الحديث (150) · قصة عبد الله بن عمرو في الإكثار من العبادة ونصيحة النبي له (4)

المقدمة

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الحمدُ للهِ بجميعِ مَحَامِدِه كلِّهَا مَا عَلِمتُ مِنْهَا وما لم أعلم، على جميع نعمه كلها ما علمتُ منها وما لم أعلم، عدد خلقه كلِّهم ما علمتُ مِنْهُم وما لم أعلم، حَمْدًا يُوافي نعمه، ويُكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهك وعظيمِ سلطانك. وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ، وحده لا شَرِيكَ له، له الملك وله الحمد يُحيي ويُميتُ، وهو على كل شيء قدير، سبحانه من إلهٍ عظيمٍ تنزَّهَ عن الولد والشبيه والمثيل، لا يحدُّه مكانٌ ولا يجرِي عليهِ زمانٌ ولا يحيطُ به عقلُ إنسان، أُقِرُّ بربوبيَّتِهِ وأتَبَرَّأُ مِمَّن أشركَ بهِ أو نسبَ إليه ما لا يليقُ وزعمَ أنه موحِّد، إِقْرَارَ مَنْ لاحَ له الهُدَى فَعَرَفَ، وأشهد أنَّ سيدنا محمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ مَن أُعطِيَ مُنْتَهَى الكَرَمِ والشَّرَفِ، صَلَّى اللهُ وسلَّم عليه، وعلى آله وصحبه ومَنْ اقْتَفَى أَثَرَهُمْ، ومِنْ بِحَارِ عُلُومِهِمُ اغْتَرَفَ، اللهم لك الحمد ما ذكركَ ذاكرٌ وغَفَلَ عنْ ذكرِكَ غافلٌ، اللهم زِدْ عبدَكَ ونبيَّك محمدًا مِن بحورِ العزِّ والفخارِ والرضَى ما تُرضِيهِ عنَّا بهِ يا ربَّ العالمينَ، أمَّا بعدُ:

فقد وصلنا في كتاب رياض الصالحين إلى الحديث التاسع من باب في الاقتصاد في العبادة وهو الحديث الخمسون بعد المائة من كتاب رياض الصالحين: والحافظ النووي رحمه الله يروي هذا الحديث بروايات متعددة كما ذكرنا في الدروس الماضية، وكنا قد شرحنا أغلبَ هذه الرواياتِ وننهيها بإذن الله في هذا الدرس

الحديث

قال الحافظ النووي رحمه الله في الرواية الأخرى: وفي رواية: «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ» قاله ثلاثًا.

الشرح والتعليق على هذه الرواية

وفي رواية (للبخاري ومسلم أنه قال له): «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ»: (يَعْنِي الذِي يَصُومُ الدَّهْرَ كَأَنَّهُ لَم يَصُمْ إِنْ كَانَ ذَلِكَ يَضُرُّهُ، وَإِنْ لَم يَكُنْ يَضُرُّهُ فَإِنَّهُ لَهُ ثَوَابٌ) (قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ ‌لَا ‌صَامَ ‌مَنْ ‌صَامَ الْأَبَدَ بِأَجْوِبَةٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ بِأَنْ يَصُومَ مَعَهُ الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيقَ وَبِهَذَا أَجَابَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها وَالثَّانِي أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَضَرَّرَ بِهِ أَوْ فَوَّتَ بِهِ حَقًّا وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ النَّهْيَ كَانَ خِطَابًا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ عَنْهُ أَنَّهُ عَجَزَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَنَدِمَ عَلَى كَوْنِهِ لم يقبل الرخصة قالوا فنهى النبي ابن عَمروٍ وكان لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ سَيَعْجَزُ وَأَقَرَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو في الحديث الآخر لِعِلْمِهِ بِقُدْرَتِهِ بِلَا ضَرَرٍ) قَالَهُ ثَلَاثًا (أي قال هذا اللفظ وكرره ثلاث مرات، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ‏:‏ كَانَ رَسُولُ اللهِ يُعِيدُ الْكَلِمَةَ ثَلاثًا لِتُعْقَلَ عَنْهُ.اهـ

وهذا حتى يرسَخَ في أذهان سامعيه كان إذا دعا دعا ثلاثا أعاد الدعاء ثلاثا لأنه كان معلما فيريد دائما أنْ يرسخ الدعاء في قلوب من يسمع وإذا تكلم أعاد الكلام ثلاثا، حتى يُفهم عنه جيدا ويُعقل).

رواية أخرى للحديث

قال الحافظ النووي رحمه الله في الرواية الأخرى: وفي رواية: «أَحَبُّ الصِيَامِ إِلَى اللهِ تَعَالَى صِيَامُ دَاوُد، وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى صَلاةُ دَاوُدَ: كَانَ يَنَامُ نِصفَ اللَّيلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَومًا وَيُفطِرُ يَومًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى».

الشرح والتعليق على هذه الرواية

وفي رواية: «أَحَبُّ الصِيَامِ إِلَى اللهِ تَعَالَى صِيَامُ دَاوُد (أي: أكثر ما يكون محبوبًا. قال ابن علان: نسبة المحبة في الصيام والصلاة إلى الله تعالى على معنى إرادة الخير لفاعلهما أو كثرة الثواب فيهما.اهـ وهذا مثل قوله عليه الصلاة والسلام: إِنَّ اللَّه تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَومًا ابتلاهُمْ.اهـ فالمحبة من الله عز وجل على معنى إرادة الإنعام وليس على معنى الانفعالات الجسمانية والقلبية فربنا عز وجل لا يوصف بالجسمية ولا بصفات الأجسام ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا يتغير ولا يحصل له انفعال وتأثر كما نحن نحب أو نبغض، فربنا عز وجل يغيِّرُ ولا يتغير، أما معنى قوله تعالى: [كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ]، فالرسول ﷺ فسَّر هذه الآية بقوله: «يَغفِرُ ذَنبًا وَيَكشِفُ كَربًا وَيَرفَعُ قَومًا وَيَضَعُ ءاخَرِينَ»، رواه الحافظ ابن حبان في صحيحه وابن ماجه. ويوافق هذا قول الناس «سبحان الذي يُغيّر ولا يتغير» وهو كلام حسن جميل إذ التغيّر في المخلوقات وليس في ذات الله وصفاته.

 قال أبو بكر الباقلاني (ت 403هـ) في «الإنصاف» ما نصه: «ويجب أن يعلم: أن كل ما يدل على الحدوث أو على سمة النقص فالله تعالى يتقدس عنه. فمن ذلك: أنه تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات، والاتصاف بصفات المحدثات، وكذلك لا يوصف بالتحول والانتقال، ولا القيام ولا القعود، لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، ولأن هذه الصفات تدل على الحدوث، والله تعالى يتقدس عن ذلك».اهـ

فتبين أن الله يغيّر أحوال العباد من مرض إلى صحّة ومن فساد إلى صلاح ومن فقر إلى غنى ومن غنى إلى فقر على حسب مشيئته الأزلية، فالتغير يطرأ على أحوال المخلوقات وليس على مشيئة الله وعلمه، فإذا دعا العبد ربه أن يشفيَه فاستجاب له يصحّ أن يقال إن دعاءه وافق مشيئة الله. وإذا لم يستجب له يصح أن يقال إن الله لم يشأ له الشفاءَ وعلى كِلا الحالين يستفيد المؤمن بدعائه لربه سواء مع النفع الحاصل بالشفاء أو لم يحصل النفع بالشفاء لأن الثواب كُتب له.اهـ

فالتَّغَيُّرُ وهُوَ انتِقَالُ الشَّيءِ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ يستحيل على الله، وَقَد يَكُونُ الِانتِقَالُ مِن كَمَالٍ إِلَى نَقصٍ أَو مِن نَقصٍ إِلَى كَمَالٍ، قَالَ الجُرجَانِيُّ فِي التَّعرِيفَاتِ: ‌التَّغَيُّرُ: ‌هُوَ انتِقَالُ الشَّيءِ مِن حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ أُخرَى، وَقَالَ: التَّغيِيرُ: هُوَ إِحدَاثُ شَيءٍ لَم يَكُن قَبلَهُ. وَمِن خِلَالِ تَعرِيفِ التَّغَيُّرِ يَتَبَيَّنُ لَنَا أَنَّهُ يَستَحِيلُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلِنُبَيِّنَ ذَلِكَ نَقُولُ: قَد قَامَتِ الأَدِلَّةُ العَقلِيَّةُ وَالنَّقلِيَّةُ عَلَى أَزَلِيَّةِ اللهِ تَعَالَى أَي أَنَّهُ تَعَالَى لَا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ، وَلَمَّا كَانَ ذَاتُ اللهِ أَزَلِيًّا وَجَبَ أَن تَكُونَ صِفَاتُهُ الثَّابِتَةُ لَهُ أَزَلِيَّةً كَالعِلمِ وَالقُدرَةِ وَالإِرَادَةِ وَغَيرِهَا، لِأَنَّهُ لَو كَانَ يَحدُثُ فِي ذَاتِ اللهِ تَعَالَى حَوَادِثُُ أَي مَخلُوقَاتٌ لَوَجَبَ أَن يَكُونَ ذَاتُهُ حَادِثًا مَخلُوقًا، لِأَنَّ قِيَامَ الحَوَادِثِ بِذَاتِهِ مَعنَاهُ أَنَّهُ يَتَغَيَّرُ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَالمُتَغَيِّرُ لَا يَكُونُ إِلَهًا، بَلِ المُتَغَيِّرُ لَا بُدَّ أَن يَكُونَ مَخلُوقًا، فَلَمَّا ثَبَتَ فِي العَقلِ قِدَمُ اللهِ تَعَالَى وَأَزَلِيَّتُهُ ثُبُوتًا قَطعِيًّا وَجَبَ أَن تَكُونَ صِفَاتُهُ أَزَلِيَّةً، وَهَذَا يَقتَضِي أَنْ لَا يَتَغَيَّرَ. فَالمُتَغَيِّرُ مُنتَقِلٌ مِنْ كَمَالٍ إِلَى نَقصٍ أَوَ مِنْ نَقصٍ إِلَى كَمَالٍ وَكِلَا الأَمرَينِ مُحَالٌ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالمُتَغَيِّرُ أَيضًا مُحتَاجٌ لِمَنْ يُغَيِّرُهُ وَالمُحْتَاجُ عَاجِزٌ وَالعَاجِزُ لَا يَكُونُ إِلَاهًا)، وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى صَلاةُ دَاوُدَ (أي: أحبّ أوقات القيام للصلاة وقت صلاة داود): كَانَ ينام نصف الليل (ليستريح البدن من تعب أعمال النهار) (وهذا أي أمر أن يستريح العبد ليقوى بعد ذلك على العبادة والقيام مهم لمن لا يقوى جسده على قيام الليل كله، أما إذا كان يقوى على القيام فإنه يقوم، مثل كثير من علماء السلف والصحابة، فقد كانَ أربعونَ رجُلًا مِنَ السلفِ يُصلُّونَ الصبحَ بوضوءِ العشاءِ منهم أبو حنيفةَ رضيَ الله عنه وغيرُه من السلفِ الصالحِ، رُويَ عَن أَبِي الجويرية، قَالَ: صَحِبْتُ أَبَا حنيفةَ، فَمَا كَانَ في القَومِ رَجُلٌ أَحْسَنَ لَيلًا مِن أَبِي حنيفةَ، لَقَدْ صَحِبْتُهُ أَشْهُرًا فَمَا مِنْها لَيلةٌ وَضَعَ فيها جَنْبَهُ، قَالَ: وحَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الحمانيّ عَنْ بَعْضِ أَصْحابِهِ: أَنَّ أَبَا حَنيفةَ كَانَ يُصلّي الفَجْرَ بِوضوءِ العِشاءِ، وَكَانَ إِذَا أرادَ أنْ يُصلّي مِنَ الليلِ تَزَيَّنَ حَتَّى يُسَرِّحَ لِحْيَتَهُ قالَ أَبو يُوسُفَ: كَانَ أَبُو حنيفَةَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ختْمَةً فَإِذا كَانَ شهرُ رَمَضَانَ خَتَمَ فِيهِ مَعَ لَيْلَةِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْفِطْرِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ ختْمَةً، وكانتْ رابعةُ العدويةُ تُحْيِي الليلَ كلَّهُ فإذا طلَعَ الفجرُ هَجَعَت هَجْعَةً خفيفةً أي نامَتْ نومًا خفيفًا ثمَّ قامَتْ فزِعةً وقالَتْ لِنفسِهَا: النومُ في القبرِ طويلٌ، ويروى أنها قالت: تقول: يا نفسُ كمْ تنامين، وإلى كمْ تقومين، يوشكُ أن تنامي نومةً لا تقومينَ منها إلا ليومِ النشور، وَكَانَ يَزيدُ بنُ الكُمَيتِ، وَكَانَ مِنْ خِيارِ النَّاسِ، يَقُولُ: كَانَ أَبُو حنيفةَ شَديدَ الخَوفِ مِنَ اللهِ، فَقَرَأَ بِنا عَليُّ بنُ الحُسَيْنِ المُؤَذِّن ليلةً في عِشاءِ الآخِرَةِ إِذَا زُلْزِلَتِ وَأَبُو حنيفةَ خَلْفَهُ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ وَخَرجَ النَّاسُ، نَظَرْتُ إلى أَبِي حَنيفةَ وَهُوَ جَالِسٌ يُفَكِّرُ وَيَتَنَفَّسُ، فَقُلْتُ: أَقومُ لَا يَشْتَغِلُ قَلْبُهُ بي، فَلَمَّا خَرَجْتُ تَرَكْتُ القِنْديلَ وَلَمْ يَكنْ فيهِ إِلا زَيتٌ قَليلٌ، فَجِئْتُ وَقدْ طَلَعَ الفَجْرُ وَهُوَ قائِمٌ قَدْ أَخَذَ بِلحْيَةِ نَفْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ: يا مَنْ يَجْزي بِمِثْقالِ ذَرَّةِ خَيرٍ خَيرًا، وَيَا مَنْ يَجْزي بِمِثْقالِ ذَرَّةِ شَرٍّ شَرًّا، أَجِر النُّعْمَانَ عَبْدَكَ مِنَ النَّارِ، وَمَا يُقَرِّبُ مِنْها مِنَ السُّوءِ، وَأَدْخِلْهُ في سِعَةِ رَحْمَتِكَ، قَالَ: فَأَذَّنْتُ، فَإِذَا القِنْديلُ يُزْهِرُ وَهُوَ قائِمٌ، قَالَ: اكْتُمْ عَليَّ مَا رَأَيْتَ، وَرَكَعَ رَكْعَتَي الفَجْرِ، وَجَلَسَ حَتَّى أَقَمْتُ الصَّلاةَ، وَصَلّى مَعَنَا الغَداةَ عَلى وضوءِ أَوَّلِ الليل.

وقالَ بَكْرٌ العابِدَ: رَأَيْتُ أَبَا حنيفَةَ لَيْلَةً يُصَلِّي وَيَبْكي وَيَتَضَرَّعُ وَيَدْعُو وَيَقُولُ رَبِّ ارْحَمْنِي يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ وَقِني عَذَابَكَ وَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي يَوْمَ يَقومُ الأَشْهادُ.. 

ورُوِيَ عَنِ القَاسِمِ بنِ مَعْنٍ: أَنَّ أَبَا حَنِيْفَةَ قَامَ لَيْلَةً يُرَدِّدُ قَوْلَه تَعَالَى: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ، وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ}، وَيَبْكِي، وَيَتَضَرَّعُ إِلَى الفَجْر. وقالَ حَمَّادُ بنُ أبي حنيفةَ: لَمَّا مَاتَ أَبِي سَأَلْنَا الحَسَنَ بْنَ عُمَارَةَ أَنْ يَتَوَلَّى غَسْلَهُ فَفَعَلَ، فَلَمَّا غَسَّلَهُ قَالَ: رَحِمَكَ اللهُ وَغَفَرَ لَكَ، لَمْ تُفْطِرْ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةٍ، وَلَمْ تَتَوَسَّدْ يَمِينَكَ بِاللَّيْلِ منذُ أَرْبَعِينَ سَنَةٍ، وَقَدْ أَتْعَبْتَ مَنْ بَعْدَك. وَكَانَ زَائِدة يَقُولُ: صَلَّيتُ مَعَ أَبِي حَنيفةَ في مَسْجِدِهِ عِشاءَ الآخِرَة، وَخَرجَ النَّاسُ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنّي في المَسْجِدِ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلهُ عنْ مَسْأَلَةٍ، مِنْ حَيثُ لَا يَرَاني أَحَدٌ، قَالَ: فَقامَ، فَقَرَأَ، وَقَدْ افْتَتَحَ الصَّلاةَ، حَتَّى بَلَغَ إلى هذهِ الآيةِ: {فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} فَأَقَمْتُ في المَسْجِدِ أَنْتَظِرُ فَرَاغَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُها حَتَّى أَذَّنَ المُؤَذِّنُ لِصَلاةِ الفَجْرِ)،

 (قَالَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وهو أحد أشهر الكتب على مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه: لقَدْ صَلَّى أبو حنيفة الْفَجْرَ بِوُضُوْءِ الْعِشَاءِ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً، وَحَجَّ خَمْسًا وَخَمْسِيْنَ حَجَّةً. وَفِيْ حَجَّتِهِ الْأَخِيْرَةِ اِسْتَأْذَنَ حَجَبَةَ الْكَعْبَةِ بِالدُّخُوْلِ لَيْلًا فَقَامَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ عَلَىْ رِجْلِهِ الْيُمْنَىْ وَوَضَعَ الْيُسْرَىْ عَلَى ظَهْرِهَا حَتَّىْ خَتَمَ نِصْفَ الْقُرْآنِ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ ثُمَّ قَامَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَوَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِهَا حَتَّى خَتَمَ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا سَلَّمَ بَكَىْ وَنَاجَىْ رَبَّهُ وَقَالَ: إِلَهِيْ مَا عَبَدَك هَذَا الْعَبْدُ الضَّعِيْفُ حَقَّ عِبَادَتِكَ لَكِنْ عَرَفَكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ، فَهَبْ نُقْصَانَ خِدْمَتِهِ لِكَمَالِ مَعْرِفَتِهِ، فَهَتَفَ هَاتِفٌ مِنْ جَانِبِ الْبَيْتِ: يَا أَبَا حَنِيْفَةَ قَدْ عَرَفْتَنَا حَقَّ الْمَعْرِفَةِ وَخَدَمْتَنَا فَأَحْسَنْتَ الْخِدْمَةَ، قَدْ غَفَرْنَا لَكَ)

وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ (روي عَنْ بعض التابعين أنه قال: قَالَ دَاوُدُ عليه السلام: يا رَبّ أَيُّ السَّاعَاتِ أَقُومُ لَكَ فَأَوْحَى إِلَيْهِ: نِصْفُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ إِذَا نَامَ الْقَانِتُونَ وَلَمْ يَقُمِ الْمُتَهَجِّدُونَ وَالْمُسْتَغْفِرُونَ، قَالَ فَرْقَدٌ: فَعِنْدَ ذَلِكَ يَنْظُرُ إِلَيْكَ بِرَحْمَتِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ. أي يرحمه)، وَكَانَ يَصُومُ يَومًا وَيُفطِرُ يَومًا (ليُجبَر بالغذاء فيه الضعفُ الحاصلُ مِن الصوم قبله، وإنما كان هذا أحبَّ لأنه أخذَ بالرفقِ على النفوس التي تخشى منها السآمة التي هي سبب ترك العبادة والله يحبّ أن يوالي فضله ويديم إحسانه، ولأن فيه إبقاءً لقِوى النفس التي تستعين بها على أداء العبادات ومجاهدة الكفار)

(هذا الحديث فيه دليل على أن الصلاة كانت في شرائع الأنبياء قبل محمد ﷺ، وليست الصلاة خاصةً بأمة محمد ﷺ والصيام كذلك، ففي شريعة داود وغيره من الأنبياء كانوا يصومون ويصلون، لكن تختلف عدد صلواتهم عنا، في شريعة موسى عليه السلام مثلا كانوا يصلون صلاتين، وداود كان يصلي ويصوم، وهنا نؤكد أن جميع الأنبياء دينهم هو الإسلام، لا دين صحيح إلا الإسلام، كل الأنبياء مسلمون، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ﴾، دَلَّتِ الآيَتَانِ الكَرِيمَتَانِ عَلَى أَنَّ الدِّينَ الإِسلَامِيَّ هُوَ الدِّينُ الَّذِي ارتَضَاهُ اللهُ لِعِبَادِهِ وَبَعَثَ بِهِ كُلَّ الرُّسُلِ لِيُبَلِّغُوهُ لِلنَّاسِ، وَدَعَوا لَهُ وَنَشَرُوهُ فِي أَرجَاءِ المَعمُورَةِ، فَهُوَ أَصلُ رِسَالَتِهِمُ الَّذِي اتَّحَدُوا عَلَيهِ، وَانطَلَقُوا مِنهُ، فَكَانَ هُوَ دِينَهُم جَمِيعًا، فَالدِّينُ الحَقُّ أَيِ الدِّينُ الصَّحِيحُ المُؤَيَّدُ بِالدَّلِيلِ عِندَ اللهِ تَعَالَى هُوَ الإِسلَامُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: [الأَنبِيَاءُ إِخوَةٌ لِعَلَّاتٍ دِينُهُم وَاحِدٌ وَأُمَّهَاتُهُم شَتَّى]، وَالمَعنَى أَنَّ الأَنبِيَاءَ كُلَّهُم عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ هُوَ دِينُ الإِسلَامِ، فَالإِسلَامُ هُوَ دِينُ جَمِيعِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ، فَإِنَّهُم وَإِنِ اختَلَفَت شَرَائِعُهُم وَأَحكَامُهُم، إِلَّا أَنَّهُم مُتَّفِقُونَ عَلَى أَصلِ الدَّعوَةِ، وَهُوَ التَّوحِيدُ وَالإِسلَامُ وَعِبَادَةُ اللهِ وَحدَهُ وَعَدَمُ الإِشرَاكِ بِهِ، وَقَد أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى عَن أَنبِيَائِهِ فِي القُرءَانِ بِأَنَّهُم كَانُوا مُسلِمِينَ. فَأَخبَرَ اللهُ عَن نُوحٍ عَلَيهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، [سورة يونس: 72]. وَأَخبَرَ عَن إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، [سورة البقرة: 131]. وَأَخبَرَ عَن مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾، [سورة يونس: 84]. وَأَخبَرَ عَن حَوَارِيِّي المَسِيحِ عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾، [سورة المائدة: 111]. وَأَخبَرَ عَن سُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ اخبارا عن مَلِكَةِ سَبَأَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، [سورة النمل: 44]. وَأَخْبَرَ عَنْ يَعْقُوْبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، [سورة البقرة: 132]. وَأَخْبَرَ عَن سليمانَ بنِ دَاودَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ حِيْنَ أَرْسَلَ سليمان الْكِتَابَ لِبَلْقِيْس فَقَالَ لَهَا: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، [سورة النمل: 31]. فَكُلُّ الأَنْبِيَاءِ جَاءُوا بِهَذَا لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، إِنَّمَا تَخْتَلِفُ الأَحْكَامُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فقد أَنْزَلَ اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَّمَدٍ ﷺ التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ أَوِ الْعَجْزِ عَنِ اسْتِعْمَالِهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي شَرَائِعِ الأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، بَلْ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ وَيُصَلُّونَ فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا مَا يَتَوَضَّئُونَ بِهِ تَوَقَّفُوا عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى يَجِدُوا الْمَاءَ. 

ومما يدل على كل هذا من حيث العقل: النَّبِيُّ مِنَ الأَنبِيَاءِ هُوَ مُبَلِّغٌ عَنِ اللهِ، يَنزِلُ عَلَيهِ جِبرِيلُ بِوَحيٍ مِنَ اللهِ لِيُبَلِّغَهُ للنَّاسِ فَيَستَحِيلُ أَن يَتَنَاقَضَ الوَحيُ الذِي هُوَ مِن عِندِ اللهِ وَأَن يُكَذِّبَ بَعضُهُ بَعضًا، فَلَا يَجُوزُ أَن يَنزِلَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى نَبِيٍّ بِدِينٍ ثُمَ يَنزِلَ عَلَى نَبِيٍّ آخَرَ بَأَنَّ هَذَا الدِّينَ بَاطِلٌ وَضَلَالٌ، فَإذًا لَا بُدَّ أَن يَكُونَ الأَنبِيَاءُ قَد جَاؤُوا بِدِينٍ وَاحِدٍ وَهُوَ شَهَادَةُ أَن لَا إله إِِلا اللهُ. لِأَنَّ العَقلَ شَاهِدٌ بَأَنَّ كُلَّ مَا نَاقَضَ لَا إِله إِلَّا اللهُ فَهُوَ بَاطِلٌ مُحَالٌ وَمَا أَدَّى إِلَى المُحَالِ فَهُوَ  مُحَالٌ)

وَلَا يَفِرُّ إِذَا لاقَى» (أي أَنه كَانَ يستبقي قوته للْجِهَاد، فَكَأَنَّهُ أمره باستبقاء قوته للْجِهَاد وَغَيره من الْحُقُوق) (وهذه العبارة التي جاءت هنا وهي قوله: “وَلَا يَفِرُّ إِذَا لاقَى“، تذكرنا بحال الصحابة رضي الله عنهم فإنهم لم يكونوا يفرون من مواجهة الأعداء ولا يتراجعون بل يُقدِمون على الجهاد، رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ إِلَى بَدْرٍ حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ، وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ. فقَالَ عُمَيْرُ بْنُ الحُمَامِ الأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ؟! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بَخٍ بَخٍ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ؟ قَالَ لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلا رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أهلها، قال: فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا. قَالَ: فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ كيسِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُهُنَّ ثُمَّ قَالَ: إِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ. فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.

 حَفَرَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ لِقَدَمَيْهِ فِي الْأَرْضِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَهُوَ حَامِلُ لِوَاءِ الْأَنْصَارِ بَعْدَمَا تَحَنَّطَ وَتَكَفَّنَ، فَلَمْ يَزَلْ ثَابِتًا حَتَّى قُتِلَ هُنَاكَ، وجاءَ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ جَاءَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَقَدْ تَحَنَّطَ وَنَشَرَ أَكْفَانَهُ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ  وَأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ يعني من فرَّ مِنَ المسلمينَ في أثناءِ المعركةِ. فَقُتِلَ. وهو  ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ خَطِيبُ الْأَنْصَارِ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: خَطِيبُ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ، ﷺ أَنَّهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ وَأَنَّهُ بَشَّرَهُ بِالشَّهَادَةِ فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا، وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَنْصَارِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِهِ. فَلَمَّا اسْتَنْفَرَ أَبُو بَكْرٍ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ وَالْيَمَامَةِ وَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، سَارَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِيمَنْ سَارَ، فَلَمَّا لَقُوا مُسَيْلِمَةَ وَبَنِي حَنِيفَةَ تراجع الْمُسْلِمونَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ ثَابِتٌ وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ: مَا هَكَذَا كُنَّا نُقَاتِلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَجَعَلَا لِأَنْفُسِهِمَا حُفْرَةً فَدَخَلَا فِيهَا، فَقَاتَلَا حَتَّى قُتِلَا. وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ لِسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ: أَتَخْشَى أَنْ نُؤْتَى مِنْ قِبَلِكَ؟ (أي أن يكون دخول المرتدين للجيش من جهتك، وأن تكون الثغرة إلى جيش المسلمين من جهتك) فَقَالَ: بِئْسَ حَامِلُ الْقُرْآنِ أَنَا إِذًا. 

وَقَالَ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ وهو أخو عمر بن الخطاب: أَيُّهَا النَّاسُ، عَضُّوا عَلَى أَضْرَاسِكُمْ، وَاضْرِبُوا فِي عَدُوِّكُمْ، وَامْضُوا قُدُمًا. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَتَكَلَّمُ حَتَّى يَهْزِمَهُمُ اللَّهُ أَوْ أَلْقَى اللَّهَ فَأُكَلِّمَهُ بِحُجَّتِي. فَقُتِلَ شَهِيدًا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ لَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ سَبَقَنِي إِلَى الْحُسْنَيَيْنِ أَسْلَمَ قَبْلِي، وَاسْتُشْهِدَ قَبْلِي.

وَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ بنُ عُتْبَةَ: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِالْفِعَالِ، وقاتل المرتدين حَتَّى أَبْعَدَهُمْ وَقُتِلَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

(قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ‌مُحَصَّلُ ‌قِصَّةِ ‌عَبْدِ ‌اللَّهِ ‌بْنِ ‌عَمْرٍو أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَتَعَبَّدْ عَبْدَهُ بِالصَّوْمِ خَاصَّةً، بَلْ تَعَبَّدَهُ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ، فَلَوِ اسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ لَقَصَّرَ فِي غَيْرِهِ، فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَادُ فِيهِ لِيَسْتَبْقِيَ بَعْضَ الْقُوَّةِ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام فِي دَاوُدَ عليه السلام: وَكَانَ لَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَقَوَّى بِالْفِطْرِ لِأَجْلِ الْجِهَادِ).

رواية أخرى للحديث

قال الحافظ النووي رحمه الله في الرواية الأخرى: وفي رواية قال: «أنْكَحَني أَبي امرَأةً ذَاتَ حَسَبٍ وَكَانَ يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ – أي: امْرَأَةَ وَلَدِهِ – فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا. فَتقُولُ لَهُ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا، وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أتَيْنَاهُ. فَلَمَّا طَالَ ذلِكَ عَلَيهِ ذَكَرَ ذلك للنَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: «القِنِي بِهِ» فَلَقيتُهُ بَعد ذلك، فَقَالَ: «كَيْفَ تَصُومُ؟» قُلْتُ: كُلَّ يَومٍ، قَالَ: «وَكَيْفَ تَخْتِمُ؟» قُلْتُ: كُلَّ لَيْلَةٍ، وَذَكَرَ نَحْوَ مَا سَبَقَ، وَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى بَعْضِ أهْلِهِ السُّبُعَ الَّذِي يَقْرَؤُهُ، يَعْرِضُهُ مِنَ النَّهَارِ ليَكُونَ أخفّ عَلَيهِ باللَّيلِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَوَّى أفْطَرَ أيَّامًا وَأحْصَى وَصَامَ مِثْلَهُنَّ كرَاهِيَةَ أَنْ يَترُكَ شَيئًا فَارَقَ عَلَيهِ النَّبيَّ ﷺ.

الشرح والتعليق على هذه الرواية

وفي رواية (للبخاري) قال: «أنْكَحَني أَبي امرَأةً ذَاتَ حَسَبٍ (الحَسَبُ فِي الْأَصْلِ: الشَّرَف بِالْآبَاءِ وَمَا يَعُدُّه النَّاسُ مِنْ مَفاخرهم. وَقِيلَ الحَسَبُ والكَرم يَكُونَانِ فِي الرجُل وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ آبَاء لهُم شَرف) (وَفَضْلُ النكاح في الشريعة الإسلامية واضح ظاهر، فلا يجوز ذمُّه على الإطلاق، بل من ذمَّه على الإطلاق كذَّب الشرع، مثلا: يقول بعض الناس عن الزواج: شرٌّ لا بدَّ منه، والعياذ بالله، لو كان شرًّا كيف يحث عليه الشرع، كيف يفعله النبي ﷺ وقد عدَّدَ النكاحَ مراتٍ ومراتٍ كما لا يخفى عليكم، لو كان شرًّا كيف يأمر به القرآن الكريم، هذه العبارة ومثلها لا يجوز أن تقال ففيها تكذيب للشريعة، بل نقول: لقد حثَّ عليهِ الشرعُ الحنيفُ حيثُ قال تعالى: “وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ”.

وروى الحاكمُ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: “الدُّنْيَا كلهَا مَتَاع وَخير متاعها الْمَرْأَة الصَّالِحَة“،

وروى ابن ماجه عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ، بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ، خَيْراً لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ»،  

وروي عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ أنه قَالَ: “من أحب فِطْرَتِي فَليَسْتَنَّ بِسنتي وإن من سنتي النِّكَاحَ”. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سنَنه) وَكَانَ يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ -أي: امْرَأَةَ وَلَدِهِ – (وتطلق الكَنَّةُ أيضًا على امرأة الأخ، والمراد بها هنا امرأة الولد) فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا (أي عن زوجها). فَتقُولُ لَهُ (تقول له هذا الكلام في معرض الثناء والشكر): نِعْمَ الرَّجُلُ (أي هو من خير الرجال يُكثر العبادة والطاعة لربه عز وجل) (هذه امرأة صالحة مدحت زوجها ولم تذمَّهُ في معيشته وحياته، بل صبرت عليه مع ما رأت منه من ترك لفراشها كما سيظهر، وليس هذا حالَ كثير من النساء، فكثير من النساء والعياذ بالله ينكرن الإحسان، وليس كلهن هكذا، بل كثير منهن، مع التنبيه هنا أنه لا يجوز ذمُّ النساء على الإطلاق، لا يجوز أن يأتي شخص فيسبَّ أو يذمَّ جميعَ النساء لأن فيهن نساءً صالحات، وهذا مما لا شك فيه، مع وجود بعض النساء فيهن ما فيهن من الفساد، فإذا واحد من الرجال حصل له موقفٌ أو أمرٌ مع إحدى النساء، سواء كانت زوجتَه أو غيرَها فلا يجوز أن يذم جميع النساء، ومع ذلك ينبغي أن يصبر الواحد من الأزواج أو الرجال على ما يجده من خُلُقٍ سيئٍ عند بعض النساء، ففي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: [لَا يَفْرَكُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ ‌مِنْهَا ‌خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ]، قال النووي رحمه الله: “يَفْرَكُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ بَيْنَهُمَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ فَرِكَهُ بِكَسْرِ الراء يفركه بفتحها إِذَا أَبْغَضَهُ وَالْفَرْكُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ الْبُغْضُ، فهذا نَهْيٌ أَيْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْغِضَهَا لِأَنَّهُ إِنْ وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا يُكْرَهُ وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا مَرْضِيًّا بِأَنْ تَكُونَ شَرِسَةَ الْخُلُقِ لَكِنَّهَا دَيِّنَةٌ أَوْ جَمِيلَةٌ أَوْ عَفِيفَةٌ أَوْ رَفِيقَةٌ بِهِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ”، فينبغي التلطف بالنساء خوفًا من أن يعصين الله ويقعن بالنشوز، فإن أكثرهن يكفرن العشير كما جاء في الحديث، وقد روى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ. فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، ‌وَتَكْفُرْنَ ‌الْعَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ. قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا».اهـ وفي رواية في البخاري: ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ، جَاءَتْ زَيْنَبُ، امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ زَيْنَبُ، فَقَالَ: أَيُّ الزَّيَانِبِ. فَقِيلَ: امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: نَعَم، ائْذَنُوا لَهَا. فَأُذِنَ لَهَا، قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ»، 

وفي البخاري: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ ‌كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ)

 مِنْ رَجُلٍ (مِنْ بيانية، كقوله تعالى: [فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ]، وليس المعنى أنه يوجد بعض الأوثان هي رجس وبعضها لا، بل مِنْ هنا بيانية أي اجتنبوا الأوثان فهي رجس) لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا (كناية عن المضاجعة والنوم معها على الفراش، قال ابن حجر: أَيْ لَمْ يُضَاجِعْنَا حَتَّى يَطَأَ فِرَاشَنَا)، وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا (أي لم يكشف لنا سترًا. عبرت بذلك عن امتناعه عن الجماع.. قال: وأكثر ما يروى بفتح الكاف والنون في الكنف، وهو الجانب. يعني أنه لم يقربها) مُنْذُ أتَيْنَاهُ (أي منذ زُفِفْتُ إليه). فَلَمَّا طَالَ ذلِكَ عَلَيهِ (أي على أبيه، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ يَلُومُنِي فَقَالَ: أَنْكَحْتُكَ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ ذَاتَ حَسَبٍ فَعَضَلْتَهَا وَفَعَلْتَ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَشَكَانِي) ذَكَرَ ذلك للنَّبيِّ ﷺ) فَقَالَ: «القِنِي بِهِ» (أمر من اللقاء، أَيْ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) فَلَقيتُهُ بَعد ذلك، فَقَالَ: «كَيْفَ تَصُومُ؟» قُلْتُ: كُلَّ يَومٍ، قَالَ: «وَكَيْفَ تَخْتِمُ؟» (أي كيف ختمك للقرآن الكريم) قُلْتُ: كُلَّ لَيْلَةٍ، وَذَكَرَ نَحْوَ مَا سَبَقَ، وَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى بَعْضِ أهْلِهِ السُّبُعَ الَّذِي يَقْرَؤُهُ، يَعْرِضُهُ مِنَ النَّهَارِ ليَكُونَ أخفَّ عَلَيهِ باللَّيلِ (أَيْ يقرأه عَلَى مَنْ تَيَسَّرَ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِالنَّهَارِ لِيَتَذَكَّرَ مَا يَقْرَأُ بِهِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ خَفِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ بِالنِّسْيَانِ)، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَوَّى أفْطَرَ أيَّامًا وَأحْصَى وَصَامَ مِثْلَهُنَّ (قال ابن حجر: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْأَفْضَلَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصُومَ صَوْمَ دَاوُدَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا وَيُفْطِرَ يَوْمًا دَائِمًا، وَيُؤْخَذُ مِنْ صَنِيعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ مِنْ ذَلِكَ وَصَامَ قَدْرَ مَا أَفْطَرَ أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْهُ صِيَامُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ) كرَاهِيَةَ أَنْ يَترُكَ شَيئًا فَارَقَ عَلَيهِ النَّبيَّ ﷺ (وهذا يدل على شدة متابعتهم للنبي ﷺ، وتمسكهم بما فارقوه عليه ﷺ). كل هذِهِ الرواياتِ صحيحةٌ، مُعظمُها في الصحيحين، وقليل مِنْهَا في أحدِهِما (قال بعض الحفاظ: وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُلزِمُ نَفْسَهُ فِي تَعَبُّدِهِ وَأَوْرَادِهِ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، يَنْدَمُ وَيَسُوْءُ مِزَاجُهُ، وَيَفُوْتُهُ خَيْرٌ كَثِيْرٌ مِنْ مُتَابَعَةِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ الرَّؤُوْفِ الرَّحِيْمِ بِالمُؤْمِنِيْنَ، الحَرِيْصِ عَلَى نَفْعِهِم، وَمَا زَالَ ﷺ مُعَلِّماً لِلأُمَّةِ أَفْضَلَ الأَعْمَالِ).

أسئلة فقهية

السؤال: هل يجوز للمرأة أن تخرج في عمرة النفل وحدها بدون محرم وبلا زوج؟

الجواب: الأصل في سفر المرأة وحدها أنه لا يجوز إلا مع محرم أو زوج، لقوله ﷺ: (لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلاَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ) رواه البخاري. وقد أباح الفقهاء لها السفر للعمرة مثلا مع نسوة ثقات إذا أَمِنَتْ على نفسها، قال في مغني المحتاج وهو من كتب الشافعية: “ويشترط في وجوب نسك المرأة -زائداً على ما تقدم في الرجل- أن يخرج معها زوج أو محرم لها بنسب أو غيره أو نسوة ثقات”. وذكر النووي في الروضة هذه المسألة وهذا الاستثناء فقال: لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْحَجُّ حَتَّى تَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهَا بِزَوْجٍ، أَوْ مَحْرَمٍ بِنَسَبٍ أَوْ بِغَيْرِ نَسَبٍ، أَوْ ‌نِسْوَةٍ ‌ثِقَاتٍ.اهـ