المقدمة
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَظْهَرَ الْحَقَّ وَأَوْضَحَهُ، وَكَشَفَ عَنْ سَبِيلِهِ وَبَيَّنَهُ، وَهَدَى مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ إِلَى طَرِيقِهِ، وَشَرَحَ بِهِ صَدْرَهُ، وَأَنْجَاهُ مِنَ الضَّلَالَةِ حِينَ أَشْفَا عَلَيْهَا، فَحَفِظَهُ وَعَصَمَهُ مِنَ الْفِتْنَةِ فِي دِينِهِ، فَأَنْقَذَهُ مِنْ مَهَاوِي الْهَلَكَةِ، وَأَقَامَهُ عَلَى سُنَنِ الْهُدَى وَثَبَّتَهُ، وَآتَاهُ الْيَقِينَ فِي اتِّبَاعِ رَسُولِهِ وَصَحَابَتِهِ وَوَفَّقَهُ، وَحَرَسَ قَلْبَهُ مِنْ وَسَاوِسِ الْبِدْعَةِ وَأَيَّدَهُ، وَأَضَلَّ مَنْ أَرَادَ مِنْهُمْ وَبَعَّدَهُ، وَجَعَلَ عَلَى قَلْبِهِ غِشَاوَةً، وَجَعَلَهُ فِي غَمْرَتِهِ سَاهِيًا، وَفِي ضَلَالَتِهِ لَاهِيًا، وَنَزَعَ مِنْ صَدْرِهِ الْإِيمَانَ، وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ؛ لِيَبْلُغَ الْكِتَابُ فِيهِ أَجَلَهُ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، فَلَمْ يُطْلِعْ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا؛ لِيَتَحَقَّقَ وَعْدُهُ الْمَحْتُومُ، وَكِتَابُهُ الْمَخْتُومُ، وَغَيْبُهُ الْمَكْتُومُ، {وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ}. وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ، الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُبْدِئُ وَيُعِيدُ، شَهَادَةَ مُقِرٍّ بِعُبُودِيَّتِهِ، وَمُذْعِنٍ بِأُلُوهِيَّتِهِ، وَمُتَبَرِّئٍ عَنِ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إِلَّا بِهِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ عَامَّةً؛ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ. أما بعد:
الشرح
فقد وصلْنا في كتابِ رياضِ الصالحين إلى بابٍ في المحافظةِ على السنةِ وآدابِها، وأذكركم أنه مِنْ عادةِ الحافظِ النوويِّ في هذا الكتابِ المباركِ أنَّه يبدأ تبويبَه للبابِ بآياتٍ مِن كتابِ الله ثم يذكرُ الأحاديثَ النبويةَ ويوضحُ بعضَ المعاني إنِ احتيجَ لذلكَ معَ بعضِ التعليقاتِ إنْ وُجدتْ، وكنا في هذا البابِ قد شرحْنا بعضَ الآياتِ التي استدلَّ بها على أهميةِ التمسكِ بالسنةِ النبويةِ ونكملُ في بقيةِ الآياتِ إن شاءَ اللهُ تعالى، قال الحافظُ النوويُّ رحمهُ اللهُ: وَقالَ تَعَالَى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65] (إنَّ الناظرَ والمتتبعَ لسياقِ هذهِ الآيةِ الكريمةِ وما قبلَها يتبينُ لهُ أنَّ الآياتِ السابقةَ فيهَا الأمرُ باتباعِ النبيِّ ﷺ ولسببِ نزولِهَا قصةٌ سأذكُرُها إنْ شاءَ اللهُ، ثمَّ جاءَتْ هذهِ الآيةُ فيهَا بيانُ جزاءِ مَن لم يطعْ رسولَ اللهِ ﷺ، فقد قالَ عزَّ وجلَّ: [وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا، فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا]، بينتِ الآياتُ الكريمةُ أنَّ اللهَ أرسلَ الأنبياءَ ليطيعَهُم أقوامُهُم فمَنْ أطاعَهُم فقدْ فازَ وأفلَحَ ونَجَا، ومَنْ عَصَاهُم فقَد عَرَّضَ نفسَهُ للهوانِ والصَّغَارِ والعذابِ والعياذُ بالله، وقولُه عزَّ وجلَّ: [فَلَا وَرَبِّكَ]، قَسَمٌ مِنَ اللهِ تعالَى، اللهُ يُقسِمُ بنفسِهِ عزَّ وجلَّ، [لَا يُؤمِنُونَ]، أَيْ مَنْ لَمْ يُصَدِّقْ مُحَمَّدًا ﷺ ويُطِعْهُ بأصلِ الإيمانِ لَا يكونُ مؤمنًا ويكونُ قدْ عرَّضَ نفسَهُ للخلودِ فِي النارِ وأمَّا إِنْ لَمْ يُطِعْهُ فِي الواجباتِ دُونَ الإيمانِ فقد عَرَّضَ نفسَهُ للعذابِ بِمَا هوَ أَقَلُّ مِنْ عذابِ الكافرِ، [حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ]، فَلَا يَحتَكِمُوا إِلَى الطاغوتِ، وَ(شَجَرَ) مَعْنَاهُ اخْتَلَفَ وَاخْتَلَطَ، وَمِنْهُ الشَّجَرُ لِاخْتِلَافِ أَغْصَانِهِ. وَتَذكُرُ الآيةُ الكريمةُ أَنَّهُ مِنْ صفةِ التسليمِ لرسولِ اللهِ ﷺ أنْ لا يجدَ الشخصُ المُسَلِّمُ في نفسِه حرجًا من قضاءِ رسولِ اللهِ ﷺ ويُسَلِّمَ تسليمًا، وجيءَ بالمصدرِ للتأكيدِ، قال القرطبيُّ: (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ) أَيْ ضِيقًا وَشَكًّا، وَمِنْهُ قِيلَ لِلشَّجَرِ الْمُلْتَفِّ. “حرجًا” قَالَ الضَّحَّاكُ: أَيْ إِثْمًا بِإِنْكَارِهِمْ مَا قَضَيْتَ. (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) أَيْ يَنْقَادُوا لِأَمْرِكَ في القضاء. وقال الزجاج: (تَسْلِيمًا) مصدرٌ مؤكدٌ، فَإِذَا قُلْتَ: ضَرَبْتُ ضَرْبًا فَكَأَنَّكَ قُلْتَ لَا أَشُكُّ فِيهِ، وَكَذَلِكَ (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) أَيْ وَيُسَلِّمُوا لِحُكْمِكَ تَسْلِيمًا لَا يُدْخِلُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ شَكًّا.اهـ وفي سببِ نزولِ هذهِ الآيةِ أقوالٌ وقصصٌ تُذكرُ، ففِي البخاريِّ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: «خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فِي شَرِيجٍ مِنَ الْحَرَّةِ [الشَّرْجَةُ: مَسِيل الْمَاءِ مِنَ الحَرَّة إِلَى السَّهل]، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ، وَاسْتَوْعَى [أيِ استوفاهُ واستوعبَه] النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الحُكمِ، حِينَ أَحْفَظَهُ الْأَنْصَارِيُّ [أي أغضبَه والإحفاظُ الإغضابُ]، كَانَ أَشَارَ عَلَيْهِمَا بِأَمْرٍ لَهُمَا فِيهِ سَعَةٌ، قَالَ الزُّبَيْرُ: فَمَا أَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَاتِ إِلَّا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}».اهـ قالَ النوويُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ وَلَو صَدَرَ مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ الْأَنْصَارِيُّ الْيَوْمَ مِنْ إِنْسَانٍ مِنْ نِسْبَتِهِ ﷺ إِلَى هَوًى كَانَ كُفْرًا وَجَرَتْ عَلَى قَائِلِهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ فَيَجِبُ قَتْلُهُ بِشَرْطِهِ قَالُوا وَإِنَّمَا تَرَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ يَتَأَلَّفُ النَّاسَ وَيَدْفَعُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَى المُنَافِقِينَ وَمَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَيَقُولُ يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا وَيَقُولُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: [وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنهُمْ وَاصفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحسِنِينَ] قَالَ الْقَاضِي: وَحَكَى الدَّاوُدِيُّ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي خَاصَمَ الزُّبَيْرَ كَانَ مُنَافِقًا وَقَوْلُهُ فِي الحَدِيثِ إِنَّهُ أَنصَارِيٌّ لَا يُخَالِفُ هَذَا لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ قَبِيلَتِهِمْ لَا مِنَ الْأَنْصَارِ الْمُسْلِمِينَ.اهـ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَكُلُّ مَنِ اتَّهَمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ كَافِرٌ.اهـ وقيلَ في قصةِ نزولِهَا سببٌ آخرُ: روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يُقَالُ لَهُ بِشْرٌ، كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِيٍّ خُصُومَةٌ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: نَنْطَلِقُ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَقَالَ الْمُنَافِقُ: بَلْ إِلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ [لعنَهُ اللهُ وهُوَ يهوديٌّ أهْدَرَ النبيُّ دَمَهُ وأمَرَ بقتلِهِ فقُتِلَ بقِصَّةٍ يذكُرُهَا أهلُ السيرِ]، وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ اللهُ الطَّاغُوتَ، فَأَبَى الْيَهُودِيُّ أَنْ يُخَاصِمَهُ إِلَّا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا رَأَى الْمُنَافِقُ ذَلِكَ أَتَى مَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْيَهُودِيِّ، فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ لَزِمَهُ الْمُنَافِقُ [أي أمسَكَهُ]، وَقَالَ: انْطَلَقَ بِنَا إِلَى عُمَرَ رضي الله عنه، فَأَتَيَا عُمَرَ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ: اخْتَصَمْتُ أَنَا وَهَذَا إِلَى مُحَمَّدٍ فَقَضَى لِي عَلَيْهِ فَلَمْ يَرْضَ بِقَضَائِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ يُخَاصِمُ إِلَيْكَ، فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه لَهُمَا: رُوَيْدَكُمَا حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكُمَا فَدَخَلَ عُمَرُ الْبَيْتَ وَأَخَذَ السَّيْفَ وَاشْتَمَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ فَضَرَبَ بِهِ الْمُنَافِقَ حَتَّى بَرُدَ [أي حتَّى ماتَ]، وَقَالَ: هَكَذَا أَقْضِي بَيْنَ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَضَاءِ رَسُولِهِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقَالَ جِبْرِيلُ للنبي ﷺ: إِنَّ عُمَرَ رضي الله عنه فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فَسُمِّيَ الفَارُوقُ.اهـ
قال القاضي: يَجِبُ أن يَكُونَ التحَاكُم إلى الطَّاغُوتِ كُفرًا، وعدمُ الرِّضَى بِحُكْمِ مُحَمَّد ﷺ كُفْرًا؛ لوجوه: أحدها: قوله: {يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت وَقَدْ أمروا أَن يَكفُرُوا بِهِ} فجعل التَّحاكم إلى الطَّاغُوت مقابلًا للكُفْر به، وهذا يَقْتَضِي أن التَّحَاكُم إلى الطَّاغُوت كُفْر بالله، كما أن الكُفْرَ بالطَّاغُوت إيمانٌ باللهِ. ثانيها: قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوْا تَسْلِيمًا} [النساء:65] وهذا نَصٌّ في تكْفِير من لَمْ يَرْضَ بحُكْم الرَّسُول ﷺ. وثالثها: قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] وهذهِ الآياتُ تَدُلُّ على أنَّ من رَدَّ شيئًا من أوَامِرِ الله والرَّسُول فهُو خَارِجٌ عن الإسْلام، سواءٌ رَدَّهُ من جِهَةِ الشِّرْكِ أو من جَهَةِ التَّمَرُّد.اهـ
وَقال الرازي: دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعْصُومُونَ عَنِ الْخَطَأِ فِي الْفَتْوَى وَفِي الْأَحْكَامِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَ الِانْقِيَادَ لِحُكمِهِمْ وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ الإِيجَابِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ ذَلِكَ الِانقِيَادِ فِي الظَّاهِرِ وَفِي الْقَلْبِ، وَذَلِكَ يَنْفِي صُدُورَ الْخَطَأِ عَنْهُمْ.اهـ)
(أما معنى قولِه تعالَى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا)، أولًا لِيُعْلَمْ أَنَّهُ يَجبُ الاعتقَادُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَعْصُومٌ مِنْ تَرْكِ الإِسلَامِ وَمِنَ الوُقُوعِ فِي الكُفرِ، وَمَعصُومٌ مِنَ التَّحرِيفِ وَالتَّبدِيلِ وَمِنَ التَّقَوُّلِ عَلَى اللهِ، وَهُوَ ﷺ كَانَ مِنْ صِغَرِهِ وَقَبلَ النُّبُوَّةِ لَيسَ فِيهِ مَيلٌ لِلكَافِرِينَ وَلَا إِلَى عَقَائِدِهِمْ وَلَا إِلَى فَسَادِهِم، النَّبِيُّ ﷺ مُستَحِيلٌ عَلَيهِ أَنْ يَفتَرِيَ عَلَى اللهِ لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيهِ جَمِيعُ كُفَّارِ الإِنسِ وَالجِنِّ لِأَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَصَمَهُ، وَالعِصْمَةُ أَيِ الحِفظُ.
قَالَ المُفَسِّرُ أَبو حَيَّانَ الأَنْدَلُسِيُّ فِي تَفسِيرِهِ البَحرِ المُحِيطِ: ((وَإِنْ كَادُوا)) قيل: لِقُرَيشٍ، وَقِيلَ: لِثَقِيفٍ، وَذَكَرُوا أَسبَابَ نُزُولٍ مُختَلِفَةً، وَفِي بَعضِهَا مَا لَا يَصِحُّ نِسبَتُهُ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ، وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِمَا قَبلَهَا أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلَى بَنِي آدَمَ، ثُمَّ ذَكَرَ حَالَهُمْ فِي الآخِرَةِ مِنْ إِيتَاءِ الكِتَابِ بِاليَمِينِ لِأَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمِنْ عَمَى أَهلِ الشَّقَاوَةِ أَتبَعَ ذَلِكَ بِمَا يَهُمُّ بِهِ الأَشقِيَاءُ فِي الدُّنيَا مِنَ المَكرِ وَالخِدَاعِ وَالتَّلبِيسِ عَلَى سَيِّدِ أَهلِ السَّعَادَةِ المَقطُوعِ لَهُ بِالعِصْمَةِ. وَمَعنَى ((لَيَفْتِنُونَكَ)) لِيَخدَعُونَكَ، وَذَلِكَ فِي ظَنِّهِمْ لَا أَنَّهُمْ قَارَبُوا ذَلِكَ إِذْ هُوَ مَعصُومٌ عَلَيهِ السَّلَامُ أَنْ يُقَارِبُوا فِتْنَتَهُ عَمَّا أَوحَى اللهُ إِلَيهِ، وَتِلكَ المُقَارَبَةُ فِي زَعمِهِمْ سَبَبُهَا رَجَاؤُهُمْ أَنْ يَفتَرِيَ عَلَى اللهِ غَيرَ مَا أَوحَى اللهُ إِلَيهِ مِنْ تَبدِيلِ الوَعدِ وَعِيدًا أَوِ الوَعِيدَ وَعْدًا، وَمَا اقْتَرَحَتْهُ ثَقِيفٌ مِنْ أَنْ يُضِيفَ إِلَى اللهِ مَا لَمْ يُنْزِلْ عَلَيهِ» اهـ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: كُلُّ مَا فِي القُرْآنِ كَادَ فَهُوَ مَا لَا يَكُونُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ: ((يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ))، وَلَمْ يَذهَبْ. ((وَأَكَادُ أُخْفِيهَا)) وَلَمْ يَفعَلْ.
قَالَ القُشَيرِيُّ: «وَلَقَدْ طَالَبَتْهُ قُرَيشٌ وَثَقِيفٌ إِذْ مَرَّ بِأَصنَامِهِم أَنْ يُقبِلَ بِوَجهِهِ إِلَيهَا، وَوَعَدُوهُ الإِيمَانَ بِهِ إِنْ فَعَلَ، فَمَا فَعَل، وَلَا كَانَ لِيَفعَلَ» اهـ. قَالَ ابنُ الأَنبَارِيِّ: «مَا قَارَبَ الرَّسُولُ، وَلَا رَكَنَ» اهـ. فَمَضْمُونُ هَذَا وَمَفْهُومُهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَصَمَهُ مِنْ أَنْ يَفتَرِيَ، وَثَبَّتَهُ حَتَّى لَم يَركَنْ إِلَيهِمْ قَلِيلًا، فَكَيفَ كَثِيرًا! وَهُمْ يَرْوُونَ أَخبَارَهُمُ الوَاهِيَةَ أَنَّهُ زَادَ عَلَى الرُّكُونِ، وَالاِفتِرَاءِ بِمَدحِ أَصْنَامِهم، -وافْتَرَوا عَلَى الرَّسُولِ فَنَسَبُوا إِلَيهِ هَذَا الحَدِيثَ المُكَذِّبَ للدِّينِ وَهُوَ مُستَحِيلٌ عَلَى الرَّسُولِ فَزَعَمُوا أَنَّه قَالَ ﷺ: افْتَرَيتُ عَلَى اللهِ، وَقُلتُ مَا لَم يَقُلْ، وَهَذَا ضِدُّ مَفهُومِ الآيَةِ، وَهِيَ تُضَعِّفُ الحَدِيثَ لَو صَحَّ، فَكَيفَ، وَلَا صِحَّةَ لَهُ؟).
وَقالَ تَعَالَى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ} [النساء:59] (وتمامُ الآيةِ: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ]، قالَ القرطبيُّ: (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ) أَيْ تَجَادَلْتُمْ وَاخْتَلَفْتُمْ، فَكَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَنْتَزِعُ حُجَّةَ الْآخَرِ وَيُذْهِبُهَا. وَالنَّزْعُ الْجَذْبُ. وَالْمُنَازَعَةُ مُجَاذَبَةُ الْحُجَجِ، (فِي شَيْءٍ) أَيْ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ. (فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ) أَيْ رَدُّوا ذَلِكَ الْحُكْمَ إِلَى كِتَابِ اللهِ أَوْ إِلَى رَسُولِهِ بِالسُّؤَالِ فِي حَيَاتِهِ، أَوْ بِالنَّظَرِ فِي سُنَّتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ، وقالَ القرطبيُّ: وَمَنْ لَمْ يَرَ هَذَا اخْتَلَّ إِيمَانُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).
وقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: الرُّجُوعُ إِلَى الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ. وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِلَى الرَّسُولِ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سُنَّتَهُ ﷺ يُعْمَلُ بِهَا وَيُمْتَثَلُ مَا فِيهَا.اهـ) (قال النوويُّ رحِمَهُ الله): قَالَ العلماء: معناه إِلَى الكتاب والسُنّة، (وَهَذَا فِيهِ الأَمرُ بِاتِّبَاعِ الشَّرِيعَةِ واتِّبَاعِ الهَديِ النَّبَوِيِّ واتِّبَاعِ إِجمَاعِ أُمَّتِهِ ﷺ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ الرَّازِيُّ وَغَيرُهُ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ مَا علَيهِ جَمَاعَةُ المُسلِمِينَ وَأَنَّهُمْ لَا يَجتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ، قَالَ تَعَالَى: [وَاعتَصِمُوا بِحَبلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا].
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قُمْتُ فِيْكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللهِ فِيْنَا فَقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ، أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ، عَلَيْكُمْ بِالْجَماعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحبُوحَةَ الجَنَّةِ فَليَلزَمِ الجَماعَةَ».
وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيْثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: «إِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةَ». وَقَدْ أَمَرَ الشَّرْعُ الْحَنِيْفُ بِالْتِزَامِ مَا عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِيْنَ وَحَذَّرَ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ فَإِنَّ فِي الْمُخَالَفَةِ لَهُمْ هَلَاكًا وَضَلَالًا مُبِيْنًا، فَيَنْبَغِيْ عَلَى مُرِيْدِ رِضَى اللهِ وَسَلَامَةِ دِيْنِهِ أَنْ يَعْرِفَ مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْعَقِيْدَةِ وَالْأَحْكَامِ فَيَلْتَزِمَهُ وَبِهَذَا أَوْصَى الصَّحَابةُ أَيْضًا فَقَدْ رَوَى الدَّارِمِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَبْضُهُ أنْ يُذْهَبَ بِأَصْحَابِهِ، عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِيْ مَتَى يُفْتَقَرُ إِلَيْهِ أَوْ يُفْتَقرُ إِلَى مَا عِنْدَهُ إِنَّكُمْ سَتَجِدُوْنَ أَقْوَامًا يَزْعُمُوْنَ أَنَّهُمْ يَدْعُوْنَكُمْ إِلَى كِتَابِ اللهِ وَقَدْ نَبَذُوْهُ وَرَاءَ ظُهُوْرِهِمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيْقِ”.اهـ وَالْأَمْرُ الْعَتِيْقُ هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ الْكِرَامُ البَرَرَةُ وَسَلَفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَمَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِمْ مِنْ أُلُوْفِ الْحُفَّاظِ وَالْفُقَهَاءِ مِنْ شَافِعِيَّةٍ وَمَالِكِيَّةٍ وَحَنَفِيَّةٍ وَحَنَابِلَةٍ وَغَيْرِهِمْ، فَمَعْنَى الْجَمَاعَةِ هُوَ اتِّبَاعُ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ. فَهَذِهِ الْأُمَّةُ تَكُوْنُ عَلَى تِلكَ العَقِيْدَةِ لَكِنْ فِرَقٌ انْحَرَفُوا عَنْهَا فَهَؤُلَاءِ الذِيْنَ انْحَرَفُوا هُمْ هَالِكُوْنَ. فِيْ أَصْلِ العَقِيْدَةِ مَنْ كَانَ عَلَى عَقِيْدَةِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَنْحَرِفْ عَنْهَا فَهُوَ عَلَى خَيْرٍ وَلَوْ كَانَ مُقَصِّرًا فِي الْعِبَادَاتِ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الذِيْ هُوَ صُوْرَةً جَادٌّ فِي الْعِبَادَةِ مُجْتَهِدٌ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الطَّرِيْقَةِ فِي الْعَقِيْدَةِ. لَا تَزَالُ فِرْقَةٌ بَاقِيَةٌ عَلَى عَقِيْدَةِ الرَّسُوْلِ ﷺ وَالصَّحَابَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِيْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَالْوَيْلُ لِمَنِ انْحَرَفَ.
«عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ» مَعْنَاهُ مَا عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَمَنْ تَبِعَهُمْ، هَذِهِ الْجَمَاعَةُ لَيْسَتْ جَمَاعَةَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ، وكُلُّ نَبِيٍّ مُجَابٌ: الزَّائدُ في كِتَابِ اللهِ، والمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللهِ، والمُتسلِّط بالجَبَرُوتِ لِيُذِلَّ بذلكَ مَنْ أعزَّ اللهُ، وَلِيُعِزَّ بهِ مَنْ أذلَّ اللهُ، والمُسْتَحِلُّ لِحَرَمِ اللهِ، والمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي ما حَرَّمَ اللهُ، والتَّارِكُ لِسُنتي». فَذَكَرَ فِي السِّتَّةِ مَنْ تَرَكَ سُنَّتَهُ أَيْ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ، أَيْ تَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ مِنَ الْاعْتِقَادِ وَانْحَرَفَ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِ مَا كَانُوْا عَلَيْهِ أَيْ سُنَّةَ الرَّسُوْلِ ﷺ، أَيِ الاعْتِقَادَ الذِيْ كَانَ عَلَيْهِ، هُوَ عَلَّمَهُ الصَّحَابةَ لِيُعَلِّمُوْا غَيْرَهُمْ وَغَيْرُهُمْ لِيُعَلِّمُوا مَنْ بَعْدَهُمْ وَهَكَذَا إِلَى نِهَايَةِ الدُّنْيَا.اهـ وَأَهلُ السُّنَّةِ هُمْ جُمهورُ الأمةِ المحمديةِ وهمُ الصحابةُ ومَنْ تَبِعَهُم فِي المُعتَقَدِ أيْ أصولِ الاعتقادِ، وهيَ الأمورُ السِّتَّةُ المَذكورَةُ في حديثِ جبريلَ الذِي قالَ فيهِ الرسولُ ﷺ: “الإِيمَانُ أَنْ تُؤمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ”.)
وَقالَ تَعَالَى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله} [النساء:80] (كُلُّ هَذِهِ الآيَاتِ فِيهَا الأَمرُ بِاتِّبَاعِ نَهجِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَعدَاءُ الدِّينِ يَعلمُونَ أنَّهُم لَنْ يَقدِرُوا عَلَى إِفسَادِ المُجتَمَعَاتِ الإِسلَامِيَّةِ وَإِهلَاكِ أَجيَالِ المُسلمينَ إِلَّا بِإِبعَادِهِم عَن نَهجِ النُّبُوَّةِ وَهَذَا خَطَرٌ عَظِيمٌ وَفِيهِ إِصَابَةُ الأُمَّةِ بِمَقتَلٍ وَلِذَلِكَ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ ﷺ وَطَاعَتِهِ، قَالَ تَعَالَى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله}، وَهَذَا أَمْرٌ بِطَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالنَّبِيُّ ﷺ كَمَا ذَكَرتُ أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الجَمَاعَةِ وَلُزُومِهَا، فَفِي اتِّبَاعِ ما عليهِ جماعةُ المسلمينَ النجاةُ مِنَ المَهَالِكِ والمَفَاسِدِ، وأفضلُ هذهِ الأمةِ أهلُ القرونِ الثلاثةِ الأولَى وَهُمُ المُرَادُونَ بِقَولِ رسولِ اللهِ ﷺ: “خَيرُ القُرُونِ قَرنِي ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُم ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ” وَالقرنُ معناهُ مائةُ سنةٍ كمَا رجَّحَ ذلِكَ الحافظُ أبو القاسمُ بنُ عساكرَ وغيرُه. وَهُمُ المرادُونَ أيضًا بالجماعةِ الواردةِ فيمَا رواهُ أبو داودَ: “وَإِنَّ هَذِهِ المِلَّةَ سَتَفتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبعِينَ، ثِنتَانِ وَسَبعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الجَنَّةِ وَهِيَ الجَمَاعَةُ“. وَالجَماعَةُ هُمُ السَّوَادُ الأَعظَمُ. وَكَانَ الْمُسلمونَ في زمنِ النبيِّ ﷺ على طريقةٍ واحدةٍ لم يكنْ بينهمْ خلافٌ في العقيدةِ. ثم ظهرتْ في خلافةِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهُ فرقةُ الخوارجِ ثمَّ ظهرتْ فيمَا بعدُ القدريةُ وهمُ المعتزلةُ [الذينَ يَنْفُونَ تقديرَ اللهِ لكُلِّ شيءٍ ويقولونَ إنَّ العبدَ يخلُقُ فعلَهُ والعياذُ باللهِ وهذَا ضِدُّ القرآنِ الكريمِ] وظَهَرَتِ المرجئةُ (وهُمُ الذينَ يَنفُونَ العَذَابَ فِي الآخِرَةِ عَنِ المُؤمِنِ فيقولونَ: لَا يَضُرُّ مَعَ الإيمانِ ذَنبٌ، وَمُرَادُهُمْ أَنَّكَ مَا دُمتَ عَلَى أَصلِ الإيمانِ فَلَنْ تُعَذَّبَ وَلَن يُصِيبَكَ عَذَابُ اللهِ فِي الآخرةِ مَهمَا عَمِلْتَ مِنَ الذُّنُوبِ وَالعِيَاذُ باللهِ، وَرَبُّنَا يقولُ فِي القرآنِ الكريمِ: [إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا، وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا]،) وَفِي أيامِ المأمونِ العباسيِّ ظهرتْ كثيرٌ مِنَ الفرقِ الضالةِ. ولا زالَ علماءُ الإسلامِ يَرُدُّونَ عَلَى أهلِ البدعِ الفاسدةِ لِيَحذَرَهُمُ الناسُ، وَمِنْ هؤلاءِ العلماءِ أبو الحسنِ عليُّ بنُ إسماعيلَ الأشعريُّ الذِي وُلِدَ بعدَ النصفِ الثاني مِنَ القرنِ الثالثِ الهجريِّ وتوفِّيَ قَبلَ منتصفِ القرنِ الرابعِ الهجريِّ فقامَ هذَا الإمامُ بتفنيدِ شُبَهِ أهلِ الزيغِ فَلَمْ يُسرِفْ فِي التَّعطِيلِ وَلَم يَغْلُ فِي التَّشبِيهِ وأَلْهَمَهُ اللهُ نُصرَةَ السنةِ بِحُجَجِ المنقولِ والمعقولِ، فأثبَتَ للهِ سبحانَهُ مَا أثْبَتَهُ لنفسِهِ مِن الأسماءِ والصفاتِ ونفَى عنهُ مَا لا يليقُ بجلالِهِ تعالى.
فهُوَ رَحِمَهُ اللهُ لَم يَبْتَدِعْ رَأيًا وَلَا مَذهَبًا وَإِنَّما هُوَ مُقَرِّرٌ لِمَذَاهِبِ السَّلَفِ مُنَاضِلٌ عَمَّا كَانَتْ عَلَيهِ صَحَابَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَالانتِسَابُ إِلَيهِ إِنَّما هُوَ بِاعتِبَارِ أَنَّهُ عَقَدَ عَلَى طَرِيقِ السَّلَفِ نِطَاقًا وَتَمَسَّكَ بِهِ وأَقَامَ الحُجَجَ والبراهينَ عَليهِ فصَارَ المُقتَدِي بهِ في ذلكَ، السَّالِكُ سَبِيلَهُ فِي الدَّلَائِلِ يُسَمَّى أشعَرِيًّا، فَمِنْ هنَا جاءتْ تسميةُ الأشاعرةِ نسبةً لهذَا الامامِ.
وفي زمنِ هذا الإمامِ أيضًا قامَ بنصرةِ أهلِ الحقِّ الإمامُ أبو منصورٍ محمدُ بنُ محمدٍ الماتريديُّ نسبةً إلى ماتريدَ وهيَ محلةٌ بسمرقندَ فيما وراءَ النهرِ، فصارَ له أتباعٌ يدافعونَ عنْ عقيدةِ أهلِ السنةِ ويكشفونَ انحرافَ المبتدعةِ مِنَ المعتزلةِ وغيرِهم، وعُرِفَ المنتسبونَ إليهِ باسمِ الماتريديةِ، فصنفَ أتباعُ الماتريديِّ والأشعريِّ مِنْ بعدِهِما المئاتِ مِنَ المجلداتِ في الردِّ على المخالفينَ للإسلامِ بالحججِ الدامغةِ الكثيرةِ والمناظراتِ العديدةِ، ورفعُوا لواءَ مذهبِ الأشعريِّ في المشرقِ والمغربِ. وعقيدةُ الأشاعرةِ والماتريديةِ واحدةٌ وهيَ الإيمانُ بأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ واحدٌ لا شريكَ لهُ موجودٌ لا يشبهُ الموجوداتِ لا يحويهِ المكانُ ولا يجري عليهِ زمانٌ ولا يشبهُهُ شىءٌ، لا يحلُّ فِي شىءٍ ولَا ينحَلُّ منهُ شىءٌ، منزَّهٌ عنِ الجلوسِ والجهةِ والجوارحِ والأعضاءِ ليسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) وَقالَ تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِراطِ اللهِ} [الشورى: 52 – 53] (الْهِدَايَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: وَأَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ إِبَانَةُ الْحَقِّ وَالدُّعَاءُ إِلَيْهِ أَيْ أَمْرُ النَّاسِ بِهِ، فَالأَنْبِيَاءُ بِهَذَا الْمَعْنَى هُدَاةٌ لِأَنَّهُمْ دَلُّوا النَّاسَ عَلَى الْخَيْرِ وَبَيَّنُوا لِلنَّاسِ مَا يُحِبُّهُ اللهُ، وَحَذَّرُوا النَّاسَ مِمَّا لا يُحِبُّهُ اللهُ. فَالأَنْبِيَاءُ وَظِيفَتُهُمُ الَّتِي هِيَ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوهَا الْبَيَانُ وَالدِّلالَةُ وَالإِرْشَادُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ كَانَ اللهُ شَاءَ لَهُ الِاهْتَدَاءَ يَهْتَدِي بِقَوْلِ هَؤُلاءِ الأَنْبِيَاءِ بِالأَخْذِ بِدَعْوَتِهِمْ وَنَصِيحَتِهِمْ، وَمَنْ لَمْ يَشَإِ اللهُ أَنْ يَهْتَدِيَ لا يَهْتَدِي مَهْمَا رَأَوْا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، هَذَا أَبُو جَهْلٍ رَأَى انْشِقَاقَ الْقَمَرِ وَغَيْرُهُ مِنْ صَنَادِيدِ الْكُفْرِ وَلَمْ يَهْتَدِ مِنْهُمْ إِلَّا الَّذِي شَاءَ اللهُ لَهُ أَنْ يَهْتَدِيَ وَلِذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَالَ:
رَبِّ إِنَّ الْهُدَى هُدَاكَ وَءَايَاتُكُ نُورٌ تَهْدِي بِهَا مَنْ تَشَاءُ
مَعْنَاهُ الآيَاتُ لا تَهْدِي بِذَاتِهَا إِنَّمَا يَهْتَدِي بِهَا مَنْ شَاءَ اللهُ لَهُمُ الْهِدَايَةَ، وَالَّذِينَ لَمْ يَشَإِ اللهُ لَهُمُ الْهِدَايَةَ فَلا الْمُعْجِزَاتُ تُؤَثِّرُ فِيهِمْ وَلا الْعِبَرُ الَّتِي حَصَلَتْ لِمَنْ قَبْلَهُمْ مِمَّنْ كَذَّبُوا الأَنْبِيَاءَ، فَالدُّعَاءُ إِلَى الْحَقِّ يُقَالُ لَهُ هِدَايَةٌ، وَكَذَلِكَ نَصْبُ الأَدِلَّةِ عَلَيْهِ. وهذهِ الآيةُ التي نشرَحُهَا تعطِي هذَا المعنَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، أَيْ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ تَدُلُّ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَتُبَيِّنُ لِلْخَلْقِ طَرِيقَ الْهِدَايَةِ طَرِيقَ الْهُدَى، لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْتَ تَخْلُقُ الِاهْتِدَاءَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، فَالرَّسُولُ لا يَمْلِكُ الْقُلُوبَ فَهُوَ يَقُولُ لَهُمْ ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، هَذَا يُقَالُ لَهُ هِدَايَةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْهِدَايَةَ هُنَا لَيْسَتْ بِمَعْنَى خَلْقِ الِاهْتِدَاءِ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ مَاتَ كَافِرًا، أَلَيْسَ الرَّسُولُ كَانَ يُحِبُّ لِأَبِي طَالِبٍ أَنْ يَهْتَدِيَ وَمَعَ ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ مَاتَ كَافِرًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الرَّسُولَ وَيُدَافِعُ عَنْهُ وَلَكِنَّهُ مَا رَضِيَ أَنْ يَنْطِقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَمَّا كَانَ عَلَى فِرَاشِ الْمَوْتِ حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ فَقَالَ لَهُ: »يَا عَمُّ قُلْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدْ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ« فَلَمْ يَفْعَلْ وَقَالَ: إِنِّي عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقَدْ كَانَ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: لَوْلا أَنْ تُعَيِّرَنِي بِهَا قُرَيْشٌ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، أَبُو طَالِبٍ كَانَ يَعلَمُ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى حَقٍّ وَمَعَ ذلكَ مَاتَ مُشرِكًا والعياذُ باللهِ، لِأَنَّ المهديَّ مَنْ هَدَاهُ اللهُ.
فقدْ رُوِيَ «أَنَّ قُرَيْشًا حِينَ قَالَتْ لِأَبِي طَالِبٍ هَذِهِ الْمَقَالَةَ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ أَخِي إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جاءُونِي فَقَالُوا كَذَا وَكَذَا فَأَبْقِ عَلَيَّ وَعَلَى نَفْسِكَ وَلَا تُحَمِّلْنِي مِنَ الْأَمْرِ مَا لَا أُطِيقُ أَنَا وَلَا أَنْتَ فَاكْفُفْ عَنْ قَوْمِكِ مَا يَكْرَهُوَنَ مِنْ قَوْلِكَ، فَظَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ قَدْ بَدَا لِعَمِّهِ فِيهِ وَأَنَّهُ خَاذِلُهُ وَمُسْلِمُهُ وَضَعُفَ عَنِ الْقِيَامِ مَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا عَمِّ لَوْ وُضِعَتِ الشَّمْسُ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرُ فِي يَسَارِي مَا تَرَكْتُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللهُ تَعَالَى أَوْ أَهْلِكَ فِي طَلَبِهِ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ لَهُ حِينَ رَأَى مَا بَلَغَ الْأَمْرُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا ابْنَ أَخِي! فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: امْضِ عَلَى أَمْرِكَ وَافْعَلْ مَا أحببت، فو الله لَا أُسْلِمُكَ لِشَيْءٍ أَبَدًا» قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي شِعْرٍ قَالَهُ حِينَ أَجْمَعَ لِذَلِكَ مِنْ نُصْرَةِ رَسُولِ الله ﷺ عَلَيْهِ وَالدِّفَاعِ عَنْهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَدَاوَةِ قَوْمِهِ:
وَاللهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ
حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينَا
فَامْضِي لِأَمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ
أَبْشِرْ وَقِرَّ بِذَاكَ مِنْكَ عُيونَا
وَدَعَوتَنِي وَزَعَمْتَ أَنَّكَ نَاصِحِي
فَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ قَبْلُ أَمِينَا
وَعَرَضْتَ دِينًا قَدْ عَرَفْتُ بِأَنَّهُ
مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ البَرِيَّةِ دِينَا
لَوْلَا المَلَامَةُ أَوْ حِذَارِي سُبَّةً
لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينَا
وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُؤمِنْ أَبُو طَالِبٍ.
وَالثَّانِي: مِنْ جِهَةِ هِدَايَةِ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ، أَيْ خَلْقِ الِاهْتِدَاءِ فِي قُلُوبِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى في سورة الأنعام: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ وَالإِضْلالُ خَلْقُ الضَّلالِ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الضَّلالِ. فَالْعِبَادُ مَشِيئَتُهُمْ تَابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ قَالَ تَعَالَى في سورة الإنسان: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾).