المقدمة
الحَمدُ للهِ الَّذِي مَنَّ عَلَينَا بِرَسُولِهِ، وَهَدَانَا لِاتِّبَاعِ سَبِيلِهِ، وَبَيَّنَ لَنَا مَعَالِمَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَوضَحَ لَنَا طَرِيقًا إلَى الجَنَّةِ، نَحمَدُهُ وَهُوَ المَحمُودُ عَلَى مَا حَكَمَ وَقَضَى، وَنَسأَلُهُ التَّوفِيقَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرضَى، فَالحَمدُ للهِ الذِي أَظهَرَ الحَقَّ وَأَوضَحَهُ، وَكَشَفَ عَن سَبِيلِهِ وَبَيَّنَهُ، وَهَدَى مَن شَاءَ مِن خَلقِهِ إِلَى طَرِيقِهِ، وَشَرَحَ بِهِ صَدرَهُ، وَأَقَامَ المُؤمِنَ عَلَى سُنَنِ الهُدَى وَثَبَّتَهُ، وَآتَاهُ اليَقِينَ فِي اتِّبَاعِ رَسُولِهِ وَصَحَابَتِهِ وَوَفَّقَهُ، وَحَفِظَ قَلبَهُ مِن وَسَاوِسِ البِدعَةِ وَأَيَّدَهُ، وَأَضَلَّ مَن أَرَادَ مِنهُم وَبَعَّدَهُ، وَجَعَلَ عَلَى قَلبِهِ غِشَاوَةً، لَا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ، سُبحَانَهُ مِن إلهٍ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، جَلَّ عَنِ الشَّبِيهِ وَالمَثِيلِ وَالنَّظِيرِ، لَيسَ جِسمًا وَلَا يُشبِهُ الأَجسَامَ، لَا كَيفِيَّةَ لَهُ وَلَا مِثلَ لَهُ وَلَا مُعِينَ وَلَا مَكَانَ وَلَا زَمَانَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إلَهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ الهَادِي إلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، ﷺ وَعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ وَمَنِ اقتَفَى أَثَرَهُ إِلَى يَومِ الفَصلِ والدِّينِ، وَبَعدُ:
فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِنَا لِهٰذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ إِلَى الحَدِيثِ التَّاسِعِ وَالسِّتِّينَ بَعدَ المِائَةِ، يَذكُرُهُ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ بِرِوَايَتَينِ فِي هَذَا البَابِ وَهُوَ بَابٌ فِي النَّهيِ عَنِ البِدَعِ وَمُحدَثَاتِ الأُمُورِ.اهـ نَقرَؤُهُ وَنَشرَحُهُ إِن شَاءَ اللهُ.
الحديث
قال الحافظ النووي رحمه الله: وَأَمَّا اَلأحادِيثُ فَكَثيرَةٌ جدًا، وَهيَ مَشهُورَةٌ فَنَقتَصِرُ عَلَى طَرَفٍ مِنهَا:
عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، قَالَت: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ: «مَن أَحدَثَ فِي أَمرِنَا هَذَا مَا لَيسَ مِنهُ فَهُوَ رَدٌّ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسلِمٍ: «مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمرُنا فَهُوَ رَدٌّ».اهـ
الشرح والتعليق على هذا الحديث
(هَذَا الحَدِيث مِن جَوامِعِ كَلِمِهِ ﷺ، وَمَعنَى “جَوامِعِ الكَلِم” التي أُوتِيَها نَبِيُّنا ﷺ أَنَّهُ كانَ يَأتِي بِأَلفاظٍ مُوجزَةٍ قَليلَة، إِلّا أَنَّها تَحوِيَ مَعانِيَ كَثِيرَة. مِن هذه الأحادِيث التي تُعَدُّ مِن جَوامِعِ كَلِمِهِ هذا الحديث فإِنَّهُ قاعِدَة أُصُولِيَّة مُقَرَّرَةٌ فِيها الدِّلالَة عَلَى نَبذِ كُلِّ بِدعَةٍ تُخالِفُ دِينِنَا. هُنَاكَ أُمُورٌ أُحدِثَت، عُمِلَت بَعدَ وَفاةِ رَسولِ الله ﷺ تُخالِفُ دِينَنا تُخالِفُ حُكمَ اللهِ وَحُكمَ رَسُولِهِ فَمِثلُ هذه المُحدَثات تُعَدُّ مِن قَبيلِ البِدَع التي هِيَ مَردُودَة، يَعنِى غَير مَقبُولَة) عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن أَحدَثَ (يَعنِي مَن عَمِلَ عَمَلًا مُحدَثًا ليسَ لَهُ سابِقَة فِى الإِسلَام) فِي أَمرِنَا هَذَا (يَعنِي فِى حُكمِنا، فِى دِينِنا وَشَأنِنا) مَا لَيسَ مِنهُ (قَولُهُ ﷺيُفهَمُ مِنهُ أَنَّ هذا المُحدَثَ الذي عُمِلَ، إِنَّما عُمِلَ عَلَى مُخالَفَةِ ما جاءَ بِهِ نَبِيُّنا، تَأباهُ قَواعِدُ هذه الشّرِيعَة. لا تَقبَلُهُ لِكَونِهِ يُخالِفُ دِينَنا) فَهُوَ رَدٌّ» (أَي مَردُود. هذا مَصدَرٌ بِمَعنَى اسمِ المَفعُول “رَدّ” مَصدَر وَهذا المصدَر بِمَعنَى اسمِ المَفعُول أَي مَردُود كما نَقُول “خَلقٌ” والمَعنَى مَخلُوق. “خَلقُ الله” وَالمَعنَى مَخلُوقُ اللهِ. يَعنِى المَخلُوق الذي وُجِدَ بِقُدرَتِهِ تعالى فَهُوَ مَصدَرٌ بِمَعنَى اسمِ المَفعُول وَكَما نَقُولُ “نَسجٌ” وَالمَعنَى مَنسُوج. مَنسُوج اسمُ مَفعُول وَ”نَسجٌ” مَصدَر. فَهُنا قَولُهُ ﷺ: “مَن أَحدَثَ فِي أَمرِنَا هَذَا مَا لَيسَ مِنهُ“، وهذه مُهِمَّة جِدًا أَن نَقِفَ عِندَها “فَهُوَ رَدٌّ” أَي مَردُود، لا نَقبَلُهُ، بَل يَنبَغِي أَن نَنبِذَهُ وأَن نَرفُضَهُ). مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. (وهذا الحديث بكلماته القليلة هذه يرشد المؤمنين أن لا يزيدوا في دين الله ما يخالف أصله، أما إذا كان ما لا يخالف أصله فهو مقبول كما سأبين إن شاء الله، وهذا يدل على الالتصاق بالأصل، معناه: ما ترككم عليه محمد ﷺ التزموه، ما أرشدكم رسول الله ﷺ لعدم مخالفته لا تخالفوه، وفي هذا المعنى قَالَ ابنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “عَلَيكُم بِالعِلمِ قَبلَ أَن يُقبَضَ، وَقَبضُهُ أن يُذهَبَ بِأَصحَابِهِ، عَلَيكُم بِالعِلمِ فَإِنَّ أَحَدَكُم لَا يَدرِي مَتَى يُفتَقَرُ إِلَيهِ أَو يُفتَقرُ إِلَى مَا عِندَهُ إِنَّكُم سَتَجِدُونَ أَقوَامًا يَزعُمُونَ أَنَّهُم يَدعُونَكُم إِلَى كِتَابِ اللهِ وَقَد نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِم، فَعَلَيكُم بِالعِلمِ وَإِيَّاكُم وَالتَّبَدُّعَ[أَي فِعلَ البِدَعِ المُخَالِفَةِ لِلشَّرعِ] وَإِيَّاكُم وَالتَّنَطُّعَ [أي الغلو] وَإِيَّاكُم وَالتَّعَمُّق [أَيِ التَّعَمُّقَ فِي البِدَعِ عَلَى الوَجهِ المُخَالِفِ لِلصَّوَابِ] وَعَلَيكُم بِالعَتِيقِ”.اهـ وَالأَمرُ العَتِيقُ هُوَ مَا كَانَ عَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصحَابُهُ الكِرَامُ البَرَرَةُ وَسَلَفُ هَذِهِ الأُمَّةِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى كَالأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ وَمَن سَارَ عَلَى دَربِهِم مِن أُلُوفِ الحُفَّاظِ وَالفُقَهَاءِ مِن شَافِعِيَّةٍ وَمَالِكِيَّةٍ وَحَنَفِيَّةٍ وَحَنَابِلَةٍ وَغَيرِهِم).
(فالمراد بهذا الحديث إذًا نبذ البدع المخالفة لقواعد الشريعة، فكل مُحدَثٍ يخالف الدين وليس عليه أمر المسلمين وإجماعهم فهو باطل ولو كَثُرَ أتبَاعهُ والمنادون به، وَمِن جُملَةِ مَا ابتُلِيَت بِهِ هَذِهِ الأُمَّةُ وُجُودُ بَعضِ المُتَعَالِمِينَ المُتَهَتِّكِينَ وَالمُتَصَوِّفَةِ الجَاهِلِينَ الَّذِينَ ضَلُّوا وَأَضَلُّوا كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِشُبَهِهِمُ الفَاسِدَةِ المُخَالِفَةِ لِتَعَالِيمِ الدِّينِ الحَنِيفِ فَيَقُولُونَ بِالحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ. وَكَذَلِكَ نِسبَةُ بَعضِ الوَضَّاعِينَ كَلَامًا افتَرَوهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِزَعمِهِم أَنَّ ذَلِكَ حَدِيثٌ قُدسِيٌّ، وَمَا هُوَ إِلَّا كَلَامٌ مَكذُوبٌ عَلَيهِ ﷺ، وَهو قَولُهُم: “قَالَ ﷺ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: “كُنتُ كَنزًا مَخفِيًّا فَأَرَدتُ أَن أُعرَفَ فَخَلَقتُ خَلقًا فَعَرَّفتُهُم بِي فَعَرَفُونِي”. وَالكَلَامُ عَلَى سُقُوطِ هَذَا الحَدِيثِ المَوضُوعِ وَفَسَادِ مَعنَاهُ قَائِمٌ مِن وُجُوهٍ عِدَّةٍ: الأَوَّلُ: مِن حَيثُ المَتنُ: فِي مَتنِ هَذَا الحَدِيثِ المَوضُوعِ مُخَالَفَاتٌ تَكشِفُ وَضعَهُ وَتَفضَحُ جَهلَ وَاضِعِيهِ:
قَولُهُم: “كُنتُ كَنزًا”: وَفِي الوُقُوفِ عَلَى هَذَا القَولِ المَزعُومِ مَسأَلَتَانِ:
الأُولَى: مَعنَى الكَنزِ: هُوَ كَمَا عَرَّفَهُ الخَلِيلُ اللُّغَوِيُّ فِي مُعجَمِهِ وَالأَزهَرِيُّ فِي تَهذِيبِ اللُّغَةِ وَالجَوهَرِيُّ فِي الصَّحَاحِ وَابنُ سِيدَه فِي المُحكَمِ وَابنُ الأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ وَالفَيُّومِيُّ فِي المِصبَاحِ المُنِيرِ وَالحَافِظُ الزَّبِيدِيُّ فِي شَرحِ القَامُوسِ، وَاللَّفظُ لِلخَلِيلِ، أَنَّهُ: اسمٌ لِلمَالِ الَّذِي يَكنِزُهُ وَلِمَا يُحرَزُ بِهِ المَالُ. وَفِي ذَلِكَ قَولُ اللهِ تَعَالَى فِي مَانِعِي الزَّكَاةِ: [يَومَ يُحمَىٰ عَلَيهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُم وَجُنُوبُهُم وَظُهُورُهُم، هَٰذَا مَا كَنَزتُم لِأَنفُسِكُم فَذُوقُوا مَا كُنتُم تَكنِزُونَ]، وقد قال الإمام المجتهد اللغوي المفسر محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره ما نصه: “لِأَنَّ المَعرُوفَ مِن كَلَامِ العَرَبِ أَنَّ الكَنزَ اسمٌ لِمَا يُكنَزُ مِن مَالٍ، وَأَنَّ كُلَّ مَا كُنِزَ فَقَد وَقَعَ عَلَيهِ اسمُ كَنزٍ” اهـ رضي الله عن الإمام محمد بن جرير الطبري الذي لا شك هو أعرف بلغة العرب من جهلة المتصوفة الذين يُمَسِكُونَ بكل نص يصادفونه سمعا أو بحثا تاركين وراءهم نصوص الشرع الحنيف، فقد أبطل رضي الله عنه في تعريفه كلام المتصوفة إذ ليس في لغة العرب تعريف للكنز إلا هذا. فإذا ظهر من أقوال أئمة اللغة ونقلهم عن العرب الفصحاء معنى الكنز، فقد بطل استعمال الجهال لهذا اللفظ على معنى ءاخر هم توهموه.
الثَّانِيَةُ: أسماء الله توقيفية: ومعلوم أن لأهل السنة في أسماء الله تعالى مذهبين:
- مذهب الجمهور: أنها توقيفية يرجع في إطلاقها إلى الوارد في النصوص والإجماع لا غير.
- مذهب بعضهم كالباقلاني: أنها إما واردة بالنص والإجماع، وإما أن يكون هذا اللفظ مما اجتمعت فِيهِ شُرُوطٌ أَربَعَةٌ: أَن يَكُونَ مُشتَقًّا، واشتِقَاقُهُ من معنى اسم ثَبَتَ سَمعًا أو إِجمَاعًا، وَأَن يَكُونَ هَذَا المُشتَقُّ مِمَّا يُشعِرُ بِالجَلَالِ اللَّائِقِ بِه تَعَالَى، بِشَرطِ أَن لَا يُوهِمَ نَقصًا فِي حَقِّهِ إِذَا أُطلِقَ عَلَيهِ.
وأما إطلاق لفظ الكنز على الله تعالى فمردود على المذهبين لأن إطلاق ذلك عليه:
- لا هو مسموع في ءاية أو حديث صحيح ثابت ولا أجمعت الأمة على إطلاقه على الله.
- ولا هو مقبول على مذهب الباقلاني لأنه اسم جامد ليس مشتقا، ناهيك عن أن يوهم نقصا في حق الله تعالى، فهو على ذلك، ساقط عند الباقلاني أيضا، فاقد معظم الشروط فلا يطلق على الله تعالى.
الثَّانِي: مِن حَيثُ السَّنَدُ: هذا حديث موضوع، ذكَر أنّه مَوضُوعٌ الحافظُ الزّركشيُّ والعَسقلانيّ والسيوطي ومُلا علِيّ القَارِى والعَجلُونيّ. ومَعناهُ فاسدٌ لا يصِحُّ ولَفظُه مَوضُوعٌ فاسدٌ ومَن أَرادَ به الاسمَ فَقد خالَف الآيةَ : “ولله الأسماءُ الحسنى فادعُوه بها “والكَنزُ اسمُ جمَادٍ ونسبته الى الله وتسميته به تشبيه لله بخلقه، لأنّ الله لا يُشبّه بخلقِه، قال الله تعالى:” ليسَ كمِثلِه شَىء “ومخفِيًّا اسمُ مَفعُولٍ أي غيرُه أَخفَاهُ، واللهُ هوَ المتَصرّفُ في العَالَم كمَا يُريدُ ولا أَحدَ يتَصرَّفُ في اللهِ، ولا يُقبَلُ أن يُتكَلّفَ لهُ مَعنًى لأنَّه مخَالِفٌ للنُّصوصِ القُرءانيّةِ ولَو ذكَره بعضُ المتَصَوّفَة، كَما افتُرِيَ على الشّيخ محي الدّينِ بنِ عَربي في كتُبِه ومؤلّفاتِه فإنّ اليَهُودَ دَسُّوا علَيه في كُتبِه كمَا ذكَر الشعراني فقال إنه اطلع على النسخة الأصلية من فصوص الحكم فوجدها خالية من هذه الكفريات وأن صَاحبُ المعروضَاتِ المزبُورةِ أحد الفقهاء المشهورين في أهل المذهب الحنفي قال: (تيقَّنَّا أنّ اليَهُودَ دَسُّوا عَليه في فصوص الحكم). وقال شمس الدين السخاوي في المقاصد الحسنة: حَدِيث: كُنتُ كَنزًا لا أُعرَفُ، فَأَحبَبتُ أَن أُعرَفَ فَخَلَقتُ خَلقًا، فَعَرَّفتُهُم بِي فَعَرَفُونِي، قالوا: إنه ليس من كلام النبي ﷺ، ولا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف، وتبعهم الزركشي وشيخنا (يعني العسقلاني).
وقال السيوطي في الدرر المنتثرة من الأحاديث المشتهرة ومحمد الأمير الكبير في النخبة البهية في الأحاديث المكذوبة على خير البرية: لا أصل له، وعبر السيوطي في تدريب الراوي بلفظ: “باطل لا أصل له”. وذكر العجلوني في كشف الخفاء أنه يروونه بلفظ ءاخر هو “فتعرفت إليهم فبي عرفوني” وحكم عليه بأنه ليس من كلام النبي ﷺ، ولا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف، وبمثله ذلك قال الزركشي في اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة المعروف بالتذكرة في الأحاديث المشتهرة).
قال الحافظ النووي رحمه الله: وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسلِمٍ: «مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أمرُنا فَهُوَ رَدٌّ».اهـ (يَعنِى ليسَ عَلَيهِ حُكمُنا وَشَأنُنا وَدِينُنا “فَهُوَ رَدٌّ” أَي مَردُود فَمَعنَى الرِّوايَةِ الأُولَى كَمَعنَى الرِّوايَةِ الثّانِيَة).
(لِيُعلَم أن قواعد الدين معروفة بين أهل العلم والفهم ولا ينغي أن يُزاد فيها بناء على هوى النفس، ولكن مما ابتلينا به أنه يُوجَدُ أُناسٌ فِى زَمانِنا زادُوا قاعِدَةً وهذه القاعِدَة لا يُلتَفَتُ إِلَيها بَل هِيَ قاعِدَةٌ مُبتدَعَةٌ باطِلَة، لا تُوجَدُ فِى كلامِ عُلَماءِ الشّرِيعَة، عُلَماءِ أُصُول الفِقه، يَقُولونَ فِيها إِنَّ مُجَرَّدَ تَركِ الرَسُولِ ﷺ لفِعلٍ ما، يَدُلُّ عَلَى التَّحرِيم. يَدُلُّ عَلَى زَعمِهِم أَنَّ هذا المَتروك حَرامٌ أَو مَكرُوه. عِندَما يَقُولون “حَرامٌ أَو مَكرُوه” يَعنِى أَعطَوا حُكمًا. ونحن نعلم أَنَّ إِعطاءَ أَحكام: تَحرِيم، أَو استِحباب أَو كَراهة أَو إِباحَة أَو إِيجاز، لا بُدَّ أَن يَعَتَمِدَ عَلَى دَليل! هم قالُوا والعِياذُ بالله: إِنَّ مُجَرَّدَ التَّرك دَليلٌ عَلَى التَّحرِيمِ أَوِ التَّكرِيه. هذا كَلامٌ مَنبُوذٌ لا يُقبَل. الرَّسُولِ ﷺ تَرَكَ أَشياءً كَثِيرَةً ما فَعَلَها. وَلَم يَقُل أَحَدٌ مِن عُلَماء الصّحابَة أَو مِنَ الأئِمَّةِ الأَربَعَة أَو مِمّن جاءَ بَعدَهُم مِن عُلَماءِ هذه الأُمّة إِلَى زَمانِنا هذا، أَنَّ مُجَرَّدَ تَركِ الرَسُولِ ﷺ لِفِعلِ هذه الأُمُور، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَركَهُ لها عَلَى تَحرِيمِها أَو كَراهَتِها إِلّا أَن يَقتَرِنَ تَركُهُ لَها بِدَليلٍ مِن نَهيِهِ ﷺ عَنها. فِإِن لَم يَقتَرِن تَركُهُ للفِعلِ بِدَلِيلٍ مِن نَهيٍ عَن فِعلِها، لا يَدُلُّ مُجَرّدُ تَركِهِ لها عَلَى أَنَّها حَرام. مِثالُ ذلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسلِمٌ فِى صَحِيحَيهِما أَنَّ خالِدَ بنَ الوَلِيد وَعَبدَ الله بنَ عَبّاس رَضِيَ اللهُ عَنهُما خالَتُهُما هِيَ زَوجَةُ رَسُولِ الله ﷺ مَيمُونَة. دَخَلا عِندَ خالَتِهِما مَيمُونَة وَكانَ الرّسُول ﷺ عِندَها فقَدَّمَت مَيمُونَةُ لِرَسُولِ الله ﷺ ضَبًّا. الضّبُّ حَيوانٌ وَهو غَيرُ الضَّبُع، يَعِيشُ فِى الصّحراء لا يَكادُ يَشرَبُ ماءً. يَعِيشُ سنِين مِن غَيرِ أَن يَقرَبَ ماءً وَهُوَ قَوِيٌّ جَلدٌ فِى بُنيَتِهِ. قُدِّمُ هذا الضّب المشوي الذي شُوِيَ عَلَى الرَّضفِ يَعنِى عَلَى الحِجارَة المُحَمّاة. قَدَّمُوهُ عَلَى مائِدَةِ رَسُولِ الله ﷺ فأَهوَى بِيَدِهِ لِيَتَناوَلَ مِنهُ (مِنَ الضَّبّ) وَهُوَ لا يَعرِفُ أَنَّهُ ضَبّ، فقالَت مَيمُونَةُ لِرَسُولِ الله ﷺ: “يا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ ضَبّ” يَعنِى أَرادَت أَن تُعلِمَ الرسول ما هذا الذي أَهوَى للأَكلِ مِنهُ قَبلَ أَن يَأكُل. فَلَمّا قالَت لَهُ “إِنَّهُ ضَبّ” أَرجَعَ يَدَهُ ﷺ! فَقامَ خالِدُ بنُ الوَلِيد أَو مَيمُونَةُ عَينُهُا فَسأَلَت الرّسُول ﷺ: “أَحَرامٌ هُوَ يا رسولَ الله؟“، يَعنِى عِندَما رأَت أَنَّ الرّسُول ﷺ مَدَّ يَدَهُ ثُمَّ أَرجَعَها لَمّا عَلِمَ أَنَّهُ ضَبّ، احتاجُوا أَن يسأَلُوا رَسُولِ الله ﷺ “أَحَرامٌ هُوَ؟” مَعناهُ لا يَجُوزُ لَنا أَن نَأكُلَ الضَّبَّ؟؟ فقال ﷺ:”لا، إِلّا أَنِّي أَجِدُنِي أَعافُهُ فَإِنَّهُ ليسَ بِأَرضِ قَومِي“. قالَ “لا” يَعنِى هُوَ لَيسَ حَرامًا، لَكِن تَرَكَ الأَكلَ مِنهُ لِماذا؟ لِكَونِهِ لَم يَعتَدِ الأَكلَ مِنهُ. “أَجِدُنِي أَعافُهُ“، مَعناهُ لَم أَعتَدِ الأَكلَ مِنَ الضّبّ. هَل دَلَّ تَركُهُ ﷺ مِنَ الأَكلِ مِن هذا الضّبّ عَلَى أَنَّ أَكلَ لَحمَ الضّبِّ حَرام؟؟ لَم يَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ حَرام. مُجَرَّدُ تَركِهِ لِعَدَمِ إِلفِهِ وَعادَتِهِ الأَكلَ مِن هذا الضّب لَم يَدُلَّ عَلَى أَنَّ أَكلَ الضبِّ حَرام. بِدَليلِ أَنَّهُ حِينَ سُئِلَ عَن أَكلِهِ “أَحَرامٌ هُوَ” فقال: “لا” مَعناهُ ليسَ حرامًا. عِندَئِذٍ قالَ خالِدُ بنُ الوَلِيد: “فاجتَرَرتُهُ”. جَرَّ هذا الضَّبَّ إِلَى ناحِيَتِهِ ثُمَّ أَكَلَهُ عَلَى مائِدَةِ رَسُولِ الله ﷺ وَلَو كانَ أَكلُهُ حرامًا لَنهاهُ ﷺ عَن أَكلِهِ. فَهذا دَليلٌ كافٍ عَلَى أَنَّهُ جائِز، حَلال، مُباح. ثُمَّ قَولُهُ ﷺ:”لا، إِنَّهُ ليسَ بِحَرام“. فَهُنا تَرَكَ الرَّسُولُ فِعلًا لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ لَم يَعتَد فِعلَهُ. هذه حالَة. وَقَدَ يَترُكُ ﷺ فِعلَ الشىءِ لِكَونِهِ لَم يَخطُر بِبالِهِ وَلَم يَدُلَّ تركُهُ لِفِعلِها عَلَى حُرمَتِها. مِثالُ ذلِكَ أَنَّ امرأَةً مِنَ الأَنصار جاءَت إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقالَت لَهُ: “يا رَسُولَ الله، إِنّ عِندِي غُلامًا نَجّارا، لَو صَنَعنا لَكَ مِنبَرا” وَكانَ إذا خَطَبَ، يَعتَمِدُ عَلَى جِذعِ نَخلٍ يَبيسٍ، فجاءَت هذه المرأةُ تَعرِضُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ أَن يَصنَعَ غُلامُها النَّجّارُ لَهُ مِنبَرا. قَبلَ عَرضِ هذه المرأَة عَلَى رَسُولِ الله ﷺ صُنعَ المِنبَر، لَم يَكُن خَطَرَ بِبالِ رَسُولِ الله صُنع هذا المنبر، فَصُنِعَ لَهُ مِنبَر مِن ثلاثِ دَرَجات فَتَرَكَ الرسُولُ الاعتِمادَ عَلَى هذا الجِذع وَصَعِدَ المنبَرَ. وَلِذلِكَ، مساجِدُ النّاس مُنذُ ذلِكَ الوَقت إِلَى يَومِنا هذا يُجعَلُ لَها مَنابِر يُرتَقَى عَلَيها. وَلَم يَدُلَّ تَركُهُ ابتِداءَ صُنعِ المنبر قَبلَ إِشارَةِ تِلكَ المرأَة عَلَيهِ بِصُنعِهِ عَلَى أَنَّ عَمَلَ المنبَرِ شىءٌ حَرام. مِمّا يشهَدُ لِهذه الثانِيَة أَيضًا أَنَّ الرّسُول ﷺ إِذا جالَسَ أَصحابَهُ، لا يَمتازُ فِى جِلسَتِهِ عَلَيهُم. كانَ يَجلِسُ كما يَجلِسُون. وَلا يَتَقَدَّمُ عَلَيهِم بِرُكبَتِهِ حَتّى لا يَمتازَ عَنهُم مِن تَواضُعِهِ. فكانَ يَدخُلُ الغَرِيبُ الذي لا يَعرِفُ الرسولَ، لَم يَرَهُ مِن قَبلُ، يَدخُلُ عَلَى مَجلِسِ الرَّسُول فَلا يَعرِفُ مَن هُوَ الرسُول مِن بينَ أَصحابِهِ لأَنَّهُ كانَ لا يَمتازَ عَنهُم فِى جُلُوسِهِ. فَعَرَضَ عَلَيهِ بَعضُ أَصحابِهِ قالُوا لَهُ: “يا رسُولَ الله، لَو بنَينا لَكَ دُكّانا” أَو “دِكَّةً”. الدُّكّان مَعناهُ مَصطَبَة مُرتَفِعَة تُبنَى مِن طِين. يُقالُ لَها دُكَّة وَيُقالُ لها دُكّان. فَرَضِيَ ﷺ. فَكانَ إذا دَخلَ هذا المجلِسَ، يَجلِسُ عَلَى هذا الدُّكّان المرتَفِع فيظهرُ للذينَ يَدخلون مجلسَهُ أنَّ هذا الذي يجلِسُ على هذا الدُّكان هُو الرَّسول. لعلَّهُ قبلَ إشارةِ هؤلاءِ الصحابة عَلَيهِ بِصُنعِ الدكان، لَم يَخطُر بِبالِهِ صُنع هذا دُكّان وَلَم يَدُلَّ تَركُهُ لِصُنعِ الدُّكّانِ قَبلَ إِشارَتِهِم عَلَيه أَنَّ ذلِكَ حَرام. فَإِذًا مُجَرَّدُ التّركِ ليسَ دَليلًا عَلَى التَّحريم. والشىءُ الثالِث: قَد يَترُكُ الرسُولُ فِعلَ شَىء خَشيَةَ أَن يُفرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ إذا فَعَلَهُ وَثابَرَ عَلَيهِ. مِثالُ ذلِك أَنَّ الرّسُولَ كانَ فِى بادِئ الأَمر يُصَلِّي التّراوِيح مُنفَرِدًا فِى رَمَضان، وَكان الصّحابَة يُصَلُّونَ فِى مَسجِدِهِ أَوزاعًا يَعنِى كُلٌّ يُصَلّي لِوَحدِهِ. فَحِينَ خَرَجَ عَلَيهِم ذاتَ لَيلَةٍ صَلّى بَعضُ الصّحابَة خَلفَ الرسُول، اقتَدُوا بِهِ فَصَلَّوا التّراوِيحَ خَلفَهُ. ثُمَّ فِى الليلَةِ الثانِيَة زادَ الجَمعُ خَلفَه، جَمعُ الصّحابَةِ المُقتَدِينَ بِهِ. فِى الليلَةِ الثالِثَة تَرَكَ الرسُولُ ﷺ الخُروجَ إِلَيهِم. لِماذا تَرَكَ الرسُولُ ﷺ الخُروجَ إِلَيهِم؟ عَلَّلَ ذلِكَ فقال: “خَشيَةَ أَن يُفرَضَ عَلَيهِم”. لَم يَدُلَّ تَركَهُ لِإِمامَتِهِ فِى التّراوِيح عَلَى أَنَّ ذلِكَ شىءٌ حرام، بِدَليل أَنَّ عُمرَ بنَ الخَطّاب، فِى زَمَنِ خِلافَتِهِ، يَعنِى بَعدَ وَفاةِ الرسُول، وَبَعدَ وَفاةِ أَبِي بَكرٍ، وَفِى صَدرٍ مِن خَلافَةِ عُمَر، جَمَعَ النّاسَ فِى صلاةِ التراوِيح عَلَى إِمامٍ واحِد. جَمَعَ الرّجالَ عَلَى أُبَي بنِ كَعب. فَكان أُبَيٌّ يَؤُمُّهُم فِى صلاة التراوِيح وَهُم يَقتَدُونَ بِهِ. ثُمَّ خَرَجَ عَلَيهِم ذات لَيلَةٍ فقال: “نِعمَ البِدعَةُ هذه” وَهِيَ رِوايَةُ البُخارِيِّ فِى صَحيحِهِ. بَعدَ وَفاةِ الرَّسُولِ لا يَنزِلُ أَحكامٌ جَدِيدَة! لأَنَّ الأحكامَ تَنزِلُ عَلَى الرسُول! وبِما أَنَّ الرسُولَ مات، إِذًا لا ينزِلُ حُكمٌ بِفَرضِيَّةِ الجَماعَة فِى صلاةِ التراوِيح لأَنَّ الأحكامَ تَنزِلُ بِالوَحيِ عَلَى الرَّسُول! فَلَمّا أَمِنَ سيِّدُنا عُمَرُ بِوَفاةِ الرسُول ما كانَ يَخشاهُ ﷺ، مِن فَرضِيَّتِها، جَمَعَهُم عَلى إِمامٍ واحِدٍ هُوَ أُبَي بنِ كَعبٍ. لَم يَدُلَّ تَركُهُ للجماعَة ﷺ فِى صَلاةِ التراوِيح عَلَى أَنَّ فِعلَها حَرام بِدَليلِ أَنَّ عُمَرَ جَمَعَهُم عَلى إِمامٍ واحِد وامتَدَحَ جَمعَهُم بِقَولِهِ: “نِعمَ البِدعَةُ هذه“. كَلِمَةُ “نِعمَ” وَ”نِعمَت” تُستَعمَلُ للمَدحِ، لِمَدحِ الشَّىء. يُقالُ: “نِعمَ الرَّجُلُ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيق”، “نِعمَةِ المرأَةُ عائِشَةُ بِنتُ الصِّدِّيق”، فَسَمّاها سيِّدُنا عُمَرُ “بِدعَةً” لأَنَّ النبيَّ لَم يَأمُر بِجَمعِهِم عَلَى إِمامٍ واحِدٍ فَكانَ جَمَعُهُم عَلى إِمامٍ واحِدٍ بِدعة لَكِنَّها مِن قَبيلِ البِدعَة الحَسَنَة التي لا تُخالِفُ ما عَلَيهِ أَمرُ المسلِمين. فَلا يَكُونُ إِحداثُ عمرَ بنُ الخَطّاب لِجماعَةِ المسلِمينَ فِى التراوِيح شيئًا مُنكَرًا مُحَرَّمًا سَيِّئًا مَنبُوذا! وَقَد يَترُكُ الرّسُولَ فِعلَ بَعضِ الأَشياء وَهُوَ يَمِيلُ إِلَى فِعلِها، خَشيَةَ تَغَيُّرِ قُلُوبِ بَعضِ أَصحابِهِ. مَعناهُ كانَ يُدارِيهِم حَتّى لا تَنفِرَ قُلوبُهُم. مِثالُ ذلِك ما فِى صَحِيحِ البُخارِيّ ومُسلِمٍ أَيضًا أَنَّ رَسىُولِ الله ﷺ حَدَّثَ السيدَة عائشَة فقال: “يا عائِشَةُ، لَولا حِدثانُ قَومِكِ بِكُفرٍ لَنَقَضتُ الكَعبَةَ وَلَبَنَيتُها على قَواعِدِ إِبراهِيم“. “لَنَقَضتُ الكَعبَةَ” أَي لَهَدَمتُ الكَعبَةَ “وَلَبَنَيتُها على قَواعِدِ إِبراهِيم” يَعنِى عَلَى أَساسات إِبراهِيم، “لأَنَّ قَومَكِ استَقصَرَوا الكَعبَة” يَعنِى جَعَلوها أَقَلَّ مِمّا كانَت عَلَيهِ زَمانَ نَبِيِّ اللهِ إِبراهِيم. فِى زَمانَ نَبِيِّ اللهِ إِبراهِيم، كانَت مِساحَةُ وامتِدادُ الكَعبَةِ عَرضا أَوسَع مِمّا هِيَ عَلَيهِ الآن، لأَنَّ حِجرَ إِسماعِيل مِن أَساساتِ الكَعبَة وَحِجرُ إِسماعِيل الآن بَعِيد عَنِ الكَعبَة بِمسافَة، كَما تَعرِفُون. حِجر إِسماعِيل هُوَ البِناء الذي هُوَ نِصف دائِرَيّ يَكُونَ بِجانِبِ الكَعبَة. بينَهُ وَبينَ الكَعبَة مَسافَة. إِلَى مِثلِ هذا الموضِع، كانتَ تَصِلُ الكَعبَةُ زَمانَ نَبِيِّ اللهِ إِبراهِيم لكن لَمّا بَنَى إبراهِيمُ الكَعبَة، بَناها وَأَدخَلَ فِيها هذا الحِجر. لَكِن مَعَ الأَيّام، تَصَدَّعَتِ الكَعبَةُ وانهَدَمَت فَأَعادَ أَهلُ مَكَّة بِناءَها. فَقَصَّرَت نَفَقَتُهُم عَلى بِنائِها عَلَى قَواعِدِ نَبِيِّ اللهِ إِبراهِيم. ما عاد مَعَهُم مال لِجَلب وَلِشِراءِ الحجارَة وَبنائِها، فَقَصَرُوا مِن الكَعبَة. يَعنِى جَعَلُوها أَضيَقَ مِن قواعِدِها فَظَهَرَ الحِجرُ خارِجَ الكَعبَة. الرسول يَقُولُ لِعائِشَة: لَولا أَنَّ قَومَكِ حِدثانُ عَهدٍ بِكُفر، يَعنِى لَولا أَنَّ هؤلاءِ الذينَ أَسلَمُوا قَريبُونَ في عَهدِهِم لِكُفُر، يَعنِى كانُوا مُنذُ مُدَّةٍ قَريبة عَلى كُفر فأَسلَمُوا، مَعناهُ ما قَوِيَ بَعدُ إِيمانُهُم، لَولا ذلِك لَنَقَدتُ الكَعبَة يَعنِى لَهَدَمتُ الكَعبَة وأَعَدتُ بِناءَها عَلَى قَواعِدِ إِبراهِيم. يَعنِى كانَ أَدخَلَ الحِجرَ فِى الكَعبَة. تَرَكَ الرَّسُولُ هَدمَ الكَعبَة خَشيَةَ تَغَيُّر بَعضِ قُلوبِ أَصحابِهِ. وَلَم يَدُلَّ تَركُهُ لِهذا الأَمر عَلَى أَنَّ إِعادَةَ بِنائِها عَلَى قَواعِدِ إِبراهِيم لا يَجُوز، بِدَليل أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ الزُّبَير بنِ العَوّام حدَّثَته عائشة بِما قالَهُ الرسول، فَحينَ تَوَلّى عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبَير زَمانًا مَكّة والمَدِينَة، كانَ الوالِيَ عَلَيها، هَدَمَ الكَعبَة وَأَعادَ بِناءَها عَلَى قَواعِدِ إِبراهِيم، يَعنِى وَسَّعَها مِن أَسفَل، تَنفِيذًا إِلى ما كانَ يَمِيلُ إِلَيهِ ﷺ. إِذًا لَو كانَ حَرامًا ما كانَ فَعَلَ عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبَير. وَتَركُ الرّسُولِ لِنَقضِ الكَعبَة لَم يَدُلَّ عَلَى تَحرِيمِ نَقدِها لإِعادَةِ بِنائِها عَلَى قواعِدِ إِبراهيم بِدَليل أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ الزُّبَير هَدَمَ الكَعبَة وَأَعادَ بِناءَها عَلَى قَواعِدِ إِبراهِيم إِلّا أَنَّ الحَجّاج بنَ يوسُف هَدَمَها مِن جَدِيد بَعدَ بِناءِ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَير لَها عَلَى قواعِدِ إِبراهيم وَأَعادَها عَلَى ما كانَ عَلَيهِ الحالُ قَبلَ بِعثَةِ الرسول وَبَقِيَت عَلَى حالِها إِلَى زَمانِنا هذا!
هذه الأَمثِلَة التي ضَرَبتُها لَكُم لَها أَسباب مُتَعَدِّدَة. تَرَكَ الرسُولُ فِعلَ بَعضِ الأَشياء لِكَونِهِ لَم يَعتَد ذلِك (تَرك أَكلِه للضّب)، وَتَرَكَ فِعلَ بَعض الأُمور لِكَونِهِ لَم يَخطُر ببالِهِ (بِناء الدُّكّان والمنبر لَهُ)، وَتَرَكَ فِعلَ بَعض الأُمُور خَشِيَةَ أَن تُفرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ (الجماعَة فِى صَلاة التراوِيح)، وَتَرَكَ فِعلَ بَعض الأُمور خَشيَةَ تَغَيُّرِ قُلوبِ أَصحابِهِ. وَهُناكَ أَمثِلَة كَثِيرَة أُخرَى، تَرَكَ الرّسُولُ فِعلَها وَلم يَدُلَّ تَركُهُ لِفِعلِها عَلَى أَنَّ مُحَرَّمَةٌ أَو مكرُوهَة. لِذلِكَ أَهلَ السُّنَّة وَالجماعَة مِنَ الصحابَة إِلَى زَمانِنا هذا أَحدَثُوا أُمُورًا لا تُخالِفُ دِينَنا وَلا تُخالِفُ شَرعَنا وَلا تُخالِفُ دَلائِلَ الشَرع مِن قُرءان وَحَدِيث وَإِجماع وَقِياس وَعَدَّها أَهلُ العِلمِ أُمُورًا حَسَنَةً لأَنَّها تُوافِقُ الشّرع لَو لَم يَفعَلها رَسُولِ الله ﷺ فِى حياتِهِ).
(يُفهَمُ مِنهُ أَنَّ الأَمرُ قَد يَكُونُ مُحدَثَا يَعنِى مُبتَدَعًا يَعنِى لَم يَسبِق أَن فَعَلَه رَسُولُ الله ﷺ وَلا أَحَدٌ مِن أَصحابِهِ وَلا وافَقَ عَلَى فِعلِهِ النّاسُ بَعدَ الصّحابَة إِلَى يَومِنا هذا لأَنَّهُ يُعارِضُ وَيُخالِفُ الكتابَ وَالسنّةَ النبَوِية وَيُخالِفُ ما أَجمَعَت عَلَيهِ الأُمَّة فَيَكُونُ هذا المُحدَثُ بِدعَةَ ضلالَة، بِدعَةً مَذمُوَمةً سَيِّئَةً لأَنَّها ليسَت مِن أَمرِ دِينِنا بَل تُناقِضُه وَتُخالِفُهُ وأَمّا ما أُحدِثَ بَعدَ وَفاةِ الرّسُول مِنَ الأُمور التي لا تُعارِضُ القرءانَ ولا الحَدِيثَ النَّبَوِيّ وَلا إجماعَ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَماعَة بل قامَ الدّليلُ عَلَى أَنَّهُ شىءٌ لا يُخالِفُ الشريعَة، فَلا نَعُدُّهُ بِدعَةَ ضلالَة، بِدعَةً سَيِّئَةً مُطلَقًا لِمُجَرَّدِ أَنَّ الرسُولَ تَرَكَ فِعلَه. ذلِكَ أَنَّ رَسُولَ الله حِينَ قال: “مَن أَحدَثَ فِي أَمرِنَا هَذَا” يَعنِى فِى دِينِنا، “مَا لَيسَ مِنهُ فَهُوَ رَدٌّ” أَي مَردُود، غَيرُ مَقبُول غَيرُ مُعتَدٍّ بِهِ. قَولُهُ ﷺ: “مَا لَيسَ مِنهُ” يُفهَمُ مِن هذه العِبارة أَنَّ هذا الشىءَ المُحدَث يُعارِضُ وَيُخالِفُ أُصُولَ الدّينِ وَقَواعِدَه، لأَنَّهُ ﷺ قالَ: “مَا لَيسَ مِنهُ” وَلَو كاَنت كُلُّ بِدعَةٍ ضَلالةً بِلا استِثناء، لَما قالَ ﷺ: “مَا لَيسَ مِنهُ” بَل لَكانَ قالَ ﷺ مَن أَحدَثَ فِي أَمرِنَا هذا شيئًا فَهُوَ رَدَّ!! أَي مَردُود. لَكِن لَيسَ كُلُّ بِدعَةٍ، ليسَ كُلُّ شىءٍ أُحدِثَ بَعدَ وَفاةِ الرسُول يُعَدُّ مُطلَقًا بِدعَةَ ضَلالَة دُونَ استِثناء. قَولُهُ “مَا لَيسَ مِنهُ” يُفهَمُ مِنهُ أَنَّهُ إِن أَحدَثَ شيئًا مِنَ الدِّين، يُوافِقُ قَواعِدَ الدِّين، يُوافِقُ أُصُولَ الدِّين، يُوافِقُ القرءانَ وَالحَدِيث، فَلَيسَ مَردُودًا بَل هُوَ مَقبُول. نَفهَمُ مِن هٰذا أَنَّ قَولَهُ ﷺ: “ مَن أَحدَثَ فِي أَمرِنَا هَذَا مَا لَيسَ مِنهُ فَهُوَ رَدٌّ” نَفهَمُ مِن مَنطُوقِ وَلَفظِ هذا الحَدِيث شَيئًا هَوُ أَنَّ مَن أَحدَثَ “فِي أَمرِنَا هَذَا مَا” هُوَ مِنهُ، يَعنِى ما هُوَ مُوافِقٌ لِقَواعِدِ الدّين وَلأُصُولِ الدّينِ لا يَكُونُ مَردُودًا بَل يَكُونُ مَقبُولا. يُوجَدُ شَىء فِى عِلمِ أُصُول الفقه يُسَمَّى “مَفهُوم المُوافَقَة” وُيُقالُ لَهُ أَحيانًا “فحوَى الخِطاب” أَضرِبُ لَكُم مِثالًا لِنَفهَمَ مَعنَى هذا المُصطَلَح: “مَفهُوم المُوافَقَة“. سَأَضرِبُ لكم مِثالًا ءاخَر عَن “مَفهُومِ الموافَقَة“. قالَ تعالى ﴿كَلَّا إِنَّهُم عَن رَّبِّهِم يَومَئِذٍ لَّمَحجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين:15] مَعناهُ الكُفّارُ يَومَ القِيامَة لا يَرَونَ اللهَ تعالى، لِماذا حُجِبُوا وَمُنِعُوا مِن رُؤيَةِ الله؟؟ لأَجلِ أَنَّ اللهَ تعالى ساخِطٌ عَلَيهِم. لأَجلِ أَنَّ اللهَ تعالى غاضِبٌ عَلَيهِم بِسَبَبِ كُفرِهِم. ماذا نَفهَمُ مِن مَنطُوقِ هذه الآيَة؟ نَفهَمُ مِن مَنطُوقِها أَنَّ الكُفّارَ مَحجُوبُون مَمنُوعونَ مِن رؤيَةِ اللهِ بِسَبَبِ أَنَّهُ مَسخُوطٌ عَلَيهِم. لكِن نَفهَمُ بِسَبَبِ مَفهُومِ المُوافَقَة أَنَّ المؤمِنِين يَرَونَ اللهَ تعالى بِالرِّضا. هذا يُسَمّى مَفهُومَ الموافَقَة حِينَ حَجَبَ الكُفّارَ عَن رُؤيَتِهِ بِالسَّخَط، عَلِمنا أَنَّ المؤمِنِينَ يَرَونَهُ فِى الآخِرَةِ سُبحانَهُ بالرِّضا. هذا عَرَفناهُ بسَبَبِ “مَفهُومِ الموافَقَةِ” لِما تُعطِيهِ الآيَة مِن مَنطُوق.اهـ هُنا حَدِيثُنا الرَسُولُ ﷺ قَالَ: “مَن أَحدَثَ فِي أَمرِنَا هَذَا مَا لَيسَ مِنهُ فَهُوَ رَدٌّ“. ماذا نَفهَمُ بِـ”مَفهُومِ الموافَقَةِ“؟ أَنَّ “مَن أَحدَثَ فِي أَمرِنَا هَذَا مَا ” هُوَ”مِنهُ” فَلَيسَ مَردُودًا بَل هُوَ مَقبُول وَإِن أَحدَثَهُ مِن غَيرِ أَن يَكُونَ لَهُ سابِقَةُ فِعلٍ مِنَ الرَسُولُ ﷺ!! وَلَو لَم يَفعَلهُ الرَسُولُ ﷺ لَكِنَّهُ فَعَلَهُ بِحَيثُ لَم يُعارِض بِفِعلِهِ لَهُ القرءانَ وَلا الحَدِيثَ وَلا إجماعَ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَماعَة، فَلا يَكُونُ هذا المُحدَثُ بِدعَةً سَيِّئَةً أَو بِدعَةَ ضَلالَة، لِماذا؟ لأَنَّها تُوافِقُ الشّرعَ. تُوافِقُ دَلائِلَ الكِتابِ وَالسّنَّة وَقَواعِدَ هذا الدِّين. فَلا يُعَدُّ هذا عِندَئِذٍ بِدعَةَ ضَلالَةٍ أَو بِدعَةً سَيِّئَةً.
لِذلِكَ يا أَحبابَنا، الصّحابَةُ رِضوانُ اللهِ عَلَيهِم، أَحدَثُوا أَشياء بَعدَ وَفاةِ رَسُولِ الله ﷺ وَلَم يُنكِر عَلَيهِم فِى زَمانِهِم أَحَد. سيدُنا عُمَرُ بنُ الخَطّاب، بَعدَ وَفاةِ رَسُولِ الله ﷺ وَبَعدَ وَفاةِ أَبِي بَكرٍ الصِّديق، وَبَعدَ مُضِيِّ مُدَّة مِن خِلافَةِ عُمَرَ بنَ الخَطّاب دَخَلَ المسجِدَ النَّبَوِيَّ فَبَدَى لَهُ أَن يَجمَعَ النّاسَ فِى صَلاةِ التَّراوِيح فِى ليلَةٍ مِن لَيالِي رَمَضان، خَلفَ إِمامٍ واحِد، فَأَمَرَهُم أَن يُصَلُّوا جَماعَةً فِى صَلاةِ التَّراوِيح خَلفَ أُبَي بنِ كَعب، رَضِيَ اللهُ عَنهُ. ثُمَّ جَمَعَ النِّساء خَلفَ إِمامٍ واحِدٍ أَيضًا. النِّساء صَلَّينَ خَلفَ صَحابِيٍّ يُقالُ لَهُ سُليمان بنِ أَبي حَسنَةَ. وَلَم يَقُل عُمَرُ بنُ الخَطّاب الرَسُولُ ﷺ تَرَكَ صَلاةَ التَّراوِيح فِى جَماعَةٍ بَعدَ أَن صَلّاها بليلَتَينِ أَو ثَلاثَة فَلَيسَ لِي أَن أَجمَعَهُم بَعدَ وَفاةِ الرَسُولِ ﷺ فِى جَماعَةٍ خَلفَ إِمامٍ واحِدٍ! بَل إِنَّ الذي فَعَلَهُ عُمَر لَم يَأمُر بِهِ الرَسُولِ ﷺ وَلَم يَقُل لأَصحابِهِ إِذا أَنا مِتُّ، اجتَمِعُوا فِى صَلاةِ التَّراوِيح خَلفَ إِمامٍ واحِدٍ! لَكِنَّ سيدُنا عُمَرَ الذي هُوَ أَفهَمُ لِحَدِيثِ رَسولِ الله هذا “مَن أَحدَثَ فِي أَمرِنَا هَذَا…”، والذي هُوَ أَفهَمُ لِقَولِ رَسولِ الله: “ كُلُّ بِدعَةٍ ضلالَة وكُلُّ ضَلالَةٍ فِي النّار” وَسَنَأتِي عَلَيهِ إِن شاءَ الله، مِن هؤلاءِ الذي ظَهَرُوا فِى زَمانِنا فَصارُوا يُحَرِّمونَ عَلَى المسلِمين ما وافَقَت عَلَيهِ الأُمّة مِن زَمانِ سيِّدِنا عُمَر وَمِن زَمانِ سيِّدِنا عُثمان إِلَى زَمانِنا هذا، بِحُجَّةِ أَنَّ هذا شىء تَرَكَ الرسُولُ فِعلَه. وَقَد أَسلَفنا أَنَّ مُجَرَّدَ التّرك ليسَ دَليلًا عَلَى التّحرِيم. فَإِذًا عِندَما صَلّى المسلِمونَ خَلفَ أُبَي بنُ كَعب فِى صَلاةِ التَّراوِيح، أُعجِبَ سيِّدُنا عُمَرُ بِاجتِماعِهِم هذا، فقالَ كَما فِى رِوايَةِ البُخارِيِّ فِى صَحيحِهِ: “نِعمَ البِدعَةُ هذه“! سَمّاها بِدعَةً لأَنَّهُ أَحدَثَها بَعدَ وفاة رَسُولِ الله ﷺ فَعلَها مِن غَيرِ أَمرِ الرَّسُول بِفِعلِها وَمَدَحَها، لأَنَّ قَولَهُ “نِعمَ” كَما فِى رِوايَةِ البُخارِيِّ أَو “نِعمَت” كَما فِى رِوايَةِ مالِكٍ فِى المَوَطّأ، تَدُلُّ عَلَى مَدحِ سيِّدُنا عُمَر هذا الفِعل الذي فَعَلَهُ لأَنَّ العَرَبَ تَقُولُ “نِعمَ” وَ”نِعمَت” للمَدحِ و”بِئسَ” وَ”بِئسَت” للذَّمّ. فَنَقُولُ: نِعمَ الرَّجل عُمَر، نِعمَتُ المرأَة خَدِيجَة، بِئسَ الرَّجُلُ أَبُو لَهَب وَبِئسَتِ المرأَةُ أُمُّ جَمِيل، زَوجَةُ أَبِي لَهَب. وَهذا الحَدِيثُ صحيح، لا يستَطِيعُ هؤلاء الذين أَصَّلُوا قاعِدَةً لا أَصلَ لَه عِندَ عُلَماء الأُصُول، أُصُول الفِقه، مِن أَنَّ مُجَرَّدَ التَّركِ يَدُلُّ عَلَى المَنعِ والتَّحرِيم! قالُوا المُرادَ بِقَولِ عُمَرَ: “نِعمَ البِدعَةُ هذه” قالُوا: أَرادَ البِدعَةَ اللُّغَوِيّة. وَهذا إِخراجٌ للنَّصِّ عَن ظاهِرِهِ بِلا دَليل لأَنَّ أَمرَ اجتِماعِ الناسِ خَلفَ إِمامٍ واحِد فِى صلاتِهِم، صَلاة التراوِيح، هذا أَمرٌ شَرعِيٌّ، أَمرٌ لَهُ تَعَلُّقٌ بالشّرع وَمَعَ ذلِكَ سَمّاها عُمَرُ بِدعَةً وَمَدَحَها فَإِذًا قَولُهُم بِأَنَّها بِدعَة لُغَوِيّة بَعِيدٌ عَن ظاهِرِ لَفظِ البِدعَة لأَنَّ سَيدَنا عُمَر كانَ يَمدَحُ اجتِماعَهُم خَلفَ إِمامٍ واحِدٍ فِى أَمرٍ شَرعِيٍّ عَظِيمٍ وَهُوَ الصّلاة فَلا يَصِحُّ أَن يُقال إِنَّهُ أَرادَ البِدعَةَ اللُّغَوِيّة. ثُمَّ لِنَفرِض أَنَّهُ أَرادَ البِدعَةَ اللُّغَوِيّة، ثُمَّ مَن أَخبَرَهُم أَنَّهُ أَرادَ ذلِك؟؟ هَل كانَ واحِدٌ مِن أَمثالِ هؤلاء مَعَ سيدِنا عمر آنَ ذاك فَأَسَرَّ لَهُ عُمَر فَقال لَهُ أَنا أَرَدتُ بالبِدعَةِ ههُنا البِدعَةَ اللُغَوِيّة؟؟!! مِن أَينَ لَهُم هذا؟ ثُمَّ لِنَفرِض أَنَّهُ أَرادَ البِدعَةَ اللُغَوِيّة، ما مَعنَى البِدعَةُ فِى اللغَة؟؟ البِدعَةُ فِى اللُّغَة: إِحداثُ شىءٍ عَلَى غَيرِ مِثالٍ سابِق. مَعناهُ لَو أَرادَ سيِّدُنا عُمَر البِدعَةَ اللُغَوِيّة، أَلَيس أَحدَثَ شيئًا عَلَى غَيرِ مِثالٍ سابِق؟؟ بَلَى وَمَعَ ذلِكَ قالَ نِعمَ وَنِعمَت لِمَدحِها فَلا تُذَمُّ البِدعَةُ لِمُجَرَّدِ إِطلاقِ اسمِ البِدعَةِ عَلَيها!
وكذلك إِحداثُ الاحتِفال بِالمولِدِ النبَوِيّ الشّريف. هذا شىءٌ حَسَن، إِظهار الفَرَح والاستِبشار بِوِلادَةِ الرسُول فِى كُلِّ عامٍ، وَلو لم يَكُن بِصُورَتِهِ التي هِيَ عَلَيهِ اليَوم، مَعمولًا بِهِ فِى زَمانِ الرَّسُول، إِلَّا أَنَّهُ يُعَدُّ مِنَ البِدَعِ الحَسَنَة التي لا تُخالِفُ دِينَ الله. لِذلِكَ الرسُول كان خَصَّ يَومَ وِلادَتِهِ بِطاعَةٍ كانَ يَفعَلُها للإِشارَةِ إِلَى عَظَمَةِ ذلِكَ اليَوم وَهُوَ يَومُ الاثنَين. وَالحدِيثُ رَواهُ مُسلِمٌ فِى صحيحهِ مِن حَدِيثِ أَبِي قتادَةَ رَضِيَ الله عنهُ. سُئِلَ الرسُولُ: “لِما تَصُومُ يَومَ الاثنَين؟” معناهُ لِما تَخُصُّ يَومَ الاثنين بِهذه الطّاعة التي هِيَ الصِّيام؟ فَقال: “هذا يَومٌ وُلِدتُ فِيهِ وَأُنزِلَ عَلَيَّ فِيهِ” معناهُ الرسُولُ أَرادَ أَن يُظهِرَ عَظَمَةِ هذا اليَوم، بِسبَبِ أَنّهُ بَرَزَ للدُّنيا فِيهِ، فَشُكرًا للهِ عَلَى بُرُوزِهِ، كانَ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ بِطاعَةٍ وَهِيَ الصّيام. طِيب ذِكرُ الله طاعَة كما أَنَّ الصِّيامَ طاعَة. وَبالمَولِد يُقَدِّمُوا العَصير وَالحَلوَى، هذه الصَّدَقات طاعَة أَيضًا فَأَيُّ بَأسٍ فِى هذا. لا بَأسَ فِى هذا بَل شىء حَسَن. إِذا نَظَرنا فِيما يُفعَل فِى المولِد، نَجِد أَنَّهُم يَجتَمِعون فَيَقرئُون القرءان. هل قِراءَةُ القُرءان شىءٌ حَثَّنا عَلَيهِ الشّرعُ أَم مَنَعَنا مِنهُ الشّرع؟ لا شَكَّ أَنَّهُ شىءٌ ممدُوحٌ، حَثَّنا عَلَيهِ الشّرعُ، ثُمَّ يَذكُرونَ شىءٌ لَهُ تَعَلُّقٌ بِسيرَة الرسُول. ماذا حَصَلَ أَثناءَ حَملَ أُمِّهِ بِهِ وَماذا حَصَلَ فِى يَومِ وِلادَتِهِ مِنَ الآياتِ التي تَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ هذا المولود. ذِكرِ سيرَتِهِ وَشأَنِهِ وَشَمائلِهِ وَمناقِبِهِ وَمَآثِرِهِ وَفَضائِلِه ﷺ أَليسَ شيئًا حَسَنًا؟؟ بَل نَحنُ فِى زماننا تشتَدُّ حاجَتُنا إِلَى مَعرِفَةِ شَمائلِهِ وَأخلاقِهِ وَأَفعالِهِ ﷺ لِنَقتَضِيَ بِهِ فَأَن يَقُصَّ شيخ أَو منشِد سيرَتِهِ، هذا شىءٌ حَسَن. قالَ تعالى ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيكَ مِن أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ، وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الحَقُّ وَمَوعِظَةٌ وَذِكرَىٰ لِلمُؤمِنِينَ﴾ [سورة هود:120] يَعنِى إِذا كانَ رَسُولِ الله ﷺ الذي هُوَ أَثبَتُ الناسِ قَلبًا وَأَرجَحُ الناسِ قَلبًا قَصَّ اللهُ عَلَيهِ قِصَّةَ ءادَم فِى القُرءان وَقِصَّةَ إِبراهِيم وَما فَعَلَ مَعَهُ قَومُهُ حِينَ أَلقَوهُ النّار، وَقِصَّةَ موسَى وَقِصَّةَ داود وَقِصَّةَ وَقِصَّةَ يحيى وَقِصَّةَ زَكَرِيّا وَقِصَّةَ نوح. لِماذا قَصَّ اللهُ تعالى عَلَى سيدِنا محمد هذه القِصَّص؟؟ قالَ لِـ﴿نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ رَسُولِ الله ﷺ الذي هُوَ أَثبَتُ الناسِ قَلبًا قَصَّ اللهُ تعالى عَلَيه قِصصَ هؤلاء الأنبياء. فما أَحوَجَنا وَنَحنُ الضِّعاف إِلَى أَن نَسمَعَ مِن قِصصِهِ وَشَمائلِهِ وَمناقِبِهِ وَمَآثِرِهِ وَفَضائِلِه رَجاءَ تَثبِيثِ قُلُوبِنا. وَهذا يَحصُل فِى يَومِ المولِد فِى هذا الاجتِماع. ذِكرُ اللهِ سبحانَهُ وَتعالى وَالصّلاةُ عَلَى النبيّ مِنَ الأَشياء التي تُفعَل فِى المولِد. وهذه أشياء حَثَّنا الله عليه ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغفِرَةً وَأَجرًا عَظِيمًا﴾[سورة الأحزاب:35]، جاءَ فِي القرءانِ مَدحُ هؤلاء. ثُمَّ أَليسَ يَكثُرُ ذِكرُ اسمُ النبيّ ﷺ فِى هذا الاحتِفال؟ وَكَثرَةُ ذِكرِهِ ﷺ تستَدعِي كَثرَة الصلاةِ والسلامِ عَلَيهِ وَكَثرَةُ الصلاةِ والسلامِ عَلَيهِ شىءٌ ممدُوحٌ أَو مَذمُومٌ فِى الشّرع؟ بِلا شَكّ ممدوح! أُمِرنا بِهِ فِى القُرءانِ أَم لا؟؟ أُمِرنا بِهِ فِى القُرءانِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا﴾[سورة الأحزاب:56]، وَما كانَ سبَبًا فِى مَطلُوبٍ شَرعًا يَكُونُ مَطلُوبًا شَرعًا. ما يَُؤَدِّي إِلَى مَطلُوبًا شَرعًا، ماذا يَكونُ؟ يَكُونُ مَطلُوبًا شَرعًا، فَإِذًا عَمَل المَولِدِ شىءٌ مطلوبٌ شَرعًا لا بأسَ بِهِ ثُمّ أَنواعُ الصّدقات التي قَد يُتَصَدَّقُ بِها مِن حَلوَى أَو عَصِير أَليس اللهَ حَثَّنا عَلَى التَّصَدُّق؟؟ ﴿وَيُطعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾[سورة الإنسان:8] (﴿وَأَسِيرًا﴾أَي كافِرا) بَلَى! إِذا كانت كُلُّ واحِدَةٍ مِن هذه المذكُورات وَحدَها شىءٌ حَسَن حَثّنا عَليها القُران، فَكيف تَصِيرُ بِدعَةَ ضَلالَة إِذا اجتَمَعَت مَعًا؟ سُبحَانَكَ يا رَبَّنا، هَٰذَا بُهتَانٌ عَظِيمٌ! لذلك يا أحبابَنا كانَ رَسىُولِ الله ﷺ يَلحَظُ وَيُراقِبُ الأَزمانَ المبارَكَة كَيَومِ وِلادَتِهِ فَيَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ بِطاعَة وَيُراعِي الأَماكِنَ المبارَكَة، كَما نَزَلَ فِى بيتِ لَحم لأَنَّ نَبِيّ الله عِيسَى عليهِ السلام وُلِدَ فِى بيتِ لَحم فِى رِحلَةِ الإِسراء. أَليسَ أَنزَلَهُ جِبريل فِي طورِ سَيناء لأَنَّ موسَى كانَ هُناك وَأَنزَلَهُ جِبريل فِى بيتِ لَحم لأَنَّ عِيسَى عليهِ السلام وُلِدَ هُناك؟؟ هذه الأَماكِنَ المبارَكَة لأَنَّ الأَنبياء وُلِدُوا وَكانُوا فِى هذه المواضِع فكانَ يَلاحِظُ الأَزمانَ المبارَكَة وَكانَ يَلاحِظُ الأَماكِنَ المبارَكَة فَيَخُصُّها بِطاعَةٍ أَو طاعات. وهذا الذي يَفعَلُهُ المسلِمون مِنَ الاحتِفالِ بِمَولِدِهِ ﷺ إِنّما هُوَ فَرَحٌ مِن رَحمَةِ المهداة. اللهُ أَمَرَنا أَن نَفرَحَ بِفَضلِ اللهِ وَبِرَحمَتِهِ الله تعالى قال ﴿قُل بِفَضلِ اللهِ وَبِرَحمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَليَفرَحُوا﴾ [سورة يونس:58] أُمِرنا بالفَرَحِ بِفَضلِ الله وَرَحمَتِه. والرسُولُ خَيرُ رَحمَةٍ أُرسِلَت للعِباد! بِدَليل ما جاءَ فِى كِتابِ اللهِ القُرءان ﴿وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلَّا رَحمَةً لِلعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء:107] وَقالَ الرسُولُ عَن نَفسِهِ: “إِنِّما أَنا رَحمَةٌ مُهداة“. فإِذا أَظهَرنا الفَرحَة بِوِلادَةِ نَكُونُ عامِلِينَ بِما أَمَرَ الله فِى كِتابِهِ القُرءان. لَو لَم يَفعَلِ الرسُول هذه الأُمور، كَيفَ تَكونُ لا يجوزُ فِعلُهُ؟؟ كَما ذَكَرنا، مُجَرّد التّرك لا يَقتَضِي التّحرِيم!