المقدمة
الحَمدُ للهِ الَّذِي شَيَّدَ وَقَوَّى مَنَارَ الدِّينِ، وَبَيّنَ لِلخَلقِ شَرَائِعَهُ وَأَحكَامَهُ أَحكَمَ تَبيِينٍ، وَبَعَثَ صَفوَتَهُ وَخَصَائِصَ أَولِيَائِهِ المُصطَفَينَ، لِتَبلِيغِ رِسَالَتِهِ مِن أَنبِيَائِهِ يَدعُونَ إِلَى الِالتِزَامِ بِشَرِيعَةِ الدِّينِ، وَخَتَمَ الدَّعوَةَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ المُرسَلِينَ، وَفَضَّلَهُ عَلَى مَن سَبَقَ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَجَعَلَ شَرِيَعَتَهُ مُؤَيَّدَةً إِلَى يَومِ الدِّينِ. صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ البَحرِ الرَّائِقِ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ القَائِمِ يَومَ الرِّدَّةِ بِالحَزمِ اللَّائِقِ، وَعَلَى عُمَرَ قَاهِرِ الكُفَّارِ وَفَتَّاحِ المَغَالِقَ، وَعَلَى عُثمَانَ الَّذِي مَا استَحَلَّ حُرمَتَهُ إِلَّا مَارِقٌ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي كَانَ لِشَجَاعَتِهِ يَسلُكُ المَضَائِقَ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الَّذِينَ كُلٌّ مِنهُم عَلَى مَن سِوَاهُم فَائِقٌ، مَن تَقُومُ بِهِمُ الحُجَّةُ، وَتَرتَفِعُ بِقَولِهِمُ الشُّبهَةُ، وَهُمُ الفُقَهَاءُ الَّذِينَ التَزَمُوا حِرَاسَةَ الشَّرِيعَةِ، وَالتَّفَقُّهَ فِي الدِّينِ، أَمَّا بَعدُ:
قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
قال سعيدُ بن جُبير: كلّ يوم يعيشه المؤمن غنيمة، وقال بكر المزني: ما من يوم أخرجه الله إلى الدنيا إلا يقول: يا ابنَ آدم، اغْتَنِمْني لعلَّه لا يومَ لك بعدي، ولا ليلة إلا تنادي: ابنَ آدم، اغتنِمني لعلَّه لا ليلةَ لك بعدي، وقال بعضهم:
اغتَنِمْ في الفراغ فَضْلَ رُكوعٍ
فعسى أنْ يكونَ موتُك بَغتة
كم صَحيحٍ رأيتَ من غيرِ سُقم
ذهَبتْ نفسُهُ الصحيحة فلتَة
وقال بعضهم:
مَضَى أَمسُكَ الماضي شَهيدًا مُعدِّلًا
وأَعْقَبَهُ يَومٌ عَليكَ جَديدُ
فإنْ كُنتَ بالأمسِ اقترفتَ إساءةً
فَثَنِّ بإحسَانٍ وأنتَ حَميدُ
ولا تُرجِ فِعلَ الخيرِ يومًا إلى غَدٍ
لَعلَّ غَدًا يَأتِي وأَنْتَ فَقِيدُ
وليتذكرِ العاقلُ أنَّه قدْ يصبحُ عاصيًا فيموتُ قبلَ توبتِه أو أنَّه قد يمسي عاصيًا فيموتُ قبلَ توبتِه، فكم مِن شخصٍ قال سأتوبُ غدًا فنامَ ولمْ يستيقظ، وكم مِن شخصٍ قال سأتوبُ عندَ المساءِ فماتَ مِن يومِه، فوطِّنْ قلبَك بمَا جاءَ عنِ ابنِ عَمَر حيثُ كانَ يَقولُ: (إذا أَمسيتَ، فَلا تَنتَطِر الصَّباح، وإذا أَصْبَحْتَ فلا تَنتَظِرِ المساءَ).
ومِن وصايا سيدِنا عيسى عليهِ السلامُ لأصحابِه أنَّهُ قالَ لهُم عنِ الدنيا: (اعبُروها ولا تَعمُرُوها)، ورُوي عنهُ أنَّه قالَ: (من ذا الذي يبنِي على موجِ البحر دارًا، تِلكُمُ الدُّنيا، فلا تتَّخذوها قرارًا).
ودخلوا على بعضِ الصالحينَ، فَقَلَّبُوا بصرَهُم في بيتِه، فقالوا له: إنَّا نَرى بيتَك بيتَ رجلٍ مرتَحِلٍ، فقال: أَمُرتَحِلٌ؟ لَا، ولكنْ أُطْرَدُ طردًا.
وَقَالَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ: (ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً، وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلاَ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ). وقال بعضُ الحكماءِ: عجبتُ ممَّنِ الدُّنيا موليةٌ عنه، والآخرة مقبلةٌ إليه يشتغلُ بالمدبرةِ، ويُعرِضُ عنِ المقبلةِ.
وقيلَ لمحمدِ بنِ واسعٍ: كيفَ أصبحتَ؟ قالَ: ما ظَنُّك برجلٍ يرتَحِلُ كلَّ يومٍ مرحلةً إلى الآخرةِ.
وقالَ الحسنُ: إنَّما أنتَ أيامٌ مجموعةٌ، كلَّما مضَى يومٌ مضَى بعضُك، وقالَ: يا ابنَ ءادمَ، إنَّما أنتَ بينَ مطيتينِ يُوضعانِكَ، يُوضِعُك النهارُ إلى الليلِ، والليلُ إلى النهارِ، حتَّى يُسلِمَانِك إلى الآخرةِ، فمَنْ أعظَمُ منكَ يا ابنَ ءادمَ خطرًا (أي مَنِ الذي هوَ في خطرٍ أكثرُ منكَ).
وكان حبيبٌ أبو محمدٍ يُوصِي كُلَّ يومٍ بمَا يوصِي بهِ المحتضرُ عندَ موتِه مِن تغسيلِه ونحوِه، وكانَ يبكي كلَّمَا أصبحَ أو أمسَى، فسُئِلَتِ امرأتُه عنْ بكائِه، فقالتْ: يخافُ – واللهِ – إذا أمسَى أنْ لا يُصبحَ، وإذا أصبحَ أنْ لا يُمسِي. وكانَ محمدُ بنُ واسعٍ إذا أرادَ أنْ ينامَ قالَ لأهلِه: أستودِعُكُمُ اللهَ، فلعلَّها أنْ تكونَ منيَّتِي التِي لا أقومُ منها فكانَ هذَا دأبَه إذَا أرادَ النومَ.
وقدْ أنشدَ بعضُ السَّلفِ:
إِنَّا لَنَفرَحُ بِالأَيَّامِ نَقطَعُهَا … وَكُلُّ يَومٍ مَضَى يُدنِي مِنَ الأَجَلِ
فَاعمَلْ لِنَفسِكَ قَبلَ المَوتِ مُجتَهِدًا … فَإِنَّمَا الرِّبْحُ وَالخُسرَانُ فِي العَمَلِ
حالَ الحولُ ودارَ الزمانُ ورحلَ العامُ وانطوتْ أيامُه ولياليهِ ولنْ يعودَ أبدًا، فإنَّ كلَّ يومٍ يمضِي وينقضِي هوَ نقصٌ مِنَ الأعمارِ ودنوٌّ مِن الآجالِ وإنَّ في تقلبِ الليلِ والنهارِ عبرةً وأيُّ عبرةٍ، شبابٌ ينقضِي وحياةٌ تنتهي وقوةٌ وصحةٌ تزولُ، أحبابٌ يُدْرَجُونَ في القبورِ غنيٌّ يفتقرُ، وصحيحٌ يسقمُ، إنها الأحوالُ المتغيرةُ تدعو للعبرةِ، وصدقَ اللهُ ومَنْ أصدقُ مِنَ اللهِ قيلًا، قالَ اللهُ تعالَى: [وَتِلكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَينَ النَّاسِ] هذا السيرُ في الأيامِ والليالي يباعدُ عنِ الدنيا ويقربُ إلى الآخرةِ.
وإنَّ مِنْ أهمِّ مَا نودعُ فيهِ هذَا العامَ ونستقبلُ عامًا آخرَ محاسبةَ النفسِ نتصفحُ فيما حصلَ مِنْ أفعالِنا فإنْ كانتْ حسنةً أتبعناهَا بمثلِها وأحسنَ وإنْ كانتْ سيئةً استدركنَاها بالتوبةِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ ونزنُ أعمالَنا قبلَ أنْ توزنَ علينَا ونستعدَّ ليومٍ قالَ اللهُ فيهِ: [يَومَئِذٍ تُعرَضُونَ لَا تَخفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ]، والذكيُّ الفطنُ عبادَ اللهِ لا ينفكُّ عنْ محاسبةِ نفسِه ولو عامًا بعدَ عامٍ هلْ هوَ مؤدٍّ للواجباتِ هلْ هوَ مبتعدٌ عنِ المحرماتِ، نُقِلَ عنْ أحدِ الصالحينَ أنَّهُ جلسَ يومًا لِيُحَاسِبَ نفسَهُ فحَسَبَ أيامَ عمرِهِ فإذَا هو ابنُ ستينَ سنةً فحسبَ أيامَها فإذَا هيَ واحدٌ وعشرون ألفًا فصرخَ قائلًا يا ويلتَاهُ ألقَى اللهَ بِكَمْ مِنَ الذنوبِ؟ فكيفَ وفِي كلِّ يومٍ عشَرَاتُ الذنوبِ إِذَا كانَ هذَا حالَهُم معَ مَا همْ فيهِ مِنَ الصلاحِ والزهدِ والعملِ فماذا نقولُ يا تُرى عنْ أيامِنا، علينا أنْ نحاسبَ أنفسَنا عن فرائضِ الدينِ عن الصلاةِ وعن برِّ الوالدينِ وحقِّهِما وعنْ أموالِنا مِن أينَ جاءتْ وكيفَ أنفقناهَا وعنْ جوارحِنا وماذا عملْنَا بها أينَ مشتْ بنا الأقدامُ وبماذا تكلمَ اللسانُ يا تُرَى؟
وماذا رَأَتْهُ العَينَانِ ومَا الذِي تسمعُهُ الأُذُنَانِ وغيرُها مِنَ الأسئلةِ التِي يطولُ ذكرُهَا؟
أيامٌ عشنَاها كُتِبَ فيها علينَا ولنَا
فالعاقلُ مَنِ اتَّعَظَ بأمسِه واجتهدَ في يومِه واستعدَّ ليومِ الرحيلِ
لقد مضَى العامُ المنصرِمُ وأحوالُ كثيرٍ مِن المسلمينَ لا تُفرِحُ بلاءٌ ووباءٌ وفقرٌ وحروبٌ ودمارٌ ودماءٌ ومجاهرةٌ بالمعاصِي وانتشارُ الكفرِ والإلحادِ وأوضاعٌ محزِنَةٌ يندَى لَهَا الجبينُ فَإِلَى اللهِ المُشتكَى ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ العليِّ العظيمِ.
ونحنُ نودعُ هذَا العامَ، أذكركُم ونفسيَ بأنَّ الحياةَ مهمَا طالَتْ فهِيَ زائلةٌ، وأَنَّ الأيامَ مهمَا كثُرَتْ فَهِيَ مراحلُ إلَى الآخرةِ. إِنَّ في ختامِ العامِ دعوةً للتأملِ، فرصةً لنسألَ أنفسَنَا: كيفَ مضَتْ أيامُنَا؟، هل عمَّرْنَاهَا بالطاعاتِ؟، هلْ اجتهَدْنَا فِي طلبِ العلمِ النافعِ؟، هلْ تزوَّدْنَا لِمَا هوَ قادمٌ؟
كمْ مِنْ قريبٍ كانَ بينَنا فِي بدايةِ العامِ، وقدْ أصبحَ اليومَ تحتَ الترابِ! وكمْ مِنْ آمالٍ رسمنَاهَا، ولم ندركْها! الحياةُ قصيرةٌ، والسعيدُ مَنِ اغتنَمَها في طاعةِ اللهِ وعمارةِ الآخرةِ.
أحبتِي*: مَنْ عرفَ قيمةَ الوقتِ أدركَ أنَّ كلَّ لحظةٍ هيَ غنيمةٌ، وأنَّ مَنْ زرعَ الخيَر في دنياهُ، حصدَ ثمرتَه في أخراهُ.
وقد قيلَ:
نَسِيــرُ إِلَى الآجَالِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ
وَأَيَّامُنَــا تُطْوَى وَهُــنَّ مَرَاحِـــلُ
وَمَا أَقْبَحَ التَّفْرِيطَ فِي زَمَنِ الصِّبَا
فَكَيْفَ بِهِ وَالشَّيْبُ لِلرَّأسِ شَاعِلُ
تَرَحَّــلْ مِنَ الدُّنْيَا بِزَادٍ مِنَ التُّقَى
فَعُمْـــرُكَ أَيَّـــامٌ وَهُــنَّ قَلَائِـــلُ
لقد وصلنا في كتاب رياض الصالحين إلى الحديث التاسع من باب في الاقتصاد في العبادة وهو الحديث الخمسون بعد المائة من كتاب رياض الصالحين: والحافظ النووي رحمه الله يروي هذا الحديث بروايات متعددة كما ذكرنا في الدرس الماضي، وكنا قد شرحنا جزء من بعض هذه الروايات ونكمل بإذن الله فيما يتيسر لنا في هذا الدرس
الحديث
قال الحافظ النووي رحمه الله في الرواية الأخرى: وفي رواية: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ الدَّهرَ، وَتَقْرَأُ القُرآنَ كُلَّ لَيْلَة؟» فقلت: بَلَى، يَا رَسُول الله، وَلَمْ أُرِدْ بذلِكَ إلاَّ الخَيرَ، قَالَ: «فَصُمْ صَومَ نَبيِّ اللهِ دَاوُد، فَإنَّهُ كَانَ أعْبَدَ النَّاسِ، وَاقْرَأ القُرْآنَ في كُلِّ شَهْر»، قُلْتُ: يَا نَبيَّ اللهِ، إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ؟ قَالَ: «فاقرأه في كل عشرين» قُلْتُ: يَا نبي الله، إني أطيق أفضل من ذلِكَ؟ قَالَ: «فَاقْرَأهُ في كُلِّ عَشْر» قُلْتُ: يَا نبي اللهِ، إنِّي أُطيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ؟ قَالَ: «فاقْرَأهُ في كُلِّ سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذلِكَ» فشدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ وَقالَ لي النَّبيّ ﷺ: «إنَّكَ لا تَدرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمُرٌ» قَالَ: فَصِرْتُ إِلَى الَّذِي قَالَ لي النَّبيُّ ﷺ. فَلَمَّا كَبِرْتُ وَدِدْتُ أنِّي كُنْتُ قَبِلتُ رُخْصَةَ نَبيِّ الله ﷺ.
الشرح والتعليق على هذه الرواية
وفي رواية (لمسلم في صحيحه): «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ الدَّهرَ، وَتَقْرَأُ القُرآنَ كُلَّ لَيْلَة؟» (أي: تختم المجتمع منه حينئذٍ) فقلت: بَلَى، يَا رَسُول الله (أي: أنا أفعل ذلك الذي أخبرت به)، وَلَمْ أُرِدْ بذلِكَ (أي: بصيامي المتتابع وقيامي) إلَّا الخَيرَ (أي: إما ثواب الله تعالى وإما أداء عبوديته والقيام بما يجب لربوبيته)، قَالَ: «فَصُمْ صَومَ نَبيِّ اللهِ دَاوُد، فَإنَّهُ كَانَ أعْبَدَ النَّاسِ (أي: غير النبي؛ إذ المتكلم لا يدخل في عموم كلامه ولا يلزم من ذلك أن يكون أفضلهم بعد النبي، لأن التفضيل بأعلى المراتب وأعلى المنازل موهبة من الله تعالى: {يختص برحمته من يشاء}) وَاقْرَأ القُرْآنَ (أي: اختم متهجدًا به) في كُلِّ شَهْر (أي في ليالي كل شهر)» (خَتمُ القُرآنِ مِن أَفضَلِ الأَعمَالِ عِندَ اللهِ، وَفِيهِ فَضلٌ عَظِيمٌ، رَوَى الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ فِي جَمعِ الجَوَامِعِ وَالحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي التِّبيَانِ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “خَيرُ الأَعمَالِ الحَلُّ والرُّحلَةُ“، قِيلَ وَمَا هُمَا، قَالَ: “افتِتَاحُ القُرآنِ وَخَتمُهُ“، وَمَعنَى “خَيرُ الأَعمَالِ“: أَي مِن خَيرِهَا وَأَفضَلِهَا عِندَ اللهِ. لِكُلِّ حَرفٍ يَقرَأُهُ مِنَ القُرآنِ تُضَاعَفُ الحَسَنَاتُ عَشرَ مَرَّاتٍ كَمَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ الثَّابِتِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ، رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعجَمِهِ الكَبِيرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “مَن قَرَأَ القُرآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرفِ آيَةٍ عَشرُ حَسَنَاتٍ، وَلَا أَقُولُ: (الم) عَشرٌ، وَلَكِن أَلِفٌ وَلَامٌ وَمِيمٌ ثَلَاثُونَ حَسَنَةً“. وَمِن فَوَائِدِ خَتمِ القُرآنِ العَظِيمَةِ دُخُولُ الجَنَّةِ وَالشَّفَاعَةُ لِأَهلِ بَيتِ القَارِئِ، فَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ أَيضًا عَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “مَن قَرَأَ القُرآنَ وَاستَظهَرَهُ، فَأَحَلَّ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، أَدخَلَهُ اللهُ بِهِ الجَنَّةَ، وَشَفَّعَهُ فِي عَشَرَةٍ مِن أَهلِ بَيتِهِ”، وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ يُستَأنَسُ بِهِ لِأَنَّهُ فِي فَضَائِلِ الأَعمَالِ)، قُلْتُ: يَا نَبيَّ اللهِ، إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ (أي: المذكور من الصوم للثلاثة الأيام والقراءة في الشهر). قَالَ: «فَاقْرَأهُ فِي كُلِّ عِشرِينَ (أي في كل عشرين ليلة)» قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفضَلَ مِن ذَلِكَ؟ قَالَ: «فَاقْرَأهُ في كُلِّ عَشْرٍ» (أي في عشر ليالٍ) قُلْتُ: يَا نبيَّ اللهِ، إنِّي أُطيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ (وفي رواية: أكثر من ذلك). قَالَ: «فاقْرَأهُ في كُلِّ سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذلِكَ» (كانَ السلفُ الصالحُ يحرصونَ على الإكثار من قراءة القرآن وختمه ولا سيما في الليل وفي رمضان، فقد كَانَ هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ لَا يُطْفِئُ سِرَاجَهُ بِاللَّيْلِ. فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إِنَّ هَذَا السِّرَاجَ يَضْرِبُنَا إِلَى الصَّبَاحِ. فَقَالَ: وَيْحَكِ إِنَّكِ إِذَا أَطْفَيْتِيهِ ذَكَرْتُ ظُلْمَةَ الْقَبْرِ فَلَمْ أَتَقَارَّ.
وَكَانَ مَمْلُوكٌ تَقُولُ لَهُ مَوْلَاتُهُ: أَلَا تَدَعُنَا نَنَامُ؟ فَيَقُولُ: إِنَّمَا لَكِ نَهَارِي وَلَيْسَ لَكِ لَيْلِي، إِنِّي إِذَا ذَكَرْتُ النَّارَ طَارَ نَوْمِي، وَإِنِّي إِذَا ذَكَرْتُ الْجَنَّةَ طَالَ حُزْنِي.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ رحمه الله: “لَنْ يَبْرَحَ الْمُتَهَجِّدُونَ مِنْ عَرْصَةِ القِيَامَةِ حَتَّى يُؤْتَوا بِنَجَائِبَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ قَدْ نُفِخَ فِيهَا الرُّوحُ. فَيُقَالُ لَهُمُ: انْطَلِقُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ رُكْبَانًا، فَيَرْكَبُونَهَا فَتَطِيرُ بِهِمْ مُتَعَالِيَةً وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ، يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا فَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهِمْ إِلَى مَسَاكِنِهِمْ مِنَ الْجَنَّةِ”.
وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ رحمه الله: بَلَغَنِي أَنَّهُ «مَنْ أَطَالَ قِيَامَ اللَّيْلِ خَفَّفَ اللهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ رحمه الله: بَلَغَنِي أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِلتَّهَجُّدِ نَادَاهُ مَلَكَانِ: طُوبَاكَ سَلَكْتَ مِنْهَاجَ الْعَابِدِينَ قَبْلَكَ”.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ رحمه الله: بَلَغَنِي أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَامَ اللَّيْلَ لِلصَّلَاةِ تَنَاثَرَ عَلَيْهِ الْبِرُّ مِنْ عَنَانِ السَّمَاءِ إِلَى مَفْرِقِ رَأسِهِ، وَهَبَطَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ لِتَسْتَمْتِعَ لِقِرَاءَتِهِ، وَاسْتَمَعَ لَهُ عُمَّارُ دَارِهِ وَسُكَّانُ الْهَوَاءِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَجَلَسَ لِلدُّعَاءِ أَحَاطَتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ تُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِهِ، فَإِنْ هُوَ اضْطَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ نُودِيَ: نَمْ قَرِيرَ الْعَيْنِ مَسْرُورًا نَمْ خَيْرَ نَائِمٍ عَلَى خَيْرِ عَمَلٍ)
فشدَّدْتُ (بطلب الزيادة) فَشُدِّدَ عَلَيَّ (بها) وَقالَ لي النَّبيّ ﷺ (من باب الإخبار بالمغيبات التي أوحي بها إليه مما يؤول إليه حاله من العجز والضعف): «إنَّكَ لا تَدرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمُرٌ» (فتعجز عن القيام بمشاق العبادات) (وليس معنى هذا أن النبي ﷺ يعلم الغيب كله، لا، فقد قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/255] فَمَعْنَاهُ أَنَّ أَهْلَ السَّمَوَاتِ وَهُمُ الْمَلائِكَةُ وَأَهْلَ الأَرْضِ مِنْ أَنْبِيَاءَ وَأَوْلِيَاءَ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ لا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِنْ عِلْمِهِ أَيْ مَعْلُومِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ أَيْ إِلَّا بِالْقَدْرِ الَّذِي شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَعْلَمُوهُ، هَذَا الَّذِي يُحِيطُونَ بِهِ. ﴿قُلْ لَّا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سُورَةَ النَّمْل/65] فمَنِ ادَّعَى أَنَّ الرَّسُولَ يَعْلَمُ كُلَّ مَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ فَقَدْ سَوَّى الرَّسُولَ بِاللَّهِ وَذَلِكَ كُفْرٌ. وَهَؤُلاءِ لَهُمْ وُجُودٌ فِي فِرْقَةٍ تَنْتَسِبُ إِلَى التَّصَوُّفِ فِي الْهِنْدِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [سُورَةَ الْجِنّ] فَلا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ يَقُولُ إِنَّ الرُّسُلَ يُطْلِعُهُمُ اللَّهُ عَلَى جَمِيعِ غَيْبِهِ كَهَذِهِ الْفِرْقَةِ الْمَذْكُورَةِ إِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ مِنْ رَسُولٍ يَجْعَلُ لَهُ رَصَدًا أَيْ حَفَظَةً يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَـ﴿إِلَّا﴾ هُنَا لَيْسَتِ اسْتِثْنَائِيَّةً بَلْ هِيَ بِمَعْنَى »لَكِنْ«، فَيُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ أَنَّ عِلْمَ الْغَيْبِ جَمِيعِهِ خَاصٌّ بِاللَّهِ تَعَالَى فَلا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الِاسْتِثْنَاءُ فَتَكُونُ الإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿عَلَى غَيْبِهِ﴾ لِلْعُمُومِ وَالشُّمُولِ مِنْ بَابِ قَوْلِ الأُصُولِيِّينَ الْمُفْرَدُ الْمُضَافُ لِلْعُمُومِ، فَيَكُونُ مَعْنَى غَيْبِهِ أَيْ جَمِيعَ غَيْبِهِ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ يُطْلِعُ عَلَى غَيْبِهِ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّ مِنَ الْمُقَرَّرِ بَيْنَ الْمُوَحِّدِينَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يُسَاوِيهِ خَلْقُهُ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَمِنْ صِفَاتِهِ الْعِلْمُ بِكُلِّ شَىْءٍ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سُورَةَ الأَنْعَام:101] وَالْعَجَبُ كَيْفَ يَسْتَدِلُّ بَعْضُ النَّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلَى عِلْمِ الرُّسُلِ بِبَعْضِ الْغَيْبِ إِنَّمَا الَّذِي فِيهَا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَالِمُ بِكُلِّ الْغَيْبِ، وَلَكِنَّ الرُّسُلَ يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُمْ حَرَسًا مِنَ الْمَلائِكَةِ يَحْفَظُونَهُمْ. فَلَوْ كَانَ يَصِحُّ لِغَيْرِهِ تَعَالَى الْعِلْمُ بِكُلِّ شَىْءٍ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ تَعَالَى تَمَدُّحٌ بِوَصْفِهِ نَفْسَهُ بِالْعِلْمِ بِكُلِّ شَىْءٍ، فَمَنْ يَقُولُ إِنَّ الرَّسُولَ يَعْلَمُ بِكُلِّ شَىْءٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ جَعَلَ الرَّسُولَ مُسَاوِيًا لِلَّهِ فِي صِفَةِ الْعِلْمِ فَيَكُونُ كَمَنْ قَالَ الرَّسُولُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكَمَنْ قَالَ الرَّسُولُ مُرِيدٌ لِكُلِّ شي فَلا مَخْلَصَ لَهُ مِنَ الْكُفْرِ.
وَمِمَّا يُرَدُّ بِهِ عَلَى هَؤُلاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [سُورَةَ الأَنْعَام:59]، وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [سُورَةَ الأَحْقَاف:9] فَإِذَا كَانَ الرَّسُولُ بِنَصِّ هَذِهِ الآيَةِ لا يَعْلَمُ جَمِيعَ تَفَاصِيلِ مَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ بِهِ وَبِأُمَّتِهِ، فَكَيْفَ يَتَجَرَّأُ مُتَجَرِّئٌ عَلَى قَوْلِ إِنَّ الرَّسُولَ يَعْلَمُ كُلَّ شَىْءٍ)
قَالَ (أي عبد الله بن عمرو): فَصِرْتُ إِلَى الَّذِي قَالَ لي النَّبيُّ ﷺ (أي: من قوله: «لعلك يطول عمرك» وذلك من معجزاته عليه الصلاة والسلام، وقد أفرد العلماء أبوابا في بيان أن النبي ﷺ تكلم بأمور حصلت بعده عليه الصلاة والسلام وحصلت كما أخبر هو بها وعدُّوها من معجزاته، فَإِخْبَارُهُ ﷺ عَنِ الْغُيُوبِ الْمُسْتَقْبَلَةِ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا، فما قضى اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا أَخْبَرَ بِكَوْنِهِ كَانَ كما شاء سبحانه، ومن أمثلة ذلك ما قَالَ اللَّهُ تعالى: {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ} فَكَفَاهُ وَوَفاهُ مَا وَعَدَهُ بِنَصْرِة الْمُؤْمِنِينَ {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ} وَكَانَ كَمَا وَعَدَهُ اللهُ تَعَالَى، غُلِبُوا وَقُتِلُوا وَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} فَكَانَ كَمَا وَعَدَهُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} فَهَزَمَ اللهُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} فَنَصَرَهُ اللهُ وَقَوَّاهُ بِلَا مَالٍ وَلَا عَشِيرَةٍ، وَبَلَغَ مُلْكُ أُمَّتِهِ الشَّرْقَ وَالْغَرْبَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ} فَدَخَلُوا مَكَّةَ آمِنَيْنَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} فَكَانَ كَمَا وَعَدَهُمْ، فَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ فِي حَدْسٍ وَلَا ظَنٍّ، وَلَا يَقَعُ بِالِاتِّفَاقِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {غُلِبَتِ الرُّومُ} فَأَعْلَمَهُ بِكَوْنِهِ وَوُقُوعِهِ، حَدَّدَ الْوَقْتَ، وأخبر أنه: [فِي بِضْعِ سِنِينَ]، وَالْعَرَبُ مُصَدِّقُهَا وَمُكَذِّبُهَا، عَرَفُوا أَنَّ الْبِضْعَ مَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ، وَأَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعْدَ اللهِ لَا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ} وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ} فَتْحُ مَكَّةَ خُصَّ بَيْنَ الْفُتُوحِ بِالْفَتْحِ لِعِظَمِ قَدْرِهِ، وَإِنَّهَا بَلْدَةُ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْهَا، أَهْلُهَا كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابِه؛ لِأَنَّ الْقَرَابَاتِ وَالْجِيرَانِ أَشَدُّ تَقَاطُعًا وَتَبَاغُضًا، فَبَشَّرَهُ بِفَتْحِهَا قَبْلَ كَوْنِهِ، وَيَدْخُلُونَ النَّاسُ أَفْوَاجًا فِي دِينِهِ، فَحَقَّقَ اللهُ تَعَالَى لَهُ بُشَارَتَهُ بِفَتْحِهَا، فَقَدِمَتِ الْوُفُودُ الْجَامِعَاتُ عَلَيْهِ الْمَدِينَةَ مُسْلِمَيْنَ مُنْقَادِينَ لَهُ وَلِدِينِهِ، فَقَبَضَ اللهُ نَبِيَّهُ وَقَدْ طَبَّقَ الْإِسْلَامُ الْيَمَنَ إِلَى شَجَرِ عُمَانَ وَأَقْصَى نَجْدِ الْعِرَاقِ، بَعْدَ مَكَّةَ وَالْحِجَازِ، وَبَسَطَ رِوَاقَهُ وَجِرَانَهُ بِالْغَوْرِ، فَجَرَى حُكْمُ اللهِ تَعَالَى وَحُكْمُ رسولِه ﷺ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَعُمَانَ وَالْبَحْرَيْنِ وَالْيَمَنِ وَالْيَمَامَةِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا} الْعَجَمُ وَفَارِسُ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤوهَا} يَعْنِي فَارِسَ وَالرُّومَ، فَوَجَدُوا مَا وَعَدَ اللهُ تَعَالَى كَمَا وَعَدَهُمْ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} وَهُمْ أَهْلُ فَارِسَ وَالرُّومِ وَبَنُو حَنِيفَةَ أَصْحَابُ مُسَيْلِمَةَ، فَقَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ،
وَوَعَدَ ﷺ بَيْضَاءَ الْمَدَائِنِ وَاصْطَخْرَ وَفَتْحَ كُنُوزِ كِسْرَى وَقَالَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: مَا يَمْنَعُكَ إِلَّا مَا تَرَى بِأَصْحَابِي مِنَ الْخَصَاصَةِ، فَيُوشِكَنَّ أَنْ تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنَ الْحِيرَةِ بِغَيْرِ جِوَارٍ، فَأَبْصَرَ ذَلِكَ عَدِيٌّ بِعَيْنِهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً} فَكَانَ ذَلِكَ تَزْوِيجَ النبي ﷺ بِأُمِّ حَبِيبَةَ، وَإِسْلَامَ أَبِي سُفْيَانَ، فَزَالَتِ الْعَدَاوَةُ، وَآلَتْ إِلَى مَوَدَّةٍ ووَصِلَةٍ. وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِمَّا أَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ ﷺ). فَلَمَّا كَبِرْتُ (في العمر) وَدِدْتُ (تمنيت) أنِّي كُنْتُ قَبِلتُ رُخْصَةَ (أي تخفيف) نَبيِّ الله ﷺ (في كل من الصيام والقيام وقراءة القرآن).
قال الحافظ النووي رحمه الله في الرواية الأخرى
وفي رواية: «وَإِنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا».
الشرح والتعليق على هذه الرواية
وفي رواية (لمسلم في صحيحه): «وَإِنَّ لِوَلَدِكَ (أي من ولدتهم، فوالدك من ولدك) عَلَيْكَ حَقًّا» (أن تكتسب لهم وتنفق عليهم).
وتربية الأبناء في هذه الأيام من أشد الأمور، ليست متيسرة لأي أحد لفساد أحوال الناس في هذا الزمان وتأثيرهم على الأبناء، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿يََا أَيَّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا قُوا أَنفُسَكُم وَأَهلِيكُم نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ﴾ [سُورَةُ التَّحرِيمِ، الآية: ٦]. قَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: «عَلِّمُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمُ الخَيْرَ» أَيْ أُمُورَ الدِّينِ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ.
فتَربِيَةُ الأَولَادِ مِن أَهَمِّ الأُمُورِ وَأَوكَدِهَا، فَالوَلَدُ أَمَانَةٌ عِندَ وَالِدَيهِ وَقَلبُهُ جَوهَرَةٌ نَفِيسَةٌ خَالِيَةٌ عَن كُلِّ نَقشٍ وَهُوَ قَابِلٌ لِكُلِّ مَا نُقِشَ فِيْهِ، وَمَائِلٌ إِلى كُلِّ مَا يُمَالُ بِهِ إِليهِ، فَإِن عُوِّدَ الخَيرَ وَعُلِّمَهُ نَشَأَ عَلَيهِ وَسَعِدَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَشَارَكَهُ في ثَوَابِهِ أَبَوَاهُ وَكُلُّ مُعَلِّمٍ لَهُ وَمُؤَدِّبٍ، وَإِن عُوِّدَ الشَّرَّ وَأُهمِلَ إِهمَالَ البَهَائِمِ شَقِيَ وَهَلَكَ وَكَانَ الوِزرُ -أَي وِزرُ التَّقصِيرِ فِي التَّربِيَةِ- في رَقَبَةِ القَيِّمِ عَلَيهِ، أَي وَلِيِّهِ وَالقَائِمِ عَلَيهِ الَّذِي يَهتَمُّ بِمَصَالِحِهِ، وَمِنْ هُنَا يَتَحَتَّمُ عَلَى الوَالِدَينِ إِدرَاكُ أَنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ يَصدُرُ مِنهُمَا يُؤَثِّرُ غَالِبًا فِي نَشأَةِ أَبنَائِهِمَا وَمُستَقْبَلِهِم.
الأَولَادُ مِن أَعظَمِ النِّعَمِ الَّتِي أَنعَمَ اللهُ تَعَالَى بِهَا عَلَينَا، فَهُم زِينَةٌ لِلحَيَاةِ وَعَونٌ لَنَا فِي الدُّنيَا وَصَدَقَةٌ جَارِيَةٌ لِمَا بَعدَ المَوتِ، إِن عُلِّمُوا العِلمَ الحَقَّ وَتَرَبَّوا التَّربِيَةَ الإِسلَامِيَّةَ الصَّالِحَةَ وَاقتَدَوا بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي أُمُورِهِ وَبِالصَّالِحِينَ بَعدَهُ،
فَمِن أَوَّلِ الأُمُورِ الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا فِي نَشأَةِ الوَلَدِ نَشأَةً حَسَنَةً أَن يَتَحَرَّى الوَالِدُ أَن يَكُونَ مَكسَبُهُ مِن حَلَالٍ، فَعِندَمَا يُطعِمُ زَوجَتَهُ فَلَا يُطعِمْهَا إِلَّا حَلَالًا، فَيَكُونُ الوَلَدُ قَد تَغَذَّى مِن حَلَالٍ، ثُمَّ عِندَ وِلَادَتِهِ يُؤَذِّنُ فِي أُذُنِهِ اليُمنَى وَيُقِيمُ فِي أُذُنِهِ اليُسرَى لِيَكُونَ إِعلَامُهُ بِالتَّوحِيدِ أَوَّلَ مَا يَطرُقُ سَمعَهُ، ثُمَّ يُحَنِّكُهُ بِتمرَةٍ، وَيُستَحَبُّ أَن يَكُونَ المُحَنِّكُ مِن أَهلِ الفَضلِ يَرجُو اللهَ أَن يَكُونَ خُلُقُ وَلَدِهِ كَخُلُقِ هَذَا الصَّالِحِ، ثُمَّ يُسَمِّيهِ فِي سَابِعِهِ استِحبَابًا، اسمًا حَسَنًا كَعَبدِ اللهِ وَعبدِ الرَّحمَنِ، وَلَا يُسَمِّيهِ اسمًا قَبِيحًا، وَيَعُقُّ عَنهُ، وَيَضبِطُ الأَبَوَانِ يَومَ وِلَادَتِهِ بِالأَشهُرِ القَمَرِيَّةِ أَي الهِجرِيَّةِ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحكَامِ تَتَعَلَّقُ بِعُمُرِهِ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ الذَّكَرُ وَالأُنثَى.
يَصُونُ الوَالَِدانِ الأَولَادَ بِتَأدِيبِهِم وَتَهذِيبِهِم وَتَعلِيمِهِم مَحَاسِنَ الأَخلَاقِ وَبِحِفظِهِم مِن قُرَنَاءِ السُّوءِ، وَمَا أَكثَرَهُم في هَذِهِ الأَيَّامِ، وَلَا يُعَوِّدُهُمُ التَّنَعُّمَ وَلَا يُحَبِّبُ إِلَيهِمِ الزِّينَةَ وَأَسبَابَ الرَّفَاهِيَةِ، فَيُضَيِّعَ عُمُرَهُ فِي طَلَبِهَا إِذَا كَبِرَ، وَيَنبَغِي مُرَاقَبَتُهُم مِن أَوَّلِ أَمرِهِم، فَلَا يُستَعمَلُ فِي حَضَانَةِ الوَلَدِ وَإِرضَاعِهِ إِلَّا امرَأَةٌ صَالِحَةٌ مُتَدَيِّنَةٌ تَأكُلُ الحَلَالَ، فَإِنَّ اللَّبَنَ الحَاصِلَ مِنَ الحَرَامِ لَا بَرَكَةَ فِيهِ، فَإِذا وَقَعَ عَليهِ نَشءُ الصَّبِيِّ انعَجَنَت طِينَتُهُ مِنَ الخُبثِ، فَيَمِيلَ طَبعُهُ إِلى مَا يُنَاسِبُ الخُبثَ فَيَنْبَغِي لِلوَاحِدِ مِنَّا أَنْ يَتَحَرَّى الحَلَالَ فِي مَأكَلِهِ وَمَلبَسِهِ وَمَشرَبِهِ،
وَمِثلُ هَذَا حَصَلَ لِإِمَامِ الحَرَمَينِ مُحَمَّدٍ الجُوَينِيِّ فِيمَا رَوَاهُ السُّبكِيُّ فِي الطَّبَقَاتِ، فَقَدِ اعتَنَى بِهِ وَالِدُهُ مِنْ صِغَرِهِ لَا بَل مِنْ قَبلِ مَولِدِهِ، فَأُمُّهُ كَانَتْ جَارِيَةً اشْتَرَاهَا وَالِدُهُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ بِمَالٍ خَالِصٍ مِنَ الشُّبهَةِ فَلَمَّا وَلَدَتهُ لَهُ أَمَرَهَا أَلَّا يُرْضِعَهُ غَيْرُهَا فَقَد كَانَ حَرِيصًا عَلَى أَلَّا يُطعِمَهُ مَا فِيهِ شُبهَةٌ وَلَكِنْ حَصَلَ مَرَّةً أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَأَرْضَعَتْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَأَخَذَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فَنَكَسَهُ -أَيْ قَلَبَهُ- وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى بَطْنِهِ وَوَضَعَ أُصْبُعَهُ فِي حَلْقِهِ وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى اسْتَقَاءَ كُلَّ مَا كَانَ فِي بَطْنِهِ مِنْ لَبَنِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ حَتَّى يحْكى أَنَّهُ تَلَجلَجَ مَرَّةً فِي مَجْلِسِ مُنَاظَرَةٍ فَقِيلَ لَهُ يَا إِمَامُ مَا هَذَا الَّذِي لَمْ يُعْهَدْ مِنْكَ؟ فَقَالَ: مَا أَرَاهَا إِلَّا آثَارَ بَقَايَا تِلكَ المَصَّةِ، قِيلَ: وَمَا نَبَأُ هَذِهِ المَصَّةِ؟ قَالَ: إِنَّ أُمِّي اشْتَغَلَتْ فِيْ طَعَامٍ تَطبُخُهُ لِأَبِي وَأَنَا رَضِيعٌ فَبَكَيْتُ وَكَانَتْ عِندَنَا جَارِيَةٌ مُرْضِعَةٌ لِجِيرَانِنَا فَأَرضَعَتنِي مَصَّةً أَوْ مَصَّتَينِ وَدَخَلَ وَالِدِي فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَقَالَ هَذِهِ الْجَارِيَةُ لَيسَتْ مِلكًا لَنَا وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي لَبَنِهَا وَأَصحَابُهَا لَمْ يَأذَنُوا فِي ذَلِكَ.اهـ
ثُمَّ الأَبَوَان يُرَاقِبَانِ طَبْعَ وَلَدِهِمَا فَإِنْ كَانَ يَحتَشِمُ وَيَستَحِي مِنْ شَيءٍ دُونَ شَيءٍ وَيَترُكُ بَعضَ الأَفعَالِ فَهَذِهِ بِشَارَةٌ تَدُلُّ عَلَى اعتِدَالِ الأَخْلَاقِ وَصَفَاءِ القَلبِ، وَهُوَ مُبَشَّرٌ بِكَمَالِ العَقلِ عِندَ البُلُوغِ، فَيَنبَغِي أَن يُستَعَانَ عَلَى تَأدِيبِهِ بِحَيَائِهِ.
أَوَّلُ مَا يَغلِبُ عَلَى الوَلَدِ بَعدَ سَنَتَينِ أَو ثَلَاثِ سَنَوَاتِ أَنْ يُعَوَّدَ البَسَاطَةَ فِي العَيشِ وَالقَنَاعَةَ بِالقَلِيلِ فَلَا يُعطَ كُلَّ مَا يَطلُبُ وَيُعَلَّمُ كَيفَ يَأكُلُ وَيُؤَدَّبُ فِيهِ فَلَا يَكُونُ شَرِهًا في الطَعَامِ ، وَيُعَلَّمُ أَنْ لَا يَأخُذَ الطَّعَامَ إِلَّا بِيمَينِهِ، وَأَن يَقُولَ عَلَيهِ بِسمِ اللهِ عِندَ تَنَاوُلِهِ، وَأَن يَأكُلَ مِمَّا يَلِيهِ، وَأَن لَا يُبَادِرَ إِلى الطَّعَامِ قَبلَ غَيرِهِ، وَأَن لَا يُحدِقَ النَّظَرَ إِليهِ، وَلَا إِلَى مَن يَأكُلُ، وَأَن لَا يُسرَِعَ فِي الأَكلِ، وَأَن يُجِيدَ المَضغَ، وَأَن لَا يُوَالِيَ بَينَ اللُّقَمِ، وَلَا يُلَطِّخَ يَدَهُ وَثَوبَهُ، وَأَن يُعَوَّدَ الخُبزَ وَالمَاءَ فِي بَعضِ الأَحيَانِ حَتَّى لَا يَصِيرَ يَرَى اللَّحمَ حَتمًا. وَيُقَبَّحُ عِندَهُ كَثرَةُ الأَكلِ، وَيُمدَحَ عِندَهُ الصَّبِيُّ المُتَأَدِّبُ القَلِيلُ الأَكلِ، وَيُحَبَّبَ إِليهِ قِلَّةُ المُبَالَاةِ بِالطَّعَامِ. وَيُعلَّمُ كَيفَ يَشرَبُ بِأَن يَبدَأَ بِالبَسمَلَةِ وَيَشرَبَ بِيدِهِ اليُمنَى وَعَلَى ثَلَاثِ غُرَفٍ -أَيْ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ مِنْ نَفْسِ الكُوبِ- لَا عَلَى دَفعَةٍ وَاحِدَةٍ. وَيُعَلَّمُ كَيفَ يَلبَسُ، وَمَا هُوَ أَحسَنُ اللِّبَاسِ، فيُحَبَّبُ إِليهِ مِنَ الثِّيَابِ الأَبيَضُ، وَأَنْ يَبدَأَ بِاليُمنَى، وَأَنْ يُحفَظَ عَنِ الصِّبيَةِ الَّذِينَ عُوِّدُوا التَّنَعُّمَ وَالرَّفَاهِيَّةَ وَلُبسَ الثِّيَابِ الفَاخِرَةِ وَعَن مُخَالَطَةِ كُلِّ مَن يُسمِعُهُ ما يُرَغِّبُهُ فِيهِ.
وَليُعلَمْ أَنَّ الصَّبِيَّ الَّذِي يُهمَلُ فِي ابتِدَاءِ نَشْئِهِ يَخرُجُ فِي الأَغلَبِ رَدِيءَ الأَخلَاقِ كَذَّابًا حَسُودًا، لَحُوحًا ذَا فُضُولٍ وَضَحِكٍ وَمََجَانَةٍ أي مُزَاحٍ وَهَزَلٍ، وَيَنبَغِي أَنْ يُحفَظَ عَن جَمِيعِ ذَلكَ بِحُسنِ التَّأدِيبِ.
عِندَمَا يَبلُغُ الصَّبِيُّ وَالصَّبِيَّةُ سِنَّ التَّميِيزِ يُشغَلُ بِتَعَلُّمِ عِلمِ الدِّينِ، وَأَوَّلُ مَا يُعَلَّمُ مِنْ أُصُولِ الْعَقِيدَةِ مِنْ وُجُودِ اللهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَقِدَمِهِ وَبَقَائِهِ وَقِيَامِهِ بِنَفْسِهِ وَمُخَالَفَتِهِ لِلْحَوَادِثِ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ أَيْ أَنَّهُ لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ لا يُشْبِهُ الضَّوْءَ وَالظَّلامَ وَالإِنْسَانَ وَالنَّبَاتَ وَالْجَمَادَاتِ مِنَ الْكَوَاكِبِ وَغَيْرِهَا وَأَنَّهُ لَيْسَ جِسْمًا، وَأَنَّ للهِ قُدْرَةً وَإِرَادَةً وَسَمعًا وَبَصَرًا وَعِلْمًا وَحَيَاةً وَكَلامًا، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَأَنَّهُ خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ وَأَنَّهُ عَرَبِيٌّ وَأَنَّهُ وُلِدَ بِمَكَّةَ وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَدُفِنَ فِيهَا، وَأَنَّ اللهَ أَرْسَلَ أَنْبِيَاءَ أَوَّلُهُمْ ءَادَمُ وَأَنَّهُ أَنْزَلَ كُتُبًا عَلَى الأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ للهِ مَلائِكَةً وَأَنَّهُ سَيُفْنِي الْجِنَّ وَالإِنْسَ وَالْمَلائِكَةَ وَكُلَّ ذِي رُوحٍ ثُمَّ يُعَادُونَ إِلَى الْحَيَاةِ، وَأَنَّ الْجِنَّ وَالإِنْسَ يُجْزَوْنَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى حَسَنَاتِهِمْ بِالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَعَلَى سَيِّئَاتِهِمْ بِالْعَذَابِ الأَلِيمِ، وَأَنَّ الْكَافِرَ حَرَامٌ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ وَأَنَّ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَافِرٌ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ دَارًا يَتَنَعَّمُونَ فِيهَا تُسَمَّى الْجَنَّةَ وَلِلْكَافِرِينَ دَارًا تُسَمَّى جَهَنَّمَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَيُعَوَّدُ الوَلَدُ حُضُورَ مَجَالِسَ العِلمِ وَسَمَاعِهَا وَكَيفِيَّةَ الجُلُوسِ فِيهَا وَلَا يُنكَرُ عَلَيهِم وَلَا يُخرَجُونَ مِن المَجلِسِ،
فَإِنَّهُم اليَومَ صِغَارُ قَومٍ يُوشِكُونَ أَن يَكُونُوا كِبَارَ قَومٍ كما كنا نحن صِغَارَ قَومٍ، فَأَصبَحنا اليَومَ كِبَارَ قَومٍ.
ثُمَّ يُعَلَّمُ الأَوْلَادُ أَحكَامَ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَيُؤمَرُونَ بِهَا وَبِالصَّومِ، ثُمَّ بَعدَ ذَلكَ مَا يَحرُمُ عَلَى البَطنِ وَاللِّسَانِ وَاليَدِ وَالرِّجلِ وَالعَينِ وَالقَلبِ وَالبَدَنِ وَيُخَوَّفُ مِنهَا، وَلَا يُقَالُ مَا يَقُولُه بَعضُ الجَهَلَةِ مِنَ النَّاسِ “مَا يَزَالُ صَغِيرًا لَا يَعِي مَا تُعطُونَهُ إِيَّاهُ” فَهَؤُلَاءِ يُقَالُ لَهُم مَا قَالَهُ الإِمَامُ الغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ “إِحيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ” بَعدَ أَن ذَكَرَ مَسَائِلَ الاعتِقَادِيَّاتِ: “وَاعلَم أَنَّ مَا ذَكَرنَاهُ يَنبَغِي أَن يُقَدَّمَ إِلى الصَّبِيِّ في أَوَّلِ نَشُوئِهِ فَيَحفَظُهُ حِفظًا، ثُمَّ لَا يَزَالُ يَنكَشِفُ لَهُ مَعنَاهُ فِي كِبَرِهِ شَيئًا فَشَيئًا”.
يَنبَغِي مُلَاحَظَةُ التِزَامِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ المُمَيِّزَينِ بِالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ لَهَمَا وَبِالصِّيَامِ إِنْ كَانَ يُطِيقُهُ وَذَلِكَ بَعدَ سِنِّ التَّميِيزِ، وَيَنبَغِي أَنْ يُعَلَّمَ أَدَاءَ النَّوَافِلِ إِضَافَةً لِلصَّلَوَاتِ الخَمسَةِ المَكتُوبَةِ، وَيُعَلَّمَ كَذَلِكَ أَدَاءَ سُنَنِ الصَّلَاةِ فَلَا يُترَكْ مِنْ هَذِهِ الفَضَائِلِ حَتَّى يَنشَأَ عَلَيهَا وَلَا يُغفِلَهَا عِندَ بُلُوغِهِ، فَلَهَا أَثَرُ خَيرٍ فِي تَنشِئَةِ هَذَا الصَّبِيِّ أَوِ الصَّبِيَّةِ. وَيُؤمَرُ بِالصَّلَاةِ وَهُوَ ابنُ سَبعِ سِنِينَ وَيُضرَبُ عَلَى تَركِهَا وَهُوَ ابنُ عَشرِ سِنِينَ، لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاودَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ».
ثُمَّ يُعَلَّمُ القُرءَانَ وَأَحَادِيثَ الأَخيَارِ وَحِكَايَاتِ الأَبرَارِ وَأَحوَالَهُم، لِيَنغَرِسَ فِي نَفسِهِ حُبُّ الصَّالِحِينَ، يَقُولُ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ جُندُبُ بنُ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحنُ فِتيَانٌ حَزَاوِرَةٌ -جمْعُ حَزْوَرٍ، وَالحَزْوَرُ: الغُلَامُ إِذَا اشتَدَّ وَقَوِيَ، وَقَارَبَ البُلُوغَ- فَتَعَلَّمْنَا الإِيمَانَ قَبْلَ القُرآنِ“، أَي: أَنَّهُم تَعَلَّمُوا أَسَاسِيَّاتِ العَقَيدَةِ الصَّحِيحَةِ، وَهِيَ أَهَمُّ أُمُورِ الإِيمَانِ، وَهِيَ: الإِيمَانُ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَومِ الآخِرِ، وَالإِيمَانُ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ، وَتَعلَّمُوهُ وَهُم صِغَارٌ، قَالَ: “ثمَّ تَعَلَّمْنَا القُرآنَ فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا“، رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ. ثُمَّ لَمَّا يَظهَرُ مِنهُ الخُلُقُ الجَمِيلُ وَالفِعلُ المَحمُودُ يَنبَغِي أَن يُكرَمَ إِليهِ وَيُجَازَى عَلَيهِ بِمَا يَفرَحُ بِهِ وَبَعدَ الدَّرسِ يُؤذَنُ لَهُ بِاللَّعبِ لَعبًا جَمِيلًا بِحَيثُ لَا يَتعَبُ فِي اللَّعبِ. وَيُعَلَّمُ طَاعَةَ وَالِدَيهِ وَمُعَلِّمِهِ وَمُؤَدِّبِهِ وَتَوقِيرَ الكَبِيرِ بِأَن يُعَامِلَهُ مُعَامَلَةِ الوَالِدِ فِي التَّهَيُّبِ وَالتَّقدِيرِ وَتَركِ مَا يُوحِشُهُ مِنَ القَولِ وَالعَمَلِ وَالطَّاعَةِ لَهُ فِيمَا يَأمُرُ بِهِ، وَتَركِ المُخَالَفَةِ لَهُ إِلَّا إِذَا دَعَا إِلى مَا فِيهِ مَعصِيَةٌ للهِ، وَيُعَلَّمُ أَن يُقَدِّمَ الكَبِيرَ فِي المَجلِسِ وَلَا يَتَقَدَّمَ فِي الكَلَامِ عَلَى الكَبِيرِ فَقَد رَوَى البُخَارِيُّ وَغَيرُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِقَومٍ تَقَدَّمُوا إِلَيهِ فِي حَدِيثٍ فَتَكَلَّمَ أَصغَرُهُم فَقَالَ لَه ﷺ: كَبِّر كَبِّر. أَي قَدِّم مَن هُوَ أَكبَرُ مِنكَ.
وَأَنَّ المَوتَ يَقطَعُ نَعِيمَ الدُّنيَا، فَهَذِهِ دَارُ مَمَرٍّ لَا دَارُ مَقَرٍّ، وَأَمَّا الآخِرَةُ فَهِيَ دَارُ المَقَرِّ، وَأَنَّ المَوتَ مُنتَظَرٌ في كُلِّ سَاعَةٍ، وَأَنَّ الكَيِّسَ العَاقِلَ مَن تَزَوَّدَ مِنَ الدُّنيَا إِلى الآخِرَةِ.
يَنبَغِي أَن يُمنَعَ عَنِ النَّومِ طولَ النَهَارِ، فَإِنَّهُ يُورِثُ الكَسَلَ، وَيُمنَعَ الفُرُشَ النَّاعِمَةَ وَاللَّيِّنَةَ حَتَّى تَتَصَلَّبَ أَعضَاؤُهُ، وَيُعَوَّدَ الخُشُونَةَ فِي المَفرَشِ وَالمَلبَسِ وَالمَطعَمِ أَيِ الطَّعَامِ، وَقَد قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أَيُّ النَّاسِ أَفضَلُ؟ قَال: “مَن قَلَّ مَطعَمُهُ وَضَحكُهُ“، ذَكَرَهُ الغَزَالِيُّ فِي الإِحيَاءِ، وَيَكُونُ لَهُ فِي بَعضِ النَّهَارِ الحَرَكَةُ وَالرِّيَاضَةُ حَتَّى لَا يَغلِبَ عَلَيهِ الكَسَلُ، وَيُعَوَّدَ أَن لَا يُسرِعَ في المَشيِ، وَلَا يَفتَخِرَ عَلَى أَقرَانِهِ بِشَيءٍ مِمَّا يَملِكُهُ وَالِدَاهُ، وَيُعَلَّمَ أَنَّ الرِّفعَةَ فِي الإِعطَاءِ لَا فِي الأَخذِ، وَيُقَبَّحَ عَلَيهِ حُبُّ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، ويُعَلَّمَ كَيفِيَّةَ الجُلُوسِ بِأَن لَا يَضَعَ رِجلًا عَلى رِجلٍ، وَلَا يَستَدبِرَ غَيرَهُ، وَلا يَتَثَاءَبَ بِحَضرَةِ غَيرِهِ، وَيُمنَعَ مِن كَثرَةِ الكَلَامِ فِيمَا لَا خَيرَ فِيهِ، وَيُبَيَّنَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الوَقَاحَةِ، وَيُمنَعَ اليَمِينَ رَأسًا، صَادِقًا كَانَ أَو كَاذِبًا، حَتَّى لَا يَعتَادَ ذَلِكَ فِي الصِّغَرِ، وَيُمنَعَ أَن يَبتَدِئَ الكَلَامَ، وَلَا يَتَكَلَّمَ إِلَّا جَوَابًا، وَبِقَدرِ السُّؤَالِ، وَيُحسِنَ الاستِمَاعَ لِمَن يَتَكَلَّمُ مَعهُ مِمَّن هُوَ أَكبَرُ مِنهُ، وَأَن يَقُومَ لِمَن فَوقَهُ، وَيُوَسِّعَ لَهُ المَكَانَ، وَيُمنَعَ مِن لَغوِ الكَلَامِ وَفُحشِهِ وَالسَّبِّ، وَمِن مُخَالَطَةِ مَن يَجرِي عَلَى لِسَانِهِ شَيءٌ مِن ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَسرِي لَا مَحَالَةَ مِن قُرَنَاءِ السُّوءِ، وَالأَصلُ في التَّأدِيبِ الحِفظُ مِن قُرَنَاءِ السُّوءِ.
إِذَا خَالَفَ مَرَّةً وَاحِدَةً يَنبَغِي أَن يُتَغَافَلَ عَنهُ وَلَا يُهتَكَ سِترُهُ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا سَتَرَهُ الصَّبِيُّ وَاجتَهَدَ فِي إِخفَائِهِ، فَإِنَّ إِظهَارَ ذَلِكَ عَلَيهِ رُبَّمَا يُفِيدُهُ جَسَارَةً أَي جُرأَةً حَتَّى لَا يُبَالِيَ بِالمُكَاشَفَةِ، فَعِندَ ذَلِكَ إِن عَادَ ثَانِيَةً، فَيَنبَغِي أَن يُعَاتَبَ وَيُقَالُ لَهُ “إِيَّاكَ أَن تَعُودَ لِمِثلِ هَذَا“، فَإِنَّ خُلُقَ التَّغَافُلِ يُحتَاجُ إِلَيهِ أَحيَانًا، وَلَيسَ مَعنَاهُ السُّكُوتَ عَنِ المُنْكَرَاتِ، بَلْ إِنْكَارُ المُنكَرِ وَاجِبٌ مَا لَمْ يُؤَدِّ مِنَ العُدُولِ مِنَ الفَسَادِ إِلَى الأَفْسَدِ.
لَا تُكثِر عَلَيهِ بِالعِتَابِ في كُلِّ حِينٍ، فَإِنَّهُ يُهَوِّنُ عَلَيهِ سَمَاعَ المَلَامَةِ، وَيَسقُطُ وَقعَ الكَلَامِ فِي قَلبِهِ، وَليَكُنِ الأَبُ حَافِظًا هَيبَةَ الكَلَامِ مَعَهُ وَالأُمُّ تُخَوِّفُهُ بِهِ.
فَإِذَا كَانَ النَشءُ صَالِحًا كَانَ هَذَا الكَلَامُ عِندَ البُلُوغِ وَاقِعًا مُؤَثِّرًا نَاجِعًا أَي نَافِعًا يَثبُتُ فِي قَلبِهِ، كَمَا يَثبُتُ النَّقشُ في الحَجَرِ، وَإِن وَقَعَ النَّشءُ بِخِلَافِ ذَلِكَ حَتَّى أَلِفَ الصَّبِيُّ اللَّعبَ وَالفُحشَ وَالوَقَاحَةَ وَشََرَهَ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسَ وَالتَّزَيُّنَ وَالتَّفَاخُرَ، نَبَا قَلبُهُ عَن قَبُولِ الحَقِّ نَبوَةَ الحَائِطِ عَنِ التُّرَابِ اليَابِسِ، فَأَوَائِلُ الأُمُورِ هِيَ الَّتِي يَنبَغِي أَن تُرَاعَى، فَإِنَّ الصَّبِيَّ بِجَوهَرِهِ خَلقٌ قَابِلٌ لِلخَيرِ وَالشَّرِّ، وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ يُمِيلَانِ بِهِ إِلى أَحَدِ الجَانِبَينِ.
قَالَ سَهلُ بنُ عَبدِ اللهِ التُّسترِيُّ الوَلِيُّ العَارِفُ بِاللهِ: “كُنتُ وَأَنَا ابنُ ثَلَاثِ سِنِينَ أَقُومُ بِاللَّيلِ فَأَنظُرُ إِلى صَلَاةِ خَالِي مُحَمَّدِ بنِ سِوَارٍ، فَقَالَ لِي يَومًا: أَلَا تَذكُرُ اللهَ الَّذِي خَلَقَكَ، فَقُلتُ: كَيفَ أَذكُرُهُ؟ قَالَ: قُل بِقَلبِكَ عِندَ تَقَلُّبِكَ فِي فراشك ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن غَيرِ أَن تُحَرِّكَ بِهِ لِسَانَكَ “اللهُ عَالِمٌ بِي، اللهُ نَاظِرٌ إِليَّ، اللهُ شَاهِدٌ” فَقُلتُ ذَلِكَ عِدَّةَ لَيَالٍ ثُمَّ أَعلَمتُهُ، فَقَال: قُل فِي كُلِّ لَيلَةٍ سَبعَ مَرَّاتٍ، فَقُلتُ ذَلكَ ثُمَّ أَعلَمتُهُ، فَقَالَ: قُل ذَلِكَ كُلَّ لَيلَةٍ إِحدَى عَشَرَةَ مَرَّةً، فَقُلتُهُ، فَوَقَعَ في قَلبِي حَلَاوَتُهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعدَ سَنَةٍ قَالَ لِي خَالِي: احفَظ مَا عَلَّمتُكَ وَدُمْ عَلَيهِ إِلى أَن تَدخُلَ القَبرَ، فَإِنَّهُ يَنفَعُكَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، فَلَم أَزَل عَلى ذَلِكَ سِنِينَ، فَوَجَدتُ لِذلِكَ حَلَاوَةً فِي سِرِّي، ثُمَّ قَالَ لِي خَالِي يَومًا: يَا سَهلُ، مَن كَانَ اللهُ عَالِمًا بِهِ وَنَاظِرًا إِليهِ أَيَعصِيهِ؟ إِيَّاكَ وَالمَعصِيَةَ. ثُُمَّ بَعَثُوا بِي إِلى الكُتَّابِ فَتَعَلَّمتُ القُرءَانَ وَحَفِظتُهُ، وَأَنا ابنُ سِتِّ سِنِينَ أَو سَبعِ سِنِينَ، وَكُنتُ أَصُومُ الدَّهرَ وَقُوتِي مِن خُبزِ الشَّعِيرِ بِغَيرِ المِلحِ، ثُمَّ خَرَجتُ أَسِيحُ فِي الأَرضِ سِنِينَ ثُمَّ رَجَعتُ إِلى “تُستر”، وَكُنتُ أَقُومُ اللَّيلَ كُلَّهُ، وَقَالَ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ: فَمَا رَأيَتُهُ أَكَلَ المِلحَ حَتَّى لَقِيَ اللهَ تعالى (أَي مَاتَ). هَكَذَا يَكُونُ حَالُ مَن نَشَأَ النَّشءَ الصَّالِحَ وَالتَّربِيَةَ الشَّرعِيَّةَ الصَّحِيحَةَ، فَاسعَوا إِلى تَربِيَةِ أَولَادِكُم عَلى مَا يُرضِي اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَتَذَكَّرُوا قَولَ النَّبِيِّ ﷺ: “إِذَا مَاتَ ابنُ ءَادَمَ انقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثٍ، صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، وَعِلمٍ يَنتَفِعُ بِهِ وَوَلٍَد صَالِحٍ يَدعُو لَهُ» رَوَاهُ مُسلِمٌ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهلِهِ وَمَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
نكمل في شرح بقية الروايات لهذا الحديث الشريف الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
أسئلة فقية للإجابة عليها
ما حكم صوم المرأة المتزوجة النفلَ وزوجها لا يريد ذلك؟ وهل له أن يقول لها: لا تصومي تطوعا الآن؟ وهل تستأذنه في صيام الفرض؟
الجواب: يحرم على المرأة أن تصومَ تطوعًا ونفلًا إلا بإذن الزوج وذلك لقول النبي ﷺ: “لَايَحِلُ للمَرْأَةِ أَنْ تَصُوْمَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإذْنِهِ” رواه البخاري ومسلم. وسببُ وحكمة هذا التحريم أن للزوج حقَّ الاستمتاع بها في أي وقت، وحقه واجب على الفور وصومها تطوعًا ليسَ بفرض فلا يُمنع حقٌّ بنفلٍ، فله أن يقول لها: لا تصومي النفل الآن مثلا، أما في صيام الفرض فلا تستأذنه فتصومه وإن لم يأذن لهَا.