من البحر إلى الشهادة: نبوءات النبي ﷺ في أصحابه والملوك وأشراط الساعة

الدرس ٢٢ من ٤١دلائل النبوة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله الَّذِي أنْشَأَ الخلائِقَ بقدرتِه، وأظهر فيهِم عجائبَ حكمتِهِ، ودَلَّ بآياتِه على ثبوتِ وحدانيَّته، قضى على العاصِي بالعقوبةِ لِمُخَالفته، ثم دَعَاه إلى التوبةِ ومَنَّ عليه بقبولِ توبتِه، فأجيبوا داعيَ الله وسابقوا إلى جنتِه، يغفرْ لكم ذنوبَكم ويؤتِكم كفْلينِ من رحمتِه. 

أحمدُه على جلالِ نعوتِه وكمال صِفَتِهِ، وأشكرُه على توفيقِه وسوابغ نعمتِهِ، وأشهدُ أنْ لا إِله إِلَّا الله وحدَه لا شريكَ لَهُ في ألوهيته وربوبيتِه، وأشهدُ أنّ محمّدًا عبدُه ورسولُه المبعوثُ إلى جميع بَريَّته، بشيرًا للمؤمنين بجنّتِه، ونذيرًا للكافرين بنارِه وسطْوَتِه، صلَّى الله عليه وعلى أبي بكرٍ خليفتِه في أمّتِه، وعلى عمرَ المشهورِ بقّوتِه على الكافرينَ وشدَّتِه، وعلى عثمانَ القاضي نحبَه في محنتِه، وعلى عليٍّ ابن عمه وزوج ابنته، وعلى آله وأصحابه ومن تبعه في سنته، وسلَّم تسليما كثيرا، 

أما بعد: 

أخبرنا عن أشياء تكلّم بها نبينا ﷺ في إخبار أناس بحالهم وماذا سيحصل معهم ونكمل في ذلك،

روى البخاري ومسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ)) أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ – شَكَّ إِسْحَاقُ – قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهمْ. فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) كَمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: ((أَنْتِ مِنْ الأَوَّلِينَ)) فَرَكِبَتْ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَت.

أم سليم وأختها أم حرام وصلتهما برسول الله ﷺ

قال النووي رحمه الله: “اتفق العلماء على أنّ أم حرام كانت مَحرما له صلى الله عليه وسلم. واختلفوا في كيفية ذلك، فقال ابن عبد البّرّ وغيره: كانت إحدى خالاته من الرّضاعة. وقال آخرون: بل كانت خالة لأبيه أو لجده لأنّ عبد المطلب كانت أمّه من بنى النجار” اهـ.

وقال أيضًا: “أُمّ حَرَام أُخْت أُمّ سُلَيْمٍ، وقد كَانَتَا خَالَتَيْنِ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَحْرَمَيْنِ إِمَّا مِنْ الرَّضَاع، وَإِمَّا مِنْ النَّسَب، فَتَحِلُّ لَهُ الْخَلْوَة بِهِمَا، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِمَا خَاصَّةً، لا يَدْخُلُ عَلَى غَيْرهمَا مِنْ النِّسَاء إِلا أَزْوَاجه”. اهـ

أم سليم هي سهلة أو رميلة أو مليكة بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب الأنصارية رضي الله عنها، وهي أم أنس بن مالك رضي الله عنه، مشهورة بكنيتها، واختلف في اسمها.

وأم حرام: هي بنت ملحان رضي الله عنها، وهي أخت أم سليم. قال ابن عبد البر: لا أقف لها على اسم صحيح.

وهما من محارم النّبي صلى الله عليه وسلم.

كتب معاويةُ إلى عمرَ كتابًا في غزو البحر يُرغّبه فيه، ويقول: يا أمير المؤمنين إن بالشأم قرية يسمع أهلها نباح كلاب الرّوم وصياح ديوكهم، وهم تلقاء ساحل من سواحل حمص. فكتب عمر إلى عمرو أن صف لي البحر ثم اكتب إلي بخبره، فكتب إليه: يا أمير المؤمنين إني رأيت خلقا عظيما يركبه خلق صغير ليس إلا السماء والماء وإنما هم كدود على عود، إن ركد خرق القلوب وإن تحرك أراع العقول، إن مال أغرق وإن نجا فرّق. فلمّا قرأه عمر كتب إلى معاوية: لا والذي بعث محمّدًا بالحقّ لا أحمل فيه مسلمًا أبدا.

وروى مسلم وأبو داود والنسائي عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ((لا تَقُومُ اَلسَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا، كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ اَلْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، وَلَا تَقُومُ اَلسَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمْ اَلشَّعْرُ)). وَفِي لَفْظٍ: ((تُقَاتِلُكُمْ أُمَّةٌ يَنْتَعِلُونَ اَلشَّعْرَ، وُجُوهُهُمْ مِثْلُ اَلْمَجَانِّ اَلْمُطْرَقَةِ)).

وهي معركة عين جالوت بقيادة قطز الذي هزم فيها المغول الترك.

هذا أيضا من أخبار، وأنباء الغيب: ((لَا تَقُومُ اَلسَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا وُجُوهُهُمْ كَأَنّها اَلْمَجَانُّ() الْمُطْرَقَةُ))  

وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي سعيد رضي الله عنهم أنّ رسول الله ﷺ قال: ((إِذَا ‌هَلَكَ ‌كِسْرَى، فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ، فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ)).

وقال النووي رحمه الله تعالى في شرحه على صحيح مسلم: “قال الشافعي وسائر العلماء: معناه لا يكون كسرى بالعراق، ولا قيصر بالشّام، كما كان في زمنه صلى الله عليه وسلم، فأعلمنا صلّى الله عليه وسلّم بانقطاع ملكهما في هذين الإقليمين، فكان كما قال صلّى الله عليه وسلّم، فأمّا كِسرى فانقطع ملكه وزال بالكلية من جميع الأرض، وتمزّق ملكه كل ممزق واضمحل، بدعوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأما قيصر فانهزم من الشام، ودخل أقاصي بلاده، فافتتح المسلمون بلادهما، واستقرت للمسلمين ولله الحمد، وأنفق المسلمون كنوزهما في سبيل الله، كما أخبر صلى الله عليه وسلم، وهذه معجزات ظاهرة”.

وروى أبو داود والطيالسي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ: ((‌لَتَفْتَحَنَّ ‌عِصَابَةٌ ‌مِنَ ‌الْمُسْلِمِينَ ‌كُنُوزَ ‌كِسْرَى ‌الَّتِي ‌فِي ‌الْقَصْرِ ‌الْأَبْيَضِ)) فكنت أنا وأبي فيهم فأصابنا من ذلك ألف درهم.

وَروى أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ عَن عفيف الْكِنْدِيّ قَالَ: ‌قدمت ‌مَكَّة فَأَتَيْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِأَبْتَاعَ مِنْهُ بَعْضَ التِّجَارَةِ، وَكَانَ امْرَأً تَاجِرًا، فَوَاللهِ إِنِّي لَعِنْدَهُ بِمِنًى، إِذْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ خِبَاءٍ قَرِيبٍ مِنْهُ، إِذْ نظر إِلَى السَّمَاء فَلَمَّا رَآهَا مَالَتْ قَامَ يُصَلِّي، ثمَّ خرجت امْرَأَة فَقَامَتْ تصلي خَلفه، ثمَّ خرج غُلَام فَقَامَ مَعَه يُصَلِّي، فَقلت للْعَبَّاس: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُحَمَّد ابْن أخي وَامْرَأَته خَدِيجَة وَابْن عَمه عَليّ يزْعم أَنه نَبِي، وَلم يتبعهُ على أمره إِلَّا امْرَأَته وَابْن عَمه، وَهُوَ يزْعم أَنه سيفتح عَلَيْهِ كنوز كسْرَى وَقَيْصَر.

وروى أبو داود والإمام أحمد ونعيم بن حماد وأبو يعلى والبغوي وابن حبان، والترمذي، وقال حسن وأبو نعيم من فضائل الصحابة، والطبراني في الكبير عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال، قال رسول الله ﷺ: ((الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك)).

وروى أبو يعلى والحارث بن أبي أسامة والحاكم وصححه والبيهقي وأبو نعيم عن سفينة رضي الله عنه قال: لمّا بنى رسول الله ﷺ المسجد، جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه، فقال النبي ﷺ: ((هؤلاء ولاة الأمر من بعدي)).

وروى الحاكم وصححه والبيهقي عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: ((أُرِيَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ صَالِحٌ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نِيطَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنِيطَ عُمَرُ بِأَبِي بَكْرٍ ‌وَنِيطَ ‌عُثْمَانُ بِعُمَرَ))، قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ قلنا: الرجل الصالح النبي ﷺ، وأما ما ذكر من نوط بعضهم بعض، فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله تعالى به نبيه.

وروى ابن ماجه والحاكم عن حذيفة رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ: ((اقتدوا باللذين من بعدي أبو بكر وعمر)).

وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا أبو بكر فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ – وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ – ضَعْفٌ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا فَأَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، حَتَّى ‌ضَرَبَ ‌النَّاسُ ‌بِعَطَنٍ)). قال الشافعي رحمه الله تعالى: رؤيا الأنبياء وحي، والضعف المذكور قصر مدة أبي بكر وعجلة موته. 

بيانُ فَضيلةِ أبي بكرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما

كان لأبي بكرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما مكانةٌ عظيمةٌ عند النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فقد كانا وَزيرَيه ومُستشارَيه، وكان لهما أثرٌ في الإسلامِ عظيمٌ.

وفي هذا الحديثِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رأى في مَنامِه أنَّه واقِفٌ على بِئْرٍ يُخرِجُ منها الماءَ، فجاء أبو بَكْرٍ وعُمَرُ رضِيَ اللهُ عنهما، وسَحَبَا ماءً من البِئرِ، فقام أبو بَكْرٍ رضِيَ اللهُ عنه، فأَخْرَج من البِئر ذَنُوبًا() مِن ماءٍ أو ذَنُوبَيْنِ، وفي إخراجِه للماءِ ونَزْعِه ضَعْفٌ، وليْس في قولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ضَعْفٌ)) حَطٌّ مِن قَدْرِ أبي بَكرٍ الرَّفِيع، وإنَّما هو إشارةٌ إلى قِصَرِ مُدَّةِ خِلافتِه، أو إشارةٌ إلى قِلَّةِ الفُتوحاتِ في عَهْدِه رَضِيَ اللهُ عنه؛ فقد انشغل بقِتالِ أهلِ الرِّدَّةِ ومانعي الزَّكاةِ، وقَولُه: ((فغَفَرَ اللهُ له)) ليس معناه أنَّ الصِّدِّيقَ ارتكَبَ ذَنبًا، ولكِنَّها كَلِمةٌ شائِعةٌ في استعمالاتِ العَرَبِ لا يُقصَدُ بها معناها الظَّاهِرُ، ويأتون بها إجلالًا للمُخاطَبِ، وإكرامًا لحُرمَتِه، ومنه قَولُه تعالى لنبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة/ الآية 43] وقد توُفِّيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وخلَفَه أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه سَنَتينِ وأشهُرًا، وحصل في خلافتِه قِتالُ أهلِ الرِّدَّةِ، وقَطْعُ دابِرِهم واتِّساعُ الإسلامِ، ثمَّ توُفِّيَ.

ثُمَّ جاء عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضِيَ اللهُ عنه، فوقف على البِئرِ وأَخَذ الذَّنوبَ مِن يَدِ أَبِي بَكْرٍ، فتَحوَّل في يَدِه غَرْبًا، والغَرْبُ: هو الدَّلْوُ الكبيرُ الذي يُسقَى به البَعِيرُ، وهو أكبرُ مِن الذَّنُوبِ، ثمَّ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((فلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا() في النَّاسِ يَفْرِي فَرْيَه())) والمعنى: لمْ أَرَ في النَّاسِ سَيِّدًا عَظيمًا ورجُلًا قَوِيًّا، وإنسانًا حاذِقًا يَعمَلُ عمَلَه ويَقطَعُ قَطْعَه مِثلَ عُمَرَ، وظَلَّ يُخرِجُ الماءَ ((حتَّى ضَرَب النَّاسُ بعَطَنٍ())) أي: ما زال يُخرِجُ للنَّاسِ الماءَ حتَّى نَصَب النَّاسُ خِيامَهم، وأَقاموا إبِلَهم حوْلَ الماء، وتَأويلُ هذا: ما حَصَل مِن طُولِ خلافتِه رضِيَ اللهُ عنه، وكثرةِ انتفاعِ النَّاسِ بها؛ لطُولِها ولاتِّساعِ الإسلامِ وبلادِه، وما كان فيها مِن فَتْحٍ وخَيْرٍ، وكثرةِ الأموالِ وغَيرِها مِنَ الغَنائِمِ، مع بناءِ الأمصارِ وإنشاءِ الدواوينِ.

وقد عَبَّرَ بالبئرِ عن أمرِ المُسلِمين؛ لِما فيها من الماءِ الذي به حياتُهم وصلاحُهم، وشَبَّه أميرَهم بالمُسْتقي لهم، وسَقْيُه هو قيامُه بمصالحِهم وتدبيرِ أُمورِهم.

وفي الحَديثِ: إعلامٌ بخِلافةِ أبي بكرٍ وعُمَرَ رضِي اللهُ عنهما، وصِحَّةِ وِلايتِهما، وكَثرةِ الانتفاعِ بهما.

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن أبي الأشهب، عن رجل من مزينة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَأَى عَلَى عُمَرَ قَمِيصًا أَبْيَضَ فَقَالَ: ((ثَوْبُكَ هَذَا غَسِيلٌ أَمْ جَدِيدٌ؟)) قَالَ: لَا، بَلْ غَسِيلٌ. قَالَ: ((الْبَسْ جَدِيدًا، وَعِشْ حَمِيدًا، وَمُتْ شَهِيدًا)). 

روى البخاري عن أنس بن مالك أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَعِدَ أُحُدًا، وأَبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بهِمْ، فَقَالَ: ((اثْبُتْ أُحُدُ؛ فإنَّما عَلَيْكَ نَبِيٌّ، وصِدِّيقٌ، وشَهِيدَان))ِ.

وأخرج الطبراني عن ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ كان في حائط فاستأذن أبو بكر رضي الله عنه، فقال: ((ائذن له وبشّره بالجنّة))، ثم استأذن عمر فقال: ((ائذن له وبشّره بالجنّة والشّهادة))، ثم استأذن عثمان فقال: ((ائذن له وبشّره بالجنّة والشهادة)).

وروى الطبراني وأبو نعيم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ لعليّ رضي الله عنه: ((إِنَّكَ مُؤَمَّرٌ مُسْتَخْلَفٌ، وَإِنَّكَ مَقْتُولٌ، وَإِنَّ ‌هَذِهِ ‌مَخْضُوبَةً مِنْ هَذَا))أيلِحْيَتُهُ مِنْ رَأْسِهِ. 

مقتل الإمام علي رضي الله عنه

وروى السمهودي بإسناده عن صهيب عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال يومًا لعلي رضي الله عنه: ((من أشقى الأوَّلِين))؟ قال: الذي عقر الناقة يا رسول الله، قال: ((صدقت)). قال: ((فمن أشقى الآخِرِين؟)) قال: لا علم لي يا رسول الله، قال: الذي يضربك على هذه، وأشار النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى يافوخه، فكان علي رضي الله عنه يقول لأهل العراق عند تضجّره منهم: متى ينبعث أشقاكم فيخضب هذه ـ يعني لحيته ـ من هذه ـ ووضع يده على مقدّم رأسه ـ فكان عبد الرحمن بن مُلْجَم المرادي من طائفة الخوارج أشقى الآخرين وكان فاتكًا ملعونًا، وكان أرسله عمر إلى مصر ليعلّم الناس القرءان فعلق بامرأة اسمها قطام، وكان علي رضي الله عنه في الشّهر الذي قتل فيه ـ وهو شهر رمضان من سنة أربعين ـ يفطر ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند عبدالله بن جعفر رضي الله عنهم، لا يزيد على ثلاث لقم ويقول: أحبّ أن ألقى الله تعالى وأنا خميص، فلمّا كانت الليّلة التي قتل في صبيحتها أكثر الخروج والنّظر إلى السماء وجعل يقول: والله ما كذبت ولا كذبت وإنّها الليلة التي وعدت، فلمّا كان وقت السّحر وأذّن المؤذّن بالصلاة خرج، فلمّا دخل المسجد أقبل ينادي: الصّلاة، الصّلاة، فشدّ عليه ابن ملجم، فضربه الضربة الموعود بها، وتوفّي رضي الله عنه ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان ودفن من ليلته. 

وكان علي رضي الله عنه إذا رأى ابن ملجم قال: 

أُريدُ حياتهُ، ويُريـدُ قتلــي        عُذيرك من خليلكَ من مُـرادِ

ومعنى كلامه: من يعذرني من فعلة المرادي، ويلومه ولا يلومني فهو يتوعدني بالقتل، وأنا أتجنبه لأعطيه فرصة ليحيا، فإني لو قاتلته فإني لا محالة قاتله وهذا ما لا أريده.

فقتله الخبيث عبد الرحمن بن ملجم وقالوا يمدحونه: 

يَــا ضَرْبَــةً مِنْ تَقِيَ مَا أَرَادَ بِهَاإلاَّ لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي العَرْشِ رِضْوَانا
إنِّـــي لأَذْكُــرُهُ يَوْمًـــا فَأَحْسَبُـــهُأَوْفَى البَرِيَّـــةِ عِنْــدَ اللــه مِيزَانـا
أَكْرِمْ بِقَوْمٍ بُطُــونُ الطَّيْرِ أَقْبُرُهُمْلَـــمْ يَخْلِطُوا دِينَهُمْ بَغيـًـا وَعُدْوَانا

وردّ القاضي أبو الطّيب طاهر بن عبد الله الشافعي عليه بأبيات قال فيها:

إنـــي لأبرأ مما أنـــت قائلــــهعـــن ابن ملجمٍ الملعــــونِ بهتانا
يا ضربة من شقي ما أراد بهاإلا ليهــدم للإســــلام أركانـــــــا
إنــــي لأذكره يومًا فألعنـــــــه وألعن  الكلــب عمرانَ بنِ حِطَّانا
عليــــه ثمّ عليه الدَّهْر متصـلًالعائــــن اللـــــه إسرارًا وإعلانـا
فأنتما من كلاب النار جــاء بهنصّ الشّريعـــــة برهانًا وتبيانــا


وزاد بعضهم على هذه الأبيات بيتًا آخر وهو:

عليكما لعنة الجبار ما طلعت شمس وما أوقدوا في الكون نيرانا

فقال بكر بن حماد التاهرتي معارضًا له:

قـــل لابــن ملجَمَ والأقــــدارُ غالبـــةٌهدمـــت ويلك للإســــلام أركانـــــا
قتلـــت أفضـــل مــن يمشي على قدمٍوأوّلَ النّـــاس إسلامًــــا وإيمانــــــا
وأعلمَ النّــــاس بالقرءان ثــــم بمــــاســـنّ الرّســـول لنا شرعًا وتبيانــــا
صهـــرَ النّبيّ ومــــــــولاه وناصـرَهأضحـــت مناقبُــــه نورًا وبرهانــــا
وكــــان منه على رَغــــم الحسود لهمكانُ هارونَ من موسى بن عمران
وكان في الحرب سيفًا صارمًا ذكـرًاليثًـــا إذا لقي الأقـــــرانُ أقرانـــــــا
ذكــــرتُ قاتلَه والدمــــــــــعُ منحدرٌ فقلت: سبحان ربِّ النّـــــاس سبحانا
إنّـــــي لأحسِبُه ما كـــــان من بشــرٍ يخشى المعــــاد ولكن كــان شيطانا
أشــــقى مرادٍ إذا عُـــــدَّت قبائِلُـــــها وأخســـــرَ النّاس عنـــــد الله ميزانا
كعاقر الناقــــة الأولى التي جلبـــــت على ثمودَ بأرض الحِــــجرِ خُسرانا
قد كان يخبرهم أن ســــوف يَخْضِبُها قبـــــل المنيّة أزمانًـــــا فأزمانـــــــا
فلا عفــــا الله عنــــــه ما تحمّلَـــــــه ولا سقى قبـــــــر عمرانَ بنِ حَطّانا
لقولــــــه في شقــــــــيٍ ظلّ مُجْتَرِمًا ونــــــال مــــا ناله ظلمًــــا وعدوانا
يا ضربـــــةً من تقيٍّ ما أراد بهــــــا إلا ليبلُغَ من ذي العرش رضـــــوانا
بل ضربةٌ من غَويٍّ أوردته لظًـــــى وسوف يلقى بهــــا الرحمنَ غضبانا
كأنّــــه لم يرد قصـــــدًا بضربتــــــهإلا ليصلـــى عَذابَ الخُلـــد نيرانــــا

فائدة

قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: إذا كثرت عليك الوساوس فقل: سبحان الملك الخلَّاق الفعّال لما يريد ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [سورة إبراهيم/ الآية 19-20]، وإذا توجهت لشيء من عمل الدنيا والآخرة فقل: (يَا قَوِيُّ، يَا عَلِيْمُ، يَا سَمِيْعُ يَا بَصِيْرُ). 

 مِنْ خواصِّ اسمِ اللهِ “المصوِّرِ“: أَنَّ العاقرَ إذا ذَكَرَتْهُ كلَّ يومٍ إحدى وعشرينَ مرّةً على صَومٍ بعدَ الغروبِ وقبلَ الفطرِ سبعةَ أيامٍ وتفطرُ على ماءٍ زالَ عقمُها ويصوّرُ الولدُ في رحمِها بإذنِ اللهِ. 

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ