الحديث (157) · الجزء الثاني · وصية النبي ﷺ بتقوى الله، والسمع والطاعة

الدرس ١٥٤ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ١:٠١:٣٦

المقدمة

الْحَمْدُ للهِ مُحْدِثِ الْأَكْوَانِ وَالْأَعْيَانِ، وَمُبْدِعِ الْأَرْكَانِ وَالْأَزْمَانِ، وَمُنْشِئِ الْأَلْبَابِ وَالْأَبْدَانِ، وَمُنْتَخِبِ الْأَحْبَابِ وَالْخِلَّانِ، مُنَوِّرِ أَسْرَارِ الْأَبْرَارِ بِمَا أَوْدَعَهَا مِنَ الْبَرَاهِينِ وَالْعِرْفَانِ، وَمُكَدِّرِ قُلُوبِ الْأَشْرَارِ بِمَا حَرَمَهُمْ مِنَ الْبَصِيرَةِ وَالْإِيقَانِ، الْمُعَبِّرِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ الْمَنْطِقُ وَاللِّسَانُ. وَالْمُتَرْجِمِ عَنْ بَرَاهِينِهِ الأَكُفُّ وَالْبَنَانُ، بِالْمُوَافِقِ لِلتَّنْزِيلِ وَالْفُرْقَانِ، وَالْمُطَابِقِ لِلدَّلِيلِ وَالْبَيَانِ، المَوجُودِ أَزَلًا وَأَبَدًا بِلَا كَيفٍ وَلَا زَمَانٍ وَلَا مَكَانٍ، فَأَلْزَمَ الْحُجَّةَ بِالْقَادَةِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، وَأَبْهَجَ الْمَنْهَجَ بِالسَّادَةِ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، الَّذِينَ جَعَلَهُمْ خُلَفَاءَ الْأَنْبِيَاءِ، وَعُرَفَاءَ الْأَصْفِيَاءِ. الْمُقَرَّبِينَ إِلَى الرُّتَبِ الرَّفِيعَةِ، وَالْمُنَزَّهِينَ عَنِ النِّسَبِ الْوَضِيعَةِ، وَالْمُؤَيَّدِينَ بِالْمَعْرِفَةِ وَالتَّحْقِيقِ، وَالْمُقَوَّمِينَ بِالْمُتَابَعَةِ وَالتَّصْدِيقِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى مَنْ عَنْهُ بَلَّغَ وَشَرَّعَ وَبِأَمْرِهِ قَامَ وَصَدَعَ، وَلِمُتَّبِعِيهِ غَرَسَ وَزَرَعَ، مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى الْمُتَّبَعِ، وَعَلَى إِخْوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ الْمُنْتَخَبِينَ وَسَلَّمَ. أَمَّا بَعْدُ:

كُنَّا وَصَلْنَا فِي هَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ لِلحَافِظِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ إِلَى الحَدِيثِ السَّابِعِ وَالخَمسِينَ بَعدَ المِائَةِ وَهُوَ الحَدِيثُ الثَّانِي مِن بَابٍ فِي الأَمرِ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّةِ وَآدَابِهَا، وَكُنَّا قَدْ بَدَأْنَا بِشَرحِهِ وَشَرَحْنَا جُزءًا مِنهُ وَلِعَظِيمِ الفَوَائِدِ فِيهِ قَسَمْنَا شَرحَهُ لِأَكثَرَ مِنْ جُزءٍ، فَنَقرَأُهُ كَامِلًا إِنْ شَاءَ اللهُ وَنُكمِلُ فِيمَا يَتَيَسَّرُ مِنْ شَرحِهِ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى

الحديث

قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: الثَّانِي: عَنْ أَبِي نَجِيحٍ العِربَاضِ بنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَوعِظَةً بَلِيغَةً وَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رسولَ اللهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأوْصِنَا، قَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإنْ تَأَمَّر عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اختِلافًا كَثيرًا، فَعَليْكُمْ بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِيِّنَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّواجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فإنَّ كلَّ بِدعَةٍ ضَلَالَة». رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالتِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ». «النَّوَاجِذُ» بِالذَّالِ المُعْجَمَةِ: الأَنيَابُ، وَقِيلَ: الأَضْرَاسُ.

الشرح

وَصَلْنَا إِلَى قَولِ نَبِيِّنَا ﷺ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَهُنَا السَّمْعَ وَالطّاعَةَ أَيْ لِخَلِيفَةِ المسلِمِينَ معناه الخَلِيفَة الذِي يُبايِعُهُ أَهْلُ الحَلِّ وَالعَقدِ مِنَ المُسلِمِينَ! أَهْلُ الحَلِّ وَالعَقدِ بايَعُوا أَبا بكْرٍ الصِّدِّيقَ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ، أَهْلُ الحَلِّ وَالعَقدِ هُم أَهْلِ العِلْمِ وَالفَهْمِ وَالتَّقْوَى وَالصَّلَاحِ فِي ذَلِكَ العَصرِ. هَؤُلَاءِ إِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى مُبايَعَةِ فُلانٍ خَلِيفَةً، تَنْعَقِدُ لَهُ البَيْعَة وَيَجِبُ عَلَى سَائِرِ المُسلِمِينَ أَنْ يُبَايِعُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ.اهـ 

أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ هُوَ أَوَّلُ خَلِيفَةٍ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ بَعدَ نَبِيِّهَا ﷺ، وَانعَقَدَتْ بَيعَتُهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِإِجمَاعِ الصَّحَابَةِ مِنْ مُهَاجِرِينَ وَأَنصَارٍ بَعدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وَتَمَّتْ بَيعَتُهُ بِجِوَارِ المَسجِدِ النَّبَوِيِّ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ حَيثُ اخْتَلَفُوا فِي بِدَايَةِ الأَمرِ عَلَى مَنْ يَكُونُ خَلِيفَةً بَعدَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُسَمِّ عَلَيهِمْ خَلِيفَةً بَعدَهُ تَصرِيحًا وَإِنَّمَا أَشَارَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الخَلِيفَةَ بَعدَهُ أَبَا بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِأَنْ وَلَّاهُ أَمرَ الصَّلَاةِ بَعدَهُ عِندَمَا مَرِضَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَفِي بَعضِ الأَيَّامِ صَلَّى هُوَ خَلفَهُ وَقَالَ فِي مَرَضِ وَفَاتِهِ أَرَأَيتُمْ هَذِهِ الأَبْوَابَ المُشْرَعَةَ َفِي المَسجِدِ سُدُّوهَا إِلَّا بَابَ أَبِي بَكرٍ، وَذَكَرَ أَبَا بَكرٍ فِي أَكثَرَ مِنْ خُطبَةٍ لَهُ مُشِيرًا لِفَضلِهِ وَسَابِقَتِهِ وَأَنَّهُ صَاحِبُ الكَلِمَةِ بَعدَهُ، وَبَعدَ وَفَاتِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَاَمَتِ الخِلَافَةُ بِالإِجمَاعِ عَلَى أَبِي بَكرٍ وَتَمَّ بِهِ أَمرُ الدِّينِ وَرَدَّ الحَقَّ إِلَى نِصَابِهِ وَأَرسَلَ الجُيُوشَ وَجَمَعَ الزَّكَوَاتِ وَقَسَمَ الأُعطِيَاتِ حَتَّى تَرَكَ هَذِهِ الأُمَّةَ بِسَنَتَينِ فَقَطْ عَلَى خَيرِ مَا يُحِبُّهُ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَوَأَدَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كُلَّ الفِتَنِ مِنْ فِتنَةِ المُرتَدِّينَ وَمَانِعِي الزَّكَاةِ وَالنِّفَاقِ وَغَيرِهَا مِنَ الفِتَنِ العِظَامِ، فَجَزَاهُ اللهُ عَنِ الإِسلَامِ وَالمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزَاءِ، فَهَذَا خَلِيفَةٌ رَاشِدٌ صَالِحٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَجِبُ طَاعَتُهُ، يَجِبُ عَلَى المُسلِمِينَ أَنْ يَسْمَعُوا لَه وأَنْ يُطِيعُوا ما دامَ لَمْ يَأْمُرْهُم بِمَعْصِيَةِ الله، فَإِنْ أَمَرَهم بِمَعْصِيَةِ الله، لا يَجُوزُ لَهُم أَنْ يُطِيعُوه، لأَنَّهُ “لا طاعَةَ لِمَخلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخالِق“. واحِدٌ مِنَ الصّحابَة أَمَّرَهُ رَسُولُ الله عَلَى عَدَدٍ قَليلٍ مِنْ أَصْحابِهِ فَخَرَجَ بِهِم إِلَى ناحِيَة ليَنظُرَ ماذا يَفْعَلُ الكُفّار. أَوْقَدُوا نارًا فِي الليل للتَّدَفُّؤِ بِها، فَقالَ لَهُم هذا الأَمِيرُ: أَنا أَمِيرُكم، ءامُرُكم أَنْ تَدْخُلُوا النار! فقالُوا لَهُ: كيفَ هذا؟؟ نحنُ ءامَنّا بِاللهِ لِيُنْجِيَنا اللهُ مِنَ النار. فَكَيفَ تَأْمُرُنا بِذلِك؟؟ لا نَدْخُلُها! فَحِينَ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ الله، حَكَوْا لِرَسُولِ اللهِ ما ءامَرَهُم بِهِ أَمِيرُهُم، فقالَ ﷺ: “لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخالِق“. وَلَوْ كانَ هذا أَمِيرًا عَلَيْكم، إنْ ءامَرَكُم بِمَعْصِيَةِ الله، لا يَجُوزُ لَكُم أَنْ تُطِيعُوهُ بِما أَمَرَكُم بِهِ أَمّا إِنْ لَمْ يَكُن ءامِرًا بِمَعْصِيَةِ الله، والحديث في البخاري عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ جَيْشًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا، فَأَوْقَدَ نَارًا، وَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا فَرَرْنَا مِنْهَا، فَذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا: لَوْ دَخَلُوهَا لَمْ يَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ لِلْآخَرِينَ: ‌لَا ‌طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ».

فَطاعَةُ الخَلِيفَةِ واجِبَةٌ لأَنَّ الرّسُول قالَ: “أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ“، أَي لِخَلِيفَةِ المُسلِمِين وَلِمَن وَلّاهُ الخَلِيفَةُ والِيًا عَلَى ناحِيَةٍ مِنَ النَّواحِي. 

ثُمَّ الرّسُولُ عَطَفَ السَّمْعَ وَالطّاعَة عَلَى التَقْوى، مَعَ أَنَّ السَّمْعَ وَالطّاعَةَ أَيْ لِخَلِيفَةِ المسلِمِينَ مِنْ جُمْلَةِ الواجِبات وَتَقْوَى الله كما بَيَّنّا أَنَّ مَعناها أداء الواجِبات وَمِنْ جُمْلَةِ الواجِبات السَّمْعُ وَالطّاعَةُ لِخَلِيفَةِ المسلِمِينَ، فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ بيْنَ هذا وَبينَ هذا؟ أَهلُ العِلْمِ يَقُولون: هذا مِنَ عَطْفِ الخاصِّ عَلَى العامِّ. “أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ“، هذه وَصِيَّةٌ عامَّة، أَمَّا قَوْلُهُ “وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ“، فَالسّمعُ وَالطّاعَة أَمْرٌ أَمَرَ بِهِ الرّسُولُ وَهُوَ داخِلٌ تحتَ عُمُومِ التَقْوى وَالتّقوى لا تَتِمُّ للإِنْسانِ إِلّا بِأَداءِ كُلِّ الواجِبات. وهذا لَهُ أَمْثِلَةٌ أَيْضًا فِي كِتابِ اللهِ تعالى القُرءان، مِنْها قَوْلُهُ تعالَى عَنِ الجِنان التي يَدْخُلُها المؤْمِنُونَ فِي الآخِرَة جَنَّة ءانِيَتُها وَما فِيها مِنْ ذَهَب وَجَنَّة ءانِيَتُها وَما فِيها مِنْ فِضّة. قالَ تعالَى عَنْ هاتَينِ الجَنَّتَيْنِ ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [سورة الرحمٰن:68]، الرُّمّان، أَلَيسَت مِنَ الفَاكِهَةِ؟؟ بَلَى، لِمَ عَطَفَ رَبُّنا الرُّمّان عَلَى الفاكِهَةِ، مَعَ كَوْنِ الرُّمّان مِنَ الفاكِهَة؟ قالُوا هذا مِنَ عَطْفِ الخاصِّ عَلَى العامِّ.

 فَالخَلِيفَةُ يَجِبُ طاعَتُهُ فِيما أَمَرَ بِهِ، سَواءٌ كانَ عادِلًا كأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمان وَعَلِيّ وَالحسَنِ بنِ عَلِي وعمرَ بْنِ عَبْدِ العَزيز أَوْ كانَ جائِرًا إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِمَعصِيَةِ الله. ليسَ كُلُّ الخُلَفاءِ كانُوا عُدُولًا! بَعضُ الخُلَفاءِ الذينَ تَوَلَّوْا مَنْصِبَ الخِلافَةِ فِي هذه الأُمَّة، ما كانَ كأَمْثالِ هؤلاءِ الأَكابِر. بَعْضُهُم كَانَ بُويِعَ بِالخِلافَة ثُمَّ بَعْدَ مُبايَعَتِهِ بِالخِلافَة تَلَطَّخَ بِالذُّنُوبِ وَبِالفِسقِ وَبِالظُّلم وَنَحْوِ ذلِك. هَذَا الخَلِيفةُ لا يُخرَجُ عَلَيْهِ لِنَزْعِهِ وَخَلْعِهِ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي مَعْصِيَةِ الله، كَبيرَةً كانت أَوْ صَغِيرَة! إِنّما يُنْصَح وَيُوعَظ ويبين لَهُ أَمْرُ مَعصِيَتِهِ، إِلّا أَنْ يَقَعَ فِي كُفْرٍ بَواح. إِذا وَقَعَ الخَلِيفَة بِكُفْرٍ مُخْرِجٍ مِنَ الدّين، بَواح، يَعْنِى واضِحٌ صَرِيحٌ، لِلمُؤمِنِينَ عَلَيهِ بُرْهَانٌ وَحُجَّةٌ، عِندَئِذٍ يُنْزَعُ مِنَ الخِلَافَةِ.

لا يُخرَجُ عَلَيْهِ لأَنَّ الْمَفْسَدَةَ الْمُتَرَتِّبَةَ علَى خَلْعِهِ لِمُجَرَّدِ وُقُوعِهِ فِي المعصِيَة أَعْظَمُ مِنْ بقائِهِ فِي مَنْصِبِ الخِلافَة لأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ عَلَيْهِ بَعْضُ المسْلِمِين لِنَزْعِهِ بِسَببِ المعْصِيَة، مِنْ مَنْصِبِ الخِلافَة، لأَدَّى هَذَا إِلَى انْقِسَامِ المُسلِمِينَ عَلَى الأَقَلِّ إِلَى طَائِفَتَينِ. طَائِفةٍ تُرِيدُ قِتَالَهُ لِنَزْعِهِ وطائِفةٍ تُدافِعُ عَنْهُ لِبَقائِهِ. وأَمْرُ انْقِسامِ إِلى طائِفَتَين أَوْ إِلَى أَكْثَر ليسَ شيئًا سَهْلًا!  هذا كحالِ مَنْ قِيلَ فِيه: هَدَمَ مِصْرًا لِيَبْنِيَ قَصْرًا! هذا يُؤَدِّي إِلَى ضَعْفِ الأُمَّة وَإِلَى تَفَرُّقِها ونبيُّنا عَلَيهِ السلام نَهانا أَشَدَّ النّهِي عَنِ الفُرْقَة فقال ﷺ: “عَلَيكُم بِالجَمَاعَةِ“، يَعنِى جَماعَة المسلِمِين، مَعناهُ يَحُثُّنا رَسُولُ الله أَنْ نَبْقَى جَماعَةً، لا طَوائِفَ مُتَفَرِّقِين! “عَلَيكُم بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُم وَالفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، فَلِذلِكَ لا يُخْرَجُ عَلَى الخَلِيفَة لِنَزْعِهِ وَخَلْعِهِ مِنْ مَنصِبِ الخِلافَة لِوُقُوعِهِ فِي بَعْضِ المعاصِي إلا أَنَّهُ يُخْلَعُ إِذا صَدَرَ مِنْهُ كفْرٌ بَواحٌ صَرِيحٌ واضِحٌ بَيِّن.

وفِي الحَدِيثِ الذي رَواهُ البُخارِيُّ وَغَيرُهُ أَنَّ الصَّحابِيَّ الجَليل، عُبادَةَ بنَ الصَّامِت قال: “بايَعْنا رَسُولَ اللهِ ﷺ علَى السَّمْعِ وَالطّاعَة“، يَعْنِى لِوَلِيِّ الأَمْر، للخليفَة، “فِي مَنْشَطِنا وَمَكْرَهِنا“، “مَنْشَطِنا” يَعْنِى فِي الأَمْرِ الذي هُوَ جِدٌّ، فِيهِ راحَةٌ لَنا، وَفِيهِ فَرَحٌ وَسُرُور وَبُحْبُوحَة. إِذا أَمَرَنا أَمْرًا فِيه هذه المذْكُورات، يَلْزَمُنا أَنْ نُطِيعَه. قالَ ﷺ “وَمَكْرَهِنا“، يَعنِى إِذا أَمَرَنا بِشَىءٍ تَنْفِرُ مِنْهُ نُفُوسُنا، إِلّا أَنَّهُ لَيسَ مَعْصِيَةً للهِ عَزَّ وَجَلَّ، كما قَدَّمنا، قالَ: “وَعُسْرِنا وَيُسْرِنا وَأُثْرَةٍ عَلَيْنا“. [ضبطت بالضبطين بفتح الألف وضمه، وفتح الثاء والتسكين] قَوْلُهُ: “وَأُثْرَةٍ عَلَيْنا“، يَعْنِى لَوْ أَنَّ هذا الخليفَةَ أَعْطَى أُناسًا حُقُوقَهُم وَمَنَعَ أُناسًا حُقُوقَهُم، وَمَعَ ذلِك، لا يَجُوزُ لَنا أَنْ نَخْرُجَ عَلَيْهِ لِخَلْعِهِ، مَعَ كَوْنِهِ ظالِمًا! وَقَدْ تَكُونُ هذه المعصِيَةُ كَبيرَةً، وَمَع ذلِكَ لا يَجُوزُ الخُروجُ عَلَيْهِ. قالَ: “وَأَنْ لا نُنازِعَ الأَمرَ أهْلَهُ“، يَعنِى أَن لا نُنازِعَ الخَلِيفَةَ لِخَلْعِهِ مِنْ مَنْصِبِهِ،”إِلّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَواحًا“، أَيْ كُفْرًا صَرِيحًا، “عِنْدَكُم مِنَ اللهِ تَعالَى فِيهِ بُرْهان،“، يَعنِى إِذا صَدَرَ مِنَ الخَلِيفَةِ كُفْرٌ صَرِيحٌ واضِحٌ بَيِّنٌ لَكُم عَلَيْهِ بُرْهان، أَي حُجَّة مِنَ القُرءانِ والحَدِيث، عِنْدَئِذٍ يُخْلَعُ ولا يُسْتَبْقَى لأَجْلِ أَنَّهُ كافِرٌ، وَلا وِلايَةَ لِكافِرٍ عَلَى المسلِمين! 

فانْتِظامُ مَصالِحِ العِباد وَمعاشِهِم وَقُوَّةُ دِينِهِم وَطاعَةُ رَبِّهِم، إِنَّما تَكُونُ بِالسَّمْعِ وَالطّاعَة لأَوْلِياءِ الأَمْر، لِخَلِيفَةِ المسلِمين. وَلا يَنبَغِي أَنْ يَحْتَجَّ إِنْسانٌ بِما فَعَلَهُ الحُسَيْن رَضِيَ اللهُ عَنْه، مِن قِتالِهِ لِيَزِيد فَإِنَّ يَزيدَ بنَ مُعاوِيَة لَمْ تَنْعَقِد لَهُ البَيْعَة أصلا كما قال السيوطي في تاريخ الخلفاء وقال قبله أحمد بن حنبل! لَمْ يُبايِعْهُ أَهْلُ الحَلِّ وَالعَقْد مِنَ المسلِمِين لِذلِكَ سيِّدُنا الحُسَيْن خَرَجَ عَلَيْهِ وَأَبى ادِّعاءَهُ للخِلافَة، فَلا حُجَّةَ لاحْتِجاجِ البَعْضِ بِالخُروجِ عَلَى الخَلِيفَة بِما جرى بيْنَ الحُسَيْن بنِ عَلِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما وَبَيْنَ يَزِيد. بَيْعَةُ يَزِيد لَمْ تَكُن صَحِيحَةً. ثُمَّ يُفْهَمُ مِنْ هذا أَنَّ الزَّمان يَتَغَيَّر وَأَنَّهُ يَأْتِي عَلَى هذه الأُمَّةِ أُناسٌ لا يَكونُون كَالعَهدِ الأَوَّل، كَعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعُمَرَ وَعُثْمان وَعَلِيّ. يَأْتِي زَمانٌ عَلَى الناس يَتَسَلَّطُ عَلَى الخِلافَةُ أَشْخاصٌ ليسُوا فِي رُتْبَةِ هَؤُلَاءِ) وَإنْ تَأَمَّر عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ (يَعْنِى عَلَيْكُم بِالسّمعِ والطّاعَة “وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ“، أَيْ وَإِنْ صارَ أَمِيرًا عَلَيْكُم فِي ناحِيَةٍ مِنَ النّواحِي عَبْدٌ. يَعنِى … هَذَا الكَلَامُ الَّذِي ذَكَرَهُ الرَّسُولُ إِنّما ذَهَبَ بِهِ بَعْضُ العُلَماءِ مَذْهَبًا، فقالُوا: “هذا ضَرْبُ مَثَل وَالحَقِيقَةُ أَنَّ هذا لا يَحْصُل لأَنَّ العَبْدَ لا يَكُونُ خَليفَةً للمُسلِمِين لأَنَّ مِنْ شَرْطِ الخَلِيفَةِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا وَالعَبْدُ المَملُوكُ ليسَ أَهْلًا أَنْ يَكُونَ خَلِيفَةً“، الرّسُولُ ﷺ قال ذلِك مِنْ بابِ الْمُبالَغَة فِي تَأْكِيدِ أَمْرِ السّمعِ والطّاعَة لِوَلِيِّ الأَمْر. وَضَرَبَ العُلَماءُ لِهذا مِثالًا لِيُقَرِّبَ للأَذْهانِ مَعنى قَوْلِهِ ﷺ. قالُوا هذا كَقَوْلِهِ ﷺ: “مَنْ بَنَى لله مَسْجِدًا لَوْ مَفْحَصَ قَطاة، بَنَى اللهُ لَهُ بيْتًا فِي الجَنَّة“. “مَفْحَص القَطاة” هُوَ بيْتُ الطّائِر الصّغِير. القَطاة مِثْلُ الحَجَلَة، حَجمُهُ قَرِيب مِنْ حَجْمِ الحَمام الصّغِير. هذا كَمْ يَكُونُ بيْتُهُ؟ بَيْتُهُ يَكُونُ صَغِيرًا! مَعناهُ المسجِدُ لا يَكُونُ بِمَساحَةِ وَحَجْمِ مَفحَصِ قَطاة وَمَعَ ذلِك حَثَّنا الرسُول مَعَ كَوْنِ أَنَّ هذا الأَمْرَ لا يَحْصُل، أَن نَبْنِيَ المساجِد وَلوْ أَنْ يَبْنِيَ الإِنسانُ مَسْجِدًا صَغِيرًا كَمَفْحَصِ قَطاة، مَع أَنَّ هذا فِي الحَقيقَةِ لا يُسَمّى مَسْجِدًا.

لِذلِك قَولُهُ ﷺ: “وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ“، وَفِي رِوايَة: “عَبْدٌ حَبَشِيٌّ“، وَفِي بَعْضِ رِوايَاتٍ زِيادَة: “مُجَدَّعُ الأَطْراف“، أَي مُقَطَّعُ الأَطْراف، أَيِ اسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوه، مَعَ كَوْنِ هذا لا يَكُونُ خَلِيفَةً فِي الحَقيقَة.

وَبَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ، ذَهَبَ فِي بَيانِ هذا الكَلام مَذْهَبًا ءاخَر، فقال: قَولُهُ ﷺ: “وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ“، قال: هذا قَدْ يَحْصُل والمرادُ الإِمارَة لا الخِلافَة. الخِلافَة هِيَ أَعلَى رَأْس الدَوْلَةِ الإِسلامِيّة ثُمَّ يَكُونُ تَحْتَ الخَلِيفَةِ أُمراء عَلى النّواحِي وَعَلى البلْدان فَيُدِيرُ شُؤون المسلِمين فِي تِلكَ الناحِيَة. قالُوا لا مانِعَ أَنْ يَكُونَ الخَلِيفَةُ حُرًّا قُرَشِيًّا مُجْتَهِدًا ثُمَّ يُؤَمِّرُ يَعْنِى يَجْعَلُ عَلَى ناحِيَةٍ مِنَ النّواحِي عَبْدًا مَمْلُوكًا، فَعَلَى هذا يُحْمَلُ الحَدِيثُ عَلَى ظاهِرِه. فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الأَمِيرِ عَلى ناحِيَةً مِنَ النّواحِي أَنْ يَكُونَ حُرًّا وَلا أَنْ يَكُونَ قُرَشِيًّا. وَإِلّا فَإِنَّ خَلِيفَةَ المسلِمِين لا بُدَّ لِيُنَصَّبَ خَلِيفَةً أَنْ تَتَوَفَّرَ فِيهِ شُروط. مِنْ هذه الشُّروط أَنْ يَكُونَ أَنْ يَكونَ مُسلِمًا وَأَنْ يَكُونَ عَدْلًا لا فاسِقًا فِي الالْتِزام ثُمَّ قَدْ يَقَعُ مِنْهُ بَعْدَ تَنْصِيبِهِ فِسْق.

 أَمّا فِي الابتِداء، يُحْكَمُ بِظاهِرِ عَدالَتِهِ وَيُنَصَّبُ بِحَسَبِ ظاهِرِ عَدالَتِهِ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا كَالشّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمالِك. هذا شَرْطٌ فِي الخَلِيفَةِ، لِماذا؟؟ لأَنَّ الخَلِيفَةَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي حَلِّ النِّزاعات والخُصُومات وَيُرْجَعُ إِلَيْهِ للقَضاء، فَلِذلِكَ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا وَلا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قُرَشِيًّا يَعْنِى يَرْجِعُ إِلَى قَبِيلَةِ قُرَيْش لأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قال: “لا يَزالُ هذا الأَمْرُ فِي قُريشٍ ما بقِيَ منهم اثْنان، الأَئِمّةُ مِنْ قُرَيْش وَالنّاس تَبَعٌ لِقُريش“، إِذًا لا بُدَ أَنْ يَكُونَ الخَلِيفَةُ قُرَشِيًّا. وَالعَبْدُ الممْلُوك فِي العادَةِ لا يَكُونُ قُرَشِيًّا. كَيفَ يَكُونُ عَبْدًا حَبَشِيًّا، يَعْنِى مِنْ بِلادِ الحَبَشَة ثُمَّ يَكُونُ فِي الوَقْتِ عَيْنِهِ قُرَشِيًّا؟ لِذلِكَ قالَ العُلماء قَولُهُ ﷺ: “وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ“، أَيِ الإِمارَةَ لا الخِلافَة.

وَهُناكَ مِنَ العُلَماءِ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبًا ثالِثًا فِي بَيانِ الحَدِيثِ، فقال: “يَخْتَلُّ نِظامُ النّاس، فقد يَتَسَلَّطُ عَلى الإِمارَةِ أَوِ الخِلافَة بِالقُوَّة، بِقُوَّةِ السّيْف وَقَهْرِ السِّلاح عَبْدٌ حَبَشِيٌّ وَإِلّا هُوَ فِي الأَصل الخَلِيفَة لا يَكُونُ عَبْدًا حَبَشِيًا، فَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُم مِثْلُ هذا العَبْدِ بِقُوّةِ السّلاح، اسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا وَلَوْ كانَ فِي الأَصْلِ ليسَ قُرَشِيًا، وَلَوْ كانَ فِي الأَصْلِ ليسَ حُرًّا”. وَيَشْهَدُ لِهذا أَنَّ الرسُولَ ﷺ قالَ: “الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيشٍ، أَبْرارُها أُمَراءُ أَبْرارِها وَفُجَّارُها أُمَراءُ فُجَّارِها وَلِكُلٍّ حَقٌّ“، يَعْنِى للْخَلِيفَة حَقٌّ وللأَمِيرِ حَقّ. لِلأمِيرِ، للخَلِيفَةُ حَقُّ السّمعِ وَالطاعَة وَللأَمِيرِ الذي هُوَ دُونَ الخَلِيفَة حَقُّ السَّمعِ وَالطاعَة، “فَآتُوا كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّه وَإِنْ أَمَّرَتْ قُرَيشٌ فِيكُم عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعًا“، أَيْ مُقَطَّع الأَطراف، “فاسْمَعُوا لَهُ وأَطِيعُوا“، هكَذا أَمَرَنا ﷺ وهذا الحَدِيثُ رُوِيَ مَرْفُوعًا إِلَى رَسُول الله ﷺ وَرُوِيَ أَيْضًا مَوْقُوفًا، أَيْ عَلَى صَحابِيٍّ وَهُوَ سيِّدُنا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْه. 

وَهذا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَأْتِي عَلَى الناسِ زَمانٌ، يَصِيرُ فِي قُلُوبِ بَعْضِ النَّاسِ الحِرْصُ عَلَى الإِمَارَةِ. يَهْوَوْنَ، يُحِبُّونَ، تَمِيلُ نُفُوسُهُم إِلَى أَنْ يَصِيرُوا أُمَراء وَأنْتُم تَعْرِفُون أَنَّ لِلإِمارَةِ حَلاوَة! النّبيُّ بَيَّنَ لَنا فِي حَدِيثِهِ أَنَّ أُناسًا يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِهِ يَحْرِصُونَ حِرْصًا عَظِيمًا عَلَى هذه الإِمارَة وَهذه الخِلافَة لأَنَّهُم يَجِدُونَ فِيها ما تَطْمَعُ بِهِ نُفُوسُهُم مِنْقُوَّةِ السُّلْطان وَالجاه بَيْنَ الناس وَجَمْعِ المال وَالنَيْل مِنَ اللّذائِذ وَكُلُّ هذه الأُمُور تَمِيلُ إِلَيْها النُّفُوس. 

قالَ ﷺ لأَصْحابِهِ: “إِنَّكُم سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمارَة“، يَعْنِى يَأْتِي عَلَيْكُم زَمان، يَصِيرُ فِي قُلوبِ بَعْضِكُم حِرْصٌ عَلَى أَنْ يَصِيرَ أَمِيرًا. “إِنَّكُم سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمارَة وَسَتَكُونُ نَدامَةً يَومَ القِيامَة“، يَعْنِى يَنالُ بَعْضُكُمُ الإِمارَة، إِلّا أَنَّهُ لا يَعْدِلُ فِيها، يَسْرِق، يَأْكُلُ أَموالَ النّاسِ بالباطِل، إِلَى غَيرِ ذلِكَ مِنَ الأُمُورِ التي تُخالِفُ شَرْعَ الله، لِذلِكَ قال: “وَسَتَكُونُ نَدامَةً يَومَ القِيامَة فَنِعْمَتِ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفاطِمَة“. هنا الرّسُولُ يُقَرِّبُ لِأَذْهانِنا أَنَّ الإِمارَةَ تَمِيلُ إِلَيْها النَّفس وَتَشْتَهِيها غالِبًا، إِلّا أَنَّها تُعْقِبُ نَدامَةً يوْمَ القِيامةَ بِسَببِ أَنَّ هذا الإِنسان الذي تَأَمَّرَ عَلَى الناس لَمْ يُراعِ شَرْعَ الله بَل ظَلَمَ وَبَطَشَ وَقَتَلَ وسَلَبَ أَمْوالِ الناس إِلَى غَيرِ ذلِك. حالُهُ كَحالِ الصبِيِّ الصغير: إِذا أَرْضَعَتْهُ أُمُّهُ، يَتَعَلَّقُ قَلْبُهُ بِالرَّضاعِ وَتَمِيلُ نَفْسُهُ إِلَى الرَّضاع لذلِكَ قال: “فَنِعْمَتِ الْمُرْضِعَةُ” قال: “وَبِئْسَتِ الفاطِمَة“. حِيَن تُرضِعُهُ، يَتَعَلَّقُ قَلْبُهُ بِالرَّضاعِ ثُمَّ إِذا أَرادَت فَطْمَهُ عَنِ الرَّضاع، يَتَأَلَّم وَيَبْكِي! فَحالُ هذا الإِنْسان الذي هُوَ حَريصٌ عَلَى الإِمارَة كَحالِ الصّغِيرِ عِنْدَ إِرْضاعِهِ، تَمِيلُ نَفْسُهُ إِلَى الرّضاع، كَما أَنَّ طالِبَ الأَمارَةِ تَمِيلُ نَفسُهُ إِلَى الإِمارَة إِلّا أَنَّ هذه الإِمارَةَ فِي الآخِرَةِ نَدامَة وَأَلَم وَعَذاب، كَالصّبِيِّ الذي يُفْطَمُ يَتَأَلَّم وَيَتَعَذَّب بِسَبَبِ فقْدِهِ لِمَا تَشْتَهِي وَتَمِيلُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ. لِذلِكَ لا يَنْبَغِي للإِنْسانِ أَنْ يَكونَ مُتَعَلِّقًا بالمناصِب إِلّا أَنْ يَكُونَ ذا دِينٍ مَتِين، يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ إِذا تَوَلَّى الإِمارَةَ، أَو تَوَلَّى مَنْصِبًا ما، يَقُومُ بحَقِّ هذا الْمَنْصِب عَلى الوَجْهِ الذي يُرْضِي اللهَ عَزَّ وَجلّ، فَإِنْ لَمْ يَكُن مِمّن يَعْدِلُ فِي مَنْصِبِهِ أَوْ إِمارَتِهِ، فَالأَوْلَى لَهُ أَنْ لا يسْعَى لَها. وَالرَّسُولُ ﷺ بَيَّنَ لَنا فِي حَدِيثٍ ءاخَر فقال: “العِرافَةُ حَقٌّ ولكِنَّ العُرَفاءَ فِي النار“! بَعْضُ الصحابَة جاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَجعَلُهُ عَرِيفًا. ، يَعنِى يَتَفَقَّدُ أَحوالَ النّاس ويَنْقُلُ للخَلِيفَةِ أَخْبارَ الناس، فَلَهُ نَوْعُ سُلطَة وَجاه عَلى الناس. مِثلُ هذا يُقالُ فِيهِ عَرِيف. فَهذا الرّجُلُ جاءَ إِلَى الرّسُولِ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُنَصِّبَهُ عَرِيفًا عَلَى قَوْمِه، كَأَنَّهُ رَئِيسٌ لِقَوْمِه. فقال لَهُ ﷺ: “العِرافَةُ حَقٌّ” لأَنَّ الإِنْسانَ إِذا قامَ بِأُمُورِ الناس عَلَى الوَجْهِ الذي يُوافِقُ شَرعَ الله، رَاعَى العَدْلَ فِي تَصَرُّفِهِ مَع الناس لِكَوْنِهِ عَرِيفًا عَلَيْهِم، فَهذه عِرافَةُ حَقّ لأَنَّها تُوافِقُ شَرعَ الله!ثُمَّ فقال ﷺ: “ولكنَّ العُرَفاءَ فِي النار“! معناهُ كَثِيرٌ مِنَ العُرَفاء، أَغْلَبُ مَنْ تَوَلَّى مَنْصِبَ العِرافَة لَمْ يَعدِل بَلِ اتَّخَذَ مَنْصِبَ العِرافَة سببًا لِظُلْمِ الناس وَأَكْلِ أَمْوالِ الناسِ بِالباطِل فاسْتَحَقَّ النار! فلذلِكَ لا يَنبَغِي أَنْ يَفْرَحَ الإِنسانُ إِذا تَوَلّى مَنْصِبًا أَوْ إِمارَةً أَوْ خِلافَةً إِنْ لَمْ يَكُن أَهْلًا لَها لأَنَّهُ فِي العادَةِ لابُدَّ أَنْ يَقَعَ فِيما يُخالِفُ شَرْعَ الله لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ فَيَنْدَمُ فِي يَومِ القِيامَةِ أَنْ تَوَلّى هذا المنصِب! بَعضُ الناسِ نُفُوسُهُم تَعَلَّقَت بِالمناصِبِ إِلَى هذا الحَدّ. واحِد مِنْ أَبناءِ الْمُلوك أَبُوهُ كانَ مَلِكًا فَتَعَجَّلَ هذا الابْنُ مَوْتَ أَبِيه فَكادَ لأَبيهِ الملِك مَعَ بَعْضِ الناس، أَعانُوهُ حَتّى وَضَعُوا للمَلِكِ سُمًّا فِي الطّعام! الأَبُ، الملِكُ أَحَسَّ أَنَّ ابنَهُ يَكِيدُ لَه، يُرِيدُ قَتْلَهُ! فَجَعَلَ فِي قارورَة مُذَهَّبَة سُمًّا قاتِلًا بِوَقْتِهِ ثُمَّ جَعَلَ هذه القارورةَ الْمُذَهَّبَةَ فِي خَزائِنِهِ وَكَتَب عَلَيْها: “مُقَوٍّ للجِماع”! فهذا الابْنُ كادَ لأَبِيهِ فَقَتَلَه! جَعَلَ لَهُ فِي الطّعامِ سُمًّا! فماتَ الملِك وَلَمْ يَدْرِ الناسُ كَيفَ ماتَ هذا الملِك! لمْ يَكُن فِي ذاك الوَقت كما هُو الأَمرُ فِي أَيامِنا لِمعرِفَةِ سَبب وَفاةِ الشخص! فَتَوَلّى هذا الابْنُ مَنْصِبَ الْمُلك بَعْدَ وَفاةِ أَبِيه. بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَين، طافَ بِخزائِنِ الْمُلكِ فَوَجَدَ هذه القارورةَ الْمُذَهَّبَةَ فأَعجَبَتْهُ وَرأَى عَلَيْهِ عِبارَة “مُقَوٍّ للجِماع”! فَشَرِبَ مِنْها فَماتَ بِوَقْتِهِ بِسَببِ هذا السُّمّ الذي تَجَرَّعَهُ. لذلِكَ يا أَحْباب، بِسَببِ تَعَلُّقِ قُلوبِهِم وَسَعْيُ نُفُوسِهِم للوُصُولِ إِلَى هذه المناصِب، كَثِير مِنَ الناس إِذا لَمْ يَكُونُوا عامِلِينَ بِها عَلَى وَجْهٍ يُوافِقُ شَرْعَ الله، تَكُونُ نَدامَةً عَلَيْهِم يَوْمَ القِيامَة. 

وَهَذَا سَبَبُهُ حُبُّ الدُّنيَا فَإِنَّهَا مُهلِكَةٌ، وَفِي هَذَا تُذكَرُ قِصَّةٌ عَن سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ….

سَيِّدُنَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وَالأَرْغِفَةُ الثَّلاثَةُ:

رُوِىَ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ صَحِبَهُ رَجُلٌ وَقَالَ يَا نَبِىَّ اللهِ أَكُونُ مَعَكَ فَانْطَلَقَا فَانْتَهَيَا إِلَى شَطِّ نَهْرٍ فَجَلَسَا يَتَغَدَّيَانِ وَمَعَهُمَا ثَلاثَةُ أَرْغِفَةٍ فَأَكَلا رَغِيفَيْنِ وَبَقِىَ رَغِيفٌ فَقَامَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ إِلَى النَّهْرِ فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يَجِدِ الرَّغِيفَ فَقَالَ لِلرَّجُلِ مَنْ أَخَذَ الرَّغِيفَ قَالَ لا أَدْرِى فَانْطَلَقَ وَمَعَهُ الرَّجُلُ فَرَأَى ظَبْيَةً أَىْ غَزَالَةً وَمَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا فَدَعَا وَاحِدًا فَأَتَاهُ فَذَبَحَهُ وَاشْتَوَى مِنْهُ فَأَكَلَ هُوَ وَذَلِكَ الرَّجُلُ ثُمَّ خَاطَبَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ الظَّبْىَ بَعْدَ أَنْ ذَبَحَهُ وَأَكَلا مِنْهُ وَقَالَ لَهُ قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَامَ فَقَالَ لِلرَّجُلِ أَسْأَلُكَ بِالَّذِى أَرَاكَ هَذِهِ الآيَةَ مَنْ أَخَذَ الرَّغِيفَ قَالَ لا أَدْرِى فَانْطَلَقَا حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى مَفَازَةٍ أَىْ فَلاةٍ فَجَمَعَ عِيسَى ﷺ تُرَابًا وَكَثِيبًا أَىْ رَمْلًا ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ ذَهَبًا بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَصَارَ ذَهَبًا فَقَسَّمَهُ ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ فَقَالَ ثُلُثٌ لِى وَثُلُثٌ لَكَ وَثُلُثٌ لِلَّذِى أَخَذَ الرَّغِيفَ فَقَالَ أَنَا الَّذِى أَخَذْتُ الرَّغِيفَ فَقَالَ لَهُ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ كُلُّهُ لَكَ وَفَارَقَهُ. فَانْتَهَى لِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِى أَخَذَ الذَّهَبَ رَجُلانِ أَرَادَا أَنْ يَأْخُذَا مِنْهُ الذَّهَبَ وَيَقْتُلاهُ فَقَالَ لَهُمَا هُوَ بَيْنَنَا أَثْلاثًا فَقَبِلا ذَلِكَ فَقَالَ يَذْهَبُ وَاحِدٌ إِلَى الْقَرْيَةِ حَتَّى يَشْتَرِىَ لَنَا طَعَامًا فَذَهَبَ وَاحِدٌ وَاشْتَرَى طَعَامًا وَقَالَ فِى نَفْسِهِ «لِأَىِّ شَىْءٍ أُقَاسِمُهُمَا فِى هَذَا الْمَالِ، أَنَا أَجْعَلُ فِى هَذَا الطَّعَامِ سُمًّا فَأَقْتُلُهُمَا وَءَاخُذُ هَذَا الْمَالَ جَمِيعَهُ فَجَعَلَ فِى الطَّعَامِ سُمًّا وَقَالا هُمَا فِيمَا بَيْنَهُمَا لِأَىِّ شَىْءٍ نَجْعَلُ لَهُ الثُّلُثَ إِذَا رَجَعَ إِلَيْنَا قَتَلْنَاهُ وَاقْتَسَمْنَا الْمَالَ نِصْفَيْنِ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِمَا قَتَلاهُ ثُمَّ أَكَلا الطَّعَامَ الْمَسْمُومَ فَمَاتَا فَبَقِىَ ذَلِكَ الْمَالُ بَقِىَ الذَّهَبُ فِى الْمَفَازَةِ وَأُولَئِكَ الثَّلاثَةُ قَتْلَى عِنْدَهُ فَمَرَّ عَلَيْهِمْ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ وَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ هَذِهِ الدُّنْيَا فَاحْذَرُوهَا.اهـ

أَمّا سيِّدُنا يُوسُف عَلَيْهِ السلام، أَليس طَلَبَ أَنْ يُوَلَّى خَزائِنَ مِصْر؟؟ هُوَ طَلَبَ ذلِك! هُوَ نَبِيّ، يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لا يَظْلِم وَأَنَّهُ يَعْدِلُ فِي العَطِيّة وأَنَّهُ يَقُومُ بِحَقِّ خَزائِنِ مِصْر، لِذلِكَ هُوَ طَلَبَ ذلِك، أَمّا الذي لَمْ يَكُن مُسْتَأْهِلًا لِأَنْ يُوَلَّى مَنْصِبًا أَوْ إِمارَةً أَوْ خِلافَةً، لا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يسْعَى لِيَنالَها لأَنَّ الرّسُولَ قالَ: “إِنَّكُم سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمارَة وَسَتَكُونُ نَدامَةً يَومَ القِيامَة فَنِعْمَتِ الْمُرضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَة“، وَهَذَا الحَدِيثُ رَوَاهُ البُخارِيُّ فِي صَحيحِه وابْنُ حِبّان) (هُوَ بِالأَصلِ الصَّالِحُونَ غَالِبًا يَهرُبُونَ مِنْ هَذَا الأَمرِ يَهْرُبُونَ مِنَ الخِلَافَةِ وَالإِمَارَةِ وَالرِّئَاسَةِ وَالعِرَافَةِ، وَلَكِنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ غَيرُهُمْ يَتَصَدَّى لِهَذَا الأَمرِ، أَوْ أَنَّهُ تَضِيعُ بِسَبَبِ تَركِهِمْ لَهَا مَصَالِحُ المُسلِمِينَ تَرَاهُمْ يَتَصَدَّوْنَ لِهَذَا الأَمرَ وَيَتَصَدَّرُونَ لَهُ، وَبَعدَ ذَلِكَ يَجِدُونَ عَونَ اللهِ لَهُمْ فِي القِيَامِ بِهَذَا الحَقِّ عَلَى وَجهِهِ لِخُلُوصِ نِيَّاتِهِمْ وَصَلَاحِ أَحوَالِهِمْ، وَهَذَا المَعنَى مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فَقَالَ: قَالَ ﷺ: «وَالنَّاسُ مَعَادِنُ: خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسلَامِ إِذَا فَقِهُوا، تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّ النَّاسِ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الشَّأْنِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ».اهـ تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّ النَّاسِ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الشَّأْنِ أَيِ الخِلَافَةِ وَالإِمَارَةِ أَيْ تَجِدُونَ أَشَدَّ النَّاسِ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الشَّأنِ وَهُوَ مِنْ خِيَارِ  النَّاسِ حَتَّى يَقَعَ فِي هَذَا الشَّأنِ فَتَزُولَ عَنهُ الكَرَاهِيَةُ لِمَا يَرَى مِنْ إِعَانَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ لِكَونِهِ غَيرَ رَاغِبٍ وَلَا سَائِلٍ وَحِينَئِذٍ يَأمَنُ عَلَى دِينِهِ مِمَّا كَانَ يَخَافُ عَلَيهِ أَوِ المُرَادُ أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ فِيهِ لَا تَجُوزُ لَهُ الكَرَاهِيَةُ هُنَا.اهـ وَإِنَّ لِهَذَا أَمثِلَةً عَدِيدَةً فِي التَّارِيخِ، فَهَذَا أَبُو بَكرٍ مَا طَلَبَ الخِلَافَةَ وَلَا سَعَى لَهَا وَكَانَ يُرِيدُ أَنْ يُوَلِّيَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ أَوْ أَبَا عُبَيدَةَ، وَلَكِنَّهُ تَمَّ تَولِيَتُهُ وَمُبَايَعَتُهُ هُوَ فَوَجَدَ مِنْ إِعَانَةِ اللهِ لَهُ مَا أَقَامَ بِهِ أَمرَ هَذِهِ الأُمَّةَ، وَعُمَرُ كَذَلِكَ اعْتَذَرَ عَنهَا كَثِيرًا لَكِنَّ أَبَا بَكرٍ وَلَّاهُ، وَعُثمَانُ وَعَلِيٌّ رَفَضَهَا وَلَكِنْ عِندَمَا حَصَلَ الأَمرُ أَنَّهُ يَتَوَلَّاهَا أَوْ تَضِيعُ مَصَالِحُ المُسلِمِينَ قَاتَلَ لِإِقَامَتِهَا كَمَا يَجِبُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَعُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ كَذَلِكَ، فَوَجَدَ كُلُّ هَؤُلَاءِ عَونًا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ عَلَيهَا) وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اختِلافًا كَثيرًا (بَيَّنَ الرّسولُ شيئا لَهُ تَعَلُّقٌ بِتَغَيُّرِ الزّمان. مَعناه لا يَبْقَى الناسُ عَلَى ما تَرَكَهُم عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ. عَنْ قَرِيبٍ بَعْدَ وَفاةِ الرّسُول بِمُدَّة ليسَت بَعِيدَة، حَصَلَت قَلاقِل وَفِتَن كَثِيرَة. لِذلِكَ قالَ ﷺ: “وَإِنَّهُ“،أَي وَالشَّأْنُ أَنَّهُ يَحْصُلُ فِيما يَأْتِي مِنَ الزَّمَن، “وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ“وَالرّسُولُ يُكَلِّمُ أَصْحابَه، “وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا،“مَعْناهُ لا يَبْقَى الناسُ حالُهُم فِي أَمْرِ التَّمَسُّكِ بِالدِّين كَحالِ الناس فِي حالِ حياتِهِ ﷺ بَل تَتَغَيَّرُ أَحوالُ الناس وانْظُرُوا إِلَى كلامِهِ، قال: “فَسَيَرَى“، جاءَ بِحَرْفِ السِّين. هُناكَ حُروفٌ تُستَعمَلُ للمُسْتَقبَل. بَعضُ هذه الحُروف تُستَعْمَلُ للمسْتَقبَلِ البَعِيد كَـ”سَوْفَ”. أَمّا حَرْفُ السِّين، فَيُسْتَعْمَلُ للمسْتَقبَلِ القَرِيبِ لَا البَعِيد، وَلِذا قال: “وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى“، ما قال: فَسَوْفَ يَرَى، لِبَيانِ أَنَّ الاخْتِلاف يَحْصُلُ بَعْدَ وَفاتِهِ ﷺ عَنْ قَرِيبٍ. لِذا قال: “فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا” وَهذا الذي حَصَل. يَعْنِى بَعْدَ وَفاةِ الرّسُول تَوَلَّى أَبو بَكْرٍ الخِلافَة. فِي زَمانِ أَبِي بَكْرٍ، أَليسَ كَفَرَت كَثِيرٌ مِنَ القبائِل فِي الجَزِيرَة العَرَبِية بَعْدَ وَفاةِ الرّسُولِ؟؟ ارتَدُّوا إِلَى دَرَجَةِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُقامُ صَلاةٌ إِلا فِي مَسْجِدِهِ، أَمّا بَقِيَّةُ المساجِد التي فِي قَبائِلَ مُخْتَلِفَة تَعَطَّلَت الصّلَواتُ الخَمْسُ فِيها، لأَنَّ أَهْلَ هذه القَبائِل ارتَدُّوا بَعْدَ وَفاةِ الرّسُول فَقامَ أَبُو بَكْرٍ بِقِتالِهِم لأَنَّهُمُ ارْتَدُّوا. يُقاتَلُون لِرَدِّهِم إِلَى الإسلام. وَأُناسٌ امْتَنَعُوا عَنْ دَفْعِ الزَّكاة وَهُم مسْلِمون. قالُوا لا نُعْطِيها لأَبِي بَكرٍ وهذه مِنَ الفِتَن التي حَدَثَت بَعْدَ وَفاة الرّسول عَنْ قريب، فقاتَلَهُم أَبُو بَكْرٍ لإِلْزامِهِم دَفْعَ الحَقَّ الواجِبَ عَلَيْهِم فِي أَمْوالِهِم. ثُمَّ فِي زَمانِ سيّدِنا عُثمان، بعدَ تَقرِيبًا 14 سنة وَشىء مِنْ وَفاة الرّسُول، حَصَلَ قَلاقِل وَفِتَنٌ كَثِيرَة بينَ المسلِمِين إِلَى أَنْ أَدَّى إِلَى أَنْ قُتِلَ سيّدُنا عُثْمان فِي دارِهِ. تَسَلَّطَ عَلَيْهِ بعضُ أهلِ الفتنةِ فَنَزَلُوا عَلَى سيّدِنا عُثْمان مِنْ سَطحِ دارِهِ وَقَتَلُوهُ وَهُوَ يَقْرَأُ كِتابَ الله لأَنَّهُمُ اتَّهَمُوهُ أَنَّهُ يَتَعَصَّبُ لأَقارِبِهِ وَأنَّهُ يُوَلِّي أَقارِبَهُ المناصِب. اتّهَمُوهُ بِهذا وَالعِياذُ بِالله وَقَتَلُوهُ لأَجْلِ هذا الأَمر. ثُمَّ بَعْدَ زَمانِ سيِّدِنا عُثمان، جاءَ سيّدُنا عَلِيّ فَحَصَلَت مَعارِكُ ثَلاثَة بَيْنَ سيّدِنا عَلِيّ وَأُناسٍ خَرَجُوا عَلَيْهِ مِنْهُم مُعاوِيَةُ بنُ أَبِي سُفيان. معاوِيَةُ كانَ فِي بِلادِ الشام حَرَّكَ أَهْلَ الشامِ لِقِتالِ سيدِنا عَلِيّ بِحُجَّةِ أَنَّ سيدَنا عَلِيًّا يَعلَمُ الذينَ قَتَلُوا سيدنا عُثمان وَلَم يَأْخُذ بِحَقِّ عثمان. وَالحَقِيقَةُ أَنَّ سيدَنا عَلِيًّا ما كان يَعْرِفُ مَنْ قَتَلَ سيدَنا عُثمان بِأَعْيانِهِم وَلَوْ عَرَفَهُم، وَطَلَبَ وَرَثَةُ عُثمان القِصاصَ مِنْهُم لَمَكَّنَ عَلِيٌّ وَرَثَةَ عُثمان مِنْ قَتْلِهِم إِنْ أَرادُوا ذلِك. فَخَرَجَ عَلَى سَيِّدِنا عَلِيٍّ مُعاوِيَةُ وَجَماعَتُهُ فقاتَلُوا سيدَنا عَلِيًّا بِغَيرِ حَقٍّ وَحَصَلَ أَنْ قُتِلَ فِي تِلْكَ المعرَكَة قَريبًا مِنْ السبعين أَلف نَفْس مُسْلِمة!! سيدُنا عَلِيٌّ كانَ فَرْضًا عَلَيْهِ أَنْ يُقاتِلَ الذينَ خَرَجُوا عَلَيْهِ. ومعاويَةُ هُوَ مُسْلِمٌ وَمِنَ الصّحابَة لكِنَّهُ بِخُروجِهِ عَلَى سيّدِنا عَلِيٍّ ظَلَمهُ وَسَيِّدُنا عَلِيٌّ كانَ الخليفَة الراشِد الذي يَجِبُ الدُّخُولُ تَحْتَ بَيْعَتِهِ. فَعَمِلَ سيدُنا عَلِيٌّ بِما أَنْزَلَ اللهُ تعالَى فِي القُرْءان ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا، فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللهِ، فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [سورة الحجرات:9] قالَ تعالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾، مَعَ أَنَّ كِلْتي الطّائِفَتَيْنِ مُؤمِنون ﴿حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللهِ﴾، أَيْ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى أَمْرِ اللهِ، وَهذا الذي فَعَلَهُ سيدُنا عَلِيٌّ وَهذه فِتَنٌ عَظِيمَة حَصَلَت بَعْدَ وَفاةِ الرّسُول بِزَمانٍ قَرِيب وَماتَ فِي تِلْكَ المعرَكَة مِنْ خِيرَةِ الصّحابَة. ماتَ عَمّارُ بْنُ ياسِر، وَهوَ مِمّن بَشَّرَهُم الرّسُولُ بالجَنّة. قالَ ﷺ: “مُلِئَ عَمّارٌ إِيمانًا إِلَى مُشاشِهِ“. الْمُشاش رُءُوس العِظام، كأَنَّ سيِّدَنا عَمّارًا مُمْتَلِئٌ إِيمانًا إِلَى رُءوس عِظامِهِ. وَهذا مَدْحٌ لَه بِأَنَّهُ وَلِيٌّ صالِح، كامِلُ الإِيمان. جَماعَةُ مُعاوِيَة قَتَلُوا عَمّارًا بِاتِّفاقِ عُلَماءِ السِّيَرِ وَالتَّوارِيخ، بَلِ الرّسُول في حالِ حياتِهِ أَوْحَى اللهُ إِليهِ أَنَّهُ يحصُلُ وتَقَاتُلٌ بيْنَ المسلِمِين فَيُقْتَلُ عَمّار فِي مَعْرَكَةٍ مِنْ قِبَلِ البُغاة وَالبُغاةُ هُمُ الذينَ خَرَجُوا عَنْ طاعَةِ الخَلِيفَة. قالَ ﷺ: “وَيْحَ عَمّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ الباغِيَة يَدْعُوهُم إِلَى الجَنَّة وَيَدْعُونَهُ إِلَى النّار“، الوَيحُ إِظهارٌ للرّحمةِ لعَمار معْناه الرسُول يَرحَمُ عَمّارًا وَيُشْفِقُ عَلَيْهِ. وَالشِّقُّ الأَوَّلُ مِنْ هذا الحَدِيث مُتَواتِر، مَعناهُ لا يَقْبَلُ الخَطَأ لأَنَّهُ مِنْ حَيثية قُوَّةِ الاحْتِجاج كَقُوَّةِ القُرءان. القُرءان مُتَواتِر وَهذا مُتَواتِر. هذا الحَدِيث رَواهُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ مِنَ الصّحابة بِما فِيهِم مُعاوِيَة بنُ أَبِي سُفيان، هُوَ رَوَى الحَدِيثَ أَيضًا مِنْ جُمْلَةِ الأَربَعَةِ وَالعِشرين راوِيًا مِنَ الصّحابَة. إِذًا الفِتَن وَالقلاقِل والاخْتِلافُ الكَثير بَعْدَ وَفاةِ الرّسُولِ بِزَمَنٍ قَريب، لأَنَّ اللهَ تعالَى قَضَى وَقَدَّرَ فِي الأَزَل أَنْ يَقَعَ كُلَّ مُدَّةٍ بينَ الأُمَّة تَقاتُل. قالَ ﷺ: “سَأَلْتُ رَبِّي أَرْبَعًا“، وَفِى بَعْضِ الرِّوايات: “سَأَلْتُ رَبِّي ثَلاثًا“. فِي الرِّوايَةِ الأُولَى. “سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَرْبَعًا فَأَعْطَانِي ثَلَاثًا وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً…”، قالَ ﷺ: “…سَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُم فِيما بَيْنَهُم فَمَنَعَنِيهَا“، مَعناهُ قَضاءُ اللهِ وَقَدَرُهُ نافِذٌ وَاللهُ قَدَّرَ وَقَضى أَنْ يَحْصُلَ فِي هذه الأُمَّة تَقاتُلٌ بَيْنَ أَفْرادِها فَلِذلِكَ مُنِعَ الرّسُولُ ﷺ مِنْ إِعْطاءِ اللهِ لَهُ هذه الخَصْلَة. وَفِى رِوايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ اللهَ تَعالَى قال: “يا مُحمّدُ، إِنِّي إذا قَضَيْتُ قَضاءً فإِنَّهُ لا يُرَدّ” لأَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ وَتَقْدِيرَهُ نافِذَةٌ لا بُدّ، وَلا يَتَغَيَّر! النبيُّ يَدُلُّنا عَلَى الطَّريقَة التي يَنْبَغِي أَنْ نَعْتَصِمَ بِها وأَنْ نَتَمَسَّكَ بِها عِنْدَ الاخْتِلاف، عِنْدَ حُصُول الفِتَنِ وَالقَلاقِل. ماذا يَنبَغِي أَنْ يَفْعَلَ المسْلِم؟ عَلَيْهِ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِسُنَّةِ الرّسُول ﷺ!) (وَفِي فَسَادِ أَحوَالِ النَّاسِ وَالزَّمَانِ يَقُولُ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: إِنَّكُم فِي ‌زَمَانٍ ‌النَّاسُ ‌فِيهِ ‌كَالشَّجَرَةِ المُخْضَوضِرَةِ لَا شَوكَ لَهَا، إِنْ دَنَوْتَ مِنْهُمْ لَاطَفُوكَ، وَإِنْ أَمَرَتَهُمْ بِمَعْرُوفٍ أَطَاعُوكَ، وَإِنْ نَهَيتَهُمْ عَنْ مُنكَرٍ لَمْ يُعَادُوكَ، وَسَيَأْتِي زَمَانٌ النَّاسُ فِيهِ كَالشَّوكِ، إِنْ دَنَوْتَ مِنْهُمْ آذَوْكَ، وَإِنْ أَمَرْتَهُمْ بِمَعْرُوفٍ عَصَوكَ، وَإِنْ نَهَيتَهُمْ عَنْ مُنكَرٍ عَادَوكَ، فَرَحِمَ اللهُ رَجُلًا تَصَدَّقَ مِن مَالِهِ لِيَوْمِ فَاقَتِهِ.اهـ 

وَرَوَى ابنُ أَبِي شَيبَةَ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لَبِيدٌ:

ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ
وَبَقِيتُ فِي خَلْفٍ ‌كَجِلْدِ ‌الْأَجْرَبِ

يَتَحَدَّثُونَ مَخَانَةً وَمَلَامَةً
وَيُعَابُ قَائِلُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَشْغَبِ

وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَتَمَثَّلُ هَذَينِ البَيتَينِ مِنْ قَولِ ‌لَبِيدٍ وَتَقُولُ، يَا وَيْحَ لَبِيدٍ حَيْثُ يَقُولُ ‌ذَهَبَ ‌الَّذِينَ ‌يُعَاشُ ‌فِي ‌أَكْنَافِهِمْ وَبَقِيتُ فِي خَلَفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَبِ فَكَيْفَ لَوْ أَدْرَكَ زَمَانَنَا، وقَالَ عُرْوَةُ: رَحِمَ اللهُ عَائِشَةَ كَيْفَ لَوْ أَدْرَكَتْ زَمَانَنَا، وقَالَ الزُّهْرِيُّ: رحمه الله عُرْوَةَ كَيْفَ لَوْ أَدْرَكَ زَمَانَنَا، وقَالَ الزُّبَيْدِيُّ رَحِمَ اللهُ الزُّهْرِيَّ كَيْفَ لَوْ أَدْرَكَ زَمَانَنَا، وَنَحنُ نَقُولُ: رَحِمَهُمُ اللهُ جَمِيعًا، كَيفَ لَو أَدْرَكُوا زَمَانَنَا) (رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الزُّبَيرِ بنِ عَدِيٍّ قَالَ: أَتَينَا أَنَسَ بنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَشَكَونَا إِلَيهِ مَا نَلقَى مِنَ الحَجَّاجِ، فَقَالَ: «اِصبِرُوا فَإِنَّهُ لَا يَأتِي زَمَانٌ إِلَّا وَالَّذِي بَعدَهُ شَرٌّ مِنهُ حَتَّى تَلقَوا رَبَّكُم» سَمِعتُهُ مِن نَبِيِّكُم ﷺ. وَعِندَ الطَّبَرَانِيِّ: «لَيسَ عَامٌ إِلَّا وَالَّذِي بَعدَهُ شَرٌّ مِنهُ»، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «أَمسِ خَيرٌ مِنَ اليَومِ، وَاليَومَ خَيرٌ مِن غَدٍ، وَكَذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». وَأَخرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «مَا مِن عَامٍ إِلَّا وَيُحِدِثُ النَّاسُ بِدعَةً وَيُمِيتُونَ سُنَّةً، حَتَّى تُمَاتَ السُّنَنُ وَتَحيَا البِدَعُ»، فَهَذَا الحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ المُرَادَ بِالشَّرِّ مَوتُ السُّنَنِ وَإِحيَاءُ البِدَعِ المُخَالِفَةِ، وَلَا شَكَّ فِي تَحَقُّقِ هَذَينِ الأَمرَينِ فِي كُلِّ زَمَنٍ. وَرُوِيَ عَن مَسرُوقٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَا يَأتِي عَلَيكُم زَمَانٌ إِلَّا وَهُوَ أَشَرُّ مِمَّا كَانَ قَبلَهُ، أَمَا إِنِّي لَا أَعنِي أَمِيرًا خَيرًا مِن أَمِيرٍ، وَلَا عَامًا خَيرًا مِن عَامٍ، وَلَكِن عُلَمَاؤُكُم وَفُقَهَاؤُكُم يَذهَبُونَ ثُمَّ لَا تَجِدُونَ مِنهُم خَلَفًا، وَيَجِيءُ قَومٌ يُفتُونَ بِرَأيِهِم فَيَثلِمُونَ الإِسلَامَ وَيَهدِمُونَهُ». شَكَوا إِلَى أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَسَادَ مَا يَلقَونَهُ مِنَ الحَجَّاجِ: أَيِ ابنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ الأَمِيرِ المَشهُورِ، وَالمُرَادُ شَكوَاهُم مَا يَلقَونَ مِن ظُلمِهِ لَهُم وَتَعَدِّيهِ. وَقَولُهُ: «لَا يَأتِي زَمَانٌ إِلَّا وَالَّذِي بَعدَهُ شَرٌّ مِنهُ»: هَذَا صَرِيحٌ فِي انتِشَارِ الفَسَادِ بَينَ النَّاسِ وَالبُعدِ عَن دِينِ اللهِ وَالشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ مَعَ مُرُورِ الزَّمَانِ، وَهَذَا لَيسَ مَعنَاهُ عَلَى الإِطلَاقِ وَإِنَّمَا مَعنَاهُ بِالغَالِبِ هَكَذَا. فَفِي أَثنَاءِ القَرنِ الأَوَّلِ ظَهَرَتِ الفِتَنُ فِي العَقَائِدِ بَينَ النَّاسِ، فَبَرَزَتِ المُعتَزِلَةُ وَالمُجَسِّمَةُ وَالجَهمِيَّةُ وَالخَوَارِجُ، وَفِرَقُ الرَّوَافِضِ: مِن إِسمَاعِيلِيَّةٍ وَغَيرِهِم، وَتَصَدَّى لَهُم عُلَمَاءُ أَهلِ السُّنَّةِ وَأُمَرَاؤُهُم)….

نكمل في شرح الحديث الدرس القادم بإذن الله تعالى…