خواتيم الأعمال: كيف تثبت على الخير حتى النهاية؟

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الأَرْبَابِ وَمُسَبِّبِ الأَسْبَابِ وَمُنَزِّلِ الْكِتَابِ، حَفِظَ الأَرْضَ بِالْجِبَالِ مِنَ الاضْطِرَابِ، وَقَهَرَ الْجَبَّارِينَ وَأَذَلَّ الصِّعَابَ، وَسَمِعَ خَفِيَّ النُّطْقِ وَمَهْمُوسَ الْخِطَابِ، أَنْزَلَ الْقُرْآنَ يَحُثُّ فِيهِ عَلَى اكْتِسَابِ الثَّوَابِ، أَحْمَدُهُ عَلَى رَفْعِ الشَّكِّ وَالارْتِيَابِ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى سَتْرِ الْخَطَايَا وَالْعَابِ، وَأُقِرُّ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ إِقْرَارًا نَافِعًا يَوْمَ الْحِسَابِ، وَأَعْتَرِفُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لبابُ اللباب، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ خَيْرِ الأَصْحَابِ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي إِذَا ذُكِرَ فِي مَجْلِسٍ طَابَ، وَعَلَى عُثْمَانَ الْمَقْتُولِ ظُلْمًا وَمَا تَعَدَّى الصَّوَابَ، وَعَلَى عَلِيٍّ الْبَدْرِ يَوْمَ بَدْرٍ وَالصَّدْرِ يَوْمَ الأَحْزَابِ. وعلى آله وصحبه ومن تبع نهجهم إلى يوم المآب، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا أَرَادَ الدُّخُولَ إِلَى الْخَلاءِ

رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلاءَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ».

الشرح والتعليق على الحديث

بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا أَرَادَ الدُّخُولَ إِلَى الْخَلاءِ أوَّلًا لنعلم جميعًا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم وشرعه الحنيف نظَّم لنا أمر ديننا ودنيانا وتعاملنا مع الناس بكلّ أصنافهم، حتى إنّ النبي صلى الله عليه وسلم علّمنا ماذا نفعل وكيف نفعل حتى في الخلاء، حتى في الخلاء لم يتركنا النبي صلى الله عليه وسلم دون آداب وضبط لعملنا في الخلاء، فإنه توجد آداب نبوية للمسلم في الخلاء.

رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلاءَ أَيْ: إِذَا أَرَادَ دُخُولَ ‌الْخَلَاءِ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي بِسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ بِضَمِّ الْبَاءِ وَتُسَكَّنُ جَمْعُ الْخَبِيثِ، وَهُوَ الْمَؤْذِي مِنَ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالْخَبَائِثِ جَمْعُ الْخَبِيثَةِ. يَعْنِي: ذُكْرَانَ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثَهُمْ، وَخُصَّ ‌الْخَلَاءُ لِأَنَّ الشَّيَاطِينَ تَحْضُرُ الْأَخْلِيَةَ لِأَنَّهُ يُهْجَرُ فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ».

النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن نستعيذ بالله من ذكور الشياطين وإناثهم، وهو علمنا التحصن ليُصرف عنا شر الشياطين، فإنهم يكيدون بالمؤمنين، ويؤذونهم إلا من سلّمه الله وحفظه، وأعظم التحصين هو تقوى الله عزّ وجلّ والصدق والإخلاص، فإذا كنت عبدا تقيا فالله يحفظك ويحفظ أولادك ويصرف عنكم ببركة الصدق والإخلاص كثيرا من الشرور، والنبي علمنا التحصن وكان يواظب عليه ليعلمنا أن لا نتركه مع أن الله عصمه وحفظه عليه الصلاة والسلام، فعدونا إبليس وجنده شرهم عظيم وكبير يكيدون بالمؤمنين، ينبغي أن نحذرهم، فالشيطان وحزبه يريدون صرفنا عن دين الإسلام يريدون أن نقع في المحرمات وننغمس فيها فلا بد أن نحذر غاية الحذر،  لو رأوا واحدا ثابتا على طاعة الله فإنهم لا يتركونه يَجْهَدُوْنَ لصرفه عن الحق والعياذ بالله نسأل الله السلامة، فالشخص قد يكون له مواقفُ ومواطنُ صالحةٌ كثيرةٌ لكنَّهُ قد يَزِلُّ في موقف واحد، ويغلبه الشيطان في فترة ضعف ولو كانت قصيرة، وهذا فيه دليل على ضعف أكثر الناس وفيه إثباتٌ لقوله عز وجل: (وَخُلِقَ ‌ٱلۡإِنسَٰنُ ‌ضَعِيفٗا) [سورة النساء/ الآية 28]، فالواحد منا إذا تفكَّر في خاصة نفسه وتذكرَ ضعفَه فإنه ينبغي عليه أن يكون مُستَعِدًّا لمواجهةِ هذا العدوِّ شديدِ العداوة وهو إبليسُ الخبيثُ،

فقد روى البيهقي في شعب الإيمان عن صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبِي الْوَفَاةُ فَجَلَسْتُ عِنْدَهُ وَالْخِرْقَةُ بِيَدِي أَشَدُّ بِهَا لِحْيَتِهِ قَالَ: فَجَعَلَ يَغْرِقُ – أي يغشى عليه – ثُمَّ يُفِيقُ وَيَفْتَحُ عَيْنَيْهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا – أي يحرك يديه كأنه يُبْعِدُ شيئا عن وجهه – ويقولُ: “لَا بَعْدُ لَا بَعْدُ لَا بَعْدُ. فَفَعَلَ هَذَا مَرَّةً، وَثَانِيَةً فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قُلْتُ: يَا أَبَة إِيشْ هَذَا الَّذِي لَهَجْتَ بِهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، أَمَا تَدْرِي قُلْتُ: لَا. فَقَالَ: إِبْلِيسُ – لَعَنَهُ اللهُ – قَائِمٌ بِحِذَائِي عَاضٌّ عَلَى أَنَامِلِهِ يَقُولُ: يَا أَحْمَدُ فُتَّنِي. فَأَقُولُ: لَا حَتَّى أَمُوتَ”.

وهذا فيه منتهى المتابعة لمخالفة الشيطان وعدم الاستسلامِ له والتأمين له، وروي مثلُ هذا عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: “تَبَدَّى إِبْلِيسُ لِرَجُلٍ عِنْدَ الْمَوْتِ فَقَالَ: نَجَوْتَ. قَالَ: مَا نَجَوْتُ وَمَا أَمِنْتُكَ بَعْدُ”.

وروي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ: “اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَزْنِيَ، أَوْ أَعْمَلَ بِكَبِيرَةٍ فِي الْإِسْلَامِ. يَقُولُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ وَمِثْلُكَ يَقُولُ هَذَا وَيَخَافُهُ وَقَدْ بَلَغْتَ مِنَ السِّنِّ مَا بَلَغْتَ وَانْقَطَعَتْ عَنْكَ الشَّهَوَاتِ، وَقَدْ شَافَهْتَ النَّبِيَّ صَلَّى لِلَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَايَعْتَهُ، وَأَخَذْتَ عَنْهُ؟ قَالَ: وَيْحَكَ وَمَا يُؤَمِّنُنِي وَإِبْلِيسُ حَيٌّ”.

وروى البيهقي عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ مَنْزِلَهُ بِحِمْصَ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِهِ فَلَمَّا جَلَسَ يَتَشَهَّدُ جَعَلَ يَتَعَوَّذُ بِاللهِ مِنَ النِّفَاقِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: غَفَرَ اللهُ لَكَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ مَا أَنْتَ وَالنِّفَاقُ؟ قَالَ: “اللهُمَّ غَفْرًا – ثَلَاثًا – مَنْ يَأْمَنُ الْبَلَاءَ؟ مَنْ يَأْمَنُ الْبَلَاءَ؟ وَاللهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيُفْتَتَنُ فِي سَاعَةٍ فَيَنْقَلِبُ عَنْ دِينِهِ”.

وهذا حالُ العبدِ يَقِظِ القلب ينبغي أن يكون متيقِّظًا لمصائد الشيطان وحبائله، وقد قالت العرب: إذَا كانَ عدوُّكَ نملة، فلا تنم له،

 إذا كان عدوُّكَ نملةً فلا تستهِنْ بهِ فكيف إذا كان شيطانا رجيما، فالشيطان يريد أن يبعدنا عن الخيرات، ولذلك قال سفيان الثوري: وَإِذَا هَمَمْتَ بِصَدَقَةٍ أَوْ بِبِرٍّ أَوْ بِعَمَلٍ صَالِحٍ فَعَجِّلْ مُضِيَّهُ مِنْ سَاعَتِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ الشَّيْطَانُ.

والشيطان هو الذي يريد أن يوقعَنا في المعصية والضلال، يريد أن يوقعنا في الكفر بالله والعياذ بالله فإن لم يستطع فإنه يحاول إيقاعَنا في الكبائر فإن لم يستطع فإنه يحاول إيقاعَنا في الصغائر فإن لم يستطع فإنه يحاول إبعادَنا عن الخير والطاعة والجماعة حتى ينفرد بنا فيسهُل عليه أن يوقعنا في الحرام والعياذ بالله تعالى، وهذا ما جاء معناه في حديث الترمذي عن ابنِ عُمَرَ قال: خَطَبنَا عُمَرُ بالْجَابِيَةِ فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمقَامِ رسولِ الله فِينَا فقال: «أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمُ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلاَ يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدُ الشَّاهِدُ وَلاَ يُسْتَشْهَدُ. أَلاَ لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ، عَلَيْكُمْ بِالْجَماعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ. مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَماعَةَ. مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئتُهُ فَذَلِكُمْ المُؤْمِنُ»،

 وروى أبو داود عن أَبي الدَّرْدَاءِ قال سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا ‌يَأْكُلُ ‌الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ»،

وفي رواية أحمد في مسنده عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ يَأْخُذُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ فَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ وَعَلْيُكْم بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ وَالْمَسْجِدِ». وهذا حال إبليس اللعين وهذه طريقة النجاة منه، وقد خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيمًا» قَالَ: ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلا عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ» ثُمَّ قَرَأَ: (وَأَنَّ ‌هَٰذَا ‌صِرَٰطِي ‌مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ) [سورة الأنعام/ الآية 153] رواه احمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

 قال ابن الجوزي: واعلم أن الأنبياءَ جاءوا بالبيانِ الكافي وقابلوا الأمراضَ بالدواء الشافي وتوافَقوا عَلَى منهاجٍ لم يختلفْ – أي من حيث الأصل والمعتقد -فأقبل الشَّيْطَان يخلِط بالبيان شبَهًا وبالدواء سمًّا وبالسبيل الواضحِ جردا – المكان الجَردُ هو الذي لا نبات فيه – مُضِلًّا وما زال يلعب بالعقول إِلَى أن فَرَّقَ الجاهلية فِي مذاهبَ سخيفةٍ وبدعٍ قبيحةٍ فأصبحوا يعبدون الأصنام فِي البيت الحرام ويرون وأدَ البنات ويمنعونهن الميراث إِلَى غيرِ ذلك من الضلال الذي سوله لهم إبليس فابتعث الله سبحانه وتعالى محمدا فرفع المقابحَ وشرعَ المصالح فسار أصحابه معه وبعده فِي ضوء نورِه سالمين من العدو وغروره فلما انسلخ نهار وجودهم أقبلت أغباش الظلمات فعادت الأهواء تَبُثُّ بِدَعًا وتُضَيِّقُ سبيلًا مَا زال مُتَّسِعًا فَفَرَّقَ الأكثرون دينهم، وكانوا شيعا ونهض إبليس يُلَبِّسُ ويُزَخْرِفُ ويُفَرِّقُ ويُؤَلِّفُ وإنّما يتأتَّى لَهُ التَّلَصُّصُ فِي ليلِ الجهلِ فلو قد طَلَعَ عَلَيْهِ صبحُ العلمِ افتُضِحَ.اهـ

وإنّ العلماء هم من يغلقوا أبواب الشيطان ويفضحوا غروره للناس ويبينوا للناس كيفية الخلاص منه ومن حبائله،

وقد روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ الْيَوْمَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَى الشَّيْطَانِ هَلاكًا مِنِّي. فَقِيلَ: وَكَيْفَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيُحْدِثُ الْبِدْعَةَ فِي مَشْرِقٍ أَوْ مَغْرِبٍ فَيَحْمِلُهَا الرَّجُلُ إِلَيَّ فَإِذَا انْتَهَتْ إِلَيَّ قَمَعْتُهَا بِالسُّنَّةِ فَتُرَدُّ عَلَيْهِ كما أخرجها. وهذا سبب في تفضيل العلماء على الجهلاء.

وقد جاءت وصايا العلماء من السلف الصالح بلزوم الجماعة والحضِّ عليه وعدم الابتعاد عن الدرب القويم دربِ أهل السنة والجماعة، فقد قال ابن شوذب: إن من نعمة اللَّه عَلَى الشاب إذا نسك أن يؤاخي صاحب سنة يحمله عليها.

وقال يوسف بْن أسباط: كان أبي قدريا وأخوالي روافض فأنقذني اللَّه بسفيان.

وقال عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَك عَنْ سفيان الثوري: استوصوا بأهل السنة خيرا فإنهم غرباء.

وقد قال الجنيد بْن مُحَمَّد: الطريق إِلَى اللَّه عزّ وجلّ مسدودة عَلَى خلق اللَّه تعالى إلا عَلَى المقتفين آثار رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والتابعين لسنته كَمَا قَالَ اللَّه عز وجل: (لَّقَدۡ ‌كَانَ ‌لَكُمۡ ‌فِي ‌رَسُولِ ‌ٱللَّهِ ‌أُسۡوَةٌ ‌حَسَنَةٞ) [سورة الأحزاب/ الآية 21].

وَلْيُعْلَمْ أَنَّهُ يجب على المكلفين بغض الشيطان أي كَراهِيَتُه لأنّ الله تعالى حَذَّرنا في كِتابهِ منه تَحذيرًا بالغًا، قال الله تعالى: (فَٱتَّخِذُوهُ ‌عَدُوًّاۚ) [سورة فاطر/ الآية 6] والشّيطانُ هو الكافرُ منْ كفّارِ الجنّ، ويُطلَقُ الشّيطانُ ويُرادُ به إبليسُ الذي هوَ جَدُّهُمُ الأَعْلَى. في كُلِّ حال الشياطينُ أعداءُ المؤمنين أعداءُ اللهِ ورسولِه صلى الله عليه وسلم فنحنُ علينا أن نُبغِضَ الشيطان واجب علينا كراهِيةُ الشيطان بالقلب لأن الله تبارك وتعالى قال: (فَٱتَّخِذُوهُ ‌عَدُوًّاۚ) [سورة فاطر/ الآية 6]، وهذا أمر يعني يجبُ اتخاذُهُ عدوًا؛ يعني فرضٌ بُغضُهُ.

وليعلم كذلك أن إبليس لعنهُ اللهُ، لم يكن ملَكًا كما يتوهمُ بعضُ الناسِ، فإنَّ بعضَ الناسِ يظنونَ أنَّ إبليسَ كان من الملائكةِ ثم عصى أمر اللهِ تعالى، حتى إنَّ بعضهم يظنون أنه كان طاووسَ الملائكةِ والعياذُ باللهِ تعالى، والحقيقةُ كما قالَ اللهُ تعالى في سورةِ الكهفِ: (وَإِذۡ ‌قُلۡنَا ‌لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ‌ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِ)ﵞ [سورة الكهف/ الآية 50].

فإبليس كانَ من الجنِّ، وكان في أولِ أمرِهِ مؤمِنًا يعبُدُ اللهَ مع الملائكةِ فلذلكَ لحقَهُ الأمرُ بالسجودِ لآدَمَ عليه السلام، ولكنَّهُ فسَقَ عن أمرِ ربِّهِ ورفَضَ السجودَ واعتَرَضَ على اللهِ والعياذُ باللهِ فطُرِدَ من رحمةِ اللهِ ولُعِنَ إلى أبدِ الآبِدين. وليُعْلَمْ أنَّ إبْليسَ كافرٌ بِدَليلِ قَولِهِ تعالى: (وَإِذۡ ‌قُلۡنَا ‌لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ‌ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ) [سورة البقرة/ الآية 34]. ومن قال بخلاف ذلك فقد كذّب القُرآنَ ومن كذّب القُرآنَ فهو كافر.

خلق الله تعالى الإنس والجن ليأمُرهم بعبادته، وأنعم عليهم بإرسال الرُسُل ليبينوا لهم طريق الجنة ليتبعوه وطريق النار ليبتعدوا عنه، وخلق الله تبارك وتعالى الملائكة من نور وهم عباد مكرمون لا يعصون الله تعالى ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فالملائكة كلهم مسلمون أتقياء ليس فيهم كافر ولا فاسق.

وخلق الله عز وجل الجن من مارج من نار وهو لهيب النار الصافي، وهم كالإنس حيث إن فيهم الكافر وفيهم المسلم التقي وفيهم المسلم الفاسق العاصي، وأما أبوهم الأول فهو إبليس اللعين وكان اسمه عزازيل وقد كان في بداية أمره في السماء مسلما مؤمنًا يعبد الله تعالى مع الملائكة، لم يكن طاووس الملائكة كما يظن بعض الجهال. وقد شاء الله عز وجل إعمار هذه الأرض التي نحن عليها فخلق ءادم عليه السلام من طين ونفخ الملك فيه بأمر الله تعالى روح ءادم المشرفة المكرمة، وأراد الله سبحانه وتعالى تشريف ءادم عليه السلام فأمر ملائكته المكرمين، وأمر إبليس، أن يسجدوا لآدم عليه السلام سجود تحية، فسجد الملائكة كلهم أجمعون، ولكن إبليس اللعين تحركت فيه نوازع الشر والكبرياء والحسد فاعترض على الله عز وجل وأبى أن يسجد لآدم عليه السلام سجود تحية كما أمره الله تعالى وقال معترضًا على الله عز وجل: (قَالَ ‌أَنَا۠ ‌خَيۡرٞ ‌مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ) [سورة ص/ الآية 76]  وبهذا الاعتراض استحق إبليس اللعنة والطرد من رحمة الله فكان من الكافرين.

لقد بشر الله عز وجل عدوه إبليس اللعين بنار جهنم التي سيدخلها في الآخرة هو ومن اتبعه على الكفر من الجن والإنس، قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: (قَالَ ‌فَٱلۡحَقُّ ‌وَٱلۡحَقَّ أَقُولُ * لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ أَجۡمَعِينَ) [سورة ص/ الآية 84-85] فلمّا علم إبليس اللعين أنه مطرود من رحمة الله تعالى في الآخرة وأن الله عز وجل قد بشَّره بنار جهنم، أراد أن يفسد الإنسان حقدًا وكراهية وأن يجعله مثله من أهل جهنم، قال الله عزَّ و جلَّ إخبارا عن عدوه إبليس اللعين: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ) [سورة ص: الآية 82-83] صار إبليس اللعين في هذه الحياة الدنيا يتربص ببني ءادم ويقف لهم بكل طريق فيه خير لهم، وطاعة وعبادة لله عزَّ وجلَّ ليصدهم عنه، صار هذا العدو اللعين عدوًا للإنسان ظاهر العداوة يزين له أبواب الكفر والضلال ويشجعه على أعمال الشر والمعاصي حتى إذا جاء يوم القيامة تخلى عنه وأعلن أنه بريء، قال الله تعالى: (كَمَثَلِ ‌ٱلشَّيۡطَٰنِ ‌إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ * فَكَانَ عَٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَٰلِدَيۡنِ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ) [سورة الحشر/ الآية 16 – 17] إن إبليس اللعين زعيم الكافرين يقود أتباعه الشياطين فينشرهم في نواحي الأرض ليضلوا الناس وينشروا الكفر والضلال والبدع الفاسدة بينهم، وليوقظوا الفتن بين الناس فالشيطان عدو مبين للإنسان، وقد حذر الله تعالى بني ءادم في القرءان الكريم من ألاعيبه ومكره وخداعه ليتيقظوا له ولحيله، يقول الله عز وجلَّ: (إِنَّ ‌ٱلشَّيۡطَٰنَ ‌لَكُمۡ ‌عَدُوّٞ ‌فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ) [سورة فاطر/ الآية 6] فلنحذر من فتنة الشيطان اللعين وألاعيبه ومكره وحيله ولنتحصن بسلاح العلم الشرعي والعمل به حتى نحذره فنخالفه ولا نعمل بوساوسه، بل نتبع نبينا الأكرم فيما جاءنا به فنؤدي الواجبات ونجتنب المحرمات وبذلك نكون من المتقين الفائزين يوم القيامة.

 فالشيطان يريد أن يوقعنا في الكفر وسوء الخاتمة والعياذ بالله، فلننتبه من هذا، ولذلك قالَ تَعَالَى: (وَٱعۡبُدۡ ‌رَبَّكَ ‌حَتَّىٰ ‌يَأۡتِيَكَ ‌ٱلۡيَقِينُ) [سورة الحجر/ الآية 99]،الْيَقِينَ الْمَوْتُ. أَمَرَ الله نبيه صلى الله عليه وسلم بِعِبَادَتِهِ. إِذْ قَصَّرَ عِبَادُهُ فِي خِدْمَتِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْيَقِينَ الْمَوْتُ حَدِيثُ أُمِّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةِ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ، وَفِيهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَمَّا عُثْمَانُبْنُ مَظْعُونٍ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ وَإِنِّي لَأَرْجُوُ لَهُ الْخَيْرَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِهِ”. رواه الْبُخَارِيُّ.

وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ يَقِينًا أَشْبَهَ بِالشَّكِّ مِنْ يَقِينِ أكثر النَّاسِ بِالْمَوْتِ ثُمَّ لَا يَسْتَعِدُّونَ لَهُ، يَعْنِي كَأَنَّهُمْ فِيهِ شَاكُّونَ.

 وَقَدْ رَوَى جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ الْمَالَ وَأَكُونَ مِنَ الْمُتَاجِرِينَ ولَكِنْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ ‌حَتَّى ‌يَأْتِيَكَ ‌الْيَقِينُ» رواه أبو نعيم في حلية الأولياء.

وهذه الآية أيضًا فيها أمرٌ بالثبات على الإيمان إلى آخر العمر والتحذير من الارتداد عن الحق وهذا يحتاج إلى مجاهدة نفس وإلا فالنفس غالبا ما تهلك صاحبها، نعوذ بالله من النقصان بعد الزيادة، ومن الحور بعد الكور، وهذا أمر حذر منه الشرع الحنيف بأن ينقلب الشخص عن دينه بسبب سوء عمله وقبح نيته وفعله، ولْيَنْتَبِهِ الشخص إلى نفسه ولْيُتَابِعْهَا ولا يَلحَقَنَّ هواها فتهْلِكَهُ والعياذُ بالله تعالى، وقد قال سبحانه:(وَٱعۡبُدۡ ‌رَبَّكَ ‌حَتَّىٰ ‌يَأۡتِيَكَ ‌ٱلۡيَقِينُ) [سورة الحجر/ الآية 99] وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري: «وَإِنَّمَا ‌الْأَعْمَالُ ‌بِخَوَاتِيمِهَا». فالآية الأولى فيها بيان لنا أننا لا شكّ صائرون إلى الموت والحديث يبيّن أن الأعمال بخواتيمها فهنيئا لمن خُتِمَ له بالإيمان والسعادة.

والخسران لمن خُتِمَ له بالكفر والشقاوة.

فالعبرة بالخواتيم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ ‌لَيَعْمَلُ ‌بِعَمَلِ ‌أَهْلِ ‌الْجَنَّةِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» رواه البخاري ومسلم.

 وَلْيُعْلَمْ أن من الناس من يعاقبهم الله تعالى بسوء الخاتمة بسبب شؤم المعاصي. يروى أن أحد العلماء المحدثين واسمه الفضيل بن عياض كان له تلميذ وكان هذا التلميذ يحتضر على فراش الموت فوقف الفضيل عنده وصار يلقنه الشهادتين عند الاحتضار يقول له: “قل لا إله إلا الله” فلا يستطيع هذا التلميذ أن ينطق بها. “قل لا إله إلا الله” فلا ينطق حتى قال هذا التلميذ “إني بريء منها” ومات على الكفر والعياذ بالله. الفضيل بن عياض خاف وارتعب وصار يبكي من خشية الله، ثم رأى هذا التلميذ في المنام وإذا به يجر إلى جهنم فقال له الفضيل: “ويلك ماذا فعلت؟” قال له: “يا أستاذي أنا كنت أستغيب إخواني وكنت أحسدهم فوصلت إلى هذه المرحلة ومت على الكفر”.

ومما يروى: كان أحد المشايخ قوي الحجة سريع البديهة لكن لم يكن صادق النية فأرسل لمناظرة الرهبان (كفار) في بلاد الروم فكسرهم بالحجة والبرهان فخشوا منه أن يسلم الناس على يده فطلبوا من ملكهم أن يزيّن له ابنته ويغريه بها فتضعف نفسه فيطلب الزواج منها فلا يُعطى طلبه حتى يخرج عن دينه، وحصل ذلك فافتتن بها وخرج عن دينه لكن سرعان ما ابتلاه الله بمرض سئم منه أولئك الكفرة الفجرة ورَمَت به تلك المرأة خارج قصرها واشتد المرض ومرت الأيام وما زال يقاسي ما يقاسي حتى مرَّ رجُل من بغداد بقربه فقال له: “وكأني رأيتك قبل ذلك أأنت العالم الفلاني الذي كان يدرس في بغداد؟” فقال: “أنا هو” فقال له: “ما حصل لك” فقص عليه قصته ثم بعد ذلك قال له ذلك الرجل: “ما يمنعك أن تعود للإسلام” فسكت، فقال: “أما زلت تحفظ شيئا من كتاب الله؟” فقال: “ءاية واحدة” فقال له: “ما هي” فأجاب المرتد (رُّبَمَا ‌يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ كَانُواْ مُسۡلِمِينَ) [سورة الحجر/ الآية 2] ثم مات.

وقد قال الحبيبُ المُصطفى عليهِ الصلاةُ والسلام: «بَادِرُوا ‌بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» رواه مسلم. فالحمدُ للهِ على نِعَمَةَ الإسلامِ وعلى بِعثَةِ مُحَمدٍ خيرِ الأنام عليهِ الصلاةُ والسلام.

بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلاءِ

رَوَى الْبُخَارِىُّ فِى الأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلاءِ قَالَ: «غُفْرَانَكَ» قال ملا علي القاري: نَصْبُهُ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ. قِيلَ: التَّقْدِيرُ اغْفِرْ غُفْرَانَكَ. وَالْمَعْنَى أَسْأَلُكَ غُفْرَانَكَ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي تَعْقِيبِهِ عليه الصلاة والسلام الْخُرُوجَ بِهَذَا الدُّعَاءِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ مِنَ الْحَالَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ هِجْرَانَ ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى فِي سَائِرِ حَالَاتِهِ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ – ليس معناه أن العبد يجب عليه في كل الأحوال أن يذكر الذكر اللساني، لا، بل قد يكون الاستغفار لا عن ذنب بل للترقي في الدرجات، فهنا طلب الغفران من ترك الذكر ليس لأنه واقع في المعصية، بل لتعويض الأجر الذي فاته من ترك ذكر الله وهو في الخلاء -، وَثَانِيهُمَا: أَنَّ الْقُوَّةَ الْبَشَرِيَّةَ قَاصِرَةٌ عَنِ الْوَفَاءِ بِشُكْرِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ تَسْوِيغِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَتَرْتِيبِ الْغِذَاءِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُنَاسِبِ لِمَصْلَحَةِ الْبَدَنِ إِلَى أَوَانِ الْخُرُوجِ فَلَجَأَ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ اعْتِرَافًا بِالْقُصُورِ عَنْ بُلُوغِ حَقِّ تِلْكَ النِّعَمِ.

وَرَوى النَّسَائِىُّ فِى عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ أَبِى ذَرٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلاءِ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنِّىَ الأَذَى أَيِ الْمُؤْذِي وَعَافَانِي» أَيْ: مِنَ احْتِبَاسِهِ أَوْ مِنْ نُزُولِ الْأَمْعَاءِ مَعَهُ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ‌أَذْهَبَ ‌عَنِّي ‌مَا ‌يُؤْذِينِي، وَأَمْسَكَ عَلَيَّ مَا يَنْفَعُنِي» رواه ابن أبي شيبة في مصنفه. فَانْظُرْ إِلَى النِّعْمَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَا يَخْطُرَانِ بِبَالِ الْآكِلِينَ غَالِبًا. رَوَاهُ النَّسَائِىُّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه فِى سُنَنِهِ.

مَعْنَاهُ هَذَا الْخُرُوجُ الَّذِى لَوْ بَقِىَ فِى الْجَوْفِ يُؤْذِينِى، أَحْمَدُهُ عَلَى أَنَّهُ أَخْرَجَ مِنِّى مَا لَوْ بَقِىَ فِى جَوْفِى يُؤْذِينِى وَأَبْقَى عَلَىَّ الْعَافِيَةَ.

الواحد منا لو تفكر في هذه النعمة لعرف عظيم فضل الله عليه، فلو حُبس هذا الطعام في بدنك ولم يخرج لهلكت من ذلك، فكم هي عظيمة نعمة الله عليك بهذا، وكثير من الناس لا يشعر بهذه النعمة، قالَ الشيخُ أحمدُ الدردير: قالَ الله تبارك وتعالى: (وَفِيٓ ‌أَنفُسِكُمۡۚ ‌أَفَلَا ‌تُبۡصِرُونَ) [سورة الذاريات/ الآية 21] فأنتَ إذا نظرتَ إلى مبدإِ خلقِكَ وجدْتَ ربَّك – أي علِمْتَ وأيقَنْتَ – سبحانه وتعالى قادَ والِدَيك بزمامِ الشهوةِ مقهورَينِ – أي منساقينَ إلى فِعلِ ما يصدرُ عنهم باختيارِهم لا بالإكراهِ والجبرِ – في صورةِ مختارَينِ مع تمامِ الأنسِ والبسطِ، حتى إذا حصلَ الوِقاعُ صانَك اللهُ في قرارٍ مكينٍ، فخلَقَ تلكَ النطفةَ علقةً ثم خلقَ العلقةَ مضغةً، ثم مدَّها وصوَّرَها في أحسنِ صورةٍ، فجعلَ الرأسَ في أحسنِ خلقةٍ، وخلقَ العينَ والأذنَ والأنفَ وصوَّرَ الوجهَ في أحسنِ صورةٍ، وأودَعَها من الجمالِ والكمالِ ما لا يخفى، ثم أودَعَ البصرَ في العينِ والسمعَ في الأذنِ والشمَّ في الأنفِ، وخلقَ الفمَ وزيَّنَهُ بالشَّفَتين، وخلَقَ اللسانَ وخلَقَ فيه الذوقَ وجعَلَه يترجمُ عمَّا في الفؤادِ من العلومِ والمعارفِ، وجعلَ الرقبةَ حاملةً لعرشِ الرأسِ في حُسنٍ بديع، وجعلَ فيها المنفذَ الموصلَ الأكلَ والشربَ إلى المعدة، وأودَع البطنَ مِنَ الأمعاءِ والمصارِينِ والقلبِ والكبدِ وغيرِها مما لا يعلمُ حقيقَته إلا هو تعالى.

وخلَقَ الأيديَ وخلَقَ فيها الأكفَّ والأصابعَ وجعلَها مفاصلَ وأبدَعَها والأرجلَ كذلكَ. وخلقَ العظامَ وكساهَا لحمًا، ثم نفخَ – أي أمرَ الملكَ فنفَخ – فيكَ الروحَ، وهيَ سرٌّ عظيمٌ عجيبٌ من أسرارِه تعالى، فتحركْتَ في بطنِ أمِّكَ، وما زال بكَ رؤوفًا رحيمًا، حافظًا في أضيقِ مكانٍ يوصلُ لكَ غذاءَك وأنتَ لا تعلمُ شيئًا، حتى إذا تمَّ خلقُك أنزلَك مِن الرحمِ مِن أضيقِ محلٍّ، فلطَفَ بكَ وبأمِّك، حتَّى إذا برزْتَ ألهَمَكَ بمجردِ النزولِ إلى ثدْيِ أمِّك وأجرَى فيهِ اللبنَ وأنزلَ في قلبِها الرأفةَ والرحمةَ. ولَمَّا ءانَ أوانُ الأكلِ خلقَ لكَ الأسنانَ والأضراسَ ورتَّبها ترتيبًا عجيبًا، معَ ما فيها من كمالِ الزينةِ والجمالِ والكمالِ، ثم لَمَّا قَرُبَ بلوغُك وكانَتْ هذهِ الأسنانُ ضعيفةً أسقَطَها وأبدَلَهَا بأقوى منها. ثم إذا أكلتَ فجَّرَ في فمِك عينًا جاريةً وهي الريقُ، لا ينقطعُ جريانُها ما دمتَ تأكلُ، لتبتَلَّ اللقمةُ بها، ويَسهُلَ بلعُها لا تمَلُّها النفسُ، فانظر إلى هذهِ الحكمةِ البديعةِ التي أنتَ في غايةِ الافتقارِ إليها، وليسَ في قدرتِك إجراؤُها ولا منعُها بالضرورة.

فإذا نزلَ الطعامُ والشرابُ في المعدةِ صرَّفَه إلى ما يشاء، فبعضُه يتربَّى به اللحمُ، وبعضُه يتربَّى به العظمُ، وبعضُه يتربَّى به الشحمُ وبعضُه يتربَّى به الدمُ، مع كمالِ اللذةِ حالَ الأكلِ وبعدَه، ثم ما فضلَ عن ذلكَ وكانَ فيهِ الإيذاءُ للبدنِ على تقديرِ إبقائِه في البطنِ أخرجَه من مخرَجَيك، وانظرْ لهذينِ المخرجَينِ وبديعِ حكمتِهما، وإلى إقدارِك على مسكِهما عندَ تهيُؤِ الفضلةِ للخروجِ.

وبالجملةِ فلمْ يزلْ سبحانه وتعالى بك رؤوفًا رحيمًا ودودًا كريمًا وأنتَ غافلٌ عن نفسِك. وَمِنْ أَكْبَرِ عِبَرِهِ العقلُ، الذي به التمييزُ والتدبيرُ، وإدراكُ العلومِ والمعارفِ، وما يضرُّ وما ينفعُ، (وَإِن ‌تَعُدُّواْ ‌نِعۡمَةَ ‌ٱللَّهِ ‌لَا ‌تُحۡصُوهَآۗ) [سورة النحل/ الآية 18] (فَتَبَارَكَ ‌ٱللَّهُ ‌أَحۡسَنُ ‌ٱلۡخَٰلِقِينَ) [سورة المؤمنون/ الآية 14]  – أي المصورينَ والمقدِّرينَ -. فيا ليتَ شعري، أهذا ينبغي أن يُعصى فيما أَمَر ونَهَى.اهـ

اللَّهُمَّ اجعلنا من المقبلين على الخيراتِ المبادرينَ إلى الطاعاتِ والمبَّرات. اللَّهُمَّ اجعلنا من عبادك الطاهرينَ المتقينَ المتآخينَ المتحابينَ المتوادّينَ. رَبَّنا لا تُزِغ قُلُوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لَدُنكَ رَحمَةً إنك أنت الوهاب. اللَّهُمَّ لا تجعل مصيبتنا في ديننا وثبتنا على الإسلام.

والله تعالى أعلم وأحكم