دعاء استيداع المسافر واتباع السنة النبوية

حلية البشر

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحَمدُ للهِ بِجَمِيعِ مَحَامِدِهِ كُلِّهَا مَا عَلِمنَا مِنهَا وَمَا لَم نَعلَم، عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ كُلِّهَا مَا عَلِمنَا مِنهَا وَمَا لَم نَعلَم، عَدَدَ خَلَائِقِهِ كُلِّهِم مَا عَلِمنَا مِنهُم وَمَا لَم نَعلَم.

وَأَشهَدُ أَن لَا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ المُصطَفَى، وَرَسُولُهُ المُجتَبَى، وَحَبِيبُهُ المُرتَضَى، خاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِمَامُ المُرسَلِينَ، وَقَائِدُ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، الصَّادِقُ الوَعدِ الأَمِينُ، اللهم إنَّا نَشهَدُ أَنَّ نَبِيَّكَ وَرَسُولَكَ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا قَد بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الأُمَّةَ، وتَرَكَنَا مِن بَعدِهِ عَلَى بَيضَاءَ نَقِيَّةٍ لَا يَزِيغُ عَنهَا إِلَّا هَالِكٌ.

اللهم فَصَلِّ وَسَلِّم مِنَّا عَلَيهِ أَفضَلَ الصَّلَاةِ وَأَزكَى السَّلَامِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ، وَأَصحَابِهِ الطَّاهِرِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلى يَومِ الدِّينِ.

فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِ الأَذكَارِ الوَارِدَةِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن كِتَابِ حِليَةِ البَشَرِ إِلَى:

بَابِ مَا يَقُولُ عِندَ الوَدَاعِ

نَذكُرُ مِنهُ أَدعِيَةً أُخرَى غَيرَ الَّتِي كُنَّا شَرَحنَاهَا الدَّرسَ السَّابِقَ:

رَوَى التِّرْمِذِىُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا كَانَ إِذَا رَأَى الرَّجُلَ وَهُوَ يُرِيدُ السَّفَرَ قَالَ لَهُ: ادْنُ مِنِّى حَتَّى أُوَدِّعَكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُوَدِّعُنَا، قَالَ فَيَقُولُ: «أَسْتَوْدِعُ اللهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ»

شَرحُ الحَدِيثِ

«ادْنُ مِنِّى» أَيِ اقتَرِبْ مِنِّي بِالمَسَافَةِ وَالمَكَانِ، وَفِيهِ الْخُلُقُ الْحَسَنُ مَعَ الْأَنَامِ، وَالدُّنُوُّ أَحيَانًا يَكُونُ عَلَى هَذَا المَعنَى بَينَ البَشَرِ، أَمَّا إِذَا أُطلِقَ عَلَى اللهِ فَلَا يَجُوزُ أَن يُحمَلَ عَلَى هَذِهِ المَعَانِي الحِسِّيَّةِ، كَمَا وَرَدَ أَنَّ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلاءِ؟» وَالمُرَادُ دُنُوُّ رَحمَتِهِ وَإِجَابَتِهِ لِلدَّاعِينَ وَلَيسَ دُنُوَّ المَكَانِ وَالجِهَةِ، فَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ المَكَانِ وَالجِهَةِ وَالتَّغَيرِ.

قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌقَالَ الْمَازِرِيُّمَعْنَى يَدْنُو فِي هَذَا الحَدِيثِأَي تَدنُو رَحمَتُهُ وَكَرَامَتُهُ، لَا دُنُوُّ مَسَافَةٍ وَمُمَاسَّةٍ».

فَالسَّلَفُ الصَّالِحُ كَانُوا يَنْفُونَ عَنِ اللهِ المَكَانَ وَالحَرَكَةَ وَالسُّكُونَ وَالِانتِقَالَ وَسَائِرَ صِفَاتِ المَخلُوقِينَ، وَكُلُّ هَذَا يُعطِيهِ قَولُه تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الشورى/ الآية 11]

المُتَابَعَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ

«حَتَّى أُوَدِّعَكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُوَدِّعُنَا» — وَهَذَا فِيهِ بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيهِ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم مِنَ المُتَابَعَةِ الكَامِلَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّ المُتَابَعَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ هِيَ أَصلُ السَّعَادَةِ وَالفَلَاحِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ.

العِلمُ شَرطُ التَّصَوُّفِ

وَنَستَغرِبُ مِن بَعضِ الأَشخَاصِ اليَومَ مِمَّن يَدَّعُونَ الوِلَايَةَ وَالعِلمَ وَيُخَالِفُونَ هَذَا المَنهَجَ.

وَقَد حَكَى العَارِفُ بِاللهِ وَالوَلِيُّ الصَّالِحُ الشَّعرَانِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ «الطَّبَقَاتِ» إِجمَاعَ القَومِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصلُحُ لِلتَّصَدُّرِ فِي طَرِيقِ الصُّوفِيَّةِ إِلَّا مَنْ تَبَحَّرَ فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ، وَعَلِمَ مَنطُوقَهَا وَمَفهُومَهَا وَخَاصَّهَا وَعَامَّهَا وَنَاسِخَهَا وَمَنسُوخَهَا، وَتَبَحَّرَ فِي لُغَةِ العَرَبِ حَتَّى عَرَفَ مَجَازَاتِهَا وَاستِعَارَاتِهَا وَغَيرَ ذَلِكَ.

وَيَكفِي فِي الرَّدِّ عَلَى أَدعِيَاءِ التَّصَوُّفِ قَولُ الإِمَامِ الرِّفَاعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «شَيِّدُوا أَركَانَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِإِحيَاءِ السُّنَّةِ وَإِمَاتَةِ البِدعَةِ». وَقَالَ: «كُلُّ الآدَابِ مُنحَصِرَةٌ فِي مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ قَولًا وَفِعلًا وَحَالًا وَخُلُقًا، فَالصُّوفِيُّ ءادَابُهُ تَدُلُّ عَلَى مَقَامِهِ، زِنُوا أَقْوَالَهُ وَأَفْعَالَهُ وَأَحوَالَهُ وَأَخلَاقَهُ بِمِيزَانِ الشَّرعِ».

وَقَالَ: «لَا تَقُولُوا كَمَا يَقُولُ بَعضُ المُتَصَوِّفَةِنَحنُ أَهلُ البَاطِنِ وَهُمْ أَهلُ الظَّاهِرِهَذَا الدِّينُ الجَامِعُ بَاطِنُهُ لُبُّ ظَاهِرِهِ، وَظَاهِرُهُ ظَرفُ بَاطِنِهِ، لَولَا الظَّاهِرُ لَمَا بَطَنَ، لَولَا الظَّاهِرُ لَمَا كَانَ البَاطِنُ وَلَمَا صَحَّ».

مَعنَى «أَسْتَوْدِعُ اللهَ»

«أَسْتَوْدِعُ اللهَ» كَلِمَةُ استَودَعَ مِنَ الفِعلِ: وَدَعَ، وَمَعنَاهَا طَلَبُ الحِفظِ، فَـ «أَستَودِعُ اللهَ فُلَانًا» أَي أَطلُبُ مِنَ اللهِ أَن يَحفَظَهُ، وَمَعنَاهَا فِي الحَدِيثِ: أَسأَلُهُ أَن يَحفَظَ المَذكُورَ، وَهُوَ دِينُكَ وَأَمَانَتُكَ.

وَقَد وَرَدَ فِي الحَدِيثِ:

«إِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا اسْتُودِعَ شَيئًا حَفِظَهُ»

قِصَّةُ الوَدِيعَةِ فِي عَهدِ عُمَرَ

وَقَد رَوَى ابنُ أَبِي الدُّنيَا وَغَيرُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِيَعْرِضُ النَّاسَ إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ مَعَهُ ابْنٌ لَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: «مَا رَأَيْتُ غُرَابًا بِغُرَابٍ أَشْبَهُ مِنْ هَذَا بِهَذَا»، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَمَا وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ وَهِيَ مَيِّتَةٌ، قَالَ: «وَيْحَكَ، وَكَيْفَ ذَاكَ؟» قَالَ: خَرَجْتُ فِي بَعْثِ كَذَا وَكَذَا وَتَرَكْتُهَا حَامِلًا، وَقُلْتُ: أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ مَا فِي بَطْنِكِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ مِنْ سَفَرِي أُخْبِرْتُ أَنَّهَا قَدْ مَاتَتْ، فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ قَاعِدٌ فِي الْبَقِيعِ مَعَ بَنِي عَمٍّ لِي إِذْ نَظَرْتُ فَإِذَا ضَوْءٌ شَبِيهٌ بِالسِّرَاجِ فِي الْمَقَابِرِ، فَقُلْتُ: لِبَنِي عَمِّي مَا هَذَا؟ قَالُوا: لَا نَدْرِي، إِلَّا أَنَّا نَرَى هَذَا الضَّوْءَ كُلَّ لَيْلَةٍ عِنْدَ قَبْرِ فُلَانَةٍ، فَأَخَذْتُ مَعِي فَأْسًا، ثُمَّ انْطَلَقْتُ نَحْوَ الْقَبْرِ فَإِذَا الْقَبْرُ مَفْتُوحٌ، وَإِذَا هُوَ فِي حِجْرِ أُمِّهِ، فَدَنَوْتُ فَنَادَانِي مُنَادٍ: أَيُّهَا الْمُسْتَوْدِعُ رَبَّهُ، خُذْ وَدِيعَتَكَ، إِنَّكَ لَوِ اسْتَوْدَعْتَهُ أُمَّهُ لَوَجَدْتَهَا، فَأَخَذْتُ الصَّبِيَّ وَانْضَمَّ الْقَبْرُ.

مَعنَى «دِينَكَ»

«دِينَكَ» — الدِّينُ يُطلَقُ وَيُرَادُ بِهَا دِينُ الإِسلَامِ، وَالدُّعَاءُ بِحِفظِهِ فِيهِ بَيَانُ أَنَّهُ هُوَ أَعظَمُ مَا يَجِبُ حِفظُهُ. قَالَ تَعَالَى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [سورة الحج/ الآية 11]

أَقسَامُ الرِّدَّةِ

وَالرِّدَّةُ هِيَ قَطعُ الإِسلَامِ، وَتَنقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقسَامٍأَفعَالٍ وَأَقوَالٍ وَاعتِقَادَاتٍ، كَمَا اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ أَهلُ المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ وَغَيرِهِم. وَكُلٌّ مِنَ الثَّلَاثَةِ كُفرٌ بِمُفرَدِهِ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [سورة التوبة/ الآية 65-66]

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأسًا يَهوِي بِهَا سَبعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ» رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.

وَقَالَ الإِمَامُ المُجتَهِدُ مُحَمَّدُ بنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِهِ «تَهذِيبِ الآثَارِ»: «إِنَّ مِنَ المُسلِمِينَ مَن يَخرُجُ مِنَ الإِسلَامِ مِن غَيرِ أَن يَقصِدَ الخُرُوجَ مِنهُ».

وَأَمَّا تَوبَةُ المُرتَدِّ فَهِيَ الإِقلَاعُ عَنِ الكُفرِ فَورًا وَالنُّطقُ بِالشَّهَادَتَينِ.

القِسمُ الأَوَّلُ: الِاعتِقَادَاتُ

فَمِن ذَلِكَ: الشَّكُّ فِي اللهِ أَو فِي رَسُولِهِ أَو فِي القُرءَانِ، وَأَن يَعتَقِدَ أَنَّ اللهَ نُورٌ بِمَعنَى الضَّوءِ، أَو أَنَّهُ رُوحٌ.

وَقَد ذَكَر الوَلِيُّ الشَّيخُ عَبدُ الغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ: «أَنَّ مَنِ اعتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ مَلَأَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ أَو أَنَّهُ جِسمٌ قَاعِدٌ فَوقَ العَرشِ فَهُوَ كَافِرٌ وَإِن زَعَمَ أَنَّهُ مُسلِمٌ».

وَيَقُولُ الإِمَامُ أَبُو جَعفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي «العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ»«تَعَالَى عَنِ الحُدُودِ وَالغَايَاتِ وَالأَركَانِ وَالأَعضَاءِ وَالأَدَوَاتِ»، وَيَقُولُ: «لَا تَحوِيهِ الجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ المُبتَدَعَاتِ». وَقَالَ: «وَمَن وَصَفَ اللهَ بِمَعنًى مِن مَعَانِي البَشَرِ فَقَد كَفَرَ».

القِسمُ الثَّانِي: الأَفعَالُ

كَالَّذِي يَسجُدُ لِصَنَمٍ، أَو يَرمِي المُصحَفَ أَو وَرَقَةً فِيهَا اسمُ اللهِ فِي نَجَاسَةٍ عَمدًا.

القِسمُ الثَّالِثُ: الأَقوَالُ

كَالَّذِي يَسُبُّ اللَّهَ تَعَالَى أَو يَنسُبُ لَهُ الوَلَدَ قَولًا، وَكَالَّذِي يَسُبُّ نَبِيًّا مِنَ الأَنبِيَاءِ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَشتُمُ مَلَكًا كَجِبرِيلَ أَو مِيكَائِيلَ أَو عَزرَائِيلَ أَو غَيرِهِم.

وَالقَاعِدَةُ: أَنَّ كُلَّ اعتِقَادٍ أَو فِعلٍ أَو قَولٍ يَدُلُّ عَلَى استِخفَافٍ بِاللهِ أَو كُتُبِهِ أَو رُسُلِهِ أَو مَلَائِكَتِهِ أَو شَعَائِرِهِ أَو مَعَالِمِ دِينِهِ أَو أَحكَامِهِ أَو وَعدِهِ أَو وَعِيدِهِ كُفرٌ.

مَعنَى «وَأَمَانَتَكَ»

«وَأَمَانَتَكَ» — قَالَ ابنُ الأَثِيرِ: أَيْ أهْلَكَ وَمَن تُخَلِّفُهُ بَعدَكَ مِنْهُمْ، وَمَالَكَ الَّذِي تَودِعُهُ وَتَسْتَحْفِظُهُ أَمِينَكَ وَوَكِيلَكَ، أَي جَعَلَ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ مِنَ الوَدَائِعِ، لِأَنَّ السَّفَرَ تُصِيبُ الْإِنْسَانَ فِيهِ المَشَقَّةُ وَالخَوفُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِهْمَالِ بَعْضِ أُمُورِ الدِّينِ، فَدَعَا لَهُ بِالمَعُونَةِ وَالتَّوفِيقِ.

وَأَعظَمُ الأَمَانَةِ هِيَ الأَمَانَةُ فِي الدِّينِ وَفِي عِلمِ الدِّينِ. وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ فِيمَا رَوَاهُ مُسلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ:

 “إِنَّ هَذَا العِلمَ دِينٌ فَانظُرُوا عَمَّن تَأخُذُونَ دِينَكُم”.

مَعنَى «وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ»

«وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ» — وَقَد صَحَّ فِي الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:«الأَعمَالُ بِالخَوَاتِيمِ»

وَلِهَذَا أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِالثَّبَاتِ عَلَى الإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ لِآخِرِ العُمُرِ، فَقَالَ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [سورة الحجر/ الآية 99]

وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.

وَقَد قَالَ الحَبِيبُ المُصطَفَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» رَوَاهُ مُسلِمٌ.

فَالحَمدُ للهِ عَلَى نِعَمَةِ الإِسلَامِ، وَعَلَى بِعثَةِ مُحَمَّدٍ خَيرِ الأَنَامِ، عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

الحَدِيثُ الثَّانِي: «أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ الَّذِى لَا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ»

وَرَوَى النَّسَائِىُّ وَأَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِىُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَرَادَ أَنْ يُوَدِّعَ رَجُلًا فَقَالَ: أَلا أُعَلِّمُكَ يَا ابنَ أَخِى مَا عَلَّمَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: قُلْ:

«أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ الَّذِى لَا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ»

شَرحُ الحَدِيثِ

مَعنَاهُ: أَدعُو اللهَ أَن يَحفَظَكَ، فَهُوَ سُبحَانَهُ الَّذِي لَا تَضِيعُ عِندَهُ الوَدَائِعُ، أَيِ المَحفُوظَاتُ، فَإِذَا سَأَلتَ اللهَ أَن يَحفَظَكَ فَهُوَ الحَفِيظُ الَّذِي لَا يُضَيِّعُ مَا يَحفَظُهُ وَمَن يَحفَظُهُ سُبحَانَهُ. وَهَذَا فِيهِ مُطلَقُ الِاستِعَانَةِ بِاللهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيهِ وَالِاعتِمَادِ عَلَيهِ، وَعَلَى هَذَا يَنبَغِي أَن يَكُونَ العَبدُ المُؤمِنُ، أَن يَكُونَ دَائِمَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ وَالِاستِعَانَةِ بِاللهِ فِي كُلِّ أُمُورِهِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا.

اللهُ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ، فَقَد رَوَى التِّرمِذِيُّ عَن أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:«لِيَسْألْ أحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا، حَتَّى يَسْألَ شِسْعَ نَعْلِهِ إذَا انْقَطَعَ»

قِصَّةُ دَانِيَالَ عَلَيهِ السَّلَامُ

فَقَدْ رَوَى ابنُ أَبِي الدُّنيَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: أُتِيَ بُخْتَنَصَّرُ بِدَانِيَالَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَمَرَ بِهِ فَحُبِسَ، وَضَرَّى أَسَدَيْنِ فَأَلْقَاهُمَا فِي جُبٍّ مَعَهُ وَطَيَّنَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَسَدَيْنِ، ثُمَّ حَبَسَهُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ مَعَ الْأَسَدَيْنِ، ثُمَّ فَتَحَ عَنْهُ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ فَوَجَدَ دَانِيَالَ قَائِمًا يُصَلِّي وَالْأَسَدَانِ فِي نَاحِيَةِ الْجُبِّ لَمْ يَعْرِضَا لَهُ، فَقَالَ لَهُ بُخْتَنَصَّرُ: أَخْبِرْنِي مَاذَا قُلْتَ فَدُفِعَ عَنْكَ؟

قَالَ: قُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَنْسَى مَنْ ذَكَرَهُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يُخَيِّبُ مَنْ رَجَاهُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَكِلُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي به رجاؤنا حِينَ تَنْقَطِعُ عَنَّا الْحِيَلُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نرجوهُ يَوْمَ تَسُوءُ ظُنُونُنَا بأعْمَالِنَا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَكْشِفُ حُزْنَنَا عَنْد كَرْبِنَا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَجْزِي بِالْإِحْسَانِ إِحْسَانًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَجْزِي بِالصَّبِرِ نَجَاةً.

الِاستِعَانَةُ بِاللهِ وَبِالمَخلُوقِ

فَاستَعِيْنُوا بِاللهِ فِي رِزقِكُم، وَاستَعِينُوا بِاللهِ فِي أَعمَالِكُم، وَاستَعِينُوا بِاللهِ فِي طَلَبِ العِلمِ. وَلَيسَ مَعنَى كُلِّ مَا ذَكَرْتُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَيَحْرُمُ الِاستِعَانَةُ بِالمَخلُوقِ، لَا، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [سورة البقرة/ الآية 153] مِنْ أَصرَحِ الأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ، فَفِي الآيَةِ طَلَبُ الِاستِعَانَةِ بِالصَّبرِ وَالصَّلَاةِ، وَهَذَا لَا يَتَعَارَضُ مَعَ قَولِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الفَاتِحَةِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾

فَالِاستِعَانَةُ فِي هَذِهِ الآيَةِ هِيَ الِاستِعَانَةُ الخَاصَّةُ، أَي أَنَّنَا نَطلُبُ مِنهُ سُبحَانَهُ أَن يَخلُقَ فِينَا العَونَ وَالقُدرَةَ عَلَى فِعْلِ الأَشيَاءِ، وَهَذَا لَا نَطلُبُهُ مِن غَيرِهِ سُبحَانَهُ.

وَمِمَّا يَرُدُّ عَلَى مَن يُحَرِّمُ الِاستِعَانَةَ بِالمَخلُوقِ مَا رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ مِن حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «وَاللهُ فِيْ عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيْهِ»

وَقَالَ تَعَالَى إِخبَارًا عَن عَبدِهِ الصَّالِحِ ذِي القَرنَينِ: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [سورة الكهف/ الآية 94-95]

والله تعالى أعلم وأحكم