الحديث (150) · قصة عبد الله بن عمرو في الإكثار من العبادة ونصيحة النبي له (1)

المقدمة

الحَمدُ للهِ المُتَعَالِي عَنِ الأَندَادِ، المُقَدَّسِ عَنِ النَّقَائِصِ وَالأَضدَادِ، المُتَنَزِّهِ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالأَوْلَادِ، رَافِعِ السَّبعِ الشِّدَادِ، عَالِيَةً بِغَيرِ عِمَادٍ، وَوَاضِعِ الأَرضِ لِلمِهَادِ، مُثَبَّتَةً بِالرَّاسِيَاتِ الأَطْوَادِ، المُطَّلِعِ عَلَى سِرِّ القُلُوبِ وَمَكنُونِ الفُؤَادِ، قَدَّرَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ مِنَ الضَّلَالِ وَالرَّشَادِ، جَادَ عَلَى السَّائِلِينَ فَزَادَهُم مِنَ الزَّادِ، وَأَعطَى الكَثِيرَ مِنَ العَامِلِينَ المُخلِصِينَ فِي المُرَادِ، أَحمَدُهُ حَمدًا يَفُوقُ الأَعْدَادَ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى نِعَمِهِ وَكُلَّمَا شُكِرَ زَادَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلكُ الرَّحِيمُ بِالعِبَادِ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المَبعُوثُ إِلَى جَمِيعِ الخَلْقِ فِي كُلِّ البِلَادِ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ الَّذِي بَذَلَ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَجَادَ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي بَالَغَ فِي نَصْرِ الإِسلَامِ وَأَجَادَ، وَعَلَى عُثمَانَ الَّذِي جَهَّزَ جَيشَ العُسْرَةِ فَيَا فَخرَهُ يَومَ يَقُومُ الأَشهَادُ، وَعَلَى عَلِيٍّ المَعرُوفِ بِالشَّجَاعَةِ وَالجِلَادِ، وَعَلَى الآلِ وَالأَصْحَابِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحَسَانٍ إِلَى يَومِ التَّنَاد، وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا، أَمَّا بَعدُ:

فقد وصلنا في كتاب رياض الصالحين إلى الحديث التاسع من باب في الاقتصاد في العبادة وهو الحديث الخمسون بعد المائة من كتاب رياض الصالحين: والحافظ النووي رحمه الله يروي هذا الحديث بروايات متعددة، بعضُ أجزاء هذا الحديث يرويه بثمانية روايات، ونحن سنقرأ الرواياتِ كلَّها روايةً روايةً ونشرح كلَّ واحدة منها إن شاء الله

الحديث

قال الحافظ النووي رحمه الله: وَعَن أَبِي مُحَمَّدٍ عَبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: أُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنِّي أقُولُ: وَاللهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلأَقُومَنَّ اللَّيلَ مَا عِشْتُ. فَقَالَ رسولُ الله ﷺ: «أنتَ الَّذِي تَقُولُ ذلِكَ؟» فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بأبي أنْتَ وأمِّي يَا رسولَ الله. قَالَ: «فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذلِكَ فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثةَ أيَّامٍ، فإنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا وَذَلكَ مِثلُ صِيامِ الدَّهْرِ»، قُلْتُ: فَإِنِّي أُطيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَومًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ»، قُلْتُ: فَإنِّي أُطِيقُ أفضَلَ مِنْ ذلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَومًا وَأفْطِرْ يَومًا فَذلِكَ صِيَامُ دَاوُد ﷺ وَهُوَ أعْدَلُ الصيامِ».

الشرح والتعليق على هذه الرواية

وَعَن أَبِي مُحَمَّدٍ عَبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ (قال النووي رحمه الله: أكثر ما يأتي في كتب الحديث والفقه بحذف الياء وهو لغةٌ، والصحيح الفصيحُ إثباتها، ولا اغترارَ بوجوده في كتب الحديث أو أكثرها بحذفها.اهـ وهو عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرِو بنِ العَاصِ بنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ بْنِ هَاشِمِ بنِ سُعَيْدِ بنِ سَعْدِ بنِ سَهْمِ بنِ عَمْرِو بنِ هُصَيْصِ بنِ كَعْبِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غَالِبٍ. الإِمَامُ، الحَبْرُ، العَابِدُ، صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَابْنُ صَاحِبِهِ، أَبُو مُحَمَّدٍ. وَقِيْلَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَقِيْلَ: أَبُو نُصَيْرٍ القُرَشِيُّ، السَّهْمِيُّ. وَأُمُّهُ: هِيَ رَائِطَةُ بِنْتُ الحَجَّاجِ بنِ مُنَبِّهٍ السَّهْمِيَّةُ، وَلَيْسَ أَبُوْهُ أَكْبَرَ مِنْهُ إِلَّا بِإِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، أَوْ نَحْوِهَا. وَقَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ أَبِيْهِ. وَيُقَالُ: كَانَ اسْمُهُ العَاصَ، فَلَمَّا أَسْلَمَ غَيَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِعَبْدِ اللهِ. وَلَهُ: مَنَاقِبُ، وَفَضَائِلُ، وَمَقَامٌ رَاسِخٌ فِي العِلْمِ وَالعَمَلِ، حَمَلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِلْمًا جَمًّا. يَبْلُغُ مَا أَسْنَدَ: سَبْعُ مائَةِ حَدِيْثٍ، اتَّفَقَا لَهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحَادِيْثَ، وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ بِثَمَانِيَةٍ، وَمُسْلِمٌ بِعِشْرِيْنَ. وَكَتَبَ الكَثِيْرَ بِإِذْنِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَرْخِيْصِهِ لَهُ فِي الكِتَابَةِ بَعْدَ كَرَاهِيَتِهِ لِلصَّحَابَةِ أَنْ يَكْتُبُوا عَنْهُ سِوَى القُرْآنِ، وَسَوَّغَ ذَلِكَ ﷺ. ثُمَّ انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ بَعْدَ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم عَلَى الجَوَازِ وَالاسْتِحْبَابِ لِتَقْيِيْدِ العِلْمِ بِالكِتَابَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ كَانَ أَوَّلًا لِتَتَوَفَّرَ هِمَمُهُم عَلَى القُرْآنِ وَحْدَهُ، وَلِيَمْتَازَ القُرْآنُ بِالكِتَابَةِ عَمَّا سِوَاهُ مِنَ السُّنَنِ النَّبَوَيَّةِ، فَيُؤْمَنُ اللَّبْسُ، فَلَمَّا زَالَ المَحْذُوْرُ وَاللَّبْسُ، وَوَضَحَ أَنَّ القُرْآنَ لَا يَشْتَبِهُ بِكَلَامِ النَّاسِ، أُذِنَ فِي كِتَابَةِ العِلْمِ. وفي مسند أحمد عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو قَالَ: رَأَيْتُ فِيْمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ فِي أَحَدِ أُصْبُعَيَّ سَمْنًا، وَفِي الأُخْرَى عَسَلًا، فَأَنَا أَلْعَقُهُمَا. فَلَمَّا أَصْبَحْتُ، ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (تَقْرَأُ الكِتَابَيْنِ؛ التَّورَاةَ وَالفُرْقَانَ). فَكَانَ يَقْرَؤُهُمَا..

وفي البخاري عن أبي هريرة: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ أَكْثَرَ حَدِيْثًا مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ. قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: مَاتَ عَبْدُ اللهِ لَيَالِيَ الحَرَّةِ، سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّيْنَ. وقيل: تُوُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو بِمِصْرَ، وَدُفِنَ بِدَارِهِ الصَّغِيْرَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ) قَالَ: أُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنِّي أقُولُ: وَاللهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ (أي: كل نهار قابل للصوم ليخرج يوم العيد وأيام التشريق)، وَلأَقُومَنَّ اللَّيلَ (أي جميع الليل) مَا عِشْتُ (أي: مدةَ عيشتي: أي حياتي. [ما] هنا مصدرية، تسبُكُ مع ما بعدَها بمصدرٍ مؤولٍ، كقوله تعالى: [وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعمَلُونَ]، أيْ وعمَلَكُم، معناهُ: اللهُ خلقَكُم وخَلَقَ أعمالَكُم، وهذهِ الآيةُ مِنْ أَصرحِ الأدلةِ لأهلِ السنةِ أنَّ اللهَ خالقُ العبادِ وخالقُ أعمالِهِم، فلا خالِقَ إلَّا اللهُ، خَلَقَ كلَّ شيءٍ خَلَقَ الخيرَ والشرَّ والعبدَ وعملَهُ الاختياريَّ وغيرَ الاختياريِّ). فَقَالَ رسولُ الله ﷺ (أي قال لعبد الله بن عمروٍ): «أنتَ الَّذِي تَقُولُ ذلِكَ؟» (أي: أأنت بتقدير همزة الاستفهام التقريري والمشار إليه قوله لأصومن الخ. فأحيانا تحذف الهمزة والمعنى يكون بإثباتها كقول إبراهيم عليه السلام: [هَذَا رَبِّيْ]، فهو على تقدير الاستفهام الإنكاري فكأنه قال: أهذا ربي كما تزعمون، لذلك لما غاب قال: {لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ} أي لا يصلح أن يكون هذا الكوكب ربًّا لأنه يأفل ويتغير فكيف تعتقدون ذلك، ولما لم يفهموا مقصوده وظلوا على ما كانوا عليه، قال حين رأى القمر مثل ذلك فلمّا لم يجد منهم بغيته أظهر لهم أنه بريء من عبادته أي من عبادة القمر لأنه لا يصلح للعبادة ولا يصلح للربوبية، ثم لما أشرقت الشمس وظهرت قال لهم مثل ذلك، فلما لم ير منهم بغيته أيضا وأنهم أصحاب عقول سقيمة وقلوب مظلمة مستكبرة أيِسَ منهم وأظهر براءته من هذا الإشراك الذي وقعوا به وهو عبادة غير الله تعالى. 

وأما إبراهيم عليه السلام فهو رسول الله ونبيه فقد كان مؤمناً عارفا بربه كجميع الأنبياء لا يشك بوجود الله طرفة عين، وكان يعلم أن الربوبية لا تكون إلا لله وأنه لا خالق إلا الله ولا معبود بحق إلا الله. ولم يكن كما يفتري عليه بعض أهل الجهل والضلال من قولهم إنه مر بفترات وأوقات شك فيها بوجود الله، لأن الأنبياء والرسل جميعهم يستحيل عليهم الكفر والضلال قبل النبوة وبعدها، لأنهم بُعثوا هداة مهتدين ليعلموا الناس الخير وما أمرهم الله بتبليغه، فقد كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام قبل مناظرته لقومه وإقامة الحجة عليهم وقبل دعوتهم إلى الإسلام والإيمان يعلم علما يقيناً لا شك فيه أن له ربًا وهو الله تبارك وتعالى الذي لا يشبه شيئًا وخالق كل شيء، وأن الألوهية والربوبية لا تكون إلا لله خالق السموات والأرض وما فيهما وهو مالك كل شيء وقادر على كل شيء وعالم بكل شيء ونافذ المشيئة في كل شيء، والدليل على ذلك من القرءان قولُه تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَينَا إِبرَاهِيمَ رُشدَهُ مِن قَبلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [سورة الأنبياء]، وقولُه تعالى: {وَتِلكَ حُجَّتُنَا ءَاتَينَاهَا إِبرَاهِيمَ عَلَى قَومِهِ نَرفَعُ دَرَجَاتٍ مَن نَشَاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [سورة الأنعام]، وقولُه تعالى حكاية عن إبراهيم بعد أن أقام إبراهيم الحجة على قومه وأفحمهم: {إِنِّي وَجَّهتُ وَجهِيَ للذِي فَطَرَ السَّمَواتِ وَالأَرضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ المُشرِكِينَ}) فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بأبي أنْتَ وأمِّي يَا رسولَ الله (أي: مفدي بهما. وكان الصحابة يفدون النبي ﷺ بأنفسهم فهو أغلى عليهم من أنفسهم وأموالهم وأولادهم، فعليٌّ رضي الله عنه فدى رسول الله بنفسه لمَّا نام مكانه في بيته في قصة الهجرة المعروفةِ لديكم، وأخرجَ البزّارُ فِي مسندِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَخْبِرُونِي بِأَشْجَعِ النَّاسِ؟ قُلْنَا: أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: أَمَا إِنِّي مَا بَارَزْتُ أَحَدًا إِلَّا انْتَصَفْتُ مِنْهُ، وَلَكِنْ أَخْبِرُونِي بِأَشْجَعِ النَّاسِ (أي من الصحابة). قَالُوا: لَا نَعْلَمُ، فَمَنْ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ جَعَلْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَرِيشًا (شيء يستظل به)، فَقُلْنَا: مَنْ يَكُونُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا؟ يَهْوِي إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَوَاللَّهِ مَا دَنَا مِنْهُ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ شَاهِرًا بِالسَّيْفِ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَا يَهْوِي إِلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا أَهْوَى عَلَيْهِ فَهَذَا أَشْجَعُ النَّاسِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَخَذَتْهُ قُرَيْشٌ تُتَلْتِلُهُ (زَعْزَعَهُ وَحَرَّكَهُ وَأَقْلَقَهُ) وَهُمْ يَقُولُونَ: أَنْتَ الَّذِي جَعَلْتَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا دَنَا مِنْهُ أَحَدٌ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ، يَضْرِبُ هَذَا وَيُجَاءُ هَذَا وَيُتَلْتِلُ هَذَا وَهُوَ يَقُولُ: وَيْلَكُمْ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ! ثُمَّ رَفَعَ عَلِيٌّ بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيْهِ فَبَكَى حَتَّى اخْضَلَّتْ (أي ابْتَلَّتْ) لِحْيَتُهُ ثُمَّ قَالَ: أُنْشِدُكُمْ بِاللَّهِ أَمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ خَيْرٌ أَمْ أَبُو بَكْرٍ؟ فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: أَلَا تُجِيبُونِي فَوَاللَّهِ إِنَّ أَبا بَكْرٍ خَيْرٌ مِنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، ذَاكَ رَجُلٌ كَتَمَ إِيمَانَهُ وَهَذَا رَجُلٌ أَعْلَنَ إِيمَانَهُ.اهـ 

هكذا كان أفاضل الصحابة رضي الله عنهم فقد كانوا يفدونه ﷺ ويقدمونه على آبائهم وأبنائهم وأقاربهم، فقد جاءَ فِي قولِه تعالَى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}: فيما رواهُ الواحديُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ قَتَلَ أَبَاهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْجَرَّاحِ يَوْمَ أُحُدٍ. 

وَفِي أَبِي بَكْرٍ دَعَا ابْنَهُ يَوْمَ بدرٍ إلَى المبارزة، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أكنْ فِي الرحلةِ الْأُولَى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: “مَتِّعْنَا بِنَفْسِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَمَّا تَعْلَمُ أَنَّكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ سَمْعِي وَبَصَرِي”، 

وَفِي مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ قَتَلَ أَخَاهُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَوْمَ أُحُدٍ. 

وَفِي عُمَرَ قَتَلَ خَالَهُ الْعَاصَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ يَوْمَ بَدْرٍ،

 وَفِي عَلِيٍّ وَحَمْزَةَ وَعُبَيْدَةَ قَتَلُوا عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}).

 قَالَ: «فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذلِكَ (قال ابن حجر: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ ‌الْحَالَةَ ‌الرَّاهِنَةَ لِمَا عَلِمَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَنَّهُ يَتَكَلَّفُ ذَلِكَ وَيُدْخِلُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ الْمَشَقَّةَ وَيُفَوِّتُ بِهِ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا سَيَأْتِي بَعْدُ إِذَا كَبِرَ وَعَجَزَ كَمَا اتَّفَقَ لَهُ سَوَاءٌ، وَكَرِهَ أَنْ يُوَظِّفَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ الْعِبَادَةِ ثُمَّ يَعْجِزَ عَنْهُ فَيَتْرُكَهُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ ذَمِّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ (لِتَقوَى بالفطر والنوم على الصوم والقيام ولذا كان الأفضل صيام داود وقيامه الآتيان)، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثةَ أيَّامٍ (هذا تفصيل لِمَا أجمَله في قوله فصم وأفطر: أي: فصيام الثلاث من الشهر كصيامه) (يستحب صيام ثلاثة من كل شهر، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: “أوصاني خليلي بصيام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ” رواه البخاري ومسلم، وثبتت أحاديث في الصحيح بصوم ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ من غير تعيينٍ لوقتها وظاهرها أنه متى صامها حصلت الفضيلة، وثبت في صحيح مسلمٍ عن مُعَاذَةَ العَدَوِيَّة أنها سألت عائشة رضي الله عنها: أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ؟ قالت: نعم.  فقلت لها: من أي أيام الشهر ؟ قالت: ما كان يبالي من أي أيام الشهر كان يصوم.

هل تُخَصُّ الأيام البيض بالثالث والرابع والخامس عشر من كل شهر؟ جاء في غير صحيح مسلمٍ تخصيص أيام البيض في أحاديث منها: حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “إذا صمت من الشهر ثلاثا فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة“، رواه الترمذي والنسائي، قال الترمذي حديث حسن. 

وعن قتادة بن ملحان قال: “كان رسول الله ﷺ يأمر بصيام أيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة“، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه بإسنادٍ فيه مجهول. 

وعن جرير بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: “صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ صيام الدهر أيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة” رواه النسائي بإسنادٍ حسنٍ. وأيام البيض أي أيام الليالي البيض.هذا هو الصحيح المشهور.

وسبب تسمية هذه الليالي بيضا لأنها تَبْيَضُّ بطلوع القمر من أولها إلى آخرها. وأجمعت الأمة على أن أيام البيض لا يجب صومها بل الوارد أن صيامها سنة)، 

فإنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا (هذا أقل درجات المضاعفة، وتضعيف الحسنات من خصائص هذه الأمة نبه عليه القرافي) 

وَذَلكَ (أي: صيام الثلاث من كل شهر لكون الحسنة بعشر أمثالها) (قال ابن حجر: يَقْتَضِي أَنَّ الْمِثْلِيَّةَ لَا تَسْتَلْزِمُ التَّسَاوِي مِنْ كُلِّ جِهَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا أَصْلُ التَّضْعِيفِ دُونَ التَّضْعِيفِ الْحَاصِلِ مِنَ الْفِعْلِ، وَلَكِنْ يَصْدُقُ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ أَنَّهُ صَامَ الدَّهْرَ مَجَازًا) مِثلُ صِيامِ الدَّهْرِ» (في أصل الثواب لا فيه مع المضاعفة المرتبة على صيامه بالفعل لئلا يلزم مساواة ثواب الأقل من الأعمال للأكثر منها مع التساوي في سائر الأوصاف، وقواعد الشرع تأباه. قال في «فتح الباري»: ومع ذلك فيصدق على فاعل ذلك أنه صام الدهر مجازًا) (وهنا عندما قال عليه الصلاة والسلام: مثل صيام الدهر فإن هذا لا يقتضي المساواة من كل الوجوه وإنما له ثواب يشبه ثواب من صام الدهر) 

(وجاء في صحيح مسلم قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ.اهـ 

فهنا لا يجوز أنْ يُتوهَّمَ أنَّ اللهَ هُوَ الزمانُ أو الوقتُ أو أنَّ الدهرَ اسمٌ من أسماءِ الله.اهـ المعنى: أي خالق الدهر، كما قال النووي وغيره. ثُمّ إن أسماءَ اللهِ توقيفيّة أي نتوقّف عندَ حدودِ ما وردَ منها ولا نزيدُ عليها فقد ضلَّ مَنْ قالَ: مِنْ أسمائِه (الدهر).اهـ 

قال العلماء: وهو مجاز وسببه أن العرب كان شأنها أن تسب الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك فيقولون (يا خيبة الدهر) ونحو هذا من ألفاظ سب الدهر، قال ابن حجر في «فتح الباري»: «عن أبي هريرة بلفظ (لا تسبوا الدهر فإن الله قال أنا الدهر، الأيام والليالي لي أجددها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك) وسنده صحيح» اهـ. في هذا الحديث يخبرنا الله تعالى أنه هو خالق الدهر يقلب ليله ونهاره ويفعل ما يشاء وليس معناه أن الله تعالى هو هذا الزمن والوقت، ومن اعتقد ذلك فقد كفر وخرج من الإسلام لأن الله قال: [لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ] ولا يجوز أن يسمى الله دهرًا ولا يقال من أسمائه الدهر فأسماء الله توقيفية أي ورد الشرع بها فما أطلق الله على نفسه أطلقناه عليه وما لا فلا، كما أنه يجب التحذير من اللفظ المحرف الذي افتري على رسول الله فقيل فيه: «فإن الدهر هو الله» فهذا إلحاد وكفر ولا تأويل له، فلا تنخدع بكلام المزيفين ولو وجدته في بعض الكتب فإنه خلاف المتفق عليه بين الحفاظ والمحدثين.اهـ وقد قال بعض شعراء أهل السنة والجماعة حفظه الله:

اللهُ لـيـسَ يُـشـبِـهُ الـبَـرِيّـةْ **** مَسألـةٌ لا شـكَّ إجْـمَـاعِـيَّـةْ

وعِـنـدَنــــا أدِلّـةٌ عـقـلـيّـةْ **** تَـشْـهَـدُ لـلأدِلّـةِ الـنّقـلِـيّـةْ

تَـقَـدَّسـَتْ أسـمَـاؤُهُ العلـيّـةْ **** فإنـّهـا تـكـونُ تَـوقِـيـفِـيّـةْ

فَـلا نَـزيـدُ هـذهِ الأسـمَـاءا **** فالتزِمُوا ما في النُصوصِ جَاءا

قَـالَ نَــبِــيُّــنــا بـِـأنَّ الله **** قـالَ: «أنا الدّهرُ» فمـا معناها

أي كُـلُّ شـيءٍ بـيـدِ الـقـهّـارِ **** يُـقَـلِّـبُ الـلّـيـلَ مَـعَ النّهارِ

ويُـنـزِلُ الـبـلاءَ والأرزاقـا **** والدهرُ ليسَ اسْمًـا لهُ إطلاقا

لـيـسَ الـمـُرادُ أنـهُ الزمـانُ **** عـزَّ وجـلَّ ربُّـنـا الـدَّيـَّــانُ

مَـنْ يَـقُـلِ الدّهـرُ هُـوَ الرحمنُ **** ضَـلَّ ومـا كـانَ لَـهُ إيـمـانُ

إنَّ الذي لَـمْ يلتزمْ بِمـا وَرَدْ **** تَـراهُ مُـنـقـادًا بـجـهـلِـهِ شَرَدْ).