الحديث (172) | قصة قابيل وهابيل | تحذير النبي ﷺ من سنِّ السّنن السيئة.

الحَمدُ للهِ العَالِمِ بِعَدَدِ الرَّملِ وَالنَّملِ وَالقَطرِ، وَمُصَرِّفِ الوَقتِ وَالزَّمَنِ وَالدَّهرِ، الخَبِيرِ بِخَافِي السِّرِّ وَسَامِعِ الجَهرِ، القَدِيرِ عَلَى مَا يَشَاءُ بِالعِزِّ وَالقَهرِ، خَلَقَ آدَمَ وَسَوَّاهُ وَاستَخرَجَ ذُرِّيَّتَهُ كَالذَّرِّ. أَنعَمَ فَلا خَلقَ لِغَيرِهِ، وَقَضَى بِنَفعِ العَبدِ وَضَيرِهِ، وَأَمضَى القَدَرَ بِشَرِّهِ وَخَيرِهِ، فَحَثَّ عَلَى الشُّكرِ وَالصَّبرِ، وَقَهَرَ المُضَادَّاتِ فَسَوَّاهَا بِلا مُعِينٍ يَمُدُّهُ بِالنَّصرِ. 

أَحمَدُهُ حَمدًا كثيرا، وَأُقِرُّ لَهُ بِالتَّوحِيدِ فَكَم دَلَّت عَلَيهِ آيَةٌ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي مَا رُدَّت لَهُ رَايَةٌ، صَلاةً تَصِلُ إِلَيهِ فِي القَبرِ. وَعَلَى ضَجِيعِهِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، وَعلى عُمَرَ الشَّدِيدِ فِي الحَقِّ الوَثِيقِ، وَعلى عُثمَانَ المُحِبِّ الشَّفِيقِ، وَعَلَى عليٍّ ابنِ عمِّهِ ورَّفِيعِ القَدرِ. وعلى آله وأصحابه ومن اتبع نهجهم واستن بسنتهم إلى يوم الفصل، أما بعد:

فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِنَا لِهٰذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ إِلَى الحَدِيثِ الثَّانِي وَالسَّبعِينَ بَعدَ المِائَةِ، يَذكُرُهُ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي هَذَا البَابِ وَهُوَ بَابٌ فِيمَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً أَو سَيِّئَةً.اهـ وَهُوَ الحَدِيثُ الأَخِيرُ فِي هَذَا البَابِ، نَقرَؤُهُ وَنَشرَحُهُ إِن شَاءَ اللهُ. مَتنُ الحَدِيثِ الَّذِي سَنَشرَحُهُ: قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:

وَعَنِ ابنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيسَ مِن نَفسٍ تُقتَلُ ظُلمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفلٌ مِن دَمِهَا، لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَن سَنَّ القَتلَ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

الشَّرحُ وَالتَّعلِيقُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ:

وَعَنِ ابنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ لِمُسلِمٍ عِندَ شَرحِ هَذَا الحَدِيثِ: وَهَذَا الحَدِيثُ مِن قَوَاعِدِ الإِسلَامِ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَنِ ابتَدَعَ شَيئًا مِنَ الشَّرِّ كَانَ عَلَيهِ مِثلُ وِزرِ كُلِّ مَنِ اقتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ العَمَلِ مِثلَ عَمَلِهِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ وَمِثلُهُ مَنِ ابتَدَعَ شَيئًا مِنَ الخَيرِ كَانَ لَهُ مِثلُ أَجرِ كُلِّ مَن يَعمَلُ بِهِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً وَمَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً». وَلِلحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَن دَلَّ عَلَى خَيرٍ فَلَهُ مِثلُ أَجرِ فَاعِلِهِ». وَلِلحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَا مِن دَاعٍ يَدعُو إِلَى هُدًى وَمَا مِن دَاعٍ يَدعُو إِلَى ضَلَالَةٍ». وَاللهُ أَعلَمُ) «لَيسَ مِن نَفسٍ (أَي مِن أَنفُسِ أَبنَاءِ آدَمَ وَيَدُلُّ عَلَيهِ تَمَامُ الحَدِيثِ، وَتُطلَقُ النَّفسُ عَلَى أَكثَرَ مِن مَعنًى فِي القُرآنِ وَالحَدِيثِ، قَالَ الفَيرُوزأَبَادِيُّ: النَّفسُ: الرُّوحُ، يُقَالُ: خَرَجَت نَفسُهُ، أَي رُوحُهُ، وَالنَّفسُ أَيضًا الدَّمُ. وَالنَّفسُ: الجَسَدُ. وَالنَّفسُ: العَينُ، أَصَابَتهُ نَفسٌ أَي عَينٌ. وَالنَّفسُ: العِندُ، قَالَ تَعَالَى: {تَعلَمُ مَا فِي نَفسِي وَلَا أَعلَمُ مَا فِي نَفسِكَ} أَي تَعلَمُ مَا عِندِي وَلَا أَعلَمُ مَا عِندَكَ، وَقَالَ ابنُ الأَنبَارِيِّ: أَي تَعلَمُ مَا فِي نَفسِي وَلَا أَعلَمُ مَا فِي غَيبِكَ) (إِذًا: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهَا حِكَايَةً عَن عِيسَى: [تَعلَمُ مَا فِي نَفسِي وَلَا أَعلَمُ مَا فِي نَفسِكَ]، مَعنَاهَا: تَعلَمُ مَا فِي سِرِّي وَلَا أَعلَمُ مَا فِي غَيبِكَ، وَلَيسَ المَعنَى أَنَّ اللهَ لَهُ نَفسٌ بِمَعنَى الرُّوحِ، بَلِ اللهُ هُوَ خَالِقُ الرُّوحِ وَخَالِقُ الجَسَدِ، اللهُ لَيسَ رُوحًا وَلَا جَسَدًا وَلَا هُوَ رُوحٌ فَقَط وَلَا هُوَ جَسَدٌ بِلَا رُوحٍ، قَالَ تَعَالَى: [إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ]، أَي تَعلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَم يَكُن وَمَا هُوَ كَائِنٌ، 

قَالَ القُرطُبِيُّ فِي تَفسِيرِهِ «الجَامِعِ لِأَحكَامِ القُرءَانِ»: أَي تَعلَمُ مَا فِي غَيبِي وَلَا أَعلَمُ مَا فِي غَيبِكَ. وَقِيلَ: المَعنَى تَعلَمُ مَا أَعلَمُ وَلَا أَعلَمُ مَا تَعلَمُ. وَقِيلَ: تَعلَمُ مَا أُخفِيهِ وَلَا أَعلَمُ مَا تُخفِيهِ».اهـ

وَقَالَ القُشَيرِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: [تَعلَمُ مَا فِي نَفسِي]، أَي عِلمُكَ مُحِيطٌ بِكُلِّ العُلُومِ، [وَلَا أَعلَمُ مَا فِي نَفسِكَ]، أَي لَا أَطَّلِعُ عَلَى غَيبِكَ إِلَّا بِقَدرِ مَا تُعَرِّفُنِي بِإِعلَامِكَ.اهـ 

وَفِي حَاشِيَةِ الشِّهَابِ عَلَى تَفسِيرِ البَيضَاوِيِّ: تَعلَمُ مَا أُخفِيهِ فِي نَفسِي كَمَا تَعلَمُ مَا أُعلِنُهُ، وَلَا أَعلَمُ مَا تُخفِيهِ مِن مَعلُومَاتِكَ.اهـ 

وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ الأَندَلُسِيُّ فِي تَفسِيرِ البَحرِ المُحِيطِ: «قِيلَ المَعنَى تَعلَمُ مَا أُخفِي وَلَا أَعلَمُ مَا تُخفِي». ثُمَّ قَالَ: «وَقَدِ استَدَلَّتِ المُجَسِّمَةُ بِقَولِهِ تَعَالَى: [تَعلَمُ مَا فِي نَفسِي وَلَا أَعلَمُ مَا فِي نَفسِكَ]، وَقَالُوا النَّفسُ هِيَ الشَّخصُ وَذَلِكَ يَقتَضِي كَونَهُ جِسمًا تَعَالَى اللهُ عَن ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا».اهـ)

(أَمَّا قَولُ المُسلِمِينَ: نَحنُ نَعبُدُ اللهَ، أَي نَعبُدُ الذَّاتَ المُقَدَّسَ المُستَحِقَّ لِلعِبَادَةِ وَحدَهُ لَا غَيرَهُ، وَالعِبَادَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا للهِ المُتَّصِفِ بِالعِلمِ وَالحَيَاةِ وَالقُدرَةِ وَالسَّمعِ وَالبَصَرِ وَصِفَاتِ الكَمَالِ اللَّائِقَةِ بِهِ سُبحَانَهُ، فَهُوَ المَعبُودُ بِحَقٍّ، وَالمَعبُودُ بِحَقٍّ سُبحَانَهُ لَيسَ جِسمًا وَلَا يُشبِهُ الأَجسَامَ، وَالذَّاتُ بِمَعنَى الحَقِيقَةِ، فَإِذَا قِيلَ ذَاتُ اللهِ فَالمُرَادُ حَقِيقَةُ اللهِ، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ مَوجُودٌ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتٍ لَا يَتَّصِفُ بِهَا غَيرُهُ، فَذَاتُ اللهِ لَا يُشبِهُ الذَّوَاتِ، لَيسَ بِجِسمٍ وَلَا كَيفَ وَلَا صُورَةَ لَهُ، وَلَيسَ بِذِي هَيئَةٍ وَشَكلٍ سُبحَانَه [قَالَ أَبُو سُلَيمَانَ الخَطَّابِيُّ: “إِنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَينَا وَعَلَى كُلِّ مُسلِمٍ أَن يَعلَمَهُ أَنَّ رَبَّنَا لَيسَ بِذِي صُورَةٍ وَلَا هَيئَةٍ، فَإِنَّ الصُّورَةَ تَقتَضِي الكَيفِيَّةَ وَهِيَ عَنِ اللهِ وَعَن صِفَاتِهِ مَنفِيَّةٌ]، وَقَد جَاءَ إِطلَاقُ لَفظِ الذَّاتِ عَلَى اللهِ تَعَالَى فِي قَولِ خُبَيبِ بنِ عَدِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عِندَمَا قُدِّمَ لِلقَتلِ حَيثُ قَالَ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ:

وَلَستُ أُبَالِي حِينَ أُقتَلُ مُسلِمًا **** عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ للهِ مَصرَعِي

وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإلَهِ وَإِن يَشَأ **** يُبَارِك عَلَى أَوصَالِ شِلوٍ مُمَزَّعِ

قَالَ البُخَارِيُ: ‌فَذَكَرَ ‌الذَّاتَ ‌بِاسمِهِ تَعَالَى، قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَظَاهِرُ لَفظِهِ أَنَّ مُرَادَهُ إِضَافَةُ لَفظِ الذَّاتِ إِلَى اسمِ اللهِ، وَسَمِعَهُ النَّبِيُّ فَلَم يُنكِرهُ فَكَانَ جَائِزًا.اهـ فيَجِبُ اعتِقَادُ أَنَّ اللهَ مُخَالِفٌ لِلحَوَادِثِ، أَي أَنَّهُ لَا مُشَابَهَةَ بَينَهُ وَبَينَ شَيءٍ مِن مَخلُوقَاتِهِ، فَاللهُ تَعَالَى ذَاتُهُ لَا يُشبِهُ الذَّوَاتِ، وَصِفَاتُهُ لَا تُشبِهُ الصِّفَاتِ، وَفِعلُهُ لَا يُشبِهُ الأَفعَالَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: [فَلَا تَضرِبُوا للهِ الأَمثَالَ]، أَي لَا تَجعَلُوا للهِ الشَّبِيهَ وَالمِثلَ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا شَبِيهَ لَهُ)

تُقتَلُ (القَتلُ بِغَيرِ حَقٍّ هُوَ أَشَدُّ الذُّنُوبِ بَعدَ الكُفرِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَأَشَدُّ الذُّنُوبِ هُوَ الكُفرُ ثُمَّ القَتلُ، وَلَيسَتِ الغِيبَةُ أَوِ النَّمِيمَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتلِ، بَعضُ النَّاسِ يَستَدِلُّ بِآيَةِ: ﴿وَالفِتنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتلِ﴾: فَيَقُولُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ إِنَّ النَّمِيمَةَ أَشَدُّ مِنَ القَتلِ وَلَيسَ المَعنَى هَكَذَا، فَهُنَا جَاءَت كَلِمَةُ الفِتنَةِ عَلَى مَعنَى أَنَّ الكُفرَ وَالشِّركَ أَشَدُّ مِن قَتلِ النَّفسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ.

 فَالكُفرُ هُوَ أَعظَمُ الذُّنُوبِ وَبَعدَهُ قَتلُ النَّفسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ، لِأَنَّ الشِّركَ هُوَ أَعظَمُ الظُّلمِ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّركَ لَظُلمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان/ الآية 13]، وَقَولِهِ: ﴿وَالكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة البقرة/ الآية 254] وَمَعنَاهُ أَكبَرُ الظُّلمِ هُوَ الكُفرُ، 

وقد ذَكَرَ العلماءُ أنَّ الكفرَ يُقسَمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ؛ فَمِنهُ مَا هُوَ قَولِيٌ كَمَن يَسُبُّ اللهَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ أَو يَسُبُّ دِينَ الإِسلَامِ أَو نَبِيًّا مِنَ الأَنبِيَاءِ أَو مَلَكًا مِنَ المَلَائِكَةِ الكِرَامِ أَو يَستَهزِئُ بِشَرعِ اللهِ وَبِشَرِيعَتِهِ وَبِمَعَالِمِ دِينِهِ أَو يَستَخِفُّ بِعَذَابِ جَهَنَّمَ فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَذَابٍ خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى، 

وَالقِسمُ الثَّانِي مِن أَقسَامِ الكُفرِ هُوَ الفِعلِيُّ كَالَّذِي يُلقِي المُصحَفَ فِي القَاذُورَاتِ أَو يَسجُدُ لِلشَّمسِ وَالقَمَرِ،

وَالقِسمُ الثَّالِثُ هُوَ الكُفرُ الِاعتِقَادِيُّ كَالَّذِي يَعتَقِدُ خِلَافَ عَقِيدَةِ المُسلِمِينَ كَالَّذِي يَعتَقِدُ أَنَّ للهِ وَلَدًا أَو زَوجَةً أَو شَرِيكًا أَو يَعتَقِدُ عَقِيدَةَ اليَهُودِ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ تَعِبَ فِي اليَومِ السَّابِعِ وَاستَرَاحَ جَالِسًا عَلَى العَرشِ فَنَزَلَ فِيهِم قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَد خَلَقنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُغُوبٍ﴾ [سورة ق/ الآية 38] فَاللهُ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالتَّعَبِ وَلَا بِالجُلُوسِ وَلَا بِالجِسمِيَّةِ وَلَا بِالحَدِّ وَلَا بِالمَكَانِ وَلَا بِالزَّمَانِ فَهُوَ خَالِقُ المَكَانِ وَالزَّمَانِ كَانَ مَوجُودًا قَبلَهُمَا بِدُونِهِمَا وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيهِ كَانَ، لَيسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ، مَهمَا تَصَوَّرتَ بِبَالِكَ فَاللهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ.

فَأَكبَرُ الذُّنُوبِ عَلَى الإِطلَاقِ هُوَ الكُفرُ بِجَمِيعِ أَنوَاعِهِ، وَالكُفرُ هُوَ الذَّنبُ الَّذِي لَا يَغفِرُهُ اللهُ تَعَالَى لِمَن مَاتَ عَلَيهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ، ثُمَّ بَعدَ الكُفرِ يَأتِي قَتلُ النَّفسِ المُؤمِنَةِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ ثُمَّ الزِّنَى وَبَعدَ الزِّنَى يَأتِي تَركُ الصَّلَاةِ وَأَكلُ الرِّبَا وَشُربُ الخَمرِ وَكُلُّهَا مِن كَبَائِرِ الذُّنُوبِ)

(وَفِي هَذَا الحَدِيثِ التَّنفِيرُ مِن ذَنبِ القَتلِ بِغَيرِ حَقٍّ، وَمَا أَكثَرَهُ هَذِهِ الأَيَّامَ، وَالشَّرعُ الحَنِيفُ غَلَّظَ عَلَى قَتلِ المُسلِمِ بِغَيرِ حَقٍّ، وَحَتَّى إِنَّهُ حَرَّمَ إِيذَاءَ المُسلِمِ وَلَو بِنَظرَةٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤذُونَ المُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكتَسَبُوا فَقَدِ احتَمَلُوا بُهتَانًا وَإِثمًا مُبِينًا﴾، وَلِذَلِكَ نَجِدُ أَنَّهُ جَاءَ فِي الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ وُجُوبُ تَحسِينِ الظَّنِّ بِالمُسلِمِينَ، وَتَحرِيمُ إِيذَائِهِم وَالِاعتِدَاءِ عَلَيهِم بِغَيرِ حَقٍّ وَتَتَبُّعِ عَورَاتِهِم وَفَضحِهِم وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، لِأَنَّ كُلَّ هَذَا مِنَ الإِيذَاءِ، فَالمُسلِمُ الكَامِلُ لَا يَفرَحُ بِخَطَأِ إِخوَانِهِ مِنَ المُسلِمِينَ، وَلَا يَتَتَبَّعُ زَلَّاتِهِم وَهَفَوَاتِهِم لِيَشفِيَ غِلَّ صَدرِهِ وَقَلبِهِ، بَل يَنبَغِي أَن يَكُونَ سَلِيمَ الصَّدرِ نَقِيَّ القَلبِ، يُحِبُّ الخَيرَ لِإِخوَانِهِ كَمَا يُحِبُّهُ لِنَفسِهِ، وَيَكرَهُ لَهُمُ الكُفرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصيَانَ، فَلَا يَجُوزُ انتِهَاكُ حُرُمَاتِ المُسلِمِ وَبَثُّ عُيُوبِهِ وَإِشَاعَتُهَا أَمَامَ النَّاسِ، لِأَنَّهُ طَرِيقٌ لِوُقُوعِ المَفَاسِدِ وَإِشَاعَةِ البَغضَاءِ فِي المُجتَمَعِ.

وَقَد تَوَعَّدَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى هَذِهِ الفِئَةَ بِالعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وَاللهُ يَعلَمُ وَأَنتُم لَا تَعلَمُونَ﴾، وَقَالَ ﷺ: «لَا يَستُرُ عَبدٌ عَبدًا فِي الدُّنيَا إِلَّا سَتَرهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ»، 

وَكَانَ سَيِّدُ الخَلقِ وَصَاحِبُ الخُلُقِ العَظِيمِ مُحَمَّدٌ ﷺ إِذَا رَأَى عَيبًا يُبَادِرُ إِلَى إِصلَاحِهِ بِالكَلِمَةِ الحَسَنَةِ وَاللِّينِ وَالرِّفقِ، فَعَن بَعضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ أَخطَأَ فِي صَلَاتِهِ، وَصَارَ يُحَدِّثُ عَن تَعَامُلِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَهُ، فَقَالَ: بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيتُ مُعَلِّمًا قَبلَهُ وَلَا بَعدَهُ أَحسَنَ تَعلِيمًا مِنهُ، فَوَاللهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي. فَيَنبَغِي عَلَينَا إِذَا رَأَينَا هَفوَةً مِن مُسلِمٍ أَن نَنصَحَهُ لَا أَن نَفضَحَهُ، وَأَن نُشفِقَ عَلَيهِ لَا أَن نَفرَحَ بِمَعصِيَتِهِ، فَالفَرَحُ بِالمَعصِيَةِ مَعصِيَةٌ كَذَلِكَ،

وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ عَن بَعضِ الفُقَهَاءِ أَنَّهُ قَالَ: وَمَهمَا عَرَفتَ هَفوَةَ مُسلِمٍ بِحُجَّةٍ لَا شَكَّ فِيهَا فَانصَحهُ فِي السِّرِّ، وَلَا يَخدَعَنَّكَ الشَّيطَانُ فَيَدعُوَكَ إِلَى اغتِيَابِهِ، وَإِذَا وَعَظتَهُ فَلَا تَعِظهُ وَأَنتَ مَسرُورٌ بِاطِّلَاعِكَ عَلَى نَقصِهِ فَيَنظُرَ إِلَيكَ بِعَينِ التَّعظِيمِ وَتَنظُرَ إِلَيهِ بِالِاستِصغَارِ، وَلَكِنِ اقصِد تَخلِيصَهُ مِنَ الإِثمِ وَأَنتَ حَزِينٌ كَمَا تَحزَنُ عَلَى نَفسِكَ إِذَا دَخَلَكَ نَقصٌ، وَيَنبَغِي أَن يَكُونَ تَركُهُ لِذَلِكَ النَّقصِ بِغَيرِ وَعظِكَ أَحَبَّ إِلَيكَ مِن تَركِهِ بِوَعظِكَ.اهـ

وَهُنَا أُنَبِّهُ لَأَمرٍ مُهِمٍّ وَهُوَ بَيَانُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَنزَلَ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ لِأَهدَافٍ عَظِيمَةٍ وَغَايَاتٍ جَلِيلَةٍ كُبرَى، وَجَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِمَقَاصِدِهَا رَامِيَةً إِلَى تَحقِيقِ مَصَالِحِ العِبَادِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَمِن مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ حِفظُ النَّفسِ الإِنسَانِيَّةِ وَصِيَانَتُهَا، وَحِفظُ الدِّمَاءِ مِن أَن تُهدَرَ وَتُسفَكَ بِغَيرِ حَقٍّ، وَلِبَيَانِ عِظَمِ ذَنبِ القَتلِ بِغَيرِ حَقٍّ فَقَد بَيَّنَ الشَّرعُ مَا يَنَالُهُ القَاتِلُ مِنَ العَذَابِ الأَلِيمِ العَظِيمِ فِي الآخِرَةِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَمَن يَقتُل مُؤمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾، وَمَعنَاهُ: مَن يَقتُل مُؤمِنًا مُتَعَمِّدًا وَهُوَ مُستَحِلٌّ لِهَذَا الذَّنبِ العَظِيمِ فَهُوَ لَيسَ مُسلِمًا وَمُخَلَّدٌ فَي النَّارِ، أَمَّا الَّذِي يَقَعُ فِي مَعصِيَةِ القَتلِ مِن غَيرِ استِحلَالٍ فَجُرمُهُ كَبِيرٌ وَمَعصِيَتُهُ كَبِيرَةٌ يَستَحِقُّ عَلَيهَا العَذَابَ فِي الآخِرَةِ إِن لَم يَتُب، لَكِنَّهُ لَا يَكُونُ كَافِرًا، وَأَوصَى النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ مُخَاطِبًا الأُمَّةَ الإِسلَامِيَّةَ فَقَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُم وَأَموَالَكُم وَأَعرَاضَكُم عَلَيكُم حَرَامٌ كَحُرمَةِ يَومِكُم هَذَا، فِي بَلَدِكُم هَذَا، فِي شَهرِكُم هَذَا»، فَأَعَادَهَا مِرَارًا، ثُمَّ قَالَ: «اللهم هَل بَلَّغتُ، اللهم هَل بَلَّغتُ»، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ، فَليُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، هَذِهِ رِسَالَةٌ إِلَى كُلِّ مَن يَتَجَرَّأُ عَلَى إِرَاقَةِ الدِّمَاءِ اليَومَ بِغَيرِ حَقٍّ وَقَد غَابَت عَنهُ هَذِهِ الآيَاتُ وَالأَحَادِيثُ، وَغَفَلَ حَتَّى فَاتَتهُ المَوَاعِظُ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا خِذلَانٌ وَخُسرَانٌ)

ظُلمًا (أَي بِغَيرِ حَقٍّ، فَالظُّلمُ بِالأَصلِ هُوَ وَضعُ الشَّيءِ فِي غَيرِ مَوضِعِهِ وَمَا أَكثَرَهُ بَينَ النَّاسِ هَذِهِ الأَيَّامِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ، قَالَ تَعَالَى: [ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَت أَيدِيكُم وَأَنَّ اللهَ لَيسَ بِظَلَّامٍ لِلعَبِيدِ]، قَالَ بَعضُ الفُقَهَاءِ الشَّافِعِيِّينَ: إِنَّ الظُّلمَ هُوَ وَضعُ الشَّيءِ فِي غَيرِ مَوضِعِهِ، وَقِيلَ هُوَ التَّصَرُّفُ فِي مِلكِ الغَيرِ بِغَيرِ إِذنِهِ.اهـ

فَلَو أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَذَّبَ أَهلَ السَّمَاوَاتِ وَأَهلَ الأَرضِ لَم يَكُن ظَالِمًا لَهُم، فَقَد جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِيمَا رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ: «إِنَّ اللهَ لَو عَذَّبَ أَهلَ أَرضِهِ وَسَمَاوَاتِهِ لَعَذَّبَهُم وَهُوَ غَيرُ ظَالِمٍ لَهُم، وَلَو رَحِمَهُم كَانَت رَحمَتُهُ خَيرًا لَهُم مِن أَعمَالِهِم، وَلَو أَنفَقتَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ الله، مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنكَ حَتَّى تُؤمِنَ بِالقَدَرِ وَتَعلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَم يَكُن لِيُخطِئَكَ وَمَا أَخطَأَكَ لَم يَكُن لِيُصِيبَكَ، وَلَو مِتَّ عَلَى غَيرِ هَذَا دَخَلتَ النَّارَ»، فَاللهُ تَعَالَى لَوِ ابتَلَى عَبدًا صَالِحًا بِبَلَاءٍ فَلَا يَكُونُ ظَالِمًا بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوِ ابتَلَى صَغِيرًا فَفِي الزُّبَدِ فِي الفِقهِ الشَّافِعِيِّ يَقُولُ ابنُ رَسلَانَ:

كَذَا لَهُ أَن يُؤلِمَ الأَطفَالَا ***** وَوَصفُهُ بِالظَّالِمِ استَحَالَا

وَقَد حَذَّرَنَا الشَّرعُ الحَنِيفُ مِن أَن يَظلِمَ بَعضُنَا بَعضًا وَأَن نَحذَرَ دَعوَةَ المَظلُومِ، ثُمَّ إِنَّ المَظلُومَ إِذَا دَعَا عَلَى الظَّالِمِ كَأَن قَالَ: “اللهم انتَقِم مِنهُ” مَا عَلَيهِ إِثمٌ، وَقَد قَالَ بَعضُ السَّلَفِ: كُن عَبدَ اللهِ المَظلُومَ وَلَا تَكُن عَبدَ اللهِ الظَّالِمَ، فَيَومَ القِيَامَةِ كُلُّ إِنسَانٍ يُعطَى كِتَابَهُ وَهَذَا الكِتَابُ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحصَاهَا، فَليَنظُر كُلٌّ مَاذَا يُقَدِّمُ لِآخِرَتِهِ، بَعضُ النَّاسِ اللهُ وَفَّقَهُم لَا يَبِيعُونَ الآخِرَةَ لِأَجلِ الدُّنيَا وَلَكِن يُوجَدُ أُنَاسٌ يَبِيعُونَ الآخِرَةَ لِأَجلِ الدُّنيَا، فَأَقُولُ لَهُم: مَا أَهوَنَ أَن يُعَانِيَ الإِنسَانُ الشِّدَّةَ فِي العَيشِ وَالفَقرَ وَالشَّغَفَ وَالضَنكَ وَالجُوعَ وَسُخرِيَةَ النَّاسِ فِي مُقَابَلَةِ أَن يُعَذَّبَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، مَا أَهوَنَ هَذَا مُقَارَنَةً بِذَاكَ وَلَو أَمضَى حَيَاتَهُ عَلَى هَذَا وَبَعدَ ذَلِكَ المَعصِيَةُ تَجُرُّ المَعصِيَةَ وَالوَاحِدُ إِذَا عَصَى مَرَّةً قَد يَسهُلُ عَلَيهِ أَن يَعصِيَ مَرَّةً، إِذَا صَارَ يَعصِي مَرَّةً بَعدَ مَرَّةٍ يَجُرُّ إِلَى قَلبِهِ قَسَاوَةً وَهَذِهِ القَسَاوَةُ قَد تُسَهِّلُ عَلَيهِ أَن يَقَعَ فِي مَعَاصٍ أَكبَرَ، وَمَن يَدرِي قَد يَجُرُّهُ هَذَا إِلَى خَاتِمَةِ سُوءٍ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، فَليَنظُرِ الإِنسَانُ مَاذَا يَفعَلُ وَلِأَيِّ شَيءٍ يُفنِي عُمُرَهُ وَجَسَدَهُ، بِأَيَّ شَيءٍ يَعمَلُ فِي دُنيَاهُ لِأَنَّهُ سَيَرَى فِي الآخِرَةِ نَتِيجَةَ مَا زَرَعَهُ فِي الدُّنيَا، فَقَد صَحَّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ فَقَالَ: «اتَّقِ دَعوَةَ المَظلُومِ فَإِنَّهُ لَيسَ بَينَهَا وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ، بِمَعنَى أَنَّهَا مُجَابَةٌ.

 قَال ابنُ حَجَرٍ: قَولُهُ (حِجَابٌ) أَي لَيسَ لَهَا صَارِفٌ يَصرِفُهَا وَلَا مَانِعٌ وَالمُرَادُ أَنَّهَا مَقبُولَةٌ أي مجابة وَإِن كَانَ عَاصِيًا، وَلَيسَ المُرَادُ أَنَّ للهِ تَعَالَى حِجَابًا يَحجُبُهُ عَنِ النَّاسِ،

وَفِي هَذَا تَحذِيرٌ مِنَ الظُّلمِ جُملَةً، لِمَا فِيهِ مِن سَخَطِ اللهِ وَمَعصِيَتِهِ وَمُخَالَفَةِ أَمرِهِ، حَيثُ قَالَ فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ الَّذِي رَوَاهُ مُسلِمٌ وَغَيرِهِ: “يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ عَلَى نَفسِي وَجَعَلتُهُ بَينَكُم مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا”، وقد قيل:

فَلَا تَعجَلَنْ بِالجَورِ مَا دُمتَ قَادِرًا *** فَآخِرُهُ إِثمٌ وَخَــوفُ عَـذَابِ

تَنَـــامُ وَمَا المَظلُومُ عَنــكَ بِنَائِمٍ *** وَدَعوَتُهُ لَا تَنثَنِي بِحِجَـابِ

رُوِيَ عَن طَلقِ بنِ حَبِيبٍ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثمَانُ وَفَدنَا وُفُودًا مِنَ البَصرَةِ نَسأَلُ: فِيمَ قُتِلَ؟ فَقَدِمنَا المَدِينَةَ فَتَفَرَّقنَا فَمِنَّا مَن أَتَى عَلِيًّا، وَمِنَّا مَن أَتَى الحَسَنَ بنَ عَلِيٍّ، وَمِنَّا مَن أَتَى أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ فَأَتَيتُ عَائِشَةَ، فَقُلتُ: يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ، مَا تَقُولِينَ فِي عُثمَانَ؟ قَالَت: «قُتِلَ وَاللهِ مَظلُومًا، لَعَنَ اللهُ قَتَلَتَهُ، وَدَعَت عَلَى قَتَلَتِهِ، فَمَا مِنهُم أَحَدٌ إِلَّا أَصَابَتهُ دَعَوتُهَا»، وَرَوَى ابنُ أَبِي الدُّنيَا عَن أَبِي المُحَيَّاةِ التَّيمِيِّ، حَدَّثَنِي مُؤَذِّنُ عَكَّا قَالَ: “خَرَجتُ إِلَى مُكرَانَ أَنَا وَعَمِّي وَكَانَ مَعَنَا رَجُلٌ يَسُبُّ أَبَا بَكرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فَنَهَينَاهُ فَلَم يَنتَهِ، فَقُلنَا: اعتَزِلنَا، فَاعتَزَلَنَا فَلَمَّا دَنَا خُرُوجُهُمَا قُلنَا: لَو صَحِبَنَا حَتَّى يَرجِعَ إِلَى الكُوفَةِ؟ فَلَقِيَنَا غُلَامَهُ، فَقُلنَا لَهُ: قُل لِمَولَاكَ يَعُودُ إِلَينَا، فَقَالَ: إِنَّ مَولَايَ حَدَثَ لَهُ أَمرٌ عَظِيمٌ، قَد مُسِخَت يَدَاهُ يَدَي خِنزِيرٍ، قَالَ: فَأَتَينَاهُ، فَقُلنَا: ارجِع إِلَينَا، فَقَالَ: إِنَّهُ حَدَثَ لِي أَمرٌ عَظِيمٌ، فَأَخرَجَ ذِرَاعَيهِ، فَإِذَا هُمَا ذِرَاعَا خِنزِيرٍ قَالَ: فَصَحِبَنَا حَتَّى انتَهَينَا إِلَى قَريَةٍ مِن قُرَى السَّوَادِ كَثِيرَةِ الخَنَازِيرِ، فَلَمَّا رَآهَا صَاحَ صَيحَةً وَوَثَبَ فَمُسِخَ خِنزِيرًا، وَخَفِيَ عَلَينَا، فَجِئنَا بِغُلَامِهِ وَمَتَاعِهِ إِلَى الكُوفَةِ،

وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ: «اتَّقُوا دَعوَةَ المَظلُومِ فَإنَّهَا تُحمَلُ عَلَى الغَمَامِ»، وَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ الَّذِي يَروِيهِ التِّرمِذِيُّ: «وعِزَّتِي وجَلَالِي لَأَنصُرَنَّكِ وَلَو بَعدَ حِينٍ». اللهُ يُوَفِّقُنَا لِلخَيرِ وَيُبعِدُنَا عَنِ الشَّرِّ) 

إِلَّا كَانَ عَلَى ابنِ آدَمَ الأَوَّلِ (قَالَ مُلَّا عَلِيٌّ القَارِي: الأَظهَرُ أَنَّ اللَّامَ لِلعَهدِ أَيِ الأَوَّلُ مِنَ القَتَلَةِ) (وَأَمَّا سيدُنا ءادمَ عليهِ السلامُ فهوَ أبو البشرِ وأولُ إنسانٍ خلقَه اللهُ تعالَى، وهوَ أولُ النوعِ البشريِّ الذِي فضَّلَه اللهُ على سائرِ أنواعِ المخلوقاتِ، وهوَ أفضلُ مِن النوعِ المَلَكيِّ وأفضلُ مِن النوعِ الجنيِّ، وقد أرسلَه اللهُ تعالَى إلى زوجتِه حواءَ وأولادِهما ليعلِّمَهم دينَ الحقِّ دينَ الإسلامِ، وكانَ عليهِ السلامُ جميلَ الصورةِ والصوتِ، منتصِبَ القامةِ، مغطَّى العورةِ، يرتدي الملابسَ التي حاكَتهَا له السيدةُ حواءُ التي تعلَّمَت هي وزوجُها سيدُنا آدمُ عليهِما السلامُ أصولَ المعيشةِ على يدِ سيدِنا جبريلَ عليهِ السلام. ومِن الضلالِ والتكذيبِ للشريعةِ كمَا هو معلومٌ في دينِ اللهِ إنكارُ نبوّةِ نبيٍّ مجمعٍ على نبوّتِه كآدمَ وموسَى وعيسَى وإبراهيمَ عليهمُ الصلاةُ والسلامُ، أما نبوّةُ آدمَ فقدِ اتّفقَ المسلمونَ عليهَا وأجمعوا، كمَا قالَ الإمامُ أبو منصورٍ التميميُّ البغداديُّ في كتابِه أصولِ الدينِ. وهذا الإجماعُ مستنِدٌ إلى النصوصِ القرآنيةِ والحديثيةِ. فمِنَ القرآنِ قولُه تعالَى: ((وَاتلُ عَلَيهِم نَبَأَ ابنَي آدَمَ بِالحَقِّ إِذ قَرَّبَا قُربَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَم يُتَقَبَّل مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ))، وفي ذلكَ دليلٌ واضحٌ على رسالةِ آدمَ، وأنَّ أبناءَه كانوا على شريعةٍ أُنزِلَت على أبيهِم، ولو لم يكن نبيًّا مرسلًا فكيفَ كانوا يعرفونَ الأحكامَ مِن تحليلٍ وتحريمٍ، وكيَ يعرفون تحريمَ القَتلِ. وقالَ تعالى: ((إِنَّ اللهَ اصطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبرَاهِيمَ وَآلَ عِمرَانَ عَلَى العَالَمِينَ))، فذكرتِ الآيةُ الكريمةُ اصطفاءَ اللهِ لهؤلاءِ وإنَّما اصطفاهُم بالنبوةِ،

 ومِنَ الدليلِ علَى رسالةِ آدمَ أنَّه أُحِلَّ له أن يزوِّجَ بنيهِ مِن بناتِه، يزوجَ الذكرَ مِن هذا البطنِ مِن الأنثى مِن البطنِ الآخرِ، ثم نُسِخَ هذَا الحكمُ بموتِه. ولولا أنَّ فِعلَ آدمَ الذِي فَعَلَهُ مِن تزويجِ بنيهِ مِن بناتِه بوحيٍ أوحيَ إليهِ لأنَّه رسولٌ مِن اللهِ لكانَ ذلكَ التصرفُ تصرفًا باطلًا، ولكانَ ذلكَ كتسافُدِ البهائمِ، ولكانَ البشرُ الأولُ لا نسبَ لهم شرعيٌّ بل كانوا أبناءَ زنَى، وذلكَ منافٍ لكرامةِ آدمَ عندِ اللهِ) (وحواءُ وَلَدَت لآدمَ عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى قَولِ بَعضِ الفُقَهَاءِ أَربَعِينَ بَطنًا فِي كُلِّ بَطنٍ وَلَدٌ وَبِنتٌ إِلَّا فِي بَطنٍ وَاحِدٍ كَانَ وَلَدٌ هُوَ شِيثُ بنُ آدَمَ،

 وَمِنَ الِافتِرَاءَاتِ وَالأَكَاذِيبِ الفَاسِدَةِ الَّتِي طَالَت سَيِّدَنَا آدَمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَزَوجَتَهُ أَنَّ إِبلِيسَ جَاءَ إِلَى آدَمَ وَقَد مَاتَ لَهُ وَلَدٌ اسمُهُ عَبدُ اللهِ، فَقَالَ: إِن شِئتَ أَن يَعِيشَ لَكَ الوَلَدُ فَسَمِّهِ عَبدَ الحَارِثِ، وَالحَارِثُ يُرَادُ بِهِ الشَّيطَانُ، فَسَمَّاهُ كَذَلِكَ، وَهَذَا كُفرٌ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى. 

وَفِي رِوَايَةٍ مَكذُوبَةٍ قِيلَ فِيهَا: إِنَّ حَوَّاءَ لَمَّا حَمَلَت أَوَّلَ حَملٍ لَم تَدرِ مَا هُوَ، فَجَزِعَت لِذَلِكَ، فَوَجَدَ إِبلِيسُ السَّبِيلَ إِلَيهَا، فَأَتَاهَا فِي صُورَةِ رَجُلٍ لَمَّا أَثقَلَت فِي أَوَّلِ حَملِهَا، فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي فِي بَطنِكِ؟ قَالَت: مَا أَدرِي، قَالَ: إِن أَخَافُ أَن يَكُونَ بَهِيمَةً، فَقَالَت ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَلَم يَزَالَا فِي هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ عَادَ إِلَيهَا -أَي إِبلِيسُ- فَقَالَ: إِنَّنِي مِنَ اللهِ بِمَنزِلَةٍ، فَإِن دَعَوتُ اللهَ فَوَلَدتِ إِنسَانًا أَفَتُسَمِّينَهُ بِي؟ قَالَت: نَعَم. قَالَ: فَإِنِّي أَدعُو اللهَ. فَأَتَاهَا وَقَد وَلَدَت فَقَالَ: سَمِّيهِ بِاسمِي. فَقَالَت: وَمَا اسمُكَ؟ قَالَ: الحَارِثُ -وَلَو سَمَّى لَهَا نَفسَهُ لَعَرَفَتهُ- فَسَمَّتهُ عَبدَ الحَارِثِ، وَنَحوُ هَذَا مَعدُودٌ فِي ضَعِيفِ الحَدِيثِ وهذا لا يجوز ولا يليق بأنبياء الله،

وَخُلَاصَةُ المَوضُوعِ أَنَّ سَيِّدَنَا آدَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ هُوَ أَوَّلُ البَشَرِ وَأَوَّلُ الأَنبِيَاءِ الكِرَامِ، وَمَهمَا افتَرَى المُفتَرُونَ وَأَدخَلُوا تَموِيهَاتِهِم فِي كُتُبِهِم وَحَرَّفُوا فَلَن يُغَيِّرُوا الحَقِيقَةَ الدَّامِغَةَ، وَهِيَ أَنَّ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ نَبِيٌّ رَسُولٌ مَعصُومٌ، وَأَنَّهُ جَاءَ بِالإِسلَامِ يُعَلِّمُ زَوجَتَهُ وَأَولَادَهُ أَحكَامَ الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ مَعصُومٌ عَنِ الشِّركِ قَبلَ النُّبُوَّةِ وَبَعدَهَا، وَمُنَزَّهٌ عَن أَن يَكُونَ بِأَيِّ هَيأَةٍ مُنَفِّرَةٍ تَقدَحُ فِي اتِّصَافِهِ بِمَرتَبَةِ النُّبُوَّةِ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِ وَعَلَى إِخوَانِهِ مِنَ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ)

كِفلٌ (قال النووي: الكِفلُ بِكَسرِ الكَافِ الجُزءُ وَالنَّصِيبُ وَقَالَ الخَلِيلُ هُوَ الضِّعفُ) مِن دَمِهَا (أَي: دَمِ النَّفسِ)

قَوْله: (لِأَنَّهُ)، أَي: لِأَن ابْن آدم الأول أول من سنّ الْقَتْل، أَي على وَجه الأَرْض من بني آدم، أَي: بِسَبَب أَن ابْن آدم الأول هُوَ الَّذِي سنّ سنة قتل النَّفس ظلما وحسدا)، لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَن سَنَّ القَتلَ (أَيِ ابتَدَعَ القَتلَ عَلَى وَجهِ الأَرضِ بَينَ البَشَرِ) (وَالَمقصُودُ بابن آدم هنا هو قابيل فقد قتل أخاه هابيل حسدا وظلما، وهذا ما جاء في القرآن الكريم، يَقُولُ تَعَالَى مُبَيِّنًا وَخِيمَ عَاقِبَةِ البَغيِ وَالحَسَدِ وَالظُّلمِ فِي خَبَرِ ابنَي آدَمَ لِصُلبِهِ، وَهُمَا قَابِيلُ وَهَابِيلُ، كَيفَ عَدَا أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ فَقَتَلَهُ بَغيًا عَلَيهِ وَحَسَدًا لَهُ فِيمَا وَهَبَهُ اللهُ مِنَ النِّعمَةِ وَتَقَبُّلِ القُربَانِ الَّذِي أَخلَصَ فِيهِ للهِ﷿، فَفَازَ المَقتُولُ، وَخَابَ القَاتِلُ وَرَجَعَ بِالصَّفقَةِ الخَاسِرَةِ فِي الدَّارَينِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتلُ عَلَيهِم نَبَأَ ابنَي آدَمَ بِالحَقِّ إِذ قَرَّبَا قُربَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَم يُتَقَبَّل مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيكَ لِأَقتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثمِي وَإِثمِكَ فَتَكُونَ مِن أَصحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَت لَهُ نَفسُهُ قَتلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصبَحَ مِنَ الخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبحَثُ فِي الأَرضِ لِيُرِيَهُ كَيفَ يُوَارِي سَوأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيلَتَا أَعَجَزتُ أَن أَكُونَ مِثلَ هَذَا الغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوأَةَ أَخِي فَأَصبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾، [سُورَةُ المَائِدَةِ]. 

وَتَتَلَخَّصُ قِصَّةُ هَابِيلَ وَقَابِيلَ فِي أَنَّ حَوَّاءَ عَلَيهَا السَّلَامُ وَلَدَت أَربَعِينَ بَطنًا، وَكَانَت تَلِدُ فِي كُلِّ بَطنٍ ذَكَرًا وَأُنثَى، وَكَانَ سَيِّدُنَا ءَادَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ قَد أَمَرَ أَن يُزَوَّجَ ذَكَرُ كُلِّ بَطنٍ بِأُنثَى مِن بَطنٍ ءَاخَرَ، وَقَد أَمَرَ ءَادَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ وَلَدَهُ الأَكبَرَ قَابِيلَ أَن يُزَوِّجَ تَوأَمَتَهُ مِن أَخِيهِ هَابِيلَ، وَأَمَرَ هَابِيلَ أَن يُزَوِّجَ تَوأَمَتَهُ مِن أَخِيهِ قَابِيلَ، فَسَلَّمَ هَابِيلُ وَرَضِيَ، وَأَبَى الآخَرُ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَن يَتَزَوَّجَ أُختَ أَخِيهِ وَلَا يُرِيدُ أَن يُزَوِّجَ أَخَاهُ أُختَهُ، وَيَقُولُ بَعضُ أَهلِ العِلمِ: كَانَت أُختُ قَابِيلَ مِن أَحسَنَ النَّاسِ فَأَرَادَهَا لِنَفسِهِ وَصَرَفَهَا عَن أَخِيهِ، فَقَالَ لَهُ ءَادَمُ: إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَكَ، فَأَبَى، فَقَالَ: قَرِّب قُربَانًا وَيُقَرِّبُ أَخُوكَ قُربَانًا، وَذَهَبَ ءَادَمُ إِلَى مَكَّةَ لِيَحُجَّ، وَقَرَّبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا قُربَانَهُ بَعدَ ذَهَابِ أَبِيهِم ءَادَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَقَرَّبَ هَابِيلُ جَذَعَةً سَمِينَةً، وَكَانَ صَاحِبَ غَنَمٍ، وَبَعضُهُم يَقُولُ: قَرَّبَ بَقَرَةً، وَأَمَّا قَابِيلُ فَقَرَّبَ حُزمَةً مِن زَرعٍ رَدِيءٍ، وَكَانَ صَاحِبَ زَرعٍ، فَنَزَلَت نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَأَكَلَت قُربَانَ هَابِيلَ وَتَرَكَت قُربَانَ الآخَرِ، فَغَضِبَ قَابِيلُ غَضَبًا شَدِيدًا، وَقَالَ لِأَخِيهِ هَابِيلَ: لَأَقتُلَنَّكَ حَتَّى لَا تَنكِحَ أُختِي، فَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ. وَكَانَت قَرَابِينُ الأُمَمِ المَاضِيَةِ قَبلَ أُمَّتِنَا كَانَ يُعلَمُ المُتَقَبَّلُ مِنهَا وَغَيرُ المُتَقَبَّلِ، وَذَلِكَ بِأَكلِ النَّارِ مَا تُقُبِّلَ مِنهَا وَتَركِ النَّارِ مَا لَم يُتَقَبَّل مِنهَا. وَذَاتَ لَيلَةٍ تَأَخَّرَ هَابِيلُ فِي المَرعَى، فَبَعَثَ سَيِّدُنَا ءَادَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ -وَكَانَ قَد رَجَعَ مِنَ الحَجِّ- أَخَاهُ قَابِيلَ لِيَنظُرَ مَا أَبطَأَ بِهِ، ثُمَّ أَتَاهُ وَهُوَ نَائِمٌ فَرَفَعَ صَخرَةً فَشَدَخَ بِهَا رَأسَهُ، وَقِيلَ: خَنَقَهُ خَنقًا شَدِيدًا، وَقِيلَ: ضَرَبَهُ بِحَدِيدَةٍ كَانَت مَعَهُ فَقَتَلَهُ، وَقِيلَ: عَلَّمَهُ إِبلِيسُ كَيفَ يَقتُلُهُ، جَاءَ إِبلِيسُ بِطَيرٍ أَو دَابَّةٍ فَوَضَعَ رَأسَهَا عَلَى حَجَرٍ وَأَخَذَ حَجَرًا آخَرَ فَضَرَبَ بِهِ رَأسَهَا فَقَتَلَهَا، فَفَعَلَ قَابِيلُ مِثلَهُ.

وَأَمَّا قَولُ هَابِيلَ لِقَابِيلَ: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيكَ لِأَقتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثمِي وَإِثمِكَ فَتَكُونَ مِن أَصحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾، [سُورَةُ المَائِدَةِ]، فَمَعنَاهُ أُرِيدُ تَركَ مُقَاتَلَتِكَ وَإِن كُنتُ أَشَدَّ مِنكَ وَأَقوَى فَتَتَحَمَّلَ إِثمَ قَتلِي مَعَ مَا لَكَ مِنَ الآثَامِ المُتَقَدِّمَةِ قَبلَ ذَلِكَ، وَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُ: وَاللَّهِ إِن كَانَ المَقتُولُ لَأَشَدَّ الرَّجُلَينِ، وَلَكِن مَنعَهُ التَّحَرُّجُ أَن يَبسُطَ إِلَيهِ يَدَهُ.

وَلَيسَ المُرَادُ أَنَّ آثَامَ المَقتُولِ تَتَحَوَّلُ بِمُجَرَّدِ قَتلِهِ إِلَى القَاتِلِ كَمَا قَد تَوَهَّمَهُ بَعضُ النَّاسِ، فَإِنَّ الطَّبَرِيَّ قَد حَكَى الإِجمَاعَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَقَد قَالَ هَابِيلُ ذَلِكَ إِعلَامًا مِنهُ لِأَخِيهِ القَاتِلِ أَنَّهُ لَا يَستَحِلُّ قَتلَه وَلَا بَسطَ يَدِهِ إِلَيهِ بِمَا لَم يَأذَنِ اللهُ لَهُ بِهِ، وَقِيلَ: ذَكَرَ لَهُ هَذَا الكَلَامَ عَلَى سَبِيلِ الوَعظِ وَالنَّصِيحَةِ، يَعنِي أَنَا لَا أُجَوِّزُ مِن نَفسِي أَن أَبدَأَكَ بِالقَتلِ الظُّلمِ العُدوَانِ، وَإِنَّمَا لَا أَفعَلُهُ خَوفًا مِنَ اللَّه تَعَالَى، وَإِنَّمَا ذَكَرَ لَهُ هَذَا الكَلَامَ قَبلَ إِقدَامِ القَاتِلِ عَلَى قَتلِهِ، وَكَانَ غَرَضُهُ مِنهُ تَقبِيحَ القَتلِ العَمدِ فِي قَلبِهِ، 

وَقَد دَلَّ ذَلِكَ عَلَى خُلُقٍ حَسَنٍ مِن هَابِيلَ، وَخَوفٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَخَشيَةٍ مِنهُ، وَتَوَرُّعٍ أَن يُقَابِلَ أَخَاهُ بِالسُّوءِ الَّذِي أَرَادَ مِنهُ أَخُوهُ مِثلُهُ.

وَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا تَوَاجَهَ المُسلِمَانِ بِسَيفَيهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقتُولُ فِي النَّارِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا القَاتِلُ، فَمَا بَالُ المَقتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتلِ صَاحِبِهِ»، هَذَا إِذَا تَقَاتَلَا لِأَجلِ الدُّنيَا، أَمَّا الدَّافِعُ عَن نَفسِهِ فَلَا يَدخُلُ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا إِن تَقَاتَلَ مُسلِمَانِ أَحَدُهُمَا مُحِقٌّ وَالآخَرُ بَاغٍ فَلَا يَدخُلُ المُحِقُّ فِي ذَلِكَ.

وَقِيلَ: لَمَّا قَتَلَ قَابِيلُ هَابِيلَ نَدِمَ عَلَى ذَلِكَ، فَضَمَّهُ إِلَيهِ حَتَّى تَغَيَّرَت رَائِحَتُهُ، وَعَكَفَت عَلَيهِ الطَّيرُ وَالسِّبَاعُ تَنتَظِرُ حَتَّى يَرمِيَ بِهِ فَتَأكُلَهُ، وَكَرِهَ أَن يَأتِيَ بِهِ ءَادَمَ فَيُحزِنَهُ

وَلَم يَزَل يَحمِلُهُ حَتَّى جَاءَ غُرَابَانِ فَاقتَتَلَا أَمَامَ قَابِيلَ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَعَمَدَ إِلَى الأَرضِ يَحفِرُ لَهُ بِمِنقَارِهِ فِيهَا ثُمَّ أَلقَاهُ وَدَفَنَهُ وَجَعَلَ يَحثِي عَلَيهِ التُّرَابَ حَتَّى وَارَاهُ، فَقَالَ عِندَهَا قَابِيلُ: ﴿يَا وَيلَتَا أَعَجَزتُ أَن أَكُونَ مِثلَ هَذَا الغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوأَةَ أَخِي﴾، [سُورَةُ المَائِدَةِ]، ثُمَّ أَخَذَ يَفعَلُ بِهِ مَا فَعَلَ ذَاكَ الغُرَابُ فَوَارَاهُ وَدَفَنَهُ تَحتَ التُّرَابِ.

وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَتَلَهُ اسوَدَّ جَسَدُهُ، وَكَانَ أَبيَضَ، فَسَأَلَهُ آدَمُ عَن أَخِيهِ فَقَالَ: مَا كُنتُ عَلَيهِ وَكِيلًا، فَقَالَ: بَل قَتَلتَهُ وَلِذَلِكَ اسوَدَّ جَسَدُكَ، وَمَكَثَ آدَمُ بَعدَهُ مِائَةَ سَنَةٍ لَم يَضحَك قَطُّ.

وَليُعلَم أَنَّ ابنَ ءَادَمَ قَابِيلَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ هَابِيلَ كَانَ مُسلِمًا مُؤمِنًا، وَلَم يَكُن كَافِرًا، وَإِنَّمَا ارتَكَبَ مَعصِيَةً كَبِيرَةً بِقَتلِهِ أَخَاهُ هَابِيلَ ظُلمًا وَعُدوَانًا.

وفي حديثنا الذي نتكلم في معناه: عَنِ ابنِ مَسعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تُقتَلُ نَفسٌ ظُلمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابنِ ءَادَمَ الأَوَّلِ كِفلٌ مِن دَمِهَا، لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَن سَنَّ القَتلَ»، أَي ظُلمًا، فَعُلِمَ مِن ذَلِكَ أَنَّ قَابِيلَ مَا تَابَ مِن قَتلِهِ لِهَابِيلَ.

قَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَصبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾: «وَفِيهِ سُؤَالٌ: وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «النَّدَمُ تَوبَةٌ»، فَلَمَّا كَانَ مِنَ النَّادِمِينَ كَانَ مِنَ التَّائِبِينَ، فَلِمَ لَم تُقبَل تَوبَتُهُ؟ أَجَابُوا عَنهُ مِن وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمَّا لَم يَعلَمِ الدَّفنَ إِلَّا مِنَ الغُرَابِ صَارَ مِنَ النَّادِمِينَ عَلَى حَملِهِ عَلَى ظَهرِهِ سَنَةً.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ صَارَ مِنَ النَّادِمِينَ عَلَى قَتلِ أَخِيهِ، لِأَنَّهُ لَم يَنتَفِع بِقَتلِهِ، وَسَخِطَ عَلَيهِ بِسَبَبِهِ أَبَوَاهُ وَإِخوَتُهُ، فَكَانَ نَدَمُهُ لِأَجلِ هَذِهِ الأَسبَابِ لَا لِكَونِهِ مَعصِيَةً.

وَالثَّالِثُ: أَنَّ نَدَمَهُ كَانَ لِأَجلِ أَنَّهُ تَرَكَهُ بِالعَرَاءِ استِخفَافًا بِهِ بَعدَ قَتلِهِ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّ الغُرَابَ دَفَنَهُ نَدِمَ عَلَى قَسَاوَةِ قَلبِهِ وَقَالَ: هَذَا أَخِي وَشَقِيقِي وَلَحمُهُ مُختَلِطٌ بِلَحمِي وَدَمُهُ مُختَلِطٌ بِدَمِي، فَإِذَا ظَهَرَتِ الشَّفَقَةُ مِنَ الغُرَابِ عَلَى الغُرَابِ وَلَم تَظهَر مِنِّي عَلَى أَخِي كَنتُ دُونَ الغُرَابِ فِي الرَّحمَةِ وَالأَخلَاقِ الحَمِيدَةِ.

فَكَانَ نَدَمُهُ لِهَذِهِ الأَسبَابِ لَا لِأَجلِ الخَوفِ مِنَ اللَّه تَعَالَى، فَلَا جَرَمَ لَم يَنفَعهُ ذَلِكَ النَّدَمُ».اهـ

وَبِجَبَلِ قَاسِيُونَ شَمَالِيَّ دِمَشقَ مَغَارَةٌ يُقَالُ لَهَا: مَغَارَةُ الدَّمِ، ذُكِرَ بِأَنَّهَا المَكَانُ الَّذِي قَتَلَ قَابِيلُ أَخَاهُ هَابِيلَ عِندَهَا، وَاللهُ أَعلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ.

وَكُلُّ مَا ذَكَرَ اللهُ فِي هَذِهِ الآيَاتِ مَثَلٌ ضَرَبَهِ لِبَنِي آدَمَ، وَضَرَبَ مَثَلَهُم فِي غَدرِهِم وَمَثَلَ المُؤمِنِينَ فِي الوَفَاءِ لَهُم وَالعَفوِ عَنهُم بِابنَي آدَمَ اللَّذَينِ ذَكَرَهُمَا اللهُ فِي هَذِهِ الآيَاتِ. وَبِذَلِكَ جَاءَ الخَبَرُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَزَّ ضَرَبَ لَكُمُ ابنَى آدَمَ مَثَلًا، فَخُذُوا خَيرَهُمَا وَدَعُوا شَرَّهُمَا».اهـ)». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.