الحديث (149) · إن لربك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا

المقدمة

الحَمدُ للهِ الَّذِي أَنشَأَ الآدَمِيَّ وَقَوَّمَهُ، وَشَقَّ سَمعَهُ وَبَصَرَهُ وَفَمَهُ، وَكَلَّفَهُ مَا شَاءَ وَأَلزَمَهُ، وَفَرَضَ عَلَيهِ مَا أَرَادَ وَحَتَّمَهُ، وَأَخَّرَهُ إِذَا شَاءَ وَقَدَّمَهُ، أَحمَدُهُ تَعَالَى الَّذِي جَعَلَنَا بِإِنعَامِهِ عَلَينَا خَيرَ أُمَّةٍ، وَمَنَحَنَا الأَنَفَةَ مِنَ الجَهلِ وَعُلُوَّ الهِمَّةِ، وَرَزَقَنَا حِفظَ القُرآنِ وَالعُلُومِ المُهِمَّةِ، وَشَرَّفَنَا بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحمَةِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيهِ مَا اختَلَفَ ضَوءٌ وَظُلمَةٌ، وَعَلَى الصِّدِّيقِ صَاحِبِهِ فِي الهِجرَةِ وَعَضُدِهِ فِي كُلِّ مُلِمَّةٍ، وَعَلَى عُمَرَ الفَارُوقِ مَن فَتَحَ البِلَادَ وَنَصَرَ اللهُ بِهِ الأُمَّةَ، وَعَلَى عُثمَانَ الحَيِيِّ الَّذِي اشتَرَى الجَنَّةَ، وَعَلَى عَلِيٍّ ابنِ عَمِّهِ وَكَاشِفِ هَمِّهِ الَّذِي فَدَاهُ بِنَفسِهِ وَمَا أَهَمَّهُ، وَعَلَى ءَالِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَن تَبِعَ طَرِيقَهُ وَأَمَّهُ، أَمَّا بَعدُ:

الشرح والتعليق على هذا الحديث

هو الحديث الثامن من باب في الاقتصاد في العبادة وهو الحديث التاسع والأربعون بعد المئة من كتاب رياض الصالحين: قال الحافظ النووي رحمه الله: وَعَن أَبِي جُحَيْفَة وَهْبِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِي اللهُ عَنهُ (هو أَبُو جُحَيْفَةَ السُّوَائِيُّ الكُوْفِيُّ، وَهْبُ بنُ عَبْدِ اللهِ صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ. وَيُقَالُ لَهُ: وَهْبُ الخَيْرِ، مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ وَهْبٌ مُرَاهِقًا أي قارب البلوغ هُوَ مِنْ أَقرَانِ عبدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ في العُمُرِ، وَكَانَ صَاحِبَ شُرطَةِ عَلِيٍّ رضي الله عنه. حَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ: عَلِيٍّ، وَالبَرَاءِ.

 وَقِيْلَ: إِنَّ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ إِذَا خَطَبَ، يَقُوْمُ أَبُو جُحَيْفَةَ تَحْتَ مِنْبَرِهِ. وكان علي بن أبي طالب يكرمه ويحبه ويثق به وجعله على بيت المال بالكوفة. اخْتَلَفُوا فِي مَوْتهِ؛ وَالأَصَحُّ: مَوْتُهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِيْنَ. حَدِيْثُهُ فِي الكُتُبِ السِّتَّةِ. روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وأربعون حديثًا، اتفقا على حديثين منها، وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة)

 قَالَ: آخَى النَّبِيُّ ﷺ (النبي ﷺ من بداية دعوته الشريفة عليه الصلاة والسلام عمل على زرع بذور الأخوة في الدين بين الصحابة، فآخى بينهم الأخوة الإسلامية المبينة على التحاب والتواد والتآلف ونبذ الشقاق والنزاع والحقد والتدابر.

 «التَّحَابُّ فِي اللهِ عِبَارَةٌ عَنْ أَنْ يَكُونَ المؤْمِنُ مُعَامِلًا لإِخْوَانِهِ بِالنَّصِيحَةِ، يُحِبُّ لَهُمْ مِنَ الخَيْرِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ وَيَكْرَهُ لَهُمْ مِنَ الشَّرِّ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ». «الْمُؤْمِنُ يَنْبَغِي أن يكونَ لأخِيهِ الْمُؤمِنِ كَالبُنْـيَانِ يَشُدُّ بعْضُهُ بَعْضًا وَأَنْ يكونَ مُحِبًّا لِلمُؤْمِنِ للهِ تَعَالَى، فَقَدْ قَالَ الرسولُ ﷺ: «لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا»، وَفِي صَحِيحِ ابنِ حبّانَ: «لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِـبَادَ اللهِ إِخْـوَانًا». وَمَعْلُومٌ أَنَّ النفسَ مَجْبُـولَـةٌ عَلَى حُبِّ التَّـعَالِي عَلَى الغَيْرِ، وَاللهُ يُحِبُّ مِنْ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يكونَ مُتَوَاضِعًا.

وَالتَّحَابُّ فِي اللهِ فِيهِ سِـرٌّ عَظِيمٌ لأنَّ التَّـنَافُرَ يُؤَدِّي إِلَى الغِيبَةِ وَالقَطِيعَةِ، هذَا يَغْتَابُ هذَا وهذَا يَغْـتَابُ هذَا.

ثُمَّ كَثِيرًا مَا يَنْخَدِعُ الْمَرْءُ لِنَفْـسِهِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ فَيَظُنُّ أَنَّـهُ إِنْ أساء يكونُ مُكْرِمًا لِنَفْسِهِ وَالْحَقِيقَةُ أَنَّـهُ مُخْطِئٌ وَفِي هذَا قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «رُبَّ مُكْرِمٍ لِنَفْسِهِ وَهُوَ لَهَا مُهِينٌ» فَالتَّوَاضُعُ سِرٌّ عَظِيمٌ وَمُخَالَفَةُ النَّفْسِ هِيَ طَرِيقُ التَّرَقِّي لِلْمَعَالِي». 

«وَرَدَ فِي الحدِيثِ أنَّ المؤمِنَ إذَا خرجَ لزيارةِ أخيهِ المؤمنِ يقولُ لَهُ مَلَكٌ من مَلَائِكَةِ الرَّحمةِ هو لا يَسمعُهُ وقدْ يَسْمَعُهُ: «طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ»وَ«بَوَّأَكَ اللهُ نُزُلًا فِي الْجَنَّةِ».

 معناهُ مَشَيتَ لِخيرٍ عظيمٍ ولكَ في الجنةِ بيتٌ. 

وَوَرَدَ فِي الحديثِ القدسِيِّ: «وَجَبَتْ [أي ثبتت] مَحَبَّتِي للمُتَحَابِّينَ فِيَّ ووَجَبَتْ مَحَبَّتِي للمُتَوَاصِلِينَ فِيَّ ووَجَبَتْ مَحَبَّتِي للمتجاورين فِيَّ ووَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ ووَجَبَتْ مَحَبَّتِي للمُتَنَاصِحِينَ فِيَّ». التَّوَاصُلُ بالزِّيارةِ فيهِ خَيْرٌ عَظِيمٌ». الْمُتَحَابِّينَ: أي أن يحبَّ المسلمُ أخَاهُ المحبَّةَ الحقيقية، وهي المحبةُ في الله، وهي أن يحبَّ المسلمُ لأخيهِ ما يحبُّهُ لنفسِهِ من الخير ولا يغُشُّهُ لا بالفِعْلِ ولا بالْقَوْلِ ويصَافِيَهِ المحبةَ، بمعنى أنه إن رآه على الخير يُسَرُّ بهِ يفرحُ له بهِ وإن رآه على خِلَافِ ذلك يكرهُ له ذلك ويحاول أن يخلِّصَهُ منه)

بَيْنَ سَلْمَانَ (وهو سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ سَابِقُ الْفُرْسِ، وَرَائِقُ الْعُرْسِ، الْكَادِحُ الَّذِي لَا يَبْرَحُ، وَالزَّاخِرُ الَّذِي لَا يَنْزَحُ، الْحَكِيمُ، وَالْعَابِدُ الْعَلِيمُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ سَلْمَانُ ابْنُ الْإِسْلَامِ، رَافِعُ الْأَلْوِيَةِ وَالْأَعْلَامِ، أَحَدُ الرُّفَقَاءِ وَالنُّجَبَاءِ، وَمَنْ إِلَيْهِ تَشْتَاقُ الْجَنَّةُ مِنَ الْغُرَبَاءِ، ثَبَتَ عَلَى الْقِلَّةِ وَالشَّدَائِدِ، لِمَا نَالَ مِنَ الصِّلَةِ وَالزَّوَائِدِ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “السُّبَّاقُ أَرْبَعٌ: أَنَا سَابِقُ الْعَرَبِ، وَصُهَيْبٌ سَابِقُ الرُّومِ، وَسَلْمَانُ سَابِقُ الْفُرْسِ، وَبِلَالٌ سَابِقُ الْحَبَشَةِ“.

عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ، ” أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ كِنْدَةَ فَبَنَى بِهَا فِي بَيْتِهَا، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ الْبِنَاءِ مَشَى مَعَهُ أَصْحَابُهُ حَتَّى أَتَى بَيْتَ امْرَأَتِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْبَيْتَ قَالَ: ارْجِعُوا آجَرَكُمُ اللهُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ، ودخل رَأَى مَتَاعًا كَثِيرًا فَقَالَ: لِمَنْ هَذَا الْمَتَاعُ؟ قَالُوا: مَتَاعُكَ وَمَتَاعُ امْرَأَتِكَ، قَالَ: مَا بِهَذَا أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ أَوْصَانِي خَلِيلِي أَنْ لَا يَكُونَ مَتَاعِي مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا كَزَادِ الرَّاكِبِ، ثُمَّ قَالَ لِلنِّسْوَةِ الَّتِي عِنْدَ امْرَأَتِهِ: هَلْ أَنْتُنَّ مُخْرَجَاتٌ عَنِّي، مُخْلِيَاتٌ بَيْنِي وَبَيْنَ امْرَأَتِي؟ قُلْنَ: نَعَمْ، فَخَرَجْنَ، فَذَهَبَ إِلَى الْبَابِ حَتَّى أَجَافَهُ وَأَرْخَى السِّتْرَ، ثُمَّ جَاءَ حَتَّى جَلَسَ عِنْدَ امْرَأَتِهِ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهَا وَدَعَا بِالْبَرَكَةِ، فَقَالَ لَهَا: هَلْ أَنْتِ مُطِيعَتِي فِي شَيْءٍ آمُرُكِ بِهِ؟ قَالَتْ: جَلَسْتَ مَجْلِسَ مَنْ يُطَاعُ، قَالَ: فَإِنَّ خَلِيلِي ﷺ أَوْصَانِي إِذَا اجْتَمَعْتُ إِلَى أَهْلِي أَنْ أَجْتَمِعَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَامَ وَقَامَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَلَّيَا مَا بَدَا لَهُمَا، ثُمَّ خَرَجَا فَقَضَى مِنْهَا مَا يَقْضِي الرَّجُلُ مِنِ امْرَأَتِهِ».

وأسلم سلمان الفارسي في العام الأول من الهجرة، عَنِ عبد الله بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا فَارِسِيًّا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ، مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ مِنْهَا، يُقَالُ لَهَا: جَيٌّ، وَكَانَ أَبِي دِهقَانَ قَريَتِهِ (أي زعيمَ فلاحي العجم)، وَكُنْتُ أَحَبَّ خَلْقِ اللهِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِي حُبُّهُ إِيَّايَ حَتَّى حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ كَمَا تُحْبَسُ الجَارِيَةُ.

قال: فَاجْتَهَدْتُ فِي المَجُوْسِيَّةِ، حَتَّى كُنْتُ قَاطِنَ النَّارِ الَّذِي يُوْقِدُهَا، لَا يَتْرُكُهَا تَخْبُو سَاعَةً. فمرةً خرجَ سلمانُ مِنَ البيتِ فمرَّ ببعضِ الناسِ على النصرانيةِ فأعجبَ بهم وتركَ أباه وسافرَ إلى الشامِ ولازمَ كثيرا مِن الأساقفة، كلمَا ماتَ واحدٌ منهم أوصاهُ بآخرَ، حتى لحقَ بشخصٍ في عَمُّوْرِيَةَ وأخبرَه بخبرِه وأقامَ عندَه فلمَّا حضرَته الوفاةُ قال له: فإلى من توصي بي وما تأمرني قال: أيْ بنيَّ، والله ما أعلمُ أصبحَ على ما كنا عليه أحد من الناسِ ءامركَ أن تأتيَه، ولكنَّه قد أظلَّك زمانُ نبيٍّ مبعوثٍ بدينِ إبراهيمَ يخرجُ بأرضِ العربِ مهاجرًا إلى أرضٍ بينَ حرَّتَينِ بينهما نخلٌ به علاماتٌ لَا تَخْفَى، يأكلُ الهديةَ ولا يأكلُ الصدقةَ، بين كتفيهِ خاتمُ النبوة، فإنِ استطعتَ أنْ تلحقَ بتلكَ البلادِ فافعل. قالَ سلمانُ: ثم ماتَ وغُيّبَ، فمكثتُ بعموريةَ ما شاء اللهُ أن أمكثَ، ثمَّ مرَّ بي رجالٌ مِن تجارِ العربِ فقلتُ لهم: تحملونِي إلى أرضِ العربِ وأعطيكُمْ بقراتي هذهِ وغُنَيمَتِي هذهِ؟ قالوا: نعمْ، فأعطيتُهم إياها وحملوني حتَّى إذا قدِموا بي وادي القُرى ظلموني فباعوني لِرجلٍ مِن يهود. فكنتُ عندَه ورأيتُ النخلَ ورجوتُ أن يكونَ البلدَ الذي وَصَفَ لي صاحبي، فبينا أنا عندَه قَدِمَ عليهِ ابنُ عمٍّ له مِن المدينةِ مِن بني قريظةَ فابتاعني منهُ فاحتمَلَني إلى المدينةِ فواللهِ ما هو إلا أنْ رأيتُها فعرفتُها بصفةِ صاحبي فأقمتُ بها، وبعثَ اللهُ رسولَه ﷺ فأقامَ بمكةَ، أقامَ لا أسمعُ به بذكرٍ معَ ما أنا فيهِ مِن شُغُلِ الرقِّ، ثم هاجرَ إلى المدينةِ فوالله إنِّي لفي رأسِ عَذْقٍ (أي النخلةِ) لسيدي أعملُ فيه بعضَ العملِ وسيدي جالسٌ إذ أقبلَ ابنُ عمٍّ له حتَّى وقفَ عليهِ فقالَ: يا فلانُ، قاتلَ اللهُ بني قَيْلَةَ (يقصدُ الأنصارَ) واللهِ إنَّهمُ الآنَ لمجتمعونَ بقُبَاءَ على رجلٍ قَدمَِ عليهم مِنْ مكةَ اليومَ زعمَ أنَّه نبيٌّ. قالَ: فلمَّا سمعتُه أخذتْني العُرَوَاءُ (وهي الرِّعْدَةُ مِنْ الْبَرْدِ وَالِانْتِفَاضُ) حتَّى ظننتُ أني ساقطٌ على سيدِي، قال: ونزلتُ عنِ النخلةِ فجعلتُ أقولُ لابنِ عمِّه ماذا تقولُ قال: فغضبَ سيدِي فلَكَمَنِي لكمَةً شديدةً وقالَ: ما لكَ ولهذا أقبلْ على عملِك. قالَ: قلتُ لا شىءَ، إنما أردتُ أنْ أستَثْبِتَهُ عمَّا قالَ، وقد كان شىءٌ عندي قد جمعتُه فلمَّا أمسيتُ أخذتُه ثم ذهبتُ به إلى رسولِ اللهِ ﷺ وهو بقباءَ فدخلتُ عليه فقلتُ له: إنه قدْ بلغَني أنَّك رجلٌ صالحٌ معكَ أصحابٌ لكَ غرباءُ ذوو حاجةٍ، وهذا شىء كانَ عندي للصدقةِ فرأيتُكم أحقَّ به مِن غيرِكم، قال: فقرَّبْتُه إليه فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ لأصحابِه: «كلوا» وأمسكَ يدَهُ هوَ فلم يأكلْ. قال: فقلتُ في نفسي: هذهِ واحدةٌ. ثم انصرفْتُ عنهُ فجمعتُ شيئًا وتحوَّلَ رسولُ الله ﷺ إلى المدينةِ ثم جئتُه به فقلتُ: إني رأيتُكَ لا تأكلُ الصدقةَ وهذهِ هديةٌ أكرمْتُكَ بها فأكلَ رسولُ اللهِ ﷺ منهَا وأمرَ أصحابَهُ فأكلُوا معهُ قالَ: فقلتُ في نفسي: هاتانِ اثنتانِ. قال: ثم جئتُ رسولَ اللهِ ﷺ وهوَ ببقيعِ الغرقدِ قدْ تبعَ جنازةً مِن أصحابِه عليهِ شملتانِ وهو جالسٌ في أصحابِه فسلَّمْتُ عليهِ ثمَّ استدَرتُ أنظرُ إلَى ظهرِهِ هلْ أرَى الخاتَمَ الذِي وَصَفَ لي صاحبِي، فلمَّا رءَاني رسولُ اللهِ ﷺ استدبَرتُهُ عرفَ أنِّي أَسْتَثْبِتُ فِي شىءٍ وُصِفَ لي. قالَ: فألقَى رداءَه عنْ ظهرِه فنظرتُ إلى الخاتمِ فعرفْتُه فانكبَبْتُ عليهِ أُقَبِّلُهُ وأبكِي فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «تَحَوَّلْ». فتحوَّلْتُ فقصَصتُ عليهِ حديثِي. فَأَسلَمَ سَلمَانُ ونَطَقَ بكلمةِ التوحيدِ لا إله إلا اللهُ محمدٌ رسولِ اللهِ، ثُمَّ شَغَلَ سَلْمَانَ الرِّقُّ حَتَّى فَاتَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدْرٌ وَأُحُدٌ، قَالَ سَلْمَانُ: ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: “كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ“، [أي اتفق مع من يملكك لتعطيه مالا ليجعلك حرا]، فَكَاتَبْتُ صَاحِبِي عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ نَخْلَةٍ أُحْيِيهَا لَهُ بِالْفَقِيرِ (اسم حديقة في المدينة) وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً ذهب، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: “أَعِينُوا أَخَاكُمْ“، فَأَعَانُونِي فِي النَّخْلِ الرَّجُلُ بِثَلَاثِينَ وَدِيَّةً (الوَدِيّ: فراخ النخل)، وَالرَّجُلُ بِعِشْرِينَ وَدِيَّةً، وَالرَّجُلُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ وَدِيَّةً، وَالرَّجُلُ بِعَشْرٍ، يُعِينُ الرَّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ حَتَّى اجْتَمَعَتْ لِي ثَلَاثُمِائَةِ وَدِيَّةٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: “اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ فَفَقِّرْ (احفر) لَهَا فَإِذَا فَرَغْتَ فَائْتِنِي أَكُنْ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدِي“، قَالَ: فَفَقَّرْتُ (حفرت) وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي، حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ جِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعِي إِلَيْهَا، فَجَعَلْنَا نُقْرِّبُ إِلَيْهِ الْوَدِّيَّ وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ، حَتَّى إِذَا فَرَغْنَا فَوَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ مَا مَاتَتْ مِنْهَا وَدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَأَدَّيْتُ النَّخْلَ وَبَقِيَ عَلَيَّ الْمَالُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ بَيْضَةِ الدَّجَاجَةِ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ بَعْضِ الْمَعَادِنِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ الْفَارِسِيُّ الْمَكَاتِبُ، قَالَ: فَدُعِيتُ لَهُ، قَالَ: “خُذْ هَذِهِ فَأَدِّهَا مِمَّا عَلَيْكَ يَا سَلْمَانُ“، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ مِمَّا عَلَيَّ؟ فَقَلبها رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى لِسَانِهِ ثُمَّ قَذَفَهَا إِلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: “انْطَلِقْ بِهَا، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى سَيُؤَدِّي بِهَا عَنْكَ“، فَانْطَلَقْتُ فَوزَنْتُ لَهُمْ مِنْهَا حَتَّى أَوْفَيْتُهُمْ مِنْهَا أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، فَأَوْفَيْتُهُمْ حَقَّهُمْ، وَعَتَقَ سَلْمَانُ، فَشَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخَنْدَقَ حُرًّا، ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَهُ مَشْهَدٌ)

 وَأَبِي الدَّرْدَاءِ (هو الْعَارِفُ الْمُتَفَكِّرُ، الْعَالِمُ الْمُتَذَكِّرُ، عَرَفَ الْمُنْعِمَ وَالنَّعْمَاءَ، وَتَفَكَّرَ فِي صَنَائِعِهِ السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَامَقَ الْعِبَادَةَ، وَفَارَقَ التِّجَارَةَ، دَاوَمَ عَلَى الْعَمَلِ اسْتِبَاقًا، وَأَحَبَّ اللِّقَاءَ اشْتِيَاقًا، تَفَرَّغَ مِنَ الْهُمُومِ، فَفُتِحَ لَهُ الْفُهُومُ.

أَبُو الدَّرْدَاءِ عويمر بن زيد صَاحِبُ الْحِكَمِ وَالْعُلُومِ، 

وقد ” سُئِلَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ: مَا كَانَ أَفْضَلَ عَمَلِ أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ قَالَتِ: التَّفَكُّرُ وَالِاعْتِبَارُ. 

وقد روي أَنَّ رَجُلًا، أَتَى أَبَا الدَّرْدَاءِ وَهُوَ يُرِيدُ الْغَزْوَ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، أَوْصِنِي، فَقَالَ: «اذْكُرِ اللهَ فِي السَّرَّاءِ يَذْكُرْكَ فِي الضَّرَّاءِ، وَإِذَا أَشْرَفْتَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا فَانْظُرْ إِلَى مَا يَصِيرُ»،

قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ «كُنْتُ تَاجِرًا قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ زَاوَلْتُ الْعِبَادَةَ وَالتِّجَارَةَ فَلَمْ يَجْتَمِعَا، فَأَخَذْتُ فِي الْعِبَادَةِ وَتَرَكْتُ التِّجَارَةَ». 

وكان يقول  أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مِنَ الَّذِينَ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ. 

وكان الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: «كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ». قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «وَيْلٌ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ، وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَعَلَّمَهُ، وَوَيْلٌ لِمَنْ يَعْلَمُ وَلَا يَعْمَلُ». 

قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: «لَيْسَ الْخَيْرُ أَنْ يَكْثُرَ مَالُكَ وَوَلَدُكَ، وَلَكِنَّ الْخَيْرَ أَنْ يَعْظُمَ حِلْمُكَ وَيَكْثُرَ عِلْمُكَ، وَأَنْ تُبَارِي النَّاسَ فِي عِبَادَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنْ أَحْسَنْتَ حَمِدْتَ اللهَ تَعَالَى، وَإِنْ أَسَأْتَ اسْتَغْفَرْتَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ».

 وروي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْلَا ثَلَاثُ خِلَالٍ لَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَبْقَى فِي الدُّنْيَا»، فَقيل: وَمَا هُنَّ؟ فَقَالَ: «لَوْلَا وُضُوعُ وَجْهِي لِلسُّجُودِ لِخَالِقِي فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ يَكُونُ تَقَدُّمُهُ لِحَيَاتِي، وَظَمَأُ الْهَوَاجِرِ، وَمُقَاعَدَةُ أَقْوَامٍ يَنْتَقُونَ الْكَلَامَ كَمَا تُنْتَقَى الْفَاكِهَةُ».

وكان يقول: تَمَامُ التَّقْوَى أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ الْعَبْدُ حَتَّى يَتَّقِيَهُ فِي مِثْلِ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ، حَتَّى يَتْرُكَ بَعْضَ مَا يَرَى أَنَّهُ حَلَالٌ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا، يَكُونُ حَاجِزًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَامِ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ لِعِبَادِهِ الَّذِي هُوَ يُصَيِّرُهُمْ إِلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: {فمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}، فَلَا تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنَ الشَّرِّ أَنْ تَتَّقِيَهُ، وَلَا شَيْئًا مِنَ الْخَيْرِ أَنْ تَفْعَلَهُ”.

 قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَا أَهْلَ دِمَشْقَ، أَنْتُمِ الْإِخْوَانُ فِي الدِّينِ، وَالْجِيرَانُ فِي الدَّارِ، وَالْأَنْصَارُ عَلَى الْأَعْدَاءِ، مَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ مَوَدَّتِي؟ وَإِنَّمَا مُؤْنَتِي عَلَى غَيْرِكُمْ، مَالِي أَرَى عُلَمَاءَكُمْ يَذْهَبُونَ، وَجُهَّالَكُمْ لَا يَتَعَلَّمُونَ، وَأَرَاكُمْ قَدْ أَقْبَلْتُمْ عَلَى مَا تَكَفَّلَ لَكُمْ بِهِ، وَتَرَكْتُمْ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ؟ أَلَا إِنَّ قَوْمًا بَنَوْا شَدِيدًا، وَجَمَعُوا كَثِيرًا، وَأَمَّلُوا بَعِيدًا، فَأَصْبَحَ بُنْيَانُهُمْ قُبُورًا، وَأَمَلُهُمْ غُرُورًا، وَجَمْعُهُمْ بُورًا، أَلَا فَتَعَلَّمُوا وَعَلِّمُوا؛ فَإِنَّ الْعَالِمَ وَالْمُتَعَلِّمَ فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ، وَلَا خَيْرَ فِي النَّاسِ بَعْدَهُمَا”.

 عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَكُونُ تَقِيًّا حَتَّى يَكُونَ عَالِمًا، وَلَنْ يَكُونَ بِالْعِلْمِ جَمِيلًا حَتَّى يَكُونَ بِهِ عَامِلًا».

كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يَقُولُ: “إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ إِذَا وُقِفْتُ عَلَى الْحِسَابِ أَنْ يُقَالَ لِي: قَدْ عَلِمْتَ، فَمَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: وَأَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَنَفَسٍ لَا تَشْبَعُ، وَدُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ.

وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ قُبْرُصُ فُرِّقَ بَيْنَ أَهْلِهَا فَبَكَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَرَأَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ جَالِسًا وَحْدَهُ يَبْكِي، فَقُلْتُ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، مَا يُبْكِيكَ فِي يَوْمٍ أَعَزَّ اللهُ فِيهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ؟ قَالَ: «وَيْحَكَ يَا جُبَيْرُ مَا أَهْوَنَ الْخَلْقَ عَلَى اللهِ إِذَا هُمْ تَرَكُوا أَمْرَهُ، بَيْنَا هِيَ أُمَّةٌ قَاهِرَةٌ ظَاهِرَةٌ لَهُمُ الْمُلْكُ تَرَكُوا أَمْرَ اللهِ فَصَارُوا إِلَى مَا تَرَى».

روي عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ لَمَّا احْتُضِرَ جَعَلَ يَقُولُ: “مَنْ يَعْمَلْ لِمِثْلِ يَوْمِي هَذَا؟ مَنْ يَعْمَلْ لِمِثْلِ سَاعَتِي هَذِهِ؟ مَنْ يَعْمَلْ لِمِثْلِ مَضْجَعِي هَذَا؟ وروي أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ، كَانَ إِذَا رَأَى جَنَازَةً قَالَ: اغْدُوا فَإِنَّا رَائِحُونَ، أَوْ رُوحُوا فَإِنَّا غَادُونَ، مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، وَغَفْلَةً سَرِيعَةً، كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا، 

وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: «أُحِبُّ الْمَوْتَ اشْتِيَاقًا إِلَى رَبِّي، وَأُحِبُّ الْفَقْرَ تَوَاضُعًا لِرَبِّي، وَأُحِبُّ الْمَرَضَ تَكْفِيرًا لِخَطِيئَتِي». 

وعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ أَنَّهَا قَالَتْ: «اللهُمَّ إِنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ خَطَبَنِي فَتَزَوَّجَنِي فِي الدُّنْيَا، اللهُمَّ فَأَنَا أَخْطُبُهُ، إِلَيْكَ وَأَسْأَلُكَ أَنْ تُزَوِّجَنِيهِ، فِي الْجَنَّةِ».

فَمَاتَ أَبُو الدَّرْدَاءِ -وَكَانَ لَهَا جَمَالٌ وَحُسْنٌ- فَخَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ، فَقَالَتْ: «لَا وَاللهِ لَا أَتَزَوَّجُ زَوْجًا فِي الدُّنْيَا حَتَّى أَتَزَوَّجَ أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنْ شَاءَ اللهُ فِي الْجَنَّةِ».

قَالَ أبو نعيمٍ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ حَكِيمًا لَبِيبًا، وَنِحْرِيرًا طَبِيبًا. كَلَامُهُ يَكْثُرُ، وَمَوَاعِظُهُ تَغْزُرُ، حِكَمُهُ وَعُلُومُهُ لِذَوِي الْأَدْوَاءِ شِفَاءٌ، وَلِلْمُتَجَرِّدِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ دِفَاءٌ، لِمَفَاخِرِ الدُّنْيَا دَافِعٌ، وَلِمَرَاتِبِ الْعُقْبَى جَامِعٌ)

(قال ابن حجر: ذَكَرَ أَصْحَابُ الْمَغَازِي أَنَّ الْمُؤَاخَاةَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ: الْأُولَى قَبْلَ الْهِجْرَةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ خَاصَّةً عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَالْمُنَاصَرَةِ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ أُخُوَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. ثُمَّ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ، وَذَلِكَ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ، 

 فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّردَاءِ (يَعْنِي: فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَ أَبَا الدَّرْدَاءِ غَائِبًا) فَرَأَى أُمَّ الدَّردَاءِ (قال ابن حجر: وَأُمُّ الدَّرْدَاءِ هَذِهِ هِيَ خَيْرَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بِنْتُ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيَّةُ صَحَابِيَّةٌ بِنْتُ صَحَابِيٍّ، وَحَدِيثُهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَمَاتَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ هَذِهِ قَبْلَ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَلِأَبِي الدَّرْدَاءِ أَيْضًا امْرَأَةٌ أُخْرَى يُقَالُ لَهَا أُمُّ الدَّرْدَاءِ تَابِعِيَّةٌ اسْمُهَا هُجِيمَةُ عَاشَتْ بَعْدَهُ دَهْرًا وَرَوَتْ عَنْه، وهي أُمُّ الدَّرْدَاءِ الصُّغْرَى هُجَيْمَةُ الحِمْيَرِيَّةُ الدِّمَشْقِيَّةُ، السَّيِّدَةُ، العَالِمَةُ، الفَقِيْهَةُ، وَهِيَ أُمُّ الدَّرْدَاءِ الصُّغْرَى. رَوَتْ عِلْمًا جَمًّا عَنْ: زَوْجِهَا؛ أَبِي الدَّرْدَاءِ. وهي الَّتِي مَاتَ عَنْهَا أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَخَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ: 

روى الإمام مسلم في صحيحه عنها أنها قالت: ‌حَدَّثَنِي ‌سَيِّدِي : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ»، قال النووي في شرح هذا الحديث: تَعْنِي زَوْجَهَا أَبَا الدَّرْدَاءِ فَفِيهِ جَوَازُ تَسْمِيَةِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا سَيِّدَهَا وَتَوْقِيرُهُ.اهـ) مُتَبَذِّلَةً (أَيْ: لَابِسَةً ثِيَابَ الْبِذْلَةِ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ وَهِيَ الْمِهْنَةُ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا تَارِكَةٌ لِلُبْسِ ثِيَابِ الزِّينَةِ)، فَقَالَ: مَا شَأنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّردَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا (وفي رواية: ليس له حاجة فِي نِسَاءِ الدُّنْيَا.اهـ

وهذا حال أغلب الصحابة الكرام رضي الله عنهم فقد روى أحمد عَنِ الْحَسَنِ، قِيلَ: ” لَمَّا احْتُضِرَ سَلْمَانُ رحمه الله بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ وَأَنْتَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: «مَا أَبْكِي أَسَفًا عَلَى الدُّنْيَا، وَلَا رَغْبَةً فِيهَا، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَهِدَ إِلَيْنَا عَهْدًا فَتَرَكْنَاهُ؛ عَهِدَ إِلَيْنَا أَنْ تَكُونَ بُلْغَةُ أَحَدِنَا ‌كَزَادِ ‌الرَّاكِبِ» قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ فِيمَا تَرَكَ، فَإِذَا قِيمَةُ مَا تَرَكَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، أَوْ: بِضْعٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا.اهـ

وفي الترمذي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا ‌كَزَادِ ‌الرَّاكِبِ، وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ، وَلَا تَسْتَخْلِقِي ثوبا [أي لا تعديه خَلَقا، من استخلق، الذي هو نقيض استجد] حتى ترقعيه [بتشديد القاف أي تخيطي عليه رقعة ثم تلبسيه]،

فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا (وهنا يظهر لنا أهمية إكرام الضيف والاستعجال في إكرامه وعدم تأخير ذلك، فإن إكرام الضيف من الأمور التي ينبغي أن يُعَجَّلَ لها ولا تُأَخَّر، وخرَّج الإمام أحمد من حديث أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه، عن النبيِّ ﷺ قال: “مَنْ كان يُؤمِنُ باللهِ واليوم الآخرِ، ‌فليُكرِمْ ‌ضَيفهُ”. قالها ثلاثًا، قالوا: وما كرامة الضيف يا رسولَ الله؟ قالَ: “ثلاثةُ أيام، فما جلس بعد ذلك فهو صدقة)، فَقَالَ لَهُ: كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ (كان رضي الله عنه يكثر الصيام، فهو يعلم أن الشرع رغب بكثرة الصيام، روى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ ‌صَامَ ‌يَوْمًا ‌فِي سَبِيلِ اللهِ بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا»)، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأكُلَ فَأَكَلَ  فَلَمَّا كَانَ اللَّيلُ (هنا لفظة: “كان”، تامة وليست ناقصة) ذَهَبَ أَبُو الدَّردَاءِ يَقُومُ (فإنه كان معتادا على قيام الليل) فَقَالَ لَهُ: نَمْ، فَنَامَ (الأفضل في قيام الليل أن تشتغل بالتهجد، وهو ما يأتي بعد نوم لما فيه من كسر النفس وإيقاظها)، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ لَهُ: نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِن آخِرِ اللَّيلِ (ويكفي في فضائل آخر الليل ما جاء في حديث المسمى حديث النزول، وهو ما في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ‌يَنْزِلُ ‌رَبُّنَا تبارك وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ ومعناه كما قال الإمام مالك: نزول الرحمة. اهـ فالله تعالى منزه عن الجهات والتحيز في المكان) قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ، فَصَلَّيَا جَمِيعًا فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا (حق الله على العبيد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، ففي البخاري عَنْ مُعَاذٍ رضي الله عنه قَالَ: «كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي ‌حَقَّ ‌اللهِ ‌عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ. قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: فَإِنَّ ‌حَقَّ ‌اللهِ ‌عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ قَالَ: لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا».

وأَعْظَمُ حُقُوقِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ هُوَ تَوْحِيدُهُ تَعَالَى وَأَنْ لا يُشْرَكَ بِهِ شَىْءٌ، لِأَنَّ الإِشْرَاكَ بِاللهِ هُوَ أَكْبَرُ ذَنْبٍ يَقْتَرِفُهُ الْعَبْدُ وَهُوَ الذَّنْبُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللهُ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سُورَةَ النِّسَاء:48])

وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيكَ حَقًّا (حفظ النفس من الأمور التي حثت عليها جميع الشرائع لذلك نجد أن الإسلام حرَّم كل ما يؤذي النفس ويوقع بها ضررا)،

وَلأَهْلِكَ عَلَيكَ حَقًّا (حق الأهل من الإنفاق ونحوه، ولذلك يحرم هروب من عليه نَفَقَةٌ وَاجِبَةٌ لِلزَّوْجَةِ أَوْ لِلْوَالِدَيْنِ أَوْ لِلأَطْفَالِ، وهذا جَاءَ فِيهِ حَدِيثُ «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ] وَفِى رِوَايَةٍ «مَنْ يَعُولُ» [أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ] أَيْ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، فَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَبَائِرِ الْمَعَاصِي)، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ (وهنا تظهر الموازنة في هذا الأمر والاعتدال في المنهج النبوي الكريم)، فَأَتَى النَّبيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ: «صَدَقَ سَلْمَانُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

أسئلة فقهية للإجابة عليها

السؤال: امرأة جامعها زوجها واغتسلت وبعد ذلك خرج منها مني، هل تعيد الغسل أم لا؟

الجواب: لَوْ جُومِعَتِ الْمَرْأَةُ جِمَاعًا قَضَتْ شَهْوَتَهَا بِهِ ثُمَّ اغْتَسَلَتْ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا الْمَنِيُّ الْمُخْتَلِطُ مِنْ مَنِيِّهَا وَمَنِيِّ زَوْجِهَا وَجَبَ عَلَيْهَا إِعَادَةُ الْغُسْلِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ تَقْضِ شَهْوَتَهَا فَاغْتَسَلَتْ مِنْ أَجْلِ الْجِمَاعِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا الْمَنِيُّ أَيْ بَقِيَّةُ مَنِيِّ زَوْجِهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا إِعَادَةُ الْغُسْلِ لِأَنَّ هَذَا مَنِيُّ غَيْرِهَا. ذكر هذا الحكم الرملي في نهاية المحتاج وزكريا الأنصاري في أسنى المطالب وغيرهما من الفقهاء.