المقدمة
الحَمدُ للهِ الَّذِي شَيَّدَ وَقَوَّى مَنَارَ الدِّينِ، وَبَيّنَ لِلخَلقِ شَرَائِعَهُ وَأَحكَامَهُ أَحكَمَ تَبيِينٍ، وَبَعَثَ صَفوَتَهُ وَخَصَائِصَ أَولِيَائِهِ المُصطَفَينَ، لِتَبلِيغِ رِسَالَتِهِ مِن أَنبِيَائِهِ يَدعُونَ إِلَى الِالتِزَامِ بِشَرِيعَةِ الدِّينِ، وَخَتَمَ الدَّعوَةَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ المُرسَلِينَ، وَفَضَّلَهُ عَلَى مَن سَبَقَ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَجَعَلَ شَرِيَعَتَهُ مُؤَيَّدَةً إِلَى يَومِ الدِّينِ. صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ البَحرِ الرَّائِقِ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ القَائِمِ يَومَ الرِّدَّةِ بِالحَزمِ اللَّائِقِ، وَعَلَى عُمَرَ قَاهِرِ الكُفَّارِ وَفَتَّاحِ المَغَالِقَ، وَعَلَى عُثمَانَ الَّذِي مَا استَحَلَّ حُرمَتَهُ إِلَّا مَارِقٌ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي كَانَ لِشَجَاعَتِهِ يَسلُكُ المَضَائِقَ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الَّذِينَ كُلٌّ مِنهُم عَلَى مَن سِوَاهُم فَائِقٌ، مَن تَقُومُ بِهِمُ الحُجَّةُ، وَتَرتَفِعُ بِقَولِهِمُ الشُّبهَةُ، وَهُمُ الفُقَهَاءُ الَّذِينَ التَزَمُوا حِرَاسَةَ الشَّرِيعَةِ، وَالتَّفَقُّهَ فِي الدِّينِ، أَمَّا بَعدُ:
الحديث
فقد وصلنا في كتاب رياض الصالحين إلى الحديث السابع من باب في الاقتصاد في العبادة وهو الحديث الثامن والأربعون بعد المائة من كتاب رياض الصالحين: قال الحافظ النووي رحمه الله: 148 – وَعَن أَبِي عَبدِ اللهِ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبيِّ ﷺ الصَّلَوَاتِ، فَكَانتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا. رَوَاهُ مُسلِمٌ. قَولُهُ: «قَصْدًا»: أَي بَينَ الطُّولِ وَالقِصَرِ.
الشرح والتعليق على هذا الحديث
وَعَن أَبِي عَبدِ اللهِ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا (هو جَابِرُ بنُ سَمُرَةَ بنِ جُنَادَةَ بنِ جُنْدُبٍ أَبُو خَالِدٍ السُّوَائِيُّ، هو وأبوه صحابيان رضي الله عنهما وهو من رواة الأحاديث.
شَهِدَ الخُطبَةَ بِالجَابِيَةِ، وَسَكَنَ الكُوْفَةَ. وَلَهُ بِالكُوْفَةِ دَارٌ، وَعَقِبٌ. وَشَهِدَ فَتْحَ المَدَائِنِ، وَخَلَّفَ مِنَ الأَوْلَادِ: خَالِدًا، وَطَلْحَةَ، وَسَالِمًا.
ومرة قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرُّ بِنَا، فَيَمْسَحُ خُدُوْدَنَا، فَمَرَّ ذَاتَ يَوْمٍ، فَمَسَحَ خَدِّي، فَكَانَ الخَدُّ الَّذِي مَسَحَهُ أَحْسَنَ من الآخر [وهذا من بركة رسول الله ﷺ]. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: مَاتَ جَابِرُ بنُ سَمُرَةَ فِي وِلَايَةِ بِشْرِ بنِ مَرْوَانَ عَلَى العِرَاقِ. قيل: تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ.. روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وستة وأربعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد مسلم بثلاثة وعشرين)
قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبيِّ ﷺ الصَّلَوَاتِ (أي الصلوات المكتوبات الفرائض الخمس، وهذا يبين اهتمام الصحابة رضي الله عنهم بصلاة الجماعة وحرصهم عليها، وحكمها عند الشافعية فرض كفاية، فقد قال فقهاء الشافعية الْجَمَاعَةُ عَلَى الذُّكُورِ الأَحْرَارِ الْمُقِيمِينَ الْبَالِغِينَ غَيْرِ الْمَعْذُورِينَ فَرْضُ كِفَايَةٍ.. رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً».
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ». فَالَّذِي يَتْرُكُ الْجَمَاعَةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَصَلاتُهُ مَكْرُوهَةٌ.
وَءَاكَدُ الْجَمَاعَةِ جَمَاعَةُ الصُّبْحِ فَالْعِشَاءِ فَالْعَصْرِ. وَتُدْرَكُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنَ الصَّلاةِ مَعَ الإِمَامِ أَوَّلَهَا أَوْ أَثْنَاءَهَا أَوْ ءَاخِرَهَا.
وَأَمَّا فَضِيلَةُ التَّحَرُّمِ فَتَحْصُلُ بِحُضُورِ تَحَرُّمِ الإِمَامِ وَالدُّخُولِ فِيهَا عَقِبَهُ أَيْ إِذَا كَبَّرَ عَقِبَ تَكْبِيرَةِ الإِمَامِ فِي ابْتِدَائِهَا فَبِهَذَا تَحْصُلُ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ)
(وفي رواية مسلم في صحيحه قَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ «كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا. فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ فَقَدْ وَاللهِ! صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ»، قال النووي: الْمُرَادُ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ لا الجمعة)
فَكَانتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا (قال النووي في شرحه لمسلم: أَيْ بَيْنَ الطُّولِ الظَّاهِرِ وَالتَّخْفِيفِ الْمَاحِقِ.اهـ
أي صلاته التي يصليها بالناس، وإلا إذا صلى وحده فإنه يطيل أحيانا بقيامه فإنه يحتمل عليه الصلاة والسلام في عبادة ربه عادة ما لا يحتمل غيره)
وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا (وقد جاء في صحيح مسلم: قَالَ أَبُو وَائِلٍ: «خَطَبَنَا عَمَّارٌ فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ! لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ! فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ، مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ».اهـ
قال النووي رحمه الله: وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مُخَالِفًا لِلْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْأَمْرِ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا لِأَنَّ المراد بِالْحَدِيثِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ تَكُونُ طَوِيلَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخُطْبَةِ لَا تَطْوِيلًا يَشُقُّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ وَهِيَ حِينَئِذٍ قَصْدٌ أَيْ مُعْتَدِلَةٌ وَالْخُطْبَةُ قَصْدٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَضْعِهَا)
ومن جملة خطب النبي ﷺ وهي أشهرها خطبته في حجة الوداع، حيث روى الإمام مسلم في الصحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي ﷺ خطب الناس يوم عرفة وَقَالَ: “إِنَّ دِمَاءكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ.
فَاتَّقُوا اللهِ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلوُا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنَّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟”. قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَىَ السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَىَ النَّاسِ: “اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ” ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.اهـ
وَنَرْفَعُ الأَيْدِىَ فِى الدُّعَاءِ لِلسَّمَاءِ لِأَنَّهَا مَهْبِطُ الرَّحَمَاتِ وَالْبَرَكَاتِ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَثِيرٌ (كثير من العلماء بين ذلك لماذا نرفع الأيدي إلى السماء لأنها مهبط الرحمات منهم السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه فإنه بين في كتابه حالة أهل الحقيقة مع الله بين في هذا الكتاب أننا نرفع الأيدي إلى السماء لأن السماء مهبط الرحمات) وَلَيْسَ لِأَنَّ اللهَ مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ فِى السَّمَاءِ وَمَعْنَى مَدِّ الْيَدَيْنِ فِى الدُّعَاءِ إِلَيْهَا اسْتِنْزَالُ الرَّحْمَةِ مِنْهَا (هذا معنى مد اليدين إلى السماء أي الطلب من الله أن ينزل الرحمة منها، الاستنزال معناه طلب النزول، استفهام طلب الفهم وهكذا استبعاد طلب البعد استرداد طلب الرد) فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لا يُخَيِّبُ الْقَاصِدِينَ بِحَقٍّ فَالسَّمَاءُ قِبْلَةُ الدُّعَاءِ (لذلك الإنسان بعدما يدعو الله يمسح بيديه وجهه وصدره ونحو ذلك لأنه يرجو أن البركة التي طلب نزولها قد نالت كفيه فيمسح بها وجهه وصدره لعلها تنال أيضا هذه الأجزاء أما إذا طلب دفع نقمة فإنه يقلب كفيه لأن المقام ليس مقام طلب بركة نزول بركة ولذلك لا يمسح وجهه ولا صدره بعد ذلك فإذا ليس رفع الكفين لأن الله قاعد في جهة فوق أو في جهة السماء لو كان كذلك ما كان يقلب كفيه عند طلب دفع النقمة) (يعني لا يطلب نزول رحمة حتى يتلقفها يأخذها بيديه وإنما يطلب صرف عذاب صرف نقمة)
كَمَا أَنَّنَا نَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ الشَّرِيفَةَ فِى الصَّلاةِ فَهِىَ قِبْلَةُ الصَّلاةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِذَلِكَ وَلَيْسَ لِأَنَّ لَهَا مِيزَةٌ وَخُصُوصِيَّةٌ بِسُكْنَى اللَّهِ فِيهَا. وَيَكْفُرُ مَنْ يَعْتَقِدُ التَّحَيُّزَ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ شَىْءٌ كَالْهَوَاءِ أَوْ كَالنُّورِ يَمْلَأُ مَكَانًا أَوْ غُرْفَةً أَوْ مَسْجِدًا.
واعلموا أن التشبيه كان حصل بين الناس من زمان بعيد ليس من أيامنا هذه، فأول من قال بالتشبيه والتجسيم أي قال بأن الله يشبه خلقه وأنه جسم قاعد على العرش والعياذ بالله اليهود، كما نقل الأسفراييني في كتابه التبصير في الدين وكما قال البغدادي في أصول الدين وفي الفرق بين الفرق وكما قال ذلك صاحب كتاب الملل والنِّحَلِ وغيرهم، قالوا إن اليهود قالوا بالتشبيه والتجسيم قالوا بأن الله جسم نوراني ضخم يجلس على العرش والعياذ بالله تعالى، وبعضهم قال إنه على هيئة شاب أمرد أي لا شعر له على وجهه وبعضهم قال إنه على هيئة شيخ كبير يرى الكفار يوم القيامة فيغضب حتى تحمر وجنتاه ويتصارع مع يعقوب بزعمهم فيصرعه مرة ويُصرع مرة والعياذ بالله من هذا الكفر البواح الصُراح، وسرت هذه المقالات في تاريخ الأمة الإسلامية أدخلها إلى بعض الجهال عبد الله بن سبأ وسرت بينهم، وهذا عبد الله بن سبأ هو أول من قال بالتجسيم بين من ادعوا الإسلام على زعمه كان يهوديا من أهل اليمن فأظهر الإسلام وأظهر محبة علي وآل البيت وأدخل الأقوال بالتجسيم في أفراد الأمة وأدخل بعض المسائل التي صارت بعد ذلك أساسا لكثير من الفرق التي ظهرت في الأمة الإسلامية، ومن كلماته تلقفَ وأخذ المجسمة بيانُ بن سمعان وهشام الجواليقي ومحمد بن كرام ومقاتل بن سليمان والدارمي المجسم وأبو يعلى الفراء المجسم وغيرهم من قدماء المجسمة كل هؤلاء كانوا في القرن الثاني والثالث، فقال بعضهم والعياذ بالله إن الله عبارة عن رقعة الوجه ودليلهم بزعمهم قوله تعالى (كل شيء هالك إلا وجهه)، وقال محمد بن كرام إن الله يجلس على العرش حتى يَثقُل منه حملة العرش وقال أبو يعلى الفراء أنا أثبت لله كل شيء إلا اللحية والفرج والعياذ بالله، أما أهل السنة فكلهم على تنزيه الله عن الجسم والحيز والمكان والجهة، قال الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه (إنه تَعالَى كانَ ولا مكانَ فخَلَقَ المكان وهو علَى صِفَةِ الأَزَلية كما كان قَبل خَلْقِهِ المكانَ، لا يَجُوز علَيه التَغْيِيرُ في ذاتِه ولا التَبْدِيلُ في صِفاتِه) نقله عنه الحافظُ محمد مرتضى الزبيدي في كتاب إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين الجزء الثاني، ص24. هذا بيان من الشافعي على أن الله موجود بلا مكان وقد ثبت عنه رضي الله عنه أنه قال: (المجسم كافر) ذكره الحافظ السيوطي في الأشباه والنظائر ص488 فالشافعيّ كفر المجسمة، كما قال ذلك الإمام أحمد بن حنبل وغيره من العلماء كمالك وأبو حنيفة رضي الله عنهم كلّهم كفّروا المجسمة، وهذا ما عليه الأئمة المعتبرين من السلف والخلف والمجسمة نسبوا لله القعود والجلوس والجسم والحد والمكان والتغير وهذا كله تشبيه وكله نسبة النقص لله تعالى، تعالى الله عما يقول الكافرون علوا كبيرا.
وَيُرَدُّ عَلَى الْمُعْتَقِدِينَ أَنَّ اللَّهَ مُتَحَيِّزٌ فِى جِهَةِ الْعُلْوِ مِنْ قُدَمَاءِ الْمُشَبِّهَةِ وَمُحْدَثِيهِمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لِذَلِكَ تُرْفَعُ الأَيْدِى عِنْدَ الدُّعَاءِ بِالأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ الَّتِى تَقَدَّمَتْ وَبِمَا ثَبَتَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أَنَّهُ اسْتَسْقَى أَىْ طَلَبَ الْمَطَرَ وَجَعَلَ بَطْنَ كَفَّيْهِ إِلَى الأَرْضِ وَظَاهِرَهُمَا إِلَى السَّمَاءِ كَمَا فِى صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَبِأَنَّهُ ﷺ نَهَى الْمُصَلِّىَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ فِى الصَّلاةِ إِلَى السَّمَاءِ وَلَوْ كَانَ اللَّهُ مُتَحَيِّزًا فِى جِهَةِ الْعُلْوِ كَمَا تَظُنُّ الْمُشَبِّهَةُ مَا نَهَانَا عَنْ رَفْعِ أَبْصَارِنَا فِى الصَّلاةِ إِلَى السَّمَاءِ وَبِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ إِصْبَعَهُ الْمُسَبِّحَةَ عِنْدَ قَوْلِ إِلَّا اللَّهُ فِى التَّحِيَّاتِ وَيَحْنِيهَا قَلِيلًا فَلَوْ كَانَ الأَمْرُ كَمَا تَقُولُ الْمُشَبِّهَةُ مَا كَانَ يَحْنِيهَا بَلْ كَانَ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَكُلُّ هَذَا ثَابِتٌ حَدِيثًا عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ فَمَاذَا تَفْعَلُ الْمُشَبِّهَةُ.
ويجب علينا معاشرَ المسلمين أن نتعلم عقيدة رسول الله والصحابة والأئمة المعتبرين رحمهم الله تعالى حتى نسلم لأنفسنا من فساد العقائد وحتى نحمي أولادنا وبناتِنا من انتشار عقائد اليهود في مجتمعات المسلمين، فالعلم هو صمام الأمان والحماية لمجتمعاتنا الإسلامية، فإنه إذا انتشرت عقائد المجسمة فهذه خطورة عظيمة وفساد كبير، وهؤلاء إذا شاعت عقائدهم وانتشروا بين الناس يفسدون في البلاد ويهددوا أمن وأمان البلاد والعباد، فيجب الحذر والتحذير منهم، وهذا هو المنهج النبوي في التوسط والاعتدال ونشر المفاهيم الإسلامية الصحيحة بين الناس، فأقول لكم ينبغي على كل واحد منكم لم يتعلم ما افترض الله عليه من علم الدين أن يطلب مجلس علم له ولأولاده ولأهله، ولا يترك نفسه بلا علم فلا يترك أهله فريسة للعقائد الفاسدة وأصحابها، ولن يحمي أهله وأولاده إلا بعلم الدين، ونحن بفضل الله مستعدون في هذه الجمعية التي أنشئت لتعليم الفرض العيني من علم الدين مستعدون لفتح مجلس علم ولو لواحد وحده يتعلم يطرق أبوابنا لله تعالى بالدليل وبالحجة والبرهان. لو أردت مجلس علم لأهلك للنساء والصغار والكبار نحن مستعدون لتعليمك وتعليم أهلك لله تعالى فلا تتردد في ذلك.
وَإنَّ في هذه الخطبة العظيمة التي خطب بها رسول الله في ذلك اليومِ العظيم من ألوان التقرير لوَحدة الأمّة والحثّ على الاستمساك بأهدابها والتنفير من المساس بها أو تعكير صفوها أو توهين عُراها بأيّ صورةٍ من الصور وتحت أيّ اسم من الأسماء ما لا مزيد عليه، فحرمةُ الدماء والأموال والأعراض مرتكزٌ عظيم وقاعدة راسخة وأساس متين لبناء وحدة الأمة القائمة على كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ.
وها نحن اليوم، إذ نتحدث عن أهمية الوحدة إزاء ما نعانيه ونراه من تشتت وتباعد على نطاق واسع وشاسع جدير بنا أن نُذَكِرَ بهذه المعاني العظيمة التي فيها معاني الأخوة الإسلامية والوحدة ونبذ الغلو والتفرقة البغيضة)
(وعند كلامنا عن خطب نبينا ﷺ نتكلم عن شيء من أحكام الخطب الفقهية لما يكثر فيها من السؤال، فالخطبة يوم الجمعة لها أركان وسنن فَأَرْكَانُ الْخُطْبَتَيْنِ حَمْدُ اللهِ، وَالصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَالْوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى فِيهِمَا، وَءَايَةٌ مُفْهِمَةٌ فِي إِحْدَاهُمَا، وَالدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الثَّانِيَةِ، حَمْدُ اللَّهِ بِلَفْظِ الْحَمْدُ للهِ، أَوْ للهِ الْحَمْدُ، أَوْ حَمْدًا للهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلا يَكْفِي نَحْوُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالشُّكْرُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ لِلرَّحْمٰنِ. والصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ بِنَحْوِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، أَوْ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، أَوْ أُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ، أَوْ نُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ، أَوِ الصَّلاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَيَكْفِي لَفْظُ النَّبِيِّ، وَلا يَكْفِي سَلامُ اللَّهِ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي إِجْزَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ.
والْوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى وَهِيَ الْمَقْصُودُ الأَعْظَمُ فَلا يَكْفِي التَّحْذِيرُ مِنَ الدُّنْيَا، بَلْ لا بُدَّ مِنَ الْحَثِّ عَلَى الطَّاعَةِ وَالزَّجْرِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ أَوْ أَحَدِهِمَا، وَلا يُشْتَرَطُ لَفْظُ التَّقْوَى فَلَوْ قَالَ أَطِيعُوا اللَّهَ كَفَى. وَهَذِهِ الثَّلاثَةُ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ فِي كُلٍّ مِنَ الْخُطْبَتَيْنِ. ءَايَةٌ مُفْهِمَةٌ كَامِلَةٌ وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِقِصَّةٍ فِي إِحْدَاهُمَا فِي ابْتِدَائِهِمَا أَوِ انْتِهَائِهِمَا أَوْ وَسَطِهِمَا، وَالأَفْضَلُ أَنْ تَكُونَ قِرَاءَةُ الآيَةِ فِي الْخُطْبَةِ الأُولَى لِتُقَابِلَ الدُّعَاءَ فِي الثَّانِيَةِ وَأَنْ تَكُونَ فِي ءَاخِرِهَا، وَلا يَكْفِي بَعْضُ ءَايَةٍ وَلا ءَايَةُ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [سُورَةَ الْمُدَّثِر:21].
الدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ الشَّامِلُ لِلْمُؤْمِنَاتِ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَيُسَنُّ ذِكْرُ الْمُؤْمِنَاتِ وَلا يُشْتَرَطُ التَّعْمِيمُ، بَلْ لَوْ خَصَّ مَنْ حَضَرَ أَوْ أَرْبَعِينَ مِنْهُمْ كَفَى، وَيُسَنُّ لِوُلاةِ الْمُسْلِمِينَ وَجُيُوشِهِمْ)
(وكانت تحصل بعض المواقف مع نبينا ﷺ ويحصل فيها أحكام من النبي ﷺ فهو معلم الأمة وقائدها عليه الصلاة والسلام، جاء في صحيح مسلم قَالَ أَبُو رِفَاعَةَ: «انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ. قَالَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! رَجُلٌ غَرِيبٌ، جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ. قَالَ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ. ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا».
قال النووي في شرحه لمسلم: وَقَوْلُهُ رَجُلٌ غَرِيبٌ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَلَطُّفِ السَّائِلِ فِي عِبَارَتِهِ وَسُؤَالِهِ الْعَالِمَ وَفِيهِ تَوَاضُعُ النَّبِيِّ ﷺ وَرِفْقُهُ بِالْمُسْلِمِينَ وَشَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ وَخَفْضُ جَنَاحِهِ لَهُمْ وَفِيهِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى جَوَابِ الْمُسْتَفْتِي وَتَقْدِيمُ أَهَمِّ الْأُمُورِ فَأَهَمِّهَا وَلَعَلَّهُ كَانَ سَأَلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَقَوَاعِدِهِ الْمُهِمَّةِ وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ جَاءَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِيمَانِ وَكَيْفِيَّةِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ وَجَبَ إِجَابَتُهُ وَتَعْلِيمُهُ عَلَى الْفَوْرِ.
وقد نص الفقهاء مستدلين بهذا الحديث نصوا على أنه لو جاء رجل كافر مثلا إلى خطيب جمعة والخطيب على المنبر يسأله كيفية الدخول في الإسلام فلا بد أن يقطع خطبته ويلقنه الإسلام إن كان لا يفهم بالإشارة ولا يوجد غيره يعلم هذا الرجل المسترشد.اهـ
ومن شرح النووي رحمه الله وفعلِ النبي مع هذا المسترشد الذي جاء يسأل عن الإيمان وقواعده يتبين لنا أهمية علم التوحيد وأنه يُقَدَّمُ على غيره، فيجب تعليمه للصغير والكبير وبثه بين الناس فبه صلاح أمر دنياهم وآخرتهم، الْعِنَايَةُ بِالتَّوْحِيدِ فِي هَذَا الزَّمَنِ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ. الِاشْتِغَالُ بِتَعْلِيمِ عِلْمِ التَّوْحِيدِ وَتَعَلُّمِهِ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ.
وكان بعض مشايخنا يقول: «وَظِيفَةُ الْخُطَبَاءِ أَنْ يُرْشِدُوا النَّاسَ إِلَى مَا فِيهِ مَصْلَحَةُ دِينِهِمْ، وَيُنَبِّهُوهُمْ إِلَى الْأُمُورِ الَّتِي يُقَصِّرُونَ بِهَا، لَيْسَتْ وَظِيفَةُ الْخُطَبَاءِ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِالتَّارِيخِ فَقَطْ». بل ينبغي أن يتكلموا في التوحيد. أكثر الْمَشَايِخِ بَدَلَ أَنْ يُبَيِّنُوا أَصْلَ الدِّينِ عَلَى الْمَنَابِرِ أَغْلَبُهُمْ سَاكِتُونَ، هَذَا أَوْلَى أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ عَلَى الْمَنَابِرِ). رَوَاهُ مُسلِمٌ. قَولُهُ: «قَصْدًا»: أَي بَينَ الطُّولِ وَالقِصَرِ (هذا منهجه عليه الصلاة والسلام في عبادة هي من أعظم العبادات ومن أعظم شعائر الإسلام وهي الصلوات الخمس وخطبة الجمعة فما بالكم بما سواهما).
وأذكركم إخواني أن كل هذه المواد التي أشرحها في هذا المجلس وغيره، تُرْفَعُ كل أسبوع على موقعي بفضل الله تعالى، تجدونها مكتوبة وفيديو وتجدون المقالات المتعددة التي تحتاجونها والتي هي مليئة بالأدلة ومطروحة بطريقة مناسبة للمبتدئ والمدرس في الشرع، وسهلة التداول ومقسمة بطريقة يسهل الوصول إلى المعلومة والفتوى التي تريد عن طريقها، وموقعنا سينشره الشباب عندي على القنوات على التلجرام والواتس اب والفيسبوك فانشروا هذه الفوائد ومن كان عنده اقتراح فليقدمه لنا لزيادة النشر لهذه المواقع ولا سيما موقعي، مع أن الذين يدخلونه بفضل الله عشرات الألوف شهريا الحمد لله رب العالمين.
أسئلة فقهية للإجابة عليها
شَخصٌ إِذَا بَالَ فَقَضَى حَاجَتَهُ وَقَامَ يَقْطُرُ وَيَنِزُّ مِنهُ البَولُ مَاذَا يَفعَلُ؟
الجواب: هَذَا نُعَلِّمُهُ الِاستِبرَاءَ مِنَ البَولِ، وَالِاسْتِبْرَاءُ هُوَ إِخْرَاجُ بَقِيَّةِ الْبَوْلِ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ وَيَكُونُ وَاجِبًا فِي حَالٍ وَسُنَّةً فِي حَالٍ. يَكُونُ وَاجِبًا إِذَا كَانَ يَخْشَى مِنْ تَرْكِهِ تَلْوِيثَ نَفْسِهِ وَثَوْبِهِ بِالْبَوْلِ، وَيَكُونُ سُنَّةً إِذَا كَانَ لا يَخْشَى مِنْ تَرْكِهِ تَلْوِيثَ نَفْسِهِ بِالْبَوْلِ أَيْ كَانَ لا يُخْشَى نُزُولُهُ بِتَنَحْنُحٍ أَوْ نَحْوِهِ.
روى ابن ماجه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ».
وَرُوي عَنِ الْحَسَنِ البصري أَنَّ الرَّجُلَ يَشْكُو إِلَيْهِ الأَبْرِدَةَ أَيِ التَّقَطُّرَ مِنَ الْبَوْلِ فَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ لَهُ: إِذَا بُلْتَ فَامْسَحْ مَا بَيْنَ الْمَقْعَدَةِ وَالذَّكَرِ ثُمَّ اغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ تَوَضَّأْ فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْ وُضُوئِكَ فَخُذْ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَانْضَحْهُ فِي إِزَارِكَ ثُمَّ احْمِلْ عَلَيْهِ كُلَّ شَىْءٍ غَيْرَهُ.اهـ وَقَالَ جَابِرُ بنُ زَيْدٍ: إِذَا بُلْتَ فَامْسَحْ ذَكَرَكَ مِنْ أَسْفَلَ.اهـ قَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: فَيَنْقَطِعُ عَنْكَ».