المقدمة
الحَمْدُ للهِ الذِي لَا يشغلُهُ عملُ إنسٍ ولا جانٍّ، الذِي تنزّهَ عنِ الشبيهِ والمثيلِ والمكانِ، ليسَ كمثلِهِ شىءٌ ولَا يحتاجُ إلَى أعوانٍ، الَّذِي أرسَلَ لَنا مَنْ للحقِّ أبانَ، وجَعَلَ لَنا مِنَ البِدَعِ مَا هوَ مِنَ الإحسانِ، حمدًا كثيرًا طيبًا يملأُ الميزانَ، فهوَ سبحانَه اللطيفُِ الرؤوفُ الْغَنِيُّ القويُّ المَنَّانُ، ، الحَلِيمُ الكَرِيمُ الرحيمُ الرحمنُ، المحيطُ عِلمًا بما يكونُ وما كان، يُعِزُّ وَيُذِلُ، ويُفْقِرُ ويُغْنِي، كلَّ يَوْم هُو في شان، أحْمَدُه على النِّعَمِ العَظِيمَةِ الحِسَان، وأشكرُه على نِعَمِهِ وبَالشَّكرِ يزيدُ العطاءُ والامْتِنَان، وأشهد أنْ لا إله إلَّا اللهُ وحْدَه لا شريكَ له المَلِكُ الدَّيَّان، وأشهد أنَّ محمدًا عَبْدُهُ ورسولُهُ المبعوثُ إلى الإِنسِ والجان، وأصلي وأسلمُ علَى رسولِهِ محمدٍ الذي انشقَّ ليلةَ ولادتِهِ الإيوانُ، مَنْ أرسلَهُ اللهُ كافّةً للإنسِ والجانِ، وعلَى صاحبِهِ أبي بكرٍ أولِ مَنْ جمعَ القرءانَ، وعلَى عمرَ الموصوفِ بالعدلِ وكذلكَ كانَ، وعلَى التقِيِّ الحييِّ عثمانَ بنِ عفانَ، وعلَى عليٍّ سيدِ العلماءِ والشجعانِ، أمَّا بعدُ:
كُنَّا وَصَلنَا فِي هَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ لِلحَافِظِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ إِلَى الحَدِيثِ السَّابِعِ وَالخَمسِينَ بَعدَ المِائَةِ وَهُوَ الحَدِيثُ الثَّانِي مِن بَابٍ فِي الأَمرِ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى السُّنَّةِ وَآدَابِهَا، وَكُنَّا قَدْ بَدَأْنَا بِشَرحِهِ وَشَرَحْنَا جُزءً مِنهُ وَلِعَظِيمِ الفَوَائِدِ فِيهِ قَسَمْنَا شَرحَهُ لِأَكثَرَ مِنْ جُزءٍ، فَنَقرَأُهُ كَامِلًا إِنْ شَاءَ اللهُ وَنُكمِلُ فِيمَا يَتَيَسَّرُ مِنْ شَرحِهِ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى
الحديث
قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: الثَّانِي: عَنْ أَبِي نَجِيحٍ العِربَاضِ بنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَوعِظَةً بَلِيغَةً وَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رسولَ اللهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأوْصِنَا، قَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإنْ تَأَمَّر عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اختِلافًا كَثيرًا، فَعَليْكُمْ بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِيِّنَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّواجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فإنَّ كلَّ بِدعَةٍ ضَلَالَة». رواه أَبُو داود والترمذي، وَقالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ». «النَّوَاجِذُ» بِالذَّالِ المُعجَمَةِ: الأَنيَابُ، وَقِيلَ: الأَضْرَاسُ.
الشرح
وَصَلْنَا إِلَى قَولِ نَبِيِّنَا ﷺ: فَعَليْكُمْ بسُنَّتِي (النبيُّ يَدُلُّنا عَلَى الطَّريقَة التي يَنْبَغِي أَنْ نَعْتَصِمَ بِها وأَنْ نَتَمَسَّكَ بِها عِنْدَ الاخْتِلاف، عِنْدَ حُصُول الفِتَنِ وَالقَلاقِل. ماذا يَنبَغِي أَنْ يَفْعَلَ المسْلِم؟ عَلَيْهِ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِسُنَّةِ الرّسُول ﷺ!) (الرّسُولُ يَأْمُرُنا بِأَنْ نَتَمَسَّكَ بِسُنَّتِه وَالمرادُ بِالسُّنَّةِ ههُنا الطَّريقُ المسْلُوك الذي يُوافِقُ شَرْعَ الله وَما تَرَكَهُ لَنا رَسُولُ الله ﷺ. وَليسَ المرادُ بِالسُّنَّةِ هُنا سُنَّةَ الصلواتِ الخمسِ أَو غَيرَها مِنَ النّوافِلِ وَالمستَحَبّاتِ! “فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي” يَعْنِى اسْلُكُوا مِنْهاجِي، اثْبُتُوا عَلَى طَرِيقَتِي التي كُنْتُ عَليْها. الْزَمُوا طَرِيقَتِي قَوْلًا وَفِعْلًا وَتَقْرِيرًا.
الأشياءُ التي قُلْتُها الْزَمُوها! الأشياءُ التي كُنتُ أَفْعَلُها اثْبُتُوا عَلَيْها! التَّقْرِيرات، أَيِ الأُمُورُ التي كانت تَحْصُلُ فِي مَجْلِسِهِ فَيُقِرُّها ﷺ، لا بُدَّ أَنْ تكُونَ حَقًّا لأَنَّ الرّسُولَ لا يُقِرُّ الناسَ عَلَى باطِل. فَما يَحْصُلُ وَيَقَعُ فِي مَجْلِسِهِ وحُضُورِهِ ﷺ، ويقره لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حَقًّا وَصَوابًا، لا يَكُونُ مُخالِفًا لِشَرْعِ الله. لَوْ كانَ مُخالِفًا لِشَرْعِ الله لَمَا سَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ هذا الأَمْر بَلْ لَنَهَى عَنْهُ. معناهُ اثْبُثُوا عَلَى ما كُنْتُ عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ وَالفِعْلِ وَالتَقْرِيرِ)
(هَذَا المَعنَى هُوَ المَقصُودُ هُنَا، وَلَكِنْ كَذَلِكَ يَنبَغِي عَلَى العَبدِ المُؤمِنِ الذِي يُرِيدُ أَنْ يَتَرَقَّى فِي الدَّرَجَاتِ أَنْ لَا يَترُكَ النَّوَافِلَ الثَّابِتَةَ عَنهُ ﷺ بَلْ يَفعَلُهَا كَذَلِكَ فَهِيَ سَبِيلٌ لِلتَّرَقِّي وَالرِّفعَةِ وَالعُلُوِّ فِي الدَّرَجَاتِ.
قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَقَدْ كَانَ صَدْرُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ يُوَاظِبُونَ عَلَى السُّنَنِ مُوَاظَبَتَهُمْ عَلَى الْفَرَائِضِ، وَلَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا فِي اغْتِنَامِ ثَوَابِهِمَا. وَإِنَّمَا احْتَاجَ الفُقَهَاءُ إِلَى التَّفْرِقَةِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوبِ الإِعَادَةِ وَتَركِهَا وَوُجُوبِ العِقَابِ عَلَى التَّرْكِ وَنَفيِهِ)
وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِيِّنَ (أَي الْزَمُوا طَرِيقَتِي وَالْزَمُوا طَرِيقَةَ الخُلَفاءِ الرّاشِدِين. الرّاشِد هُوَ ضِدُّ الغاوي.
فَالرّاشِد هُوَ المُتَّبِعُ لِطَرِيقَةِ الرّسُول وَالغاوِي هُوَ الذي ابْتَعَدَ عَنْ طَرِيقَةِ الرّسُول أَوْ خالَفَها. “المَهدِيينَ” أَي المُهتَدِين إِلَى الطريقِ الصّوابِ وأَرادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعثْمان وَعَلِيًّا وَالحَسَنَ بْنَ عَلِيّ، لأَنَّهُ قالَ فِي حَدِيثِهِ: “الخلافةُ بعدِي ثلاثونَ سَنةً ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَضُوضًا“، أَيْ ظَلُومًا. يَعني ثلاثِينَ سَنَة بَعْدَ وَفاةِ الرسُول تَكُونُ خِلافَة عَلَى مِنْهاجِ النُّبُوَّة، عَلَى سُنَّةِ وَطَرِيقَةِ الرّسُول ثُمَّ بَعْدَ ثَلاثِينَ سَنَة، يَحْصُلُ ظُلْمٌ مِنْ قِبَلِ خَلِيفَة المسلِمِين لأُناس. إِنْ حَسَبنا هذه الثلاثينَ سَنَة، تَنْتَهِي الثّلاثُونَ سَنَة بانْتِهاءِ خِلافَةِ الحَسَنِ بنِ عَلِيّ. يَعْنِي خِلافَةُ أَبِي بَكْرٍ كانت خِلافَةً عَلَى مِنْهاجِ النُّبُوَّة وَخِلافَةُ عُمَرَ كَذلِك وَخِلافَةُ عُثمان كذلِك وَخِلافَةُ عَلِيٍّ كذلك ثُمَّ تَوَلَّى بَعْدَ عَلِيٍّ الحَسنُ بنُ عَلِيّ. تَوَلَّى الخِلافَة لِمُدَّةِ سِتَّةِ أَشْهُر ثُمَّ تَنازَلَ عَنِ الخِلافَة لِمُعاوِيَة. بِتَمامِ هذه السّتّة أَشْهُر، انتَهَتِ الثّلاثُونَ سَنَة التي حَدَّثَ عَنْها الرّسُول. وهذا الحَدِيثُ رَواهُ أَبُو داودَ وَغَيرُهُ. “الخلافةُ بَعْدي ثَلاثون سَنة ثُمَّ تَكُونُ مُلكًا عَضُوضًا“.
مُعاوِيَةُ جَعَلَ أَمْرَ الخِلافَةِ كَالمُلكِ. قَبلَ مَوتِهِ نَصَّبَ وَلَدَهُ يَزِيدَ. صارَت بَعْدَ هذا كُلَّما ماتَ خليفة خَلَفَهُ وَلَدُهُ لِذلِكَ مُعاوِيَةُ مَعَ كَوْنِهِ صَحابِيًّا، كانَ يسْتَطِيعُ قَبْلَ وَفاتِهِ أَنْ يُنَصِّبَ مَنْ هُم مِنْ خِيارِ الصّحابَة وَكانُوا مَوْجُودِينَ فِي زَمانِهِ. يَعْنِى كانَ فِي زَمانِهِ عَبدُ اللهِ بْنُ عُمَر بنِ الخَطّاب وَهُوَ رَجُلٌ صالِح، كما وَصَفَهُ الرّسُول وَكانَ كَذلِكَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبّاس تَرجمانُ القُرءان وَهُوَ مِنْ خِيرَةِ الصّحابَة وَهُوَ مِنْ أَعْلَمِ الناس بِكِتابِ الله، وعبد الله بن الزبير والحسين بن علي وغيرهم الكثير. كانُوا أَحْياءَ مَوْجُودِين.
إِلّا أَنَّهُ أَرادَ أَنْ تَبْقَى الخِلافَةُ مِنْ بَعدِهِ لابنِهِ يَزِيد مَعَ كَوْنِهِ يَعلَمُ يَقِينًا أَنَّ يَزِيدَ بنَ مُعاوِيَة لَمْ يَكُنْ عَلَى تِلْكَ الدّرَجَة كَدَرَجَةِ عَبدِ اللهِ بْنِ عُمَر وعَبدِ اللهِ بنِ عَبّاس. يَعرِفُ أَنَّ وَلَدَهُ لَمْ يَكُن عَلَى تَقْوًى وَصَلاح وَمَعَ ذلِك نَصَّبَهُ قَبلَ وَفاتِهِ، وقد حَصَلَ ظُلْمٌ كَبيرٌ فِي زَمانِ يَزِيد، وَقعَةُ الحَرَّةِ التِي اسْتُبِيحَتْ فِيهَا المَدينَةُ وَقُتِلَ فيِهَا خِيارُ الصَّحَابَةِ وَاغتُصِبَتِ النِّسَاءُ فِي المَدِينةِ المنورةِ، وَوَقَعةُ كَربَلَاء، وَقُتِلَ آلُ البَيتِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم وغَيرُها مِنَ الوَقْعَاتِ الفَاسِدَةِ حَصَلَتْ فِي زَمَنِ يَزِيدَ.
فَالخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ لَيسُوا كَمَنْ بَعدَهُم، الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَمَنْ سَارَ عَلى طَرِيقَتِهِم هُم مَن أَوصَى النَّبِيُّ ﷺ بِالتَّمَسُّكِ بِنَهجِهِم بَعدَهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم)، عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّواجِذِ (تَمَسَّكُوا بِسُنَّتِي تَمَسُّكًا عَظِيمًا، وَكأَنَّ الإِنسانَ يَجْعَلُ شيئًا فِي فَمِهِ، يُدْخِلُهُ إِلَى داخِلِ فَمِهِ ثُمَّ يَعَضُّ عَلَيْهِ بِقُوَّة. هذا تَمْثِيل، كِنايَة عَنْ شِدَّةِ التَّمَسُّك بِطَرِيقَةِ الرّسُولِ ﷺ.
وَالنَّواجِذ جَمْعُ ناجِذَة وهِيَ ما نُسَمِّيها أَضرَاسَ العقلِ وَهِيَ أربعَةُ أضراسٍ. لِماذا ذَكَرَ الرّسُولُ النَّواجِذ لِيُفْهِمَنا أَنْ نَتَمَسّكَ بِسُنَّتِهِ تَمَسُّكًا شَدِيدًا وَقَوِيًّا وَأَنْ لا نَخْرُجَ عَنْها، لأَنَّ الذي يَتَمَسَّكُ بِالشىءِ بِنَواجِذِهِ يَعَضُّ بِقُوَّة. أَمّا الذي يَنْهَشُ بِثُناياه، لا يَكُونُ نَهْشُهُ قَوِيًّا) (فَإِذًا أَرْشَدَنا الرّسُولُ ﷺ عِنْدَ ظُهُورِ الفِتَن والاخْتِلافات التي تَحْصُلُ بَعْدَ وَفاتِهِ ﷺ إِلَى أَنْ نَتَمَسَّكَ بِسُنَّتِهِ أَيْ طَرِيقَتِهِ ﷺ التي شَرَعَها لَنا فِي الأَقْوالِ والأَفعالِ وَالأَحْوال وَالتَّقْرِيرات، وَبَيَّنَ لَنا ﷺ أَنَّ مِمّا يَعْصِمُنا مِنَ التَّشَرذمِ وَالتَّفَرُّق والافْتِتانِ بِسَبَبِ الاخْتِلافات أَنْ نتَمَسَّكَ بِطَرِيقَةِ الخُلَفاءِ الراشِدِين المَهْدِيين، أَيِ الذيِنَ اتَّبَعُوا الرّسُول فِي شَرْعِهِ وَدِينِه وَهُم أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعثْمان وَعَلِيّ وَالحَسَنُ بْنُ عَلِيّ، وَمُلْحَقٌ بِهِم سيِّدُنا عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيز رَضِيَ اللهُ عَنْهُم وَنَفَعَنا بِهِم جَمِيعًا. وَبَيَّنَ لَنا ﷺ أَهَمِيَّةَ التَّمَسُّكِ بِطَرِيقَتِهِ وَطَرِيقَتِهِم لأَنَّهُم سَلَكُوا طَرِيقَتَه فقالَ: “عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ“.
وَلا يَنْبَغِي أَنْ نَفْهمَ مِنْ قَوْلِهِ: “وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهدِيينَ“، أَنَّ قُوَّةَ طَرِيقَةِ هؤلاءِ الخُلَفاء كَقُوَّةَ طَرِيقَتِهِ ﷺ وَذلِكَ أَنَّ النّبِيَّ ﷺ مَعْصُومٌ عَنِ الخَطَإ فِي أَمْرِ شَرْعِ الله، أَمّا الخُلَفاءُ الرّاشِدُون فَلَيْسُوا بِمَعْصُومِين عَنِ الخَطَإِ فِي أَمْرِ شَرْعِ الله، فَلا يَنبَغِي أَنْ نَجْعَلَ الخُلَفاءَ الرّاشِدِين فِي نَفْسِ الميزان، عَلَى حَدٍّ سَواء فِي سُنَّتِهِم وَطَرِيقَتِهِم مَعَ عِصْمَةِ النّبِيّ عَنِ الخَطَإ. نَحنُ أَهْلَ السُّنَّةِ والجَماعَة لا نَقُولُ بِعِصْمَةِ الأَئِمّة عَنِ الخَطَإ كبعض الفِرَقِ. أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعثْمان وَعَلِيّ هَؤلاءِ خِيرَةُ الناس بَعْدَ رَسُولِ اللهِ وَأَفْضُلُ الناسِ فِي أُمَّتِهِ، لَكنْ لا يَنبَغِي أَنْ يَعتَقِدَ الواحِدُ مِنّا أَوْ يَقُولَ بِلِسانِهِ إِنّهُم لا يُخْطِئُونَ ألبَتَّة. لَيسُوا بِمَعْصُومِينَ عَنِ الخَطإ،
وَلْنَعْلَمْ أَنَّهُ فِي مَذْهَبِ الإِمامِ الشّافِعِيّ كلام الصحابي بمفرده ليسَ حُجَّةً فِي الدِّين إِنّما الحُجّةُ فِي الدّين: القُرءان والسُّنة وَإِجْماعُ الأُمّة وَالقِياس. أَمّا كَلامُ الصّحابِيِّ بِمُفْرَدِه وَلَوْ كانَ خَلِيفَةً راشِدًا، فَليسَ بِحُجَّةٍ فِي الدّين فِي مَذْهَبِ الإِمامِ الشافِعِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. لذلكَ لا ينبَغِي أَنْ نَعْتَقِدَ أَنَّ كلامَ هؤلاءِ الأَئِمَّة لا يَحْصُلُ مِنْهُم خَطَأٌ بِالمَرَّة! البَعضُ ذَهَبُوا إِلَى أَنْ زَعَمُوا أَنَّ الخَلِيفة مَعصُومٌ عَنِ الْمَعْصِيَة حَتّى عَنِ المكْروه وَهذا كَلامٌ فاسِد!! لِذلِكَ يَقُولُ إِمامُنا الشافِعِيُّ: كلامُ الإِمامُ بِمُفْرَدِه ليسَ بِحُجَّةٍ فِي الدّين إِنّما الحُجَّةُ فِي الدّين يُرجَعُ بِها إِلَى أَرْبَعَةِ أَشياء أَوْ إِلَى واحِدَةٍ مِنْ هذه الأَشياءِ الأَرْبَعَة: يُرْجَعُ فِيها إِلَى ۱)- القُرءان ۲)- أَوْ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ الثابِت، الجارِي، المسْتَمِرّ أَيْ غَيرِ المتْرُوك ۳)- أَوْ تُؤخَذُ الحجَّةُ أَيضًا مِنْ إِجْماعِ هذه الأُمّة. إِذا أَجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، فَهُوَ حُجَّةٌ فِي الدّين لأَنَّ إِجْماعَ الأُمّة لا بُدَّ أَنْ يَكونَ حَقًّا وَصَوابًا. “ما رآهُ المسلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَن وَما رَآهُ المُسلِمُونَ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ قَبِيح“، لأَنَّ اللهَ لا يَجْمَعُ أُمَّةَ مُحمَّدٍ ﷺ عَلَى ضَلالَة ٤)- أَوِ القِياسُ وَهِيَ وَظِيفَةُ المجْتَهِد. فَعَلى ما ذَهَبَ إِلَيْهِ الشافِعِيّ، كلامُ أَوِ اجْتِهادُ الصحابِيّ ليس من حجج الدين، وَلَوْ كانَ هذا الصّحابِيُّ أَبا بَكرٍ أَوْ عُمَرَ! وَمِمّا يشْهَدُ لِهذا أَنَّ أَبا بَكْرٍ كانَ اجْتَهَدَ فِي مسْأَلَةٍ حَدَثَت فِي زَمانِهِ بَعْدَ وَفاةِ الرّسُول فَأَدّى اجْتِهادُ أَبِي بَكْرٍ إِلَى قَوْل واجْتَهَدَ غَيرُهُ كَسيِّدِنا عَلِيٍّ وَسيِّدِنا زَيْدِ بْنِ ثابِت في نَفْسِ المسألة، فَأَدّاهُما اجْتِهادُهُما إِلَى قَوْلٍ هُوَ عَلَى خِلافِ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، فَلَوْ كانَ عَلِيٌّ يَعْتَقِدُ العِصْمَةَ فِي أَبِي بَكْرٍ عَنِ الخَطَإِ فِي الشّرع، لَما كانَ خالَفَهُ فِي اجْتِهادِه، لَكِنَّ سيدَنا عِليًّا لا يَعْتَقِدُ العِصْمَةَ عَنِ الخَطَإِ فِي اجْتِهادِ أَبِي بَكْرٍ، وَلا أَبُو بَكْرٍ يَعْتَقِدُ العِصْمَةَ عَنِ الخَطَإِ فِي اجْتِهادِ سيدِنا عَلِيٍّ وَلا اجْتِهادِ زَيْدِ بْنِ ثابِت. لِذلِكَ اخْتَلَفَ اجْتِهادُهُما فِي مَسأَلَةٍ شَرْعِيَّةٍ حَصَلَت بَعْدَ وَفاةِ الرّسُول.
رَجُلٌ تُوُفِّيَ وَلَمْ يَتْرُك زَوْجَةً وَلا أَوْلادًا إِلّا أَنَّ هذا الميت لَه جَدٌّ وَلهُ إِخْوَة. هذه المسألَة لَمْ تَحْصُل فِي زَمَنِ الرّسُولِ وَليسَ منصُوصًا عَلَيْها فِي القُرءان وَليسَ منصُوصًا عَلَيْها فِي حَدِيثِ رَسولِ الله. مَنِ الذي يَرِثُ هذا الميت؟؟ هَل يَرِثُهُ الجَدُّ وَحْدَهُ فقط دُونَ الإِخْوَة أَمْ يَرِثُهُ الجَدُّ والإِخْوَة؟؟ فاجْتَهَدا وَقالَ سيدُنا أَبُو بَكْرٍ: الجَدُّ فِي مَقامِ الأَبّ، فَبِما أَنَّ هذا الميتَ تُوُفِّيَ أَبُوه، فَيَقُومُ الجَدُّ مقامَ الأَبِ فِي مِيراثِهِ فَيأْخُذُ الجَدُّ كُلَّ التّرِكَةِ لأَنَّهُ يَقُومُ الجَدُّ مَقام الأَب وَلا يَأْخُذُ الإِخْوَةُ شَيئًا مِنَ التّرِكَة. هذا اجْتِهادُ أَبي بَكر الصديق إِلّا أَنَّ اجْتِهادَ سيدِنا عَلِيٍّ وَزَيدِ بْنِ ثابِت الصَّحابِيِّ الجَليلِ، الذي وَصَفَهُ نَبِيُّنا فَقال: “أَفْرَضُكُم زَيْد“، يَعْنِى أَعلَمُكُم بِعِلمِ الفَرائِض (الْمَوارِيث) زَيد. سَيِّدُنا عَلِيٌّ وَزَيْد قالا: الإِخوَةُ يُشارِكُونَ الجَدَّ فِي المِيراث. مَعْناهُ التّرِكَة يَتَشارَكُونَها جَمِيعًا. سَيدُنا عِليٌّ مَع كَوْنِهِ يَعرِفُ لأَبِي بَكْرٍ قَدَرَهُ وَشَأْنَهُ فِي العِلْمِ وَالتّقْوَى وَالصلاح، لَمْ يَعْتَقِد عِصْمَتَهُ عَنِ الخَطَإِ فِي الشرع)
(لا ينبَغِي أَنْ نَفْهَمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: “فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيينَ“، أَنَّ سُنَّةَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيينَ مِنْ حَيثُ القُوَّة، كَقُوَّةِ احْتِجاجِ الواحِدِ مِنّا بِكَلامِ رَسُولِ الله.
وَمِمّا يُؤَكِّدُ أَنَّهُ يَقَعُ مِنْ بَعْضِ هؤلاءِ الأَئِمّة خَطَأٌ، لكِنْ بِنُدْرَة، وَلا يَمْنَعُ صُدُورُ هذا الخَطأ مِنْ واحِدٍ مِنْ هؤلاءِ الأَئِمّة أَنَّهُم لا يَزالُونَ فِي اعْتِقادِنا مَوثُوقِين، لأَنَّ أَهلَ العِلمِ وَمِنْهُم الإِمامُ مالِكٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُول: “الثِّقَةُ قَدْ يَقَعُ بِخَطإٍ بِنُدْرَة. وَلا يَنْفِي صُدُورُ هذا الخَطَإِ مِنهُ مَوثُوقِيَّتَهُ فِي نَقلِ العِلمِ وَتَأدِيَتِهِ للناس، مَعنَاهُ يَبْقَى ثِقَةً وَلَوْ صَدَرَ مِنْهُ هذا الخَطأ بِنُدْرَة. مَعناهُ يَنْدُرُ مِنَ الثِّقَةِ أَنْ يَقَعَ فِي خَطأ. فَلذلِكَ، بَعْدَ أَنْ فَصَّلْنا في هذا، نَقُول: صَدَرَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ يَومًا خَطَأٌ فِي تَعبيرِ رُؤْيا. جاءَ إِنسانٌ إِلى مجلِسِ رَسُولِ الله فَسَأَلَ عَنْ رؤيا رآها فِي المنام فَعَبَرَ أَبُو بَكْرٍ هذه الرُّؤْيا، فَسَّرَها، لأَنَّهُ أُوتِـيَ هَذا العِلمَ. هوَ وَلِيٌّ صالِح، آتاهُ اللهُ هذا العِلمَ (هذا العِلْم لا يُعْطاهُ إِلّا نَبِيٌّ وَبَعْضُ الأَوْلِياء)، حِينَ عَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ هذه الرُّؤْيا، كانَ الرّسُولُ يسْمَع، فقالَ لَهُ ﷺ: “أَصَبْتَ فِي بعضٍ وَأَخْطَأْتَ فِي بعضٍ“، أي فِي أَثْناءِ تَأْوِيلِكَ لِهذا المنام. فَهذا يشْهَدُ أَنَّهُ قدْ يَصْدُرُ مِنَ الأَئِمَّة الخَطأ بِنُدْرَة.
وَرَوَى الزُّبَيْرُ بنُ بَكّارٍ وَغيرُهُ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ مُصْعَبٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يَوْمًا عَلَى الْمِنْبَرِ: أَلَا لَا تَزِيدُوا فِي مُهُورِ النِّسَاءِ عَلَى أَرْبَعِينَ أُوْقِيَّةٍ، وَلَوْ كَانَتْ بِنْتَ ذِي الْغُصَّةِ، يَعْنِي يَزِيدَ بْنَ الحُصَيْنِ الْحَارِثِيَّ. والظاهِر أَنَّ ابْنتَهُ كانت فائِقَةَ الجَمال، يُدْفَعُ للزِّواجِ مِنْها بِمَهْرٍ عالٍ، كأَنَّها كانت عَلَى هذه الصِّفَة. ثُمَّ قالَ سيِّدُنا عُمَر: “إِلّا جَعَلْتُ فَضْلَ ذلِكَ فِي بَيْتِ المال“. فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنْ صَفِّ النِّسَاءِ طَوِيلَةٌ فقالَت: “ما ذاكَ لَكَ يا ابْنَ الخَطّاب“، مَعْناهُ ليسَ لَكَ أَنْ تَنْهَى الناس عَنِ الزِّيادَة فِي مُهُورِ النِّساء عَنِ الأَربَعِينَ أَوقِيّة. فقال: “ما ذاكِ؟”، أَيْ مَا السَّبَبُ أَنَّكِ أَنْكَرْتِ عَلَيَّ؟ فقالَت: “قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا، أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [سورة النساء:20] وَالقِنْطارُ 12 ألْف أُوقِيَّة. عِنْدَما تَلَت عَلَيْهِ هذه الآيَة، قالَ سيدُنا عُمر: “أَصابَتِ امرَأة وَأَخطَأَ رَجُل“، وَفِى بَعْضِ الرّوايات: “أَصابَتِ امرَأة وَأَخطَأَ عُمَر“. إِذًا هذا الإِمامُ الرّاشِدُ العَدِلُ القَوِيُّ فِي دِينِ الله، أَمِيرٌ شَدِيد صَدَرَ مِنْهُ خَطأٌ لأَنَّهُ ما تَنَبَّهَ، وَنَسِيَ الآيَة القُرءانِيّة. فَنَحْنُ أَهلَ السُّنّةِ نُجِلُّ هؤلاءِ الأَئِمّةَ وَلكنْ لا نَعتَقِدُ بِهِمُ العِصْمَةَ عَنِ الخطإِ، كما نَعْتَقِدُ العِصْمَةَ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنِ الخَطَإِ فِي الشّرع.
إِذًا قوْلُهُ ﷺ: “وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهدِيينَ“، معناهُ اِلْزَمُوا مَسْلَكَهُم وَطَرِيقَتَهُم لأَنَّ مَسلَكَهُم وَطَرِيقَتَهُم مَبْنِيّانِ بلا شَكّ عَلَى الطّرِيقَةِ المحَمَّدِيّة. وَإِلّا، لَولا أنَّ طَرِيقَتَهُم مَبْنِيَّة عَلَى طَرِيقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لَمَّا كانُوا راشِدِين وَلا ما كانُوا مَهْدِيين كَما وَصَفَهُم رَسُولُ الله ﷺ، فِي حَدِيثِهِ هذا)، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ (مَعْناهُ باعِدُوا وَابْتَعِدُوا واجْتَنِبُوا “مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ“، وَالْمُرادُ بِها الأُمُور المحْدَثَة السّيئَة الْمُبْتَدَعَة التي تُخالِفُ شَرْعَ الله، التي تُخالِفُ طَرِيقَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَطَرِيقَةَ الخُلَفاءِ الرّاشِدينَ الْمَهْدِيين مِنْ بَعْدِهِ. ما خالَفَ شَرْعَ اللهِ، فَهُوَ بِدْعَةُ ضَلالَة، مُحْدَثَةٌ سيئَة) (النَّبِيُّ ﷺ يُحَذِّرُنَا مِنَ المُحدَثَاتِ الَّتِي تَحدُثُ بَعدَهُ فِي الدِّينِ لِأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ سَيَصِيرُونَ إِلَى حَالَةِ ضَعفٍ مِنْ عِلمِ الدِّينِ وَفَهْمٍ بِقَوَاعِدِهِ، فَإِنَّهُ بَعدَ ذَلِكَ عِندَمَا يُحْدِثُونَ أَوْ يُحْدَثُ أَمَامَهُمْ أُمُورٌ لَا يُمَيِّزُونَ كَونَهَا حَقًّا أَمْ بَاطِلًا فَيَزِلُّونَ، لَمْ يَتَمَسَّكْ أَكثَرُ النَّاسِ بَعدَهُ بِالقَوَاعِدِ وَبِالأُسُسِ الَّتِي تَرَكَهَا لَنَا ﷺ وَلَوْ تَمَسَّكُوا لَنَجَوا مِنَ المُخَالَفَاتِ غَالِبًا بِتَوفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
فِي أَيَّامِنَا هَذِهِ قَدْ تَحدُثُ أُمُورٌ لَيسَتْ مِنَ الدِّينِ، وَأَكثَرُ أَبنَاءِ المُسلِمِينَ لَا يَستَطِيعُ التَّميِيزَ بَينَ كَونِهَا مُوَافِقَةً لِلأُصُولِ وَالقَوَاعِدِ النَّبَوِيَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ أَمْ لَيسَتْ مُوَافِقَةً فَيَزِلُّ.
فَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ: إِيَّاكُمْ وَمُحدَثَاتِ الأُمُورِ، وَالمَقصُودُ هُوَ المُحدَثَاتُ الَّتِي تُخَالِفُ شَرِيعَتَهُ وَقَوَاعِدَ دِينَهُ ﷺ)؛ فإنَّ كلَّ بِدعَةٍ ضَلَالَة (ثُمَّ قالَ ﷺ:“فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ“ قالَ الحافِظُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ علَى صَحيحِ مُسْلِم عِنْدَ بَيانِهِ لِهذه الجُملَة مِنْ هذا الحَدِيث، قالَ: “هذا الحَدِيثُ مِنَ العامِّ الْمَخْصُوص“، مَعناهُ لَفْظُهُ عامّ لأَنَّ الرّسُولَ قال: “فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ“، وَلَفْظَةُ “كُلَّ” مُؤَكِّدَةٌ للعُموم. تُسْتَعْمَلُ لَفْظَةُ “كُلَّ” عادَةً فِي عِلُوم أُصُولِ الفقه للعُموم، العُمومُ الذِي يَشْمَلُ أَفْرادَ كُلِّ بِدعَة، لكنَّ النَّوَوِيَّ قال: لَفْظُهُ عامٌ وَمَعْناهُ “مَخْصُوص“، معناهُ مَخصُوصٌ بالبِدَعِ التي تُخالِفُ شَرْعَ الله. وَليسَ مَعْناهُ أَنَّ كُلَّ شىءٍ مُحْدَثٍ بَعْدَ وَفاةِ الرّسُول يُعَدُّ بِدْعَةَ ضلالَة مُطْلَقا، لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ فُعِلَ بَعدَ وَفاةِ الرّسُول! بِدَليلِ أَنَّ الصّحابَةَ وَمِنهُم الأَئِمّةُ الرّاشِدُون الذينَ أُمِرْنا أَنْ نَأْتَمَّ بِسُنَّتِهِم، ومِنْ سُنَّتِهِم إِحْداثُ وَفِعْلُ أُمُورٍ لَمْ تَكُن فُعِلَت زَمانَ الرّسول، فَنَحْنُ نَأْتَمُّ بِسُنَّتِهِم عَمَلًا بِما أَمَرَ بِهِ الرّسُولُ مِنَ السّيْرِ عَلَى سُنَّتِهِم وَطَرِيقَتِهِم. وَالأَمثِلَةُ عَلَى هَذَا كَثِيرَةٌ: سيدُنا عُمر جَمَعَ الناسَ بَعْدَ وَفاةِ الرّسُول ﷺ عَلى إِمَامٍ واحِدٍ فِي صَلاةِ التّراوِيح وَهُوَ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، أَقرَأُ الصّحابَة وَلَمْ يَكُنِ الأَمْرُ كَذلِكَ فِي زمانِ الرسُول وحياتِه وبَعْدَ وَفاةِ أَبِي بَكْرٍ الصّدِيق وَما زالَ المسلِمُونَ إِلَى هذا الوَقْت يُصَلُّونَ التّراوِيح جَماعَةً خَلْفَ إِمام واحدٍ. هذا أَمْرٌ أَحْدَثَهُ وَابْتَدَعَهُ سيّدُنا عُمَر، وَهذا الأَمرُ لا يُخالِفُ القُرءانَ، ولا الحَدِيثَ وَلا الإِجماعَ ولا الأَثَرَ وَلا يُنْكَرُ عَلَيْهِ فِي إِحْداثِهِ لِمِثْلِ هذا الأَمرِ، بَلِ الأُمَّةُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى اسْتِحْسانِ ما فَعَلَهُ سيِّدُنا عُمَر مِنْ أَيّامِهِ إِلَى أَيّامِنا هذه. إِذًا لا يُذَمُّ الشىءُ لِمُجَرَّدِ تَسْمِيَتِهِ بِدْعَةً لأَنَّ مَعْنَى البِدْعَة ما أُحْدِثَ عَلَى غَيرِ مِثالٍ سابِق. هذا الأَمْرُ الذي أُحْدِثَ عَلَى غَيرِ مِثالٍ سابِق إِمّا أَنْ يُخالِفَ شَرْعَ الله، وَإِمّا أَنْ يُوافِقَهُ. فَإِنْ خالَفَ شَرْعَ الله، فَهُوَ بِدْعَةٌ مَذْمُومَة قَبِيحةٌ، وَإِنْ وافَقَ شَرْعَ الله فَهُوَ بِدْعَةٌ حَسَنَة، فَلا يَنبَغِي أَنْ يُذَمَّ الشىءُ لِمُجَرَّدِ تَسْمِيَتِهِ بِدْعَةً بِدَليلِ أَنَّ سيِّدَنا عُمَر سَمَّى اجْتِماعَ النَّاسِ خَلْفَ إِمامٍ واحِد بِدْعَةً وَمَع ذلِك مَدَحَها، فقالَ فيمَا رواهُ البخاريُّ في الصحيحِ والإمامُ مالكٌ فِي المُوَطَّأ وغَيرُهمَا: “نِعْمَتِ البِدْعَةُ هَذِهِ“. نَعَم، أَغْلَبُ البِدَع بِدَعٌ تُخالِفُ الشّرع وَلكِن هذا لا يَعْنِي أَنَّهُ لا يُوجَدُ بِدَعٌ حَسَنَة!
البِدعَةُ فِي اللُّغَةِ هِيَ مَا أُحدِثَ عَلَى غَيرِ مِثَالٍ سَابِقٍ سَوَاءٌ كَانَ خَيرًا أَمْ شَرًّا.
قَالَ الأَزهَرِيُّ فِي التَّهذِيبِ: “أَخبَرَنِي المُنذِرِيُّ عَنِ ابنِ السِّكِّيتِ قَالَ البِدْعَةُ كُلُّ مُحدَثَةٍ” اهـ ثُمَّ روَى عَنِ الكِسَائِيِّ قَالَ: البِدَعُ فِي الخَيرِ وَالشَّرِّ”.اهـ
وَقَالَ ابنُ دُرَيدٍ فِي جَمهَرَتِهِ: “بَدَعتُ الشَّىءَ إِذَا أَنشَأتُهُ وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرضِ أَيْ مُنشِئُهَا”اهـ ثُمَّ قَالَ: “وَكُلُّ مَنْ أَحدَثَ شَيئًا فَقَدِ ابتَدَعَهُ وَالِاسمُ بِدعَةٌ وَالجَمعُ بِدَعٌ”.اهـ
وَأَمَّا السُّنَّةُ فِي اللُّغَةِ فَهِيَ الطَّرِيقَةُ كَمَا حَكَاهُ الأَزهَرِيُّ فِي التَّهذِيبِ وَغَيرُهُ وَمِنهُ قَولُهُ ﷺ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبلَكُمْ» أَيْ طَرُقَهَمْ.
وَأَمَّا فِي الاصْطِلَاحِ فالبدعة هي المُحدِثُ الذِي لَم يَنُصَّ عَلَيهِ القُرءَانُ وَلَا السُّنَّةُ سَوَاءٌ كَانَ خَيرًا أَمْ شَرًّا، فَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيمٍ عَنْ إِبرَاهِيمَ بنِ الجُنَيدِ قَالَ سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: “البِدعَةُ بِدعَةٌ مَحمُودَةٌ وَبِدعَةٌ مَذمُومَةٌ فَمَا وَافَقَ السُّنَّةَ مَحمُودٌ وَمَا خَالَفَ السُّنَّةَ مَذمُومٌ”.اهـ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهذِيبِ الأَسمَاءِ وَاللُّغَاتِ: “البِدعَةُ –بِكَسرِ البَاءِ- فِي الشَّرعِ هِيَ إِحدَاثُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهِيَ مُنقَسِمَةٌ إِلَى حَسَنَةٌ وَقَبِيحَةٌ” اهـ
وَقَالَ الْحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِهِ تَهذِيبِ الأَسمَاءِ وَاللُّغَاتِ: قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ المُجمَعُ عَلَى إِمَامَتِهِ وَجَلَالَتِهِ وَتَمَكُّنِهِ فِي أَنْوَاعِ العُلُوْمِ وَبَرَاعَتِهِ أَبُوْ مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيْزِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ رَحِمَهُ اللهُ وَرَضِيَ عَنْهُ فِيْ آخِرِ كِتَابِ “الْقَوَاعِدِ”: الْبِدْعَةُ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى: وَاجِبَةٍ، وَمُحَرَّمَةٍ، وَمَنْدُوْبَةٍ، وَمَكْرُوْهَةٍ، وَمُبَاحَةٍ. قَالَ: وَالطَّرِيْقُ فِيْ ذَلِكَ أَنْ تُعْرَضَ الْبِدْعَةُ عَلَىْ قَوَاعِدِ الشَّرِيْعَةِ، فَإِنْ دَخَلَتْ فِيْ قَوَاعِدِ الْإِيْجَابِ فَهِيَ وَاجِبَةٌ، أَوْ فِيْ قَوَاعِدِ التَّحْرِيْمِ فَمُحَرَّمَةٌ، أَوِ النَّدْبُ فَمَنْدُوْبَةٌ، أَوِ المَكْرُوْهُ فَمَكْرُوْهَةٌ، أَوِ الْمُبَاحُ فَمُبَاحَةٌ، وَلِلْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا: الْاِشْتِغَالُ بِعِلْمِ النَّحْوِ الذِيْ يُفْهَمُ بِهِ كَلَامُ اللهِ تَعَالِىْ وَكَلَامُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الشَّرِيْعَةِ وَاجِبٌ، وَلَا يَتَأَتَّىْ حِفْظُهَا إِلَّا بِذَلِكَ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، فَهُوَ وَاجِبٌ،
وتَدْوِيْنُ أُصُوْلِ الدِّيْنِ وَأُصُوْلِ الْفِقْهِ، والْكَلَامُ فِيْ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ، وَتَمْيِيْزُ الصَّحِيْحِ مِنَ السَّقِيْمِ،
وَلِلْبِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا: مَذَاهِبُ القَدَرِيَّةِ وَالجَبْرِيَّةِ وَالمُرْجِئَةِ وَالمُجَسِّمَةِ وَالرَّدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنَ البِدَعِ الوَاجِبَةِ،
وَلِلْبِدَعِ الْمَنْدُوْبَةِ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا: إِحْدَاثُ الرُبُطِ وَالمَدَارِسِ، وَكُلُّ إِحْسَانٍ لَمْ يُعهَد فِي العَصرِ الأَوَّلِ، وَمِنْهَا: التَّرَاوِيحُ،
وَلِلْبِدَعِ الْمَكْرُوْهَةِ أَمْثِلَةٌ: كَزَخْرَفَةِ الْمَسَاجِدِ، وَتَزْوِيْقِ الْمَصَاحِفِ، وَلِلْبِدَعِ الْمُبَاحَةِ أَمْثِلَةٌ: مِنْهَا: الْمُصَافَحَةُ عَقِبَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ.اهـ
سَيِّدُنَا عُثمَانُ بَعْدَ وَفاة الرّسُول أَحدَثَ أَذانًا ثانِيًا (الثانِيَ باعتِبارِ إِحدَاثِهِ) يَومَ الجُمُعَةِ فِي خِلَافَتِهِ. هَذَا الأَذَانُ يُؤَذَّنُ بِهِ فِي مَكَانٍ يُقَالُ لَهُ الزَّوْرَاءُ وَهُوَ مَكَانٌ قَرِيبٌ عَلَى مَسَافَة مِنْ مَسجِدِ رَسُولِ اللهِ. هَذَا الأَذَانُ أَحدَثَهُ قَبلَ الأَذَانِ الذِي يُؤَذَّنُ بَينَ يَدَيِ الخَطِيبِ عَلَى المِنبَرِ، قَالَ حَتَّى يَتَهَيَّأَ النَّاسُ وَيَقْدَمُوا إِلَى المَسجِدِ لِصَلَاةِ الجُمُعَةِ، وَلَمْ يُنْكِر علَيهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَة وَكَانُوا كَثْرَةً. بَلِ اعْتَبَرُوا إِحْداثَهُ هَذَا شَىءٌ حَسَنٌ وَلَا زَالَ النَّاسُ يُؤَذِّنُونَ أَذَانَينِ مُنذُ ذَلِكَ الوَقتِ. إِذًا: فالدَّليلُ مِنْ أَقوَالِ وَأفعَالِ الْخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ ثَابِتٌ عَلَى البِدْعَةِ الْحَسَنَةِ: فَقَدْ أَحْدَثَ الخُلَفاءُ الرَّاشدُونَ الْمَرْضِيُّونَ أَشْياءَ لَمْ يَفْعَلْها الرَّسولُ ﷺ ولا أمَرَ بِها مِمَّا يُوافِقُ الْكِتابَ والسُّنَّةَ فكانوا قُدْوَةً لنا فيها، فَهَذا أبو بَكْرٍ الصِّديقُ يَجْمَعُ القُرءانَ ويُسَمِّيهِ بِالْمُصْحَفِ، وهَذا عُمَرُ بنُ الخطَّابِ يَجْمَعُ النَّاسَ في صلاةِ التَّراويحِ على إمامٍ واحِدٍ وَيَقولُ عَنْها: “نِعْمَتِ البِدْعَةُ هَذِهِ“، وهَذا عُثمانُ بنُ عَفَّانَ يأمُرُ بِالأَذانِ الأوَّلِ لِصَلاةِ الجُمَعَةِ، وهَذا الإمامُ عليٌّ يُنقَطُ المُصحَفُ وَيُشَكَّلُ في زمانِهِ على يَدِ يَحْيى بنِ يَعْمَرَ، وهَذا عُمَرُ بنُ عَبِدِ العزيزِ يعمَلُ المَحارِيبَ والمَآذِنَ لِلمَساجِدِ. كُلُّ هَذِهِ لَمْ تَكُن في زَمانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ)»
(وَمِنَ البِدَعِ الحَسَنَةِ الَّتِي تَلَقَّتْهَا الأُمَّةُ بِالقَبُولِ عَمَلُ المَولِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، فَأَوَّلُ مَنْ أَحدَثَ عَمَلَ المَولِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ فَهُوَ المَلِكُ المُظَفَّرُ أَبُو سَعِيدٍ كُوكَبرِي مَلِكُ إِربِلَ وَزَوجُ أُختِ السُّلطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ الأَيُّوبِيِّ فَاتِحِ القُدسِ، فَفِي “حُسنِ المَقصِدِ فِي عَمَلِ المَولِدِ” لِلحَافِظِ السُّيُوطِيِّ مَا نَصُّهُ: “وَأَوَّلُ مَنْ أَحدَثَ عَمَلَ المَولِدِ صَاحِبُ إِربِلَ المَلِكُ المُظَفَّرُ أَبُو سَعِيدٍ كُوكَبرِي بنُ زَينِ الدِّينِ عَلِيٍّ أَحَدُ المُلُوكِ الأَمجَادِ وَالكُبَرَاءِ الأَجوَادِ وَكَانَ لَهُ آثَارٌ حَسَنَةٌ وَهُوَ الَّذِي عَمَّرَ الجَامِعَ المُظَفَّرِيَّ بِسَفحِ قَاسيُونَ”.اهـ
وَإِنَّ مِنْ أَعظَمِ مَا يَسُوءُ هَؤُلَاءِ المُحَارِبِينَ لِلمَولِدِ وَيَغِيظُهُمُ، اجتِمَاعُ النَّاسِ عَلَى سَمَاعِ قِرَاءَةِ مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرءانِ وَالأَخبَارِ وَالوَارِدَةِ فِي مَبدَأِ أَمرِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا وَقَعَ فِي مَولِدِهِ مِنَ الآيَاتِ وَقِرَاءَةِ شَمَائِلِهِ الكَرِيمَةِ تَعظِيمًا لِقَدرِهِ ﷺ وَإِظهَارًا للفَرَحِ وَالاِستِبشَارِ بِمَولِدِهِ الشَّرِيفِ ثُمَّ مَدِّ طَعَامٍ يَأكُلُهُ الحَاضِرُونَ وَيَنصَرِفُونَ … فَإِنَّهُمْ يَرَونَ ذَلِكَ مُنكَرًا عَظِيمًا تَجِبُ إِزَالَتُهُ حَتَّى إِنَّهُم إِذَا سَمِعُوا بِإِنسَانٍ عَمِلَ مَولِدًا ضَرَبُوهُ كَضَرْبِهِمْ لِلمُجتَمِعِينَ عَلَى الفِسقِ وَشُربِ الخَمرِ بَل أَشَدَّ … وَيَكفِي لِإِظهَارِ مَا تُضْمِرُ بَلْ تُضْرِمُ أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ بُغضٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُمْ يُبِيحُونَ إِطعَامَ الطَّعَامِ كُلَّ أَيَّامِ السَّنَةِ إِلَّا يَومَ مَولِدِهِ ﷺ بَلْ قَالَ قَائِلُهُمْ إِنَّ الطَّعَامَ الَّذِي يُوَزَّعُ فِي المَوالِدِ أَحرَمُ مِنْ لَحْمِ الخِنزِيرِ … وَهَلْ بَعدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ، وَقَالَ بَعضُ مَفَاتِيهِمْ: كَفَرَ أَهلُ الشَّامِ وَأَهلُ مِصرَ وَأَهلُ العِرَاقِ لِأَنَّهُمْ يَحتَفِلُونَ بِالمَولِدِ).
فَائِدَةٌ لِلتَّذكِيرِ بِفَضِيلَةِ عَاشُورَاءَ
وَفِي خِتَامِ مَجلِسِنَا اليَومَ أَحبَابِي أُذَكِّرُكُمْ بِمُرُورِ الأَزمَانِ وَأَنَّنَا فِي شَهرِ اللهِ المُحَرَّمِ المُبَارَكِ، فَإِنَّ شَهْرَ الْمُحَرَّمِ شَهْرٌ شَرِيفُ الْقَدْرِ. وَقَد حَصَلَت فِيهِ وَقَائِعُ وَحَوَادِثُ عَبرَ الزَّمَنِ، وَلَقَدْ أَمَرَنَا الشرعُ الحنيفُ أَنْ نَنْظُرَ فِي مَنْ كانَ قَبْلَنَا مِنَ الأممِ وَأَنْ نَعْتَبِرَ بمَا جرَى بينَهُمْ ومَا جَرَى لَهُمْ فِي هذهِ الأرضِ، قالَ تعالَى فِي سورةِ الرومِ: ((أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ))، وبعدَ ذلكَ يَتَّعِظُ الواحدُ مِنَّا بغيرِهِ ويَعْتَبِرُ مِمَّنْ كانَ قَبْلَهُ فَيُحْسِنَ المسيءُ ويزدادَ الذينَ أحسنُوا إِحْسَانًا والذينَ آمنوا إيمانًا، فالسعيدُ مَنِ اتَّعَظَ بغيرِهِ والشقيُّ مَنِ اتَّعَظَ بنفسِهِ، ولهذهِ الحكمةِ وغيرِهَا وردتِ القصصُ فِي القرآنِ الكريمِ، قال تعالى: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ))، وَإِنَّهُ مِنَ المحطاتِ التِي تمرُّ علينَا خلالَ العامِ وفي شهرِ المحرمِ خصوصًا والتِي نَتَذَكَّرُ فِيْهَا حوادثَ وقصصًا مِمَّنْ كانَ قبلَنَا مِنَ الأممِ يومَ عاشوراء، فقدْ جرتْ فيهِ حوادثُ لبعضِ الأنبياءِ معَ أقوامِهِمْ، وغيرُ ذلكَ وهوَ يومٌ وردَ لَهُ فضلٌ علَى لسانِ نبيِّنَا ﷺ، وإنَّهُ مِمَّا جاءَ فِي شرعِ نبيِّنَا محمدٍ ﷺ أنْ نُعَظِّمَ شعائرَ اللهِ عزَّ وجلَّ ونُعَظِّمَ أيامًا جاءَ الشرعُ الكريمُ بِتَعْظِيْمِهَا، فَيَوْمُ الجُمُعَةِ هوَ أفضلُ أيامِ الأسبوعِ، وأفضلُ الليالي هِيَ ليلةُ القدرِ، وأفضلُ أيامِ السنةِ هوَ يومُ عرفةَ، ويومُ عاشوراءَ مِنَ الأيامِ التِي عَظَّمَهُ اللهُ سبحانَهُ وتعالَى، وهوَ العاشرُ مِنَ المحرمِ، وهوَ يومٌ خَصَّصَهُ اللهُ بحوادثَ كثيرةٍ مَرَّتْ فيهِ.
قال ابن الجوزي في بستان الواعظين: مجْلِس فِي فضل يَوْم عَاشُورَاء وَمَا جَاءَ فِيهِ وَفِي صِيَامه من الْفضل الْعَظِيم: اعلموا عباد الله أَن الله سُبْحَانَهُ وَله الْحَمد والْمنَّة قد فضل هَذِه الْأمة بفضائل خص بهَا أمة مُحَمَّد ﷺ من سَائِر الْأُمَم الْحِكْمَة فِي ذَلِك أَن الله تَعَالَى لما جعل أمة مُحَمَّد أقصر الْأُمَم أعمارا جعل لَهُم هَذِه الْفَضَائِل وَهَذِه الدَّرَجَات وَرفع لَهُم بذلك الدَّرَجَات والمنازل فِي الْجنَّة وَهِي كالأيام الْبيض من كل شهر وكيوم عَرَفَة وَرَجَب وَشَعْبَان والستة أَيَّام بعد الْفطر وَمثلهَا كثير فَهَذِهِ أمة قد رفق الله بهَا وَجعل لَهَا من الْيَسِير كثيرا ووعد لَهَا على ذَلِك فِي الْآخِرَة أجرا كَبِيرا فَيوم عَاشُورَاء يَوْم تغْفر فِيهِ الذُّنُوب والخطيات ويتقرب فِيهِ بالصدقات وأفعال الْخيرَات إِلَى عَالم الخفيات وصومه سنة مُسْتَحبَّة.اهـ
أخرجَ مسلمٌ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: ((أَفْضَلُ الصَّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ))، فهذَا الحديثُ صريحٌ فِي أنَّ أفضلَ مَا تُطوعَ بهِ مِنَ الصيامِ بعدَ رمضانَ صومُ شهرِ اللهِ المحرمِ.
وفي صحيحِ البخاريِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ.اهـ فيومُ عاشوراءَ لهُ فضيلةٌ عظيمةٌ وحرمةٌ قديمةٌ وصومُهُ لفضلِهِ كانَ معروفًا بينَ الأنبياءِ وقد صامَهُ نوحٌ وموسَى عليهمَا السلامُ. ففي صحيحِ مسلمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟” فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَىَ اللهُ فِيهِ مُوسَىَ وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَىَ شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَىَ بِمُوسَىَ مِنْكُمْ“. فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.اهـ ولفظُ البخاريِّ فِي صحيحِهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.اهـ
وفي صحيحِ مسلمٍ: ((هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يَكْتُبِ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَصُومَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُفْطِرَ فَلْيُفْطِرْ)). ولفظُ البخاريِّ فِي الصحيحِ: ((هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُب اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ)).اهـوفي صحيحِ مسلمٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: وَسُئِلَ – أي رسول الله ﷺ – عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ؟ فَقَالَ: ((يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيةَ)). وفي لفظٍ: ((وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَىَ اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ)).اهـ
ويسنُّ أيضًا صيامُ تاسوعاءَ، وهوَ تاسعُ المحرمِ لقولِهِ ﷺ: ((لَئِنْ بَقِيتُ إِلَىَ قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ)) رواهُ مسلمٌ. ولكنْ ماتَ رسولُ اللهِ ﷺ قبلَهُ. وقالَ الشافعيُّ، وأصحابُهُ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وآخرونَ: يستحبُّ صومُ التاسعِ والعاشرِ جميعًا لأنَّ النبيَّ ﷺ صامَ العاشرَ ونوَى صيامَ التاسعِ. وَقالَ بعضُ العلماءِ: ولعلَّ السببَ فِي صومِ التاسعِ معَ العاشرِ أنْ لَا يتشبَّهَ باليهودِ فِي إفرادِ العاشرِ. وقالَ بعضُهُمْ: وحكمةُ صومِ يومِ تاسوعاءَ معَ عاشوراءَ الاحتياطُ لهُ لاحتمالِ الغلطِ فِي أولِ الشهرِ ولمخالفةِ اليهودِ فإنَّهُمْ يصومونَ العاشرَ، والاحترازُ مِنْ إفرادِهِ بالصومِ كمَا فِي يومِ الجمعةِ، فإنْ لمْ يَصُمْ مَعَهُ تاسوعاءَ سُنَّ أنْ يصومَ مَعَهُ الحاديَ عشرَ بلْ نصَّ الشافعيُّ فِي الأمِّ والإملاءِ علَى صومِ الثلاثة.اهـ وقدِ استحبَّ العلماءُ التوسعةَ في يومِ عاشوراءَ على العيالِ والمرادُ بالعيالِ مَنْ تعولُهُم أَخْذًا بحديثِ المصطفى ﷺ الذي رواهُ الطبرانيُّ: ((مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ يَزَلْ فِي سَعَةٍ سَائِرَ سَنَتِهِ))، قال ابن عيينة: جربناه منذ خمسين سنة أو ستين سنة فما رأينا إلا خيرا.