الحديث (133) · إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا

الدرس ١٢٦ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٥٧:٢٣

المقدمة

الحمد لله الذي خَلَقَ السمواتِ والأرضَ وجَعَلَ الظلماتِ والنُّورَ ثم الذين كفروا بربهم يَعْدِلُون، أحمده حمداً كما يَنبغي لكرمِ وَجْهِهِ وعِزِّ جَلاله، وأستعينه استعانةَ من لا حَوْل له ولا قُوَّة إلا به، وأستَهْديه بِهُدَاهُ الذي لا يَضِلُّ من أَنْعَمَ به عليه، وأستغفره لما أَزْلَفْتُ وأَخَّرْتُ استغفارَ من يُقِرُّ بعبوديَّته، ويعلم أنه لا يَغْفِرُ ذنبه ولا يُنَجِّيه منه إلا هو، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، المُصْطَفى لوَحْيه، المنْتَخَبُ لرسالته، المفضَّلُ على جميع خلقه وخَتْمِ نبوَّته، أفضلُ خَلْقِه نفسًا، وأجمعهم لكلِّ خُلُق رَضِيَهُ في دين ودُنيا، وخيرُهم نسبًا ودارًا، صلَّى الله على نبينا محمدٍ كلَّما ذكره الذاكرون، وغَفَلَ عن ذكره الغافلون، وصلَّى عليه في الأولين والآخِرين، أفضلَ وأكثرَ وأزكَى ما صلَّى على أحد من خلقه، وجزاه الله عنّا أفضلَ ما جَزَى مُرْسلًا عَنْ مَنْ أُرْسِلَ إليه، فقد جعلنا في خير أمة أُخرجت للناس، دَائِنينَ بدينه الذي ارْتَضَى واصْطَفَى به ملائكتَه ومَنْ أنْعَمَ عليه من خلقِه، فلم تُمْسِ بنا نعمة ظَهَرَتْ ولا بَطَنَتْ نِلْنَا بها حظًّا في دينٍ ودُنْيَا، أو دُفِع بها عنّا مكروه فيهما وفي واحد منهما، إلا ومحمد صلى الله عليه وسلم سَبَبُها، وهو القَائِدُ إلى خيرها، والهادي إلى رُشدها، فصلى الله على محمد وعلى آل محمد كما صلّى على إبراهيم وآل إبراهيم، إنه حميد مجيد، أما بعد:

الحديث

فقد وصلنا في هذا الكتاب المبارك كتابِ رياض الصالحين إلى الحديث السابع عشر من باب في بيان كثرة طرق الخير، وهو الحديث الثالث والثلاثون بعد المائة من كتاب رياض الصالحين حيث قال الحافظ النووي رحمه الله ورضي عنه: السابع عشر: عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا». رواه البخاري. 

الشرح

عَنْهُ (أي عن الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه فهو راوي الحديث السابق) قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَرِضَ (قال الفيومي في ذكره معنى كلمة المرض: مَرِضَ فلانٌ مَرَضًا مِنْ بَابِ تَعِبَ وَالْمَرَضُ حَالَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ الطَّبْعِ ضَارَّةٌ بِالْفِعْلِ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْمَرَضُ كُلُّ مَا خَرَجَ بِهِ الْإِنْسَانُ عَنْ حَدِّ الصِّحَّةِ مِنْ عِلَّةٍ أَوْ نِفَاقٍ أَوْ تَقْصِيرٍ فِي أَمْرٍ 

(والمرض ينزل على الناس فيكون لبعضهم نعمةً من الله ولبعضهم نقمةً وانتكاسةً والعياذ بالله، وليس معنى أنه إذا لم يمرض الشخص أنه أفضل من الذين يمرضون، بل جرت العادة أنه من ابتلي بالمرض يكون أفضلَ إذا صبر وسلَّم أمره لله.

فقد روى الإمام أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنَةٌ لِي كَذَا وَكَذَا – ذَكَرَتْ مِنْ حُسْنِهَا وَجَمَالِهَا – فَلَمْ تَزَلْ تَمْدَحُهَا حَتَّى ذَكَرَتْ أَنَّهَا لَمْ تَصَدَّعْ وَلَمْ تَشْتَكِ شَيْئًا قَطُّ، قَالَ: ” لَا حَاجَةَ لِي فِي ابْنَتِكِ”.اهـ 

وهذا يبين لماذا جعل الله أشدَّ الناس بلاء في أمر الدنيا الأنبياءَ، فإنهم يبتَلَون في دنياهم ويسلم لهم أمر دينهم، فقد روى الترمذي عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ ‌الأَمْثَلُ ‌فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ البَلَاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ».

وفي الصحيحين عن ابْن مسْعُود رضي اللَّه عنه قَالَ: دَخلْتُ عَلى النَبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَهُو يُوعَكُ فَقُلْتُ يَا رسُولَ اللَّه إِنَّكَ تُوعكُ وَعْكًا شَدِيدًا قَالَ: “أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُم”قُلْتُ: ذلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْريْن؟ قَالَ:”أَجَلْ ذَلك كَذَلك مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، شوْكَةٌ فَمَا فوْقَهَا إلاَّ كَفَّر اللَّه بهَا سَيِّئَاتِهِ، وَحُطَّتْ عنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَحُطُّ الشَّجرةُ وَرقَهَا“، فالأنبياء هم أشد الناس بلاء.

قال ابن حجر: وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ الْبَلَاءَ فِي مُقَابَلَةِ النِّعْمَةِ فَمَنْ كَانَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ كَانَ بَلَاؤُهُ أَشَدَّ.

قَالَ ابن الْجَوْزِيِّ فِي الْحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْقَوِيَّ يَحْمِلُ مَا حَمَلَ وَالضَّعِيفَ يُرْفَقُ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ كُلَّمَا قَوِيَتِ الْمَعْرِفَةُ بِالْمُبْتَلَى هَانَ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى أَجْرِ الْبَلَاءِ فَيَهُونُ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ وَأَعْلَى مِنْ ذَلِكَ دَرَجَةُ مَنْ يَرَى أَنَّ هَذَا تَصَرُّفُ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ فَيُسَلِّمُ وَلَا يَعْتَرِضُ وَأَرْفَعُ مِنْهُ مَنْ شَغَلَتْهُ الْمَحَبَّةُ عَنْ طَلَبِ رَفْعِ الْبَلَاءِ وَأَنْهَى الْمَرَاتِبِ مَنْ يَتَلَذَّذُ بِهِ وَالله أعلم.

ولكن مرض الأنبياء ليس منفرا للناس عن قبول الدعوة منهم، الأنبياء يصيبهم المرض كباقي البشر ولكن ليس مرضا منفرا يمنع من قبول الدعوة منهم، فوظيفتهم عليهم السلام تبليغ هذا الدينِ وهذا الشرعِ الذي يأتيهم عن طريق الوحيِ فلا يجوز أن يصابوا بمرض يمنع الناس من قبول الدعوة منهم كما ينقل بعض الجهال عن سيدنا أيوب عليه السلام، فإنه قد ثبت أنه مرض كما في القرآن الكريم ولكن مرضه ليس مرضا ينفر الناس عنه فقد أرسل لتبليغهم دين الإسلام، فالنّبيُّ أيُّوبُ لم يخرج منه الدُّود، وَالحِكْمَةُ تَقْتَضِي أَنْ يَكُوْنَ الأَنْبِيَاءُ لَا يُصَابُوْنَ بِأَمْرَاضٍ مُنَفِّرَةٍ لِأَنَّ هَذَا يُنَافِي التَّبْشِيْرَ والتبليغَ، فَلَا يَجُوْزُ عَلَيْهِم أَنْ يُصَابُوا بِالجُذَامِ وَالبَرَصِ وَالجُنُوْنِ وَخُرُوْجِ الدُّوْدِ مِنْ أَجْسَادِهِم، لَكِنَّهُم أَكْثَرُ النَّاسِ بَلَاءً وَأَكْثَرُ النَّاسِ صَبْرًا عَلَى البَلَاءِ، فَالأَنْبِيَاءُ يُشَدَّدُ عَلَيْهِم مِنْ أَلَم الجِسْمِ لِزِيادَةِ دَرَجَاتِهِم، فالأنبياء ﻻ تصيبهم اﻷمراض المنفِّرَةُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا بَعَثَ الله نَبِيًّا إِلَّا حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الصَّوْتِ وَإِنَّ نَبِيَّكُم أَحسَنُهُمْ وَجْهًا وَأَحْسَنُهُمْ صَوْتًا» رواه التِّرمذي.

فغير صحيح أنّ سيِّدنا أيُّوب خرج منه الدُّود وغير صحيح أنّه كان يأخذ الدُّود ويقول كلي ممّا رزقك اللّه، فمن قال ذلك فقد كذّب الدِّين.

قال القرطبي (ت 671 هـ) في تفسيره الجامع لأحكام القرآن: قال ابن العربي القاضي أبو بكر رضي الله عنه: ولم يصح عن أيوب في أمره إلا ما أخبرنا الله عنه في كتابه في آيتين: الأولى قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: 83] والثانية في «ص» ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾. وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصح عنه أنه ذكره بحرف واحد إلا قوله المروي في البخاري: «بينا أيوبُ يغتسل إذ خرّ عليه رِجلُ جرادٍ من ذهب». وإذ لم يصح عنه فيه قرآن ولا سنة إلا ما ذكرناه، قال بعض المفسرين: وَعِظَمُ بَلائه أي أيوبَ عليه السلامُ ممّا شاعَ وذاعَ ولَم يختلف فيه اثنان… وفِي هداية المريد للقّانِّي (ت 1024 هـ) أنه «يجوز على الأنبياء عليهم السلام كل عرض بشري ليس محرّمًا ولا مكروها ولا مباحا مزريا ولا مُزمِنًا ولا مِما تعافه الأنفس ولا مِما يؤدي إلَى النُفْرة»، ثم قال بعد وَرَقتيْن: «واحترزنا بقولنا ولا مُزمِنًا ولا مِما تعافه الأنفس عما كان كذلك كالإقعاد والبرص والجُذام والجنون». فلا بد من القول بأن ما ابتُلِي به أيوب عليه السلام لم يَصِل إلى حَدِّ الاستقذار والنُفْرَة كما يُشعِر به ما روي عن قتادةَ ونَقَلَهُ القُصّاصُ في كُتُبِهم.اهـ

 وقال ابن عاشر من فقهاء المالكية: يَجِبُ لِلرُّسْلِ الْكِرامِ الصِّدْقُ *** أَمانَةٌ تَبْلِيغُهُمْ يَحِقُّ، مُحالٌ الْكَذِبُ وَالمَنْهِىُّ **** كَعَدَمِ التَّبْلِيغِ يا ذَكِيُّ، يَجُوزُ فِي حَقِّهِمْ كُلُّ عَرَضْ **** لَيْسَ مُؤَدِّيًا لِنَقْصٍ كالْمَرَضْ) 

(ينبغي عند نزول الأمراض على كل واحد منا أن يصبر ويسِّلمَ أمره لله ولا يتسخطن على ربه عز وجل، فإن من تفكر في ثواب الصابرين يوم القيامة تهون عليه مصائب الدنيا وما يقاسي فيها من آلام وكروب وهموم وغموم، فإنك لا تجد شيئا من ذلك وصبرت عليه طلبا للأجر والثواب من الله عز وجل إلا ولقيت ثواب صبرك عظيما يوم الدين فيهون عليه الألم والوجع والنكد والهم والغم عند ذلك، أما من تبع هواه ولم يصبر وتسخط على ما يجد من البلايا فإنه قد خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين.

قال ابن الجوزي: مَنْ فَعَلَ مَا يُحِبُّ (أي ما تميل إليه نفسه وتشتهيه) لَقِيَ مَا يَكْرَهُ (من العذاب يوم القيامة), وَمَنْ صَبَرَ عَلَى مَا يَكْرَهُ (أي على هموم هذه الدنيا وبلاياها) نَالَ مَا يُحِبُّ (من نعيم الله العظيمِ يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم), فإياك واتباعَ الهوى. 

وَقِيلَ لِبعض الصالحين: إِنَّ فُلانًا يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ. فَقَالَ: إِنَّ مَنْ مَكَّنَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ مُخَالَفَةِ هَوَاهُ أَعْظَمُ مِنَ الْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ)

 (وبعض الناس ينزل به المرض فيقابل هذا بالاعتراض على الله، والاعتراض على الله كفرٌ مُخْرِجٌ من الملة كما لا يخفى، فقد كان بداية كفر إبليس والعياذ بالله اعتراضًا على الله، نحن نُبتَلى لنصبرَ ونُسَلِّمَ أمرنا لله، لا أن نعترض على الله ونكفرَ به والعياذ بالله كما ترى من بعض الناس يمرض فيعترض على الله، وبالمقابل بعض الناس يمرض فيصبر فيرتفع بالدرجات ولا يتذكر إلا ثوابَ ربه عز وجل، ومثلُ هذا في السلف كثير.

 فقد روي عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، لَمَّا وَقَعَتِ ‌الْأكْلَةُ فِي رِجْلِهِ [وهي مرض نسميه الغرغرينا] فَقِيلَ لَهُ: أَلَا نَدْعُو لَكَ طَبِيبًا قَالَ: ” إِنْ شِئْتُمْ فَجَاءَ الطَّبِيبُ فَقَالَ: أَسْقِيكَ شَرَابًا يَزُولُ فِيهِ عَقْلُكَ فَرفضَ وقَالَ: امْضِ لِشَأْنِكَ قَالَ فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى وَنَحْنُ حَوْلَهُ فَمَا سَمِعْنَا حِسًّا فَلَمَّا قَطَعَهَا جَعَلَ يَقُولُ: “‌يا رب‌ لَئِنْ أَخَذْتَ لَقَدْ أَبْقَيْتَ وَلَئِنِ ابْتَلَيْتَ لَقَدْ عَافَيْتَ قَالَ: وَمَا تَرَكَ جُزْأَهُ بِالْقُرْآنِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ”. 

وفي رواية لمَّا رَأَى الْقَدَمَ بِأَيْدِيهِمْ دَعَا بِهَا فَقَلَّبَهَا فِي يَدِهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَالَّذِي حَمَلَنِي عَلَيْكِ إِنَّهُ لِيَعْلَمُ أَنِّي مَا مَشَيْتُ بِهَا إِلَى حَرَامٍ.

وفي رواية قَالُوا: نَسْقِيكَ مَا يُذْهِبُ عَقْلَكَ حَتَّى لَا تَجِدَ أَلَمَ الْقَطْعِ قَالَ: لَا دَعُوا لِي مَا أَسْجُدُ عَلَيْهِ فَتَرَكُوا لَهُ الْعَظْمَ الَّذِي أَسْفَلَ مِنَ الرُّكْبَةِ وَنَشَرُوهَا بِمِنْشَارٍ ثُمَّ حَسَمُوهَا فَمَا تَكَلَّمَ وَلَا تَأَوَّهَ ثُمَّ ناجى ربَّه فصار يَقُولُ:‌‌ لَئِنْ كُنْتَ ابْتَلَيْتَ لَقَدْ عَافَيْتَ، وَلَئِنْ كُنْتَ أَخَذْتَ لَقَدْ أَبْقَيْتَ، أَخَذْتَ وَاحِدًا وَتَرَكْتَ أَرْبَعَةً يَعْنِي بَنِيهِ وَأَخَذْتَ وَاحِدًا وَتَرَكْتَ ثَلَاثَةً يَعْنِي جَوَارِحَهُ.اهـ 

وروى ابن الجوزي في صفة الصفوة عن علي بن سعيد العطار قال: مررت ببعض البلاد بمكفوف مجذوم وإذا الزنبور [وهو حشرة كالنحلة] يقع عليه فيقطع لحمه فقلت الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفتح من عيني ما أَغلق من عينك، قال: بينما أنا أردد الحمد إذ صرخ، فبينا هو يتخبط نظرت إليه فإذا هو مقعد فقلت: مكفوف يُصرع مقعد مجذوم. قال: فما استتممت حتى صاح: يا متكلف ما دخولك فيما بيني وبين ربي؟ دعه يفعل بي ما شاء. ثم قال: يا رب وعزتك وجلالك لو قطعتني إربًا إربًا أو ‌صببت ‌عليَّ ‌البلاء ‌صبًّا ما ازددت لك إلا حبًّا رضي الله عنه) العَبْدُ (أي العبد المؤمن فإن الإيمان شرط لقبول الأعمال الصالحة، والمؤمن هو من اعتقد وجود الله تعالى على ما يليق به مع الإقرار برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فمن نسب إلى الله ما لا يليق به كالجسم وصفاته فليس بمؤمن بالله فإنه عبد غير الله ولو زعم أنه مؤمن، فمجرد الاعتراف بوجود الله لا يسمى إيمانا، مشركو مكة كانوا يعترفون بلسانهم أن الله موجود لكنهم نسبوا له ما لا يليق نسبوا له الشريك والعياذ بالله فكفروا به عز وجل) 

أَوْ سَافَرَ (قال الفيومي في المصباح المنير: سَفَرَ الرَّجُلُ سَفْرًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ فَهُوَ سَافِرٌ وَهُوَ قَطْعُ الْمَسَافَةِ يُقَالُ ذَلِكَ إذَا خَرَجَ لِلِارْتِحَالِ أَوْ لِقَصْدِ مَوْضِعٍ فَوْقَ مَسَافَةِ الْعَدْوَى لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا يُسَمُّونَ مَسَافَةَ الْعَدْوَى سَفَرًا.اهـ ويحددون مسافة العدوى بأنها المسافة التي لو خرج مبكرا لبلد القضاء لرجع إليها في يومه بعد فراغ زمن المخاصمة المعتدلة من دعوى، وجواب، وإقامة بينة حاضرة، وتعديلها.

وقال البخاري في صحيحه: بَاب السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ: وروى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ: يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ.اهـ 

قال ابن حجر: قَوْلُهُ: (السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ) أَيْ جُزْءٌ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ بِالْعَذَابِ الْأَلَمُ النَّاشِئُ عَنِ الْمَشَقَّةِ لِمَا يَحْصُلُ فِي الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ مِنْ تَرْكِ الْمَأْلُوفِ)

 (والسفر أحيانا يكون سفرا مباحا ويكون ممدوحا وقد يكون في واجب وقد يكون في حرام ومن السفر الممدوح الذي لا اختلاف في جوازه في الأمة السفر لزيارة قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم، قال القاضي عياض المالكي في كتابه الشفا: ‌‌فصل فِي حكم زيارة قبره صلى الله عليه وسلم وفضيلة من زاره وسلم عَلَيْه وكيف يسلم ويدعو:

وزيارة قَبْرِه صلى الله عليه وسلم ‌سُنَّة ‌من ‌سُنَن الْمُسْلمين مُجْمَع عليها وفضيلة مُرَغَّب فِيهَا.اهـ

يقول الله تعالى في القرءان الكريم: ”وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا“. وإن زيارةَ قبرِ النبيِّ الأعظمِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تُسَنُّ للحاجِّ كما لغيرِ الحاجِّ، فإنّ الأمةَ المحمديّةَ أجمعتْ على جوازِ زيارةِ قبرِهِ عليه الصلاةُ والسلام، واعتبروها قربةً إلى اللهِ وفضيلةً مُرَغَّبٌ فيها وهيَ من أنجحِ المساعي وأهمِّ القُرُبَاتِ إلى اللهِ سُبحانهُ وتعالى ولا يُنكِرُ ذلك إلا محرومٌ بعيدٌ عنِ الخير، وقد روى البزار والدارقطني بإسنادهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَن زَارَ قَبرِي وَجَبَت لَهُ شَفَاعَتِي” الحديث قواه السبكي ووافقه الحافظ السيوطي. وحسنه بشواهده الذهبي. 

وهذا الإمامُ المجتهدُ المُطْلَقُ تقيُّ الدِّينِ السُّبكيُّ ينقُلُ الإجماعَ على ذلك في كتابِ” شِفاءُ السَّقام”.

وقد روى الطبرانيُّ والبيهقيُّ وغيرُهما أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ”مَنْ حَجَّ فزارَ قبري بعدَ وفاتي فكأنَّما زارَنِي في حياتي“. ورواية الطبراني: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لَا تُعْمِلُهُ حَاجَةٌ إِلَّا زِيَارَتِي، كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

 قال السندي في حاشيته على ابن ماجه:” قَالَ الدَّمِيرِيُّ زِيَارَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَفْضَل الطَّاعَات وَأَعْظَم الْقُرُبَات لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْره وَصَحَّحَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لَا تَحْمِلهُ حَاجَة إِلَّا زِيَارَتِي كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَكُون لَهُ شَفِيعًا يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْجَمَاعَة مِنْهُمْ الْحَافِظ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ فِي كِتَابه الْمُسَمَّى بِالسُّنَنِ الصِّحَاح فَهَذَانِ إِمَامَانِ صَحَّحَا هَذَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَقَوْلهمَا أَوْلَى مِنْ قَوْل مَنْ طَعَنَ فِي ذَلِكَ”.  

 وقد روى الإمام مالك في الموطأ: “باب قبر النبي صلى الله عليه وسلم وما يستحب من ذلك: أخبرنا مالك أخبرنا عبد الله بن دينار أن ابن عمر: كان إذا أراد سفرا أو قدم من سفر جاء قبر النبي صلى الله عليه وسلم فصلى عليه ودعا ثم انصرف. وقال بعض الفقهاء: هكذا ينبغي أن يفعل من قدم المدينة يأتي قبر النبي صلى الله عليه و سلم. 

وكان الصحابة على الشوق والحنين لرسول الله عليه الصلاة والسلام فهذا بلالٌ مُؤذِّنُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الذي سكنَ بلادَ الشامِ بعدَ وفاةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، رأى في المنامِ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ له: يا بلالُ ما هذهِ الجَفْوَةُ، مَضَى زمانٌ ولم نَرَكَ، فلمَّا استيقظَ مِنْ منامِه غلَبَهُ الشَّوقُ، الشّوقُ يغلِبُ بِلالا، وكمْ مِنَ الأُمّةِ اليومَ يغلِبُهُمُ الشَّوقُ لزيارةِ قبرِ رسولِ اللهِ محمّدٍ صلى الله عليه وسلم. الشّوقُ يغلِبُ بلالا فشَدَّ رِحالَهُ وقصَدَ قبرَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولما وصَلَ صارَ يُمَرِّغُ نَفْسَهُ بترابِ القَبرِ تبركا وكانَ ذلكَ في خلافةِ عمر، فلم يُنكرْ عليه عمرُ ولا غيرُه، فرُوِيَ أنَّه جاءَ إليه الحسَنُ والحُسينُ رضي الله عنهما فقالا له نَشْتَهِي أنْ نسمعَ أذانَك يا بلالُ فصعِدَ إلى المكانِ الذي كان يؤذنُ فيهِ في زمنِ رسولِ اللهِ وبدأَ بالأذان، فقال: الله أكبرُ الله أكبر، فارتَجَّتِ المدينة، فلما قال أشهدُ أن لا إله إلا الله، زادتْ رجّتُها، ولما قالَ أشهدُ أنَّ محمّدا رسولُ اللهِ، خرجَ الناسُ مِنْ بيوتِهم يَبْكُونَ، حتى النِّسوةُ خَرَجْنَ مِنْ بيوتهنّ، ولم يُرَ أشدُّ باكيا وباكيةً مِن ذلك اليوم، إلا اليومُ الذي ماتَ فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.

ويستحب لمن أراد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينوي مع زيارته صلى الله عليه وسلم التقرب إلى الله تعالى بالمسافرة إلى مسجده صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه.

ومن أَحسن ما يقول ما رواه كثير من العلماء عن العتبيّ مستحسنين له قال: كنت جالسًا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابيّ فقال: السلام عليك يا رسول الله سمعتُ الله يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [سورة النساء] وقد جئتك مستغفرًا من ذنبي مستشفعًا بك إلى ربي ثم أَنشأ يقول: 

يا خيرَ مَنْ دُفِنَتْ بالقاع أعظُمُهُ * فطابَ من طيبهن القاعُ والأكمُ

نفسي الفداء لقبرٍ أَنتَ ساكنُهُ * فيه العفافُ وفيه الجودُ والكرمُ

أَنت الشفيعُ الذي تُرْجَى شفاعَتُهُ * عند الصراط إذا ما زَلَّتِ القَدَمُ

وصاحباكَ فلا أنساهُمَا أبدًا * مِنّي السلامُ عليكمُ ما جرى القلمُ

قال: ثم انصرف فغلبتني عيناي فرأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم فقال: يا عتبيُّ الْحَقِ الأعرابيّ وبشّرْه أنَّ الله تعالى قد غفر له.

قال الإمام النووي في الأذكار: فصل في زيارة قبر رسول اللَّه وأذكارها: اعلم أنه ينبغي لكل من حجَّ أن يتوجه إلى زيارة رسول الله، سواء كان ذلك طريقه أو لم يكن، فإن زيارته من أهمِّ القربات وأربح المساعي وأفضل الطلبات، فإذا توجه للزيارة أكثر من الصلاة عليه في طريقه، فإذا وقع بصره على أشجار المدينة وحَرمِها، زاد من الصلاة والتسليم عليه، وسأل الله تعالى أن ينفعه بزيارته وأن يسعده بها في الدارين، وقال أيضا: فإذا صلى تحية المسجد، أتى القبر الكريم فاستقبله، واستدبر القبلة على نحو أربع أذرع من جدار القبر، وسلم مقتصدًا لا يرفع صوته، وقال أيضا: بعد أن يُسلِّمَ على أبي بكر وعمر: ثم يرجع إلى موقفه الأوَّل قُبالة وجه رسول الله، فيتوسل به في حقّ نفسه، ويتشفع به إلى ربه سبحانه وتعالى، ويدعو لنفسه ولوالديه وأصحابه وأحبابه ومَن أحسن إليه وسائر المسلـمين، وأن يجتهد في إكثارِ الدعاء، ويغتنم هذا الموقف الشريف، ويحمد الله تعالى ويسبِّحه ويكبره ويهلله، ويصلي على رسول الله ويكثر من كل ذلك، ثم يأتي الروضة بين القبر والمنبر، فيكثر من الدعاء فيها)

 (وبعد كل هذه الفضائل تجد بعض الجفاة النفاة يحرمون السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويعتبرون المسلمين المحبين لرسول الله المشتاقين لزيارته الشريفة يعتبرونهم كفارا مشركين فيضيقون عليهم ويكفرونهم لزيارتهم للنبي صلى الله عليه وسلم حتى قال قائلُهم: إن السفر لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم سفرُ معصية لا يجوز فيه قصر الصلاة والعياذ بالله، في الشرع لو واحد سافر لأجل أن يزني بامرأة أو لأجل أن يشرب الخمر وأراد هذا المسافر أن يقصر الصلاة لا يجوز له أن يترخص فيقصر الصلاة. وهؤلاء الجفاة النفاة اعتبروا المسافر لزيارة قبر النبي كالذي يسافر ليزني أو يشرب الخمر نعوذ بالله من مسخ القلوب) (قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في مدح السفر الممدوح شرعا:

سافِر تَجِد عِوَضًا عَمَّن تُفارِقُهُ … وَاِنصَب فَإِنَّ لَذيذَ العَيشِ في النَصَبِ

إِنّي رَأَيتُ وُقوفَ الماءِ يُفسِدُهُ … إِن ساحَ طابَ وَإِن لَم يَجرِ لَم يَطِبِ

وَالأُسدُ لَولا فِراقُ الأَرضِ ما اِفتَرَسَت… وَالسَهمُ لَولا فِراقُ القَوسِ لَم يُصِبِ

وَالشَمسُ لَو وَقَفَت في الفُلكِ دائِمَةً … لَمَلَّها الناسُ مِن عُجمٍ وَمِن عَرَبِ

وَالتِبرُ كَالتُربِ مُلقىً في أَماكِنِهِ … وَالعودُ في أَرضِهِ نَوعٌ مِنَ الحَطَبِ

فَإِن تَغَرَّبَ هَذا عَزَّ مَطلَبُهُ … وَإِن تَغَرَّبَ ذاكَ عَزَّ كَالذَهَبِ) كُتِبَ لَهُ (أي كتب له الملائكة بأمر الله عز وجل) (والمقصود بالعبد هنا أيضا العبد المداوم على الطاعات ومنعه مانع كسفر أو مرض من عبادته التي اعتادها قبل المرض أو السفر) 

مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» (بعض العلماء حمله على النوافل).

 (قال ابن الملقن: هذا الحديث له شواهد: منها حديث أبي موسى الأشعري رفعه: “إذا كان العبد يعمل عملا صالحًا يشغله عن ذَلِكَ مرض أو سفر كتب الله له كصالح ما كان يعمل وهو صحيح مقيم” أخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري.

ومنها حديث أنس قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا ابتلى الله العبد المسلم ببلاء في جسده قَالَ الله تعالى: اكتب له صالح عمله الذي كان يعمل. فإن شفاه غسله وطهره، وإن قبضه غفر له ورحمه” رواه أحمد. 

وهذا الحديث أيضًا أصله في كتاب الله تعالى قَالَ جل من قَائل: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}، أي مقطوع. يريد أن لهم أجرَهم في حال الكبر والضعف عما كانوا يعملونه في الصحة غير مقطوع لهم، فكذلك كل مرض ، وكل آفة من سفر وغيره تمنع من العمل الصالح المعتاد، فإن الله تعالى قد تفضل بإجراء أجره عليه.

ثم هو ليس على عمومه، وإنما هو لمن كانت له نوافل وعادة من عمل صالح فمنعه الله تعالى منها بالمرض أو السفر، وكانت نيته لو كان صحيحًا أو مقيمًا أن يدوم عليها ولا يقطعها، فإن الله سبحانه يتفضل عليه بأن يُكتب له مثلُ أجرِ ثوابِها حين حبسه عنها، فأما من لم يكن له نفل ولا عمل صالح فلا يدخل في معنى هذا الحديث، ومما يدل على أن الحديث في النوافل ما روى معمر عن عاصم بن أبي النجود عن خيثمة عن عبد الله بن عمرو قال النبي صلى الله عليه وسلم: أنَّ العبدَ إذا كان على طريقةٍ حسنةٍ من العبادةِ ثمَّ مرِضَ قيلَ للملَكِ المُوَّكلِ بهِ اكتبْ مثلَ عملِهِ إذا كان طليقًا حتَّى أُطْلِقَهُ أو أَكْفِتَهُ إليَّ. رواه أحمد

وقوله: (“إذا كان على طريقة حسنة من العبادة”) لا يقال إلا في النوافل، ولا يقال ذَلِكَ لمؤدي الفرائض خاصة؛ لأن المريض والمسافر لا تسقط عنهما صلوات الفرائض، وكما قَالَ صلى الله عليه وسلم: “ما من امرئ يكون له صلاة بالليل يغلبه عنها نوم إلا كتب له أجر صلاته، وكان نومه صدقة عليه” وهذا لا إشكال فيه.

واعترضه ابن المنير وقال: هذا تحجير واسع؛ بل يدخل فيه الفرائض التي شأنه أن يعمل بها وهو صحيح إذا عجز عنه فعلًا؛ لأنه قام به عزمًا أن لو كان صحيحًا، حَتَّى صلاة الجالس في الفرض لمرضه يكتب له بها أجر صلاة القائم.

معنى الحديث بالمجمل: إن كثيرا من الناس يكونون في صحة من أبدانهم وفراغ من أشغالهم ولا يَعمرون أوقاتهم الفارغة بطاعة الله، ولا يستعملون أبدانهم الصحيحة فيها، فتضيع عليهم تلك الأوقات، وتلك الصحة باطلا فيخسرونهما، ولا يستفيدون منهما فيكون ما خسروه منهما نقصا في حظهم من حياتهم، وإذا كانت الحياة هي من أغلى الأشياء عند الإنسان يحافظ عليها، فهؤلاء الذين نقصوا حظهم في حياتهم هم من أعظم الخاسرين، وعمر الإنسان أنفس كنز، ولحظاته محسوبة عليه وكل لحظة تمر معمورةً بعمل مفيد، فقد أخذ حظه منها وربحها، وكل لحظة تمر فارغة، فقد خسر حظه منها. 

وكذلك بدنه فهو أنفس آلة عنده، وإنما فائدة الآلة بالعمل، فإذا كانت الآلة، في عمل فهو ربح وزيادة، وإذا كانت في بطالة فهو في نقص وخسران، فالرشيد الرشيد هو مَن أحسن استعمال ذلك الكنز الثمين، وتلك الآلةَ العظيمة، فعَمر وقته بالأعمال، وداوم على استعمال ذاته فيها فربحهما، والسفيه السفيه مَن أساء التصرف فيهما فأخلى وقته من العمل، وعطل ذاته عن الشغل فخسرها.

ولما كان الإنسان مضطرا إلى السعي في معاشه فيشغله ذلك عن وجوه الطاعات، من العلم ونوافل الصلاة والصوم والحج وغيرها. ومعرضا للأمراض فتمنعه منها، ولكنه لا يخلو من حالة يكون فيها فارغا من الشغل لمعاشه، ومعافى من المرض في بدنه، ذكَّره هذا الحديث الشريف بما عليه في هذه الحالة من المحافظة عليها وعمارتها بالطاعات حتى لا يخسرها وتنقص من عمره بلا فائدة فيكون خاسرا فيها، فإذا عمَّر الإنسان وقت فراغه من الكد لعيشه، بطاعة من طاعات الله واستعمل بدنه مغتنما فرصة صحته فيها، ثم عرض له شغل من أشغال عيشه فقطعه عنها، أو طرأ عليه مرض فمنعه منها ونيته المداومة على تلك الطاعة لولا الشاغل والمانع، فإنه يكتب له في شغله وفي مرضه، مثل ثواب ما كان يعمله في صحته وفراغه، وكذلك إذا شُغل بالسعي على نفسه أو على العيال، فإن له أجرين أجر ما شغل عنه، وأجر سعيه على عياله، وأدلة ثواب الساعي على عياله كثيرة منها ما اخرجه الطَّبَرانِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قالَ: «”مَرَّ عَلى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَرَأى أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن جَلَدِهِ ونَشاطِهِ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، لَوْ كانَ هَذا في سَبِيلِ اللهِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ إنْ كانَ خَرَجَ يَسْعى عَلى ولَدِهِ صِغارًا فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ، وإنْ كانَ خَرَجَ يَسْعى عَلى أبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهو في سَبِيلِ اللهِ، وإنْ كانَ خَرَجَ يَسْعى عَلى نَفْسِهِ يُعِفُّها فَهو في سَبِيلِ اللهِ، وإنْ كانَ خَرَجَ يَسْعى رِياءً ومُفاخَرَةً فَهو في سَبِيلِ الشَّيْطانِ”». سلك الله بنا وبكم مسلكهم بمنه وكرمه آمين) رواه البخاري.