِهذه الطَّرِيقَة، هُنا يُنْقِذُهُ. فِي هذه الحال، هذا الفِعْلُ مِنْهُ لا يَكُونُ مُحَرَّمًا! هذا ما حَرَّمَهُ النّبِيُّ. لِذلِكَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ)، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (دلّ على وجوب الْمَقْدُور عَلَيْهِ من جَمِيع المأمورات) (فَأْتُوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ: أَيْ ما قَدَرْتُم عَلَيْه، كَمَا قالَ اللهُ تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وَهٰذه قاعِدَةٌ مِنْ قَواعِدِ الإسْلام أَنَّ ما أَمَرَ الشَّرْعُ بِهِ، فَإِنَّ الإِنْسانَ يَأْتِي مَنْهُ ما استَطاع. الشَّرْعُ أَمَرَ بِصَوْمِ شَهْرِ رَمَضان كُلِّهِ. فَإِنِ اسْتَطاعَ أَنْ يَصُومَ ثَلاثَةَ أَرْباعِهِ ثُمَّ عَجَز، هَلْ يَصُومَ ثَلاثَةَ أَرْباعِهِ أَمْ لا؟؟ بَلَى، يَصُومَ ثَلاثَةَ أَرْباعِهِ، لماذا؟ لأَنَّ النّبِيَّ قال: “مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ“. إِذا عَجَزَ الشَّخص مِنَ القِيامِ فِي الصّلاة هَلْ يُصَلِّي قاعِدًا أَمْ لا؟ بَلَى، لماذا؟ لأَنَّ النّبِيَّ قال: “مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ“. وهٰكذا غَيرُها. إِذا كانَ يَستَطِيع أَنْ يَأتِيَ بِالبَعض وَعَجَزَ عَنِ البَعْضِ الآخَر، أَتَى بِما يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأتِي بِهِ. إِذا كانَ عَجَزَ أَنْ يَغْسِلَ كُلَّ أَعْضاءِ الوُضُوء، وَكانَ يسْتَطِيع أَنْ يَغْسِلَ بَعْضَها، ماذا يَفْعَل؟ يَغْسِلُ بَعْضَها، فهكَذا كُلّ ما كانَ يُشْبِهُهُ. مِنْ أَيْنَ أَخَذَ العُلَماءُ هٰذا؟ مِنْ مِثْلِ هذا الحَدِيث. وَمِنْ هٰذا قالُوا: إِذا كانَ الكافِر عاجِزًا عَنِ النُّطُق، إِذا صَدَّقَ بِقَلْبِهِ أَن لا إِله إِلا الله وأَنَّ محمّدًا رَسُولُ الله، كَفاهُ التَّصْدِقُ بِالقَلب وَلا يُشْتَرَطُ النُّطْقُ فِي حَقِّهِ. فَإِنْ كانَ يسْتَطِيعُ أَنْ يُحَرِّكَ شَفَتَيْه بِالشَّهادَتَيْن، حَرَّكَ شَفَتَيْهِ، لِماذا؟ لأَنَّ “مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ”، وَهٰذا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَرِّكَ شَفَتَيْهِ، بِالشَّهادَتَيْنِ فَيُحَرِّكُهُما. وَهٰذا مَعْنَى قَوْلِ اللهِ تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ مَعْنَى قَوْلِ اللهِ تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. هُنا نُلاحِظ أَنَّ النّبِيَّ قال: “مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ“. هَلْ قالَ النّبِيُّ فِي ذلِكَ: ما اسْطَعتُم؟؟؟ لا! وَقال: “مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ“، بَعْضُ العُلماء قال: يُؤْخَذُ مِنْ هٰذا أَنَّ دَرْأَ الْمَفاسِد مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصالِح. (الدَّرأ = الْمَنْع). إِذا أَمر يَحْصُلُ مِنْهُ مَفْسَدَة، وَيُجْلَبُ مِنْهُ مَصْلَحَة، هٰذا الأَمْرُ يُمْتَنَعُ مِنْهُ لأَنَّ درء المَفْسَدَة، رَدّ المفْسَدَة، لأَنَّ مَنْعَ المفْسَدَة مقدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصْلَحَة. قالُوا مِمّا يَدُلُّ عَلَى ذلِك أَنَّ النّبِيّ قال فَي النَّهِي: “فَاجْتَنِبُوهُ” أَمّا فِي الأمْر فَقال: “فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ”، فَهٰذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دَرْء الْمَفاسِد مُقدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصالِح. بَعْضُ العُلماء قال: هٰذا الحَدِيث حُجَّةٌ فِي هٰذا الأَمْر. وَٰهذه قاعِدَةٌ مِنْ قَواعِدِ الشّرِيعَة أَنَّ دَرْأَ الْمَفاسِد مقدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصالِح، إِلّا أَنَّ هٰذه القاعِدَة أَغْلَبِيَّة، كَما هُوَ الحالُ كَثِيرٍ مِنَ القَواعِد. نحنُ لَسْنا مُجْتَهِدِين فَلا نأْخُذُ قاعِدَة وَنُطَبِّقُها عَلَى هَوانا! مِثْلُ هٰذا الأَمْر يُتْرَكُ للمُجْتَهِد، لأَهْلِهِ، للعُلَماء! هٰذا القاعِدَة مِثل كَثِير مِنَ القَواعِد الحكم هٰكذا فِي أَغْلَب الأَحيان وليسَ دائِمًا! هُناكَ أَشياء تُسْتَثْنَى)». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.