بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَعَ الشَّرَائِعَ رَحْمَةً وَحِكْمَةً طَرِيقًا وَسُنَنًا، وَأَمَرَنَا بِطَاعَتِهِ لَا لِحَاجَتِهِ بَلْ لَنَا، يَغْفِرُ الذُّنُوبَ لِكُلِّ مَنْ تَابَ إِلَى رَبِّهِ وَدَنَا، وَيُجْزِلُ الْعَطَايَا لِمَنْ كَانَ مُحْسِنًا ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، أَحْمَدُهُ عَلَى فَضَائِلِهِ سِرًّا وَعَلَنًا،
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً أَرْجُو بِهَا الْفَوْزَ بِدَارِ النَّعِيمِ وَالْهَنَا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي رَفَعَهُ فَوْقَ السَّمَوَاتِ فَدَنَا، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الْقَائِمِ بِالْعِبَادَةِ رَاضِيًا بِالْعَنَا، وَعَلَى عُمَرَ الْمُجِدِّ فِي ظُهُورِ الْإِسْلَامِ فَمَا ضَعُفَ وَلَا وَنَى، وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي رَضِيَ بِالْقَدَرِ وَقَدْ حَلَّ فِي الْفَنَاءِ الْفَنَا، وَعَلَى عَلِيٍّ الْقَرِيبِ فِي النَّسَبِ وَقَدْ نَالَ الْمُنَى، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْكِرَامِ الْأُمَنَا، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا،
أَمَّا بَعْدُ:
فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِ الأَذكَارِ الوَارِدَةِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن كِتَابِ حِليَةِ البَشَرِ إِلَى:
بَابُ مَا يَقُولُ الْمُسَافِرُ إِذَا رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ
الشرح:
بَابُ مَا يَقُولُ الْمُسَافِرُ إِذَا رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ الْمُؤْمِنُ فِي خُرُوجِهِ لِسَفَرٍ أَوْ فِي رُجُوعِهِ مِنْ سَفَرٍ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ وَيَسْتَعِينُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَاللَّهُ تَعَالَى فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ هُوَ الَّذِي يُلْتَجَأُ إِلَيْهِ، إِذَا خَرَجَ الْمُؤْمِنُ لِلسَّفَرِ يَذْكُرُ اللَّهَ وَيَسْأَلُهُ الْحِفْظَ، وَإِذَا رَجَعَ سَالِمًا مِنْ سَفَرِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَيَذْكُرُ نِعَمَهُ عَلَيْهِ،
قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي شَرْحِ بَعْضِ أَدْعِيَةِ السَّفَرِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ لِيَغْفُلَ عَنْ ذكر رَبِّهِ فِي حَالِ سَفَرِهِ، وَلَا فِي حَالِ قُدُومِهِ، وَلَا مَقَامِهِ وَلَا ظَعْنِهِ؛ وَلَا لَيْلِهِ وَلَا نَهَارِهِ، وَكَانَ فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ حَالِهِ لَهُ ذِكْرٌ يَخُصُّهُ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ؛ أي الذي يحفظنا في السفر، وَهُوَ الْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، وَالسَّلَامَةُ فِي السَّفَرِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ. اهـ،
وَهَذَا هُوَ جَوْهَرُ هَذِهِ الْأَذْكَارِ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَحْضَرَ عِنْدَ قَوْلِهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا أَنْ نَتَعَلَّقَ بِذِكْرِ اللَّهِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، لَيْسَ فَقَطْ فِي حَالِ الشِّدَّةِ، بَلْ فِي الرَّخَاءِ كَذَلِكَ، بَعْضُ النَّاسِ يَلْتَجِئُ إِلَى اللَّهِ فِي الشَّدَائِدِ فَقَطْ، فَإِذَا كَانَ فِي الرَّخَاءِ انْكَبَّ عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا وَمَلَذَّاتِهَا وَزِينَتِهَا، وَنَسِيَ فَضْلَ اللَّهِ وَشُكْرَ اللَّهِ وَذِكْرَ اللَّهِ، وَهَذَا لَا يَنْبَغِي، بَلِ الَّذِي يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَسْتَعِينَ بِاللَّهِ وَنَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَنَلْتَجِئَ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ وَفِي الشِّدَّةِ، رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ كَانَ يَقُولُ: «اذْكُرُوا اللَّهَ فِي الرَّخَاءِ يَذْكُرْكُمْ فِي الشِّدَّةِ، فَإِنَّ يُونُسَ كَانَ عَبْدًا صَالِحًا ذَاكِرًا لِلَّهِ، فَلَمَّا وَقَعَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ قَالَ اللَّهُ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [سورة الصافات/ الآية 143-144]،وَإِنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ عَبْدًا طَاغِيًا نَاسِيًا لِذِكْرِ اللَّهِ فَلَمَّا ﴿أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [سورة يونس/ الآية 90-91]». اهـ،
وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ:((يَا غُلَامُ – أَوْ يَا غُلَيِّمُ – أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ؟)) فَقُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ: ((احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَإِذَا سَأَلْتَ، فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ، فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)). اهـ رواه أحمد في مسنده،
وَفِي هَذَا يَرْوِي التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْكَرْبِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ)). اهـ،
وَعَدَّ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ فَقَالَ:
وَمِنْهَا: الْمُحَافَظَةُ عَلَى الدُّعَاءِ فِي الرَّخَاءِ دُونَ تَخْصِيصِ حَالِ الشِّدَّةِ وَالْبَلَاءِ، فَالْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ مُعَلَّقُ الْقَلْبِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالِاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، عِنْدَ نُزُولِ الرَّخَاءِ لَا يَلْتَهِي بِالرَّخَاءِ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَعِنْدَ نُزُولِ الْبَلَاءِ لَا يَغْفُلُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، هَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَصَلَتْ لَهُ قِصَّةٌ تُثْبِتُ هَذَا، رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ وَهُوَ أَحَدُ تَلَامِيذِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ: اخْتَفَى عِنْدِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ قَالَ: اطْلُبْ لِي مَوْضِعًا حَتَّى أَتَحَوَّلَ إِلَيْهِ. قُلْتُ: لَا آمَنُ عَلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: إِذَا فَعَلْتَ أَفَدْتُكَ – أَيْ أُعْطِيكَ فَائِدَةً -، فَطَلَبْتُ لَهُ مَوْضِعًا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ لِي: اخْتَفَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْغَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَحَوَّلَ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ نَتَّبِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الرَّخَاءِ وَنَتْرُكَهُ فِي الشِّدَّةِ. اهـ،
بَعْضُ النَّاسِ بَلْ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْبُدُ اللَّهَ وَيَجِدُّ وَيَجْتَهِدُ فِي الْعِبَادَةِ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ إِذَا انْقَضَى رَمَضَانُ تَرَاهُ يَرْجِعُ إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَإِلَى الْغَفْلَةِ وَإِلَى الدُّنْيَا وَيَتْرُكُ مَجَالِسَ الْعِلْمِ وَتَعَلُّمَ الشَّرْعِ، وَهَذَا لَا يَنْبَغِي، نَحْنُ نَعْبُدُ اللَّهَ فِي رَمَضَانَ كَمَا نَعْبُدُ اللَّهَ فِي كُلِّ الشُّهُورِ، صَحِيحٌ أَنَّ رَمَضَانَ نَزِيدُ فِي الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ، لَكِنْ بَعْدَ رَمَضَانَ كَذَلِكَ نَبْقَى عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَذِكْرِهِ، فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ، ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [سورة الحجر/ الآية 99]. اهـ، أَيْ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْمَوْتُ، إِلَى آخِرِ أَنْفَاسِ الْعُمْرِ اثْبُتْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، لَا تَتْرُكِ الطَّاعَةَ لِلَّهِ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ، هَذَا شَأْنُ الْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ الَّذِي يَتَرَقَّى فِي الدَّرَجَاتِ، لَا يَتْرُكُ لِنَفْسِهِ وَقْتًا إِلَّا وَيَمْلَؤُهُ بِطَاعَةٍ، وَهُوَ بِهَذَا يَكُونُ بَعِيدًا عَنِ الْمَعْصِيَةِ، هَنِيئًا لِمَنْ كَانَ هَذَا حَالَهُ، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ هَؤُلَاءِ.
الحديث الأول:
رَوَى الطَّبَرَانِىُّ عَنِ الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَفَلَ مِنْ سَفَرٍ قَالَ: ((ءَايِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ)).
الشرح:
هذه رواية الطبراني وعند البخاري في صحيحه عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ)).اهـ
رَوَى الطَّبَرَانِىُّ عَنِ الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَفَلَ مِنْ سَفَرٍ أَيْ: رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَسَمَّى العرب الْقَافِلَةَ قَافِلَةً، وَلَوْ كَانَتْ ذَاهِبَةً تَفَاؤُلًا بِمَآلِهَا، وقال النووي: يُقَالُ: قَفَلَ الْجَيْشُ إِذَا رَجَعُوا وَأَقْفَلَهُمُ الْأَمِيرُ إِذَا أَذِنَ لَهُمْ فِي الرُّجُوعِ قَالَ: ((ءَايِبُونَ أَيْ رَاجِعُونَ، وهو اسْمُ فِعْلٍ مِنْ آبَ يَئُوبُ إِذَا رَجَعَ؛ أَيْ: رَاجِعُونَ مِنَ السَّفَرِ بِالسَّلَامَةِ إِلَى أَوْطَانِنَا، أَوْ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ، أَوْ مِنَ الْغَفْلَةِ إِلَى الذِّكْرِ.
ءَابَ رَجَعَ وَالأَوَّابُ التَّائِبُ، وَهَذَا فِيهِ تَذْكِيرٌ لِلْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى طَاعَةِ رَبِّهِ لَوْ أَذْنَبَ، وَلَا سِيَّمَا وَأَنَّ الْمَعَاصِيَ لَهَا شُؤْمٌ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَتَمَادَى فِي الْخَطَإِ وَفِي الْمَعْصِيَةِ وَارْجِعْ إِلَى طَاعَةِ رَبِّكَ إِنْ زَلَلْتَ، الْمَعَاصِي بَرِيدُ الْكُفْرِ كَمَا أَنَّ الْحُمَّى بَرِيدُ الْمَوْتِ، هَكَذَا قَالَ السَّلَفُ، مَعْنَاهُ: التَّمَادِي فِي الْمَعَاصِي يُوصِلُ إِلَى الْكُفْرِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، كَمَا أَنَّ زِيَادَةَ الْحُمَّى تُوصِلُ لِلْمَوْتِ.
بَعْضُ النَّاسِ يُعَاقِبُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ بِسَبَبِ شُؤْمِ الْمَعَاصِي:
يُرْوَى أَنَّ أَحَدَ الْعُلَمَاءِ الْمُحَدِّثِينَ وَاسْمُهُ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ كَانَ لَهُ تِلْمِيذٌ وَكَانَ هَذَا التِّلْمِيذُ يَحْتَضِرُ عَلَى فِرَاشِ الْمَوْتِ فَوَقَفَ الْفُضَيْلُ عِنْدَهُ وَصَارَ يُلَقِّنُهُ الشَّهَادَتَيْنِ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ يَقُولُ لَهُ: «قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» فَلَا يَسْتَطِيعُ هَذَا التِّلْمِيذُ أَنْ يَنْطِقَ بِهَا. «قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» فَلَا يَنْطِقُ حَتَّى قَالَ هَذَا التِّلْمِيذُ: «إِنِّي بَرِيءٌ مِنْهَا» وَمَاتَ عَلَى الْكُفْرِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ خَافَ وَارْتَعَبَ وَصَارَ يَبْكِي مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، ثُمَّ رَأَى هَذَا التِّلْمِيذَ فِي الْمَنَامِ وَإِذَا بِهِ يُجَرُّ إِلَى جَهَنَّمَ فَقَالَ لَهُ الْفُضَيْلُ: «وَيْلَكَ مَاذَا فَعَلْتَ؟» قَالَ لَهُ: «يَا أُسْتَاذِي أَنَا كُنْتُ أَسْتَغِيبُ إِخْوَانِي وَكُنْتُ أَحْسُدُهُمْ فَوَصَلْتُ إِلَى هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ وَمُتُّ عَلَى الْكُفْرِ».اهـ،
نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ وَحُسْنَ الْخِتَامِ وَأَنْ يُخْرِجَنَا مِنَ الدُّنْيَا بِسَلَامٍ. اهـ، فَهَذَا الدُّعَاءُ فِيهِ تَذْكِيرٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أَنْ يَرْجِعَ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَيَعُودَ إِلَيْهَا وَلَا يَتَمَادَى فِي الْخَطَإِ، فَإِنَّ مُخَالَفَةَ نَفْسِكَ وَقَهْرَهَا عَلَى الْعَوْدِ لِلطَّاعَةِ أَهْوَنُ مِنْ مُقَاسَاةِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي نَارِ جَهَنَّمَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
تَائِبُونَ أَيْ تَائِبُونَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّقْدِيرَ نَحْنُ آئِبُونَ تَائِبُونَ عَلَى وَجْهِ الْإِخْبَارِ تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ وَقَصْدِ الثَّبَاتِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ. اهـ أَيْ نَحْنُ ثَابِتُونَ عَلَى التَّوْبَةِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَاقْبَلْ تَوْبَتَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا
بيانِ شرفِ العبوديةِ لله وفسادِ التكفيرِ بغيرِ حقّ
عَابِدُونَ أَيْ نَحْنُ ثَابِتُونَ عَلَى عِبَادَتِكَ يَا رَبِّ، لَنْ نَخْرُجَ عَنْ هَذَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَكَوْنُ الْوَاحِدُ مِنَّا عَبْدًا لِلَّهِ مَرْتَبَةٌ عَالِيَةٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَمَرْتَبَةُ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْوَاحِدُ مِنَّا عَبْدًا مُؤْمِنًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ أَشْرَفُ الْخِصَالِ.
وَيُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفَعَ قَدْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِأَنْ خَاطَبَهُ بِكَوْنِهِ عَبْدًا لِلَّهِ فِي نُصُوصِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَنَحْنُ نَقُولُ فِي كَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَالْإِضَافَةُ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ وَتَخْصِيصٍ إِشَارَةً إِلَى كَمَالِ مَرْتَبَتِهِ فِي مَقَامِ الْعُبُودِيَّةِ بِالْقِيَامِ فِي أَدَاءِ حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ.
وَأَهْلُ التَّعَبُّدِ هُمْ أَهْلُ الْخُضُوعِ وَالذُّلِّ وَالْخُشُوعِ، وَرَفْعِ الْأَيْدِي وَسَفْحِ الدُّمُوعِ بَيْنَ يَدَيْ عَالِمِ السِّرِّ وَالنَّجْوَى، وَكَاشِفِ الضُّرِّ وَالْبَلْوَى. وَهَذِهِ مِنْ صِفَاتِ عُلَمَاءِ الْآخِرَةِ الَّذِينَ عُلُومُهُمْ زَاخِرَةٌ، وَنُفُوسُهُمْ طَاهِرَةٌ، وَمَقَامُ الْعُبُودِيَّةِ اخْتَارَهُ الْمُصْطَفَى ﷺ لِنَفْسِهِ عَلَى مَقَامِ الْمُلْكِ فَهُوَ مَقَامٌ عَظِيمٌ، وَصَفَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَبِيَّهُ بِهِ فِي مَقَامٍ هُوَ مِنْ أَشْرَفِ مَقَامَاتِهِ كَمَقَامِ التَّنْزِيلِ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [سورة الكهف/ الآية 1] وَمَقَامِ الدَّعْوَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾[سورة الجن/ الآية 19] وَفِي مَقَامِ التَّحَدِّي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [سورة البقرة/ الآية 23]. وَفِي مَقَامِ الْإِسْرَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [سورة الإسراء/ الآية 1]،
((وَقَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ ﷺ رَجُلٌ يَوْمَ الْفَتْحِ فَارْتَعَدَ فَقَالَ لَهُ هَوِّنْ عَلَيْك إِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ [القَدِيد: اللَّحْمُ الْمَمْلُوحُ الْمُجَفَّفُ فِي الشَّمْسِ])) وَهَذَا مِنْ تَوَاضُعِهِ ﷺ وَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَكَبِّرٍ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((جَلَسَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مَلَكٌ مَهُولٌ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: إِنَّ هَذَا الْمَلَكَ مَا نَزَلَ مُنْذُ يَوْمَ خُلِقَ قَبْلَ السَّاعَةِ، فَلَمَّا نَزَلَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَرْسَلَنَا إِلَيْك رَبُّك أَمَلِكًا نَبِيًّا يَجْعَلُك أَمْ عَبْدًا رَسُولًا؟ قَالَ جِبْرِيلُ: فَتَوَاضَعْ لِرَبِّك يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: بَلْ عَبْدًا رَسُولًا)) فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَأْكُلُ مُتَّكِئًا وَيَقُولُ: آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ.
بَلْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: «يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَوْ أَكَلْتَ وَأَنْتَ مُتَّكِئٌ كَانَ أَهْوَنَ عَلَيْك، فَأَصْغَى بِجَبْهَتِهِ إِلَى الْأَرْضِ حَتَّى كَادَ يَمَسُّ بِهَا الْأَرْضَ وَقَالَ: بَلْ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ وَأَنَا جَالِسٌ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ» وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي مِثْلِ هَذَا:
| وَمِمَّا زَادَنِي شَرَفًــــــا وَتِيهًا | وَكِدْت بِأَخْمَصِي أَطَـأُ الثُّرَيَّا | |
| دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِك يَا عِبَادِي | وَأَنْ صَيَّرْت أَحْمَــدَ لِي نَبِيًّا |
والعِبَادَةُ كَمَا عَرَّفَهَا عُلَمَاءُ اللُّغَةِ كَـالسُّبْكِيِّ: أَقصَى غَايَةِ الخُشُوعِ وَالخُضُوعِ. وَكَذَلِكَ قَالَ النَّوَوِيُّ عِندَ شَرحِ قَولِهِ ﷺ: ((الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ لَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئا)): أَمَّا العِبَادَةُ فَهِيَ الطَّاعَةُ مَعَ خُضُوعٍ.
يَتَّضِحُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَيْسَ أَيُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الشَّخْصُ يُسَمَّى عِبَادَةً، الْعِبَادَةُ تُطْلَقُ عَلَى أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ، تُطْلَقُ عَلَى أَقْصَى غَايَةِ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ، لَيْسَ كَمَا يَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ، يَرَوْنَ امْرَأَةً مَثَلًا تَدْعُو لِابْنِهَا فَتَقُولُ لَهُ: “اللَّهُ يُوَفِّقُكَ بِجَاهِ النَّبِيِّ”، فَيَعْتَبِرُونَ هَذَا شِرْكًا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، لَيْسَ هَذَا فَحَسْبُ، بَلْ يُكَفِّرُونَهَا وَيَسْتَبِيحُونَ دَمَهَا وَيَقُولُونَ نَحْنُ نَتَقَرَّبُ بِدِمَاءِ أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ، وَبَعْضُهُمْ لَهُ كِتَابٌ اسْمُهُ الدِّينُ الْخَالِصُ، قَالَ: “إِنَّ أَبَا جَهْلٍ وَأَبَا لَهَبٍ أَكْثَرُ تَوْحِيدًا لِلَّهِ وَأَخْلَصُ فِي الْعِبَادَةِ لِلَّهِ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَوَسَّلُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ”، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى، يُكَفِّرُونَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، يُكَفِّرُونَ كُلَّ مَنْ عَدَاهُمْ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مِنْ عَقَائِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ مُسْلِمٌ بِذَنْبٍ إِنْ لَمْ يَسْتَحِلَّهُ، فَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ تَكْفِيرَ مَنْ يَحْكُمُ بِغَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ تَكْفِيرًا مُطْلَقًا بِلَا تَفْصِيلٍ لَا يُوَافِقُ مَذْهَبًا مِنَ الْمَذَاهِبِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ رَأْيِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ قَاعِدَتُهُمْ تَكْفِيرُ مُرْتَكِبِ الْمَعْصِيَةِ.
فَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ (الْفَرْقِ بَيْنَ الْفِرَقِ) وَكِتَابِهِ (تَفْسِيرِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ) أَنَّ صِنْفًا مِنَ الطَّائِفَةِ الْبَيْهَسِيَّةِ مِنَ الْخَوَارِجِ كَانَتْ تُكَفِّرُ السُّلْطَانَ إِذَا حَكَمَ بِغَيْرِ الشَّرْعِ، وَتُكَفِّرُ الرَّعَايَا مَنْ تَابَعَهُ وَمَنْ لَمْ يُتَابِعْهُ، كَانُوا يَقُولُونَ أَيْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: إِذَا كَفَرَ الْإِمَامُ كَفَرَتِ الرَّعِيَّةُ. هَذَا يَنْبَغِي بَيَانُهُ لِلنَّاسِ حَتَّى نُغْلِقَ الْبَابَ أَمَامَ التَّكْفِيرِيِّينَ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الضَّالِّينَ مَاذَا قَالَ؟ قَالَ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ لَا يُجَاهِدُونَ! ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ لَا يُوجَدُونَ. اهـ، هَذَا كَلَامُهُ بِحُرُوفِهِ،
وَوَاحِدٌ آخَرُ مَاذَا قَالَ؟ قَالَ: كُلُّ مَنْ تَحْتَ السَّبْعِ الطِّبَاقِ مُشْرِكٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَمَنْ قَتَلَ مُشْرِكًا فَلَهُ الْجَنَّةُ. اهـ،
وَآخَرُ مِنْهُمْ يَغْلُو فَيَقُولُ: ذَلِكَ أَنَّ الشِّرْكَ الْيَوْمَ عَمَّ الْبَسِيطَةَ وَأَطْبَقَ عَلَى تَرْكِ الْإِسْلَامِ كُلُّ مَنْ فِي الْأَرْضِ. اهـ،
هَؤُلَاءِ خَطَرٌ عَلَى الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ، عِنْدَهُمُ الَّذِي يَتَوَسَّلُ بِالْأَنْبِيَاءِ أَوِ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ يَتَبَرَّكُ بِآثَارِهِمْ هَذَا عِنْدَهُمْ مُشْرِكٌ خَارِجٌ مِنَ الْإِسْلَامِ وَدَمُهُ عِنْدَهُمْ حَلَالٌ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْعِبَادَةَ شَيْءٌ وَالتَّوَسُّلَ شَيْءٌ آخَرُ، هُمْ خَلَطُوا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، وَخَلْطُهُمْ أَدَّى بِهِمْ إِلَى تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِينَ. اهـ،
قُلْنَا مَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ، وَأَمَّا خُلَاصَةُ مَا جَاءَ فِي مَعْنَى التَّوَسُّلِ فَهُوَ: طَلَبُ حُصُولِ مَنْفَعَةٍ أَوِ انْدِفَاعِ مَضَرَّةٍ مِنَ اللَّهِ بِذِكْرِ اسْمِ نَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ إِكْرَامًا لِلْمُتَوَسَّلِ بِهِ. اهـ،
فَمُجَرَّدُ التَّوَسُّلِ وَالِاسْتِغَاثَةِ بِغَيْرِ اللَّهِ لَيْسَ شِرْكًا، وَقَدْ ثَبَتَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَمَا قَدِمَ مِنَ الشَّامِ سَجَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: ((مَا هَذَا؟))، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ أَهْلَ الشَّامِ يَسْجُدُونَ لِبَطَارِقَتِهِمْ وَأَسَاقِفَتِهِمْ، وَأَنْتَ أَوْلَى بِذَلِكَ، فَقَالَ: ((لَا تَفْعَلْ، لَوْ كُنْتُ آمُرُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا))، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَفَرْتَ، وَلَا قَالَ لَهُ: أَشْرَكْتَ.
بيان فضائلِ اسم النبيِّ محمدٍ ﷺ وعلوِّ منزلتِه عند الله تعالى
لِرَبِّنَا مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ وَهُوَ عَابِدُونَ أَوْ بِمَا بَعْدَهُ وَهُوَ حامدون حَامِدُونَ)) النَّبِيُّ ﷺ هُوَ الَّذِي يُعَلِّمُنَا حَمْدَ اللهِ وَهُوَ سَيِّدُ الحَامِدِينَ لِرَبِّهِمْ، فَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ يُكْثِرُ حَمْدَ رَبِّهِ، وَهَذَا مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ لِتَسْمِيَتِهِ مُحَمَّدًا وَأَحْمَدَ ﷺ، وَهَذَا الِاسْمُ – أي محمد – مَنْقُولٌ مِنْ الصّفَةِ فَالْمُحَمّدُ فِي اللّغَةِ هُوَ الّذِي يُحْمَدُ حَمْدًا بَعْدَ حَمْدٍ، (مُحَمَّدٌ): ﷺ، معناهُ المحمودُ لخِصالِهِ السَّمِيَّةِ، فمُحَمَّدٌ هو الذِي كَثُرَ حمدُ الحامدينَ لهُ مرةً بعدَ مرَّةٍ. أي الذي حُمِدَ مرةً بعدَ مَرَّةٍ أوِ الذي تكامَلَت فيهِ الخصالُ المحمودَةُ، وَهُوَ أَشهَرُ أَسمائِهِ ﷺ وأشرَفُهَا.
وقيلَ إنَّ عبدَ المُطَّلِبِ كانَ قد رأَى في مَنامِهِ كأنَّ سِلسِلَةً مِن فِضّةٍ خرَجَتْ مِن ظَهرِه لها طرَفٌ في السَّماءِ وطرَفٌ في الأرضِ وطرَفٌ في المَشرِقِ وطرَفٌ في المَغرِبِ، ثُمّ عادَتْ كأنَّهَا شجَرةٌ، على كُلِّ ورَقةٍ مِنها نُورٌ، وإذا أهلُ المَشرِقِ والمَغرِبِ كأنّهم يَتعلَّقُونَ بها، فقَصَّها فعُبِّرَتْ له بمَولودٍ يكونُ مِن صُلْبِه يَتْبَعُهُ أهلُ المَشرِقِ والمَغرِبِ ويَحْمَدُهُ أهلُ السَّماءِ والأَرضِ، فسَمَّاهُ مُحمَّدًا لأجلِ هذهِ الرؤيَا، ولأجلِ ما حَدَّثَتْ به أُمُّهُ حِينَ قِيلَ لها: «إنَّكِ حمَلْتِ بِسَيِّدِ هذه الأُمَّةِ، فإذا وَضَعْتِيهِ فسَمِّيهِ مُحمَّدًا».وقيلَ لعبدِ المطلبِ: لِمَ سمّيتَهُ محمدًا ورَغِبتَ عن أسماءِ آبائِهِ؟ فقالَ: أردتُ أن يحمدَهُ أهل السماءِ، ويحمدَهُ الناسُ في الأرضِ.
ومِن فضائل اسمِ النبيِّ (محمدٍ) ما قال رسولُ اللهِ ﷺ: ((مَكتُوبٌ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ))، وقالَ ﷺ: ((كَانَ نَقشُ خَاتَمِ سُلَيمَانَ بنِ دَاوُدَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ))، وَقَد وَرَدَ أن حَجَرَ هذا الخَاتَمِ نَزلَ مِن السماءِ وكان مكتوبًا عليهِ اسم مُحَمَّدٍ ﷺ.اهـ
وقد رُوِيَ أن اسمَ مُحَمَّدٍ مكتُوبٌ على قَوَائِمِ العرشِ وتوَسَّلَ بهِ آدَمُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ فغَفَرَ اللهُ لَهُ.
روى البيهَقِيُّ والحَاكِمُ وغيرُهُمَا وصحَّحَهُ الحاكِمُ في المستدرَكِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضِيَ اللهُ عنه أنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَمَّا اقْتَرَفَ آدَمُ الْخَطِيئَةَ قَالَ: يَا رَبِّ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ لَمَا غَفَرْتَ لِي – وهذا يدلُّ على جوازِ التوسلِ بالنبيِّ ﷺ حتَّى قبلَ ولادَتِهِ وبيانِ أنَّ لهُ جاهًا ومنزِلَةً عظيمَةً عند اللهِ عز وجل، واستَدَلَّ بهذا الحديثِ السبكِيُّ وغيرُهُ في الردِّ على مَن أنكَرَ التوسُّلَ بذاتِ النبيِّ ﷺ، والتوسُّلُ بالنبيِّ ﷺ مُجمَعٌ على جوازِهِ قبل وِلَادتِهِ وفي حياتِهِ وبعد وفاتِهِ ﷺ لم يختَلِفِ المسلِمونَ في جوازِهِ على مَعنَى السبَبِ، فنَحنُ نتوسَّلُ بالنبيِّ ﷺ بمعنَى أنَّنا نَجعَلُهُ سببًا لإجابَةِ الدعاءِ، فكَم مِنَ الأسبابِ جعلهَا اللهُ عز وجل تُقَوِّي إجابَةَ الدعاءِ كالدعاءِ في آخِرِ الليلِ أو فِي السُّجودِ أو فِي عَرَفَةَ يومَ عرَفَةَ، وكذلِكَ من جملةِ الأسبابِ التي جعلَهَا اللهُ عز وجل لإِجابَةِ الدعاءِ التوسلُ بالنبيِّ ﷺ فقد ثبَتَ وصحَّ في الأحاديثِ أنَّ النبيَّ علَّمَ أصحَابَهُ أنْ يتوسَّلُوا بِهِ عندَ نزولِ البلاءِ، فالتوسلُ بالنبيِّ ﷺ بهذا المعنَى لا خلافَ في جوازِهِ وهذا الحديثُ دليلٌ على ذلِكَ -، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا آدَمُ! وَكَيْفَ عَرَفْتَ مُحَمَّدًا وَلَمْ أَخْلُقْهُ – سألَهُ وهو أعلمُ بالإجابَةِ لكن لإِظهَارِ السببِ للناسِ، فربُّنَا عزَّ وجلَّ لا يخفَى عليهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ؟ – قَالَ لِأَنَّكَ يَا رَبِّ لَمَّا خَلَقْتَنِي رَفَعَتُ رَأْسِي، فَرَأَيْتُ عَلَى قَوَائِمِ الْعَرْشِ مَكْتُوبًا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، فَعَلِمْتُ أَنَّكَ لَمْ تُضِفْ إِلَى اسْمِكَ إِلَّا أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَيْكَ، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: صَدَقْتَ يَا آدَمُ، إِنَّهُ لَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ، وَإِذْ سَأَلْتَنِي بِحَقِّهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ، وَلَوْلَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ.اهـ
ويُروَى أَنَّ آدمَ عليهِ السلامُ عندَمَا نزلَ مِنَ الجنةِ نزلَ على جبلِ سَرَندِيبَ فِي الهِندِ وكانَ معهُ شيءٌ مِن بعضِ ثمارِ الجنةِ زرَعَهَا هناكَ وعليهَا مكتوبٌ اسمُ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وروَى الحافِظُ ابنُ أبِي الدّنيَا: عن بعضِ الصالِحِينَ قالَ: غزَونَا في صدرِ هذَا الزمانِ الهندَ، فوَقَعتُ فِي غيضَةٍ (أي بِرْكَةٍ) فإذَا فيهَا شَجَرٌ عليهِ وردٌ أحمَرُ مكتوبٌ فيهِ بالبَياضِ: لا إله إلا الله محمدٌ رسولُ اللهِ.
وروَى ابنُ عساكِرَ في تارِيخِ دِمَشقَ عن بعضِ العلماءِ قالَ: دخلتُ بلادَ الهندِ فرأيتُ في بعضِ قُرَاهَا شجرَ وردٍ أسودَ فَيَفتَحُ عن وَردَةٍ كَبِيرَةٍ طيِّبَةِ الرائِحَةِ سوداءَ مَكتُوبٍ عليهَا بخطٍّ أبيضَ: لا إله إلا اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ، أبو بكرٍ الصدِّيقُ، عُمَرُ الفاروقُ. فشكَكتُ في ذلكَ وقُلت إنَّه معمولٌ، فعَمَدتُ إلى حبَّةٍ لم تُفتَح فرأيتُ فيها كما رأيتُ في سائِرِ الوردِ، وفي البلدِ منهُ شيءٌ كثيرٌ وأهلُ تلكَ القريَةِ يعبدُونَ الحجارَةَ. وروَى البيهقيُّ عن عُمَرَ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ قال: بلغَنِي في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ [سورة الكهف/ الآية 82] أنَّ الكنزَ كانَ لوحًا من ذهبٍ مكتوبٌ فيهِ: عجبًا لِمَن أَيقَنَ بالموتِ كيفَ يفرَحُ، عجبًا لِمَن أيقَنَ بالحسابِ كيفَ يضحَكُ، عجبًا لِمَن أيقَنَ بالقَدَرِ كيفَ يحزَنُ، عجبًا لِمَن يرى الدنيا وزوَالَهَا وتقلُّبَهَا بأهلِهَا كيفَ يطمَئِنُّ لَهَا، لا إله إلا الله محمدٌ رسولُ اللهِ.
نَسأَلُ اللهَ تعالى أنْ ينفَعَنَا بمحمدٍ ﷺ.
الحديث الثاني:
وَرَوَى الطَّبَرَانِىُّ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَرَأَى أَهْلَهُ قَالَ: ((تَوْبًا أَوْبًا وَإِلَى رَبِّنَا أَوْبًا لا يُغَادِرُ عَلَيْنَا حَوْبًا)).
الشرح:
بيان أهمية التوبةِ والإنابةِ إلى الله تعالى
وَرَوَى الطَّبَرَانِىُّ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَرَأَى أَهْلَهُ قَالَ: ((تَوْبًا أَوْبًا يقال في لغة العرب: آبُوا: رَجَعُوا، يُقَالُ مِنْهُ: آبَ فُلَانٌ مِنْ سَفَرِهِ فَهُوَ يَؤُوبُ أَوْبًا وَإِيَابًا، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : ((تَوْبًا لِرَبِّنَا أَوْبًا))، يَعْنِي بِالْأَوْبِ: الرُّجُوعَ وَإِلَى رَبِّنَا أَوْبًا وَهَذَا فِيهِ تَأْكِيدُ الرُّجُوعِ عَنِ الذَّنْبِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ [سورة التوبة/ الآية 112] وأَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى بِالتَّوْبَةِ فَقَالَ: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [سورة النور/ الآية 31] وَوَعَدَ الْقَبُولَ فَقَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [سورة الشورى/ الآية 25] وفتح باب الرجاء فقال: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [سورة الزمر/ الآية 53]، الذُّنُوبُ تُغَطِّي عَلَى الْقُلُوبِ، فَإِذَا أَظْلَمَتْ مِرْآةُ الْقَلْبِ لم يبن فيها وَجْهُ الْهُدَى، وَمَنْ عَلِمَ ضَرَرَ الذَّنْبِ اسْتَشْعَرَ النَّدَمَ.
وقال بعض الصالحين: “مِنَ الاغْتِرَارِ أَنْ تُسِيءَ فَيُحْسَنَ إِلَيْكَ فَتَتْرُكَ التوبة توهما أنك تسامح في الهفوات!”. فوا عجبا لِمَنْ يَأْمَنُ وَكَمْ قَدْ أُخِذَ آمِنٌ مِنْ مَأْمَنٍ، وَمَنْ تَفَكَّرَ فِي الذُّنُوبِ عَلِمَ أَنَّ لَذَّاتِ الأَوْزَارِ زَالَتْ وَالْمَعَاصِيَ بِالْعَاصِي إِلَى النَّارِ آلَتْ، وَرُبَّ سَخَطٍ قَارَنَ ذَنْبًا فَأَوْجَبَ بُعْدًا وَأَطَالَ عُتْبًا، وَرُبَّمَا بُغِتَ الْعَاصِي بِأَجَلِهِ وَلَمْ يَبْلُغْ بَعْضَ أَمَلِهِ، وَكَمْ خَيْرٍ فَاتَهُ بِآفَاتِهِ، وَكَمْ بَلِيَّةٍ فِي طَيِّ جِنَايَاتِهِ.
قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لا تُؤَخِّرِ التَّوْبَةَ فَإِنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً.
وقد قيل:
قَائِدُ الْغَفْلَةِ الأَمَلُ … وَالْهَوَى رَائِدُ الزَّلَلْ
قَتَلَ الْجَهْلُ أَهْلَهُ … وَنَجَا كُلُّ من عقَل
فاغتنم دَوْلَةَ الشَّبِيبَةِ وَاسْتَأْنِفِ الْعَمَلْ
أَيُّهَا الْمُبْتَنِي الْحُصُونَ وَقَدْ شَابَ وَاكْتَهَلْ
أَخْبَرَ الشَّيْبُ عَنْكَ أَنَّكَ فِي آخِرِ الأَجَلْ
فَعَلامَ الْوُقُوفُ فِي عَرْصَةِ الْعَجْزِ وَالْكَسَلْ
مَنْزِلٌ لَمْ يَزَلْ يَضِيقُ وَيَنْبُو بِمَنْ نَزَلْ
أَنْتَ فِي مَنْزِلٍ إِذَا حَلَّهُ نَازِلٌ رَحَلْ
وقال بعض الصالحين:
سَبِيلُكَ فِي الدُّنْيَا سَبِيلُ مُسَافِرِ وَلَا بُدَّ مِنْ زَادٍ لِكُلِّ مُسَافِـرِ
وروى ابن الجوزي عن إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَشَّارٍ قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا مَارًّا مَعَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ فِي صَحْرَاءَ، إِذْ أَتَيْنَا عَلَى قَبْرٍ مُسَنَّمٍ – إِذا كَانَ مَرْفُوعًا عَنِ الأَرض -، فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ وَبَكَى. فَقُلْتُ: قَبْرُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا قَبْرُ حُمَيْدِ بْنِ جَابِرٍ أَمِيرِ هَذِهِ الْمُدُنِ، كَانَ غَرِيقًا فِي بِحَارِ هَذِهِ الدُّنْيَا، ثُمَّ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْهَا، لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ سُرَّ ذَاتَ يَوْمٍ بِشَيْءٍ مِنْ مَلاهِي دُنْيَاهُ ثُمَّ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ وَنَامَ مَعَ مَنْ يَخُصُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، فَرَأَى رَجُلا وَاقِفًا عَلَى رَأْسِهِ بِيَدِهِ كِتَابٌ، فَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ: تُؤْثِرُونَ فَانِيًا عَلَى بَاقٍ، وَلا تَغْتَرَّ بِمُلْكِكَ وَسُلْطَانِكَ وَعَبِيدِكَ وولَدك، فَإِنَّ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ جَسِيمٌ لَوْلا أَنَّهُ عَدِيمٌ، وهو مُلك لولا أنّ بعده هُلك، وَهُوَ فَرح وَسُرُورٌ لَوْلا أَنَّهُ لَهْوٌ وَغُرُورٌ، وَهُوَ يومٌ لَوْ كَانَ يُوثَقُ فِيهِ بغدٍ، فَسَارِعْ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 133]، فَانْتَبَهَ فَزِعًا مَرْعُوبًا وَقَالَ: هَذَا تَنْبِيهٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَوْعِظَةٌ. فَخَرَجَ مِنْ مُلْكِهِ لا يَعْلَمُ بِهِ أَحَدٌ وَقَصَدَ هَذَا الْجَبَلَ فَتَعَبَّدَ فِيهِ، فَلَمَّا بَلَغَنِي أَمْرُهُ قَصَدْتُهُ فَسَأَلْتُهُ فَحَدَّثَنِي بِبَدْءِ أَمْرِهِ وَحَدَّثْتُهُ بِبَدْءِ أَمْرِي فَمَا زِلْتُ أَقْصُدُهُ حَتَّى مَاتَ، وَهَذَا قَبْرُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لا يُغَادِرُ عَلَيْنَا حَوْبًا)) لَا يَدَعُ ذَنْبًا، وَمَعْنَى لَا يُغَادِرُ: لَا يَتْرُكُ، وَحَوْبًا مَعْنَاهُ: إِثْمًا، وَهُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ.
كُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ تُذَكِّرُنَا بِالتَّوْبَةِ وَبِعَدَمِ تَأْخِيرِهَا،
قال ابن الجوزي: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ أَنْ يَتُوبَ الْعَبْدُ مِنَ الذَّنْبِ وَهُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ أَنْ لا يَعُودَ.
وَسُئِلَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنِ التَّوْبَةِ النصوح فقال: ندمٌ بالقلب، وَاسْتِغْفَارٌ بِاللِّسَانِ، وَتَرْكٌ بِالْجَوَارِحِ، وَإِضْمَارٌ أَنْ لا يَعُودَ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ تُكَفِّرُ كُلَّ سَيِّئَةٍ. ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [سورة التحريم/ الآية 8] وَالنَّدَمُ عَلَى الذُّنُوبِ مَمْدُوحٌ مَأْمُورٌ بِهِ،
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: رَأَيْتُ ضيغمًا العابد قد أَخَذَ كُوزًا مِنْ مَاءٍ بَارِدٍ فَصَبَّهُ فِي البئر وَاكْتَالَ غَيْرَهُ، فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: نَظَرْتُ نَظْرَةً وَأَنَا شَابٌّ فَجَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي أَلا أُذِيقَهَا الْمَاءَ الْبَارِدَ، أُنَغِّصُ عَلَيْهَا أَيَّامَ الْحَيَاةِ.
وقد قيل: يَا نَادِمًا عَلَى الذُّنُوبِ أَيْنَ أَثَرُ نَدَمِكَ، أَيْنَ بُكَاؤُكَ عَلَى زَلَّةِ قَدَمِكَ، أَيْنَ حذرك من أليم الْعِقَابِ، أَيْنَ قَلَقُكَ مِنْ خَوْفِ الْعِتَابِ، جَرِّدْ قَلْبَكَ مِنَ الأَقْذَارِ، ثُمَّ أَلْبِسْهُ الاعْتِذَارَ، ثُمَّ حَلِّهِ حُلَّةَ الانْكِسَارِ، ثُمَّ أَقِمْهُ عَلَى بَابِ الدَّارِ.
ولَهَجَ بَعْضُ الْعُبَّادِ بِالْبُكَاءِ، فَعُوتِبَ عَلَى كَثْرَتِهِ فَقَالَ:
| بَكَيْتُ عَلَى الذُّنُوبِ لِعُظْمِ جُرْمِـي | وَحُقَّ لِكُلِّ مَنْ يَعْصِي الْبُكَــاءُ | |
| فَلَـــوْ أَنَّ الْبُكَـــاءَ يَــــرُدُّ هَمِّــــي | لأَسْعَدَتِ الدُّمُــــوعَ معًا دِمَاءُ |
الله تعالى هوَ الذي يقبلُ التوبةَ عنْ عبادِه ويغفرُ السيئاتِ ويتجاوزُ عنِ الذنوبِ العظامِ بفضلِه وكرمِه ومَنِّهِ عزَّ وجلَّ مَا دامَ العبدُ أقبلَ على التوبةِ الصحيحةِ بشروطِها فهوَ سبحانَه وعدَ عبادَه بالمغفرةِ، فيُمحى الذنبُ وأثَرُه بعدَ التوبةِ الكاملةِ الشروطِ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ)) رواه ابن ماجه، وعند النسائي والطبراني: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى وَارْحَمْنِى وَتُبْ عَلَىَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ)) الْغَفُورُ هُوَ الَّذِى تَكْثُرُ مِنْهُ الْمَغْفِرَةُ. الله تعالى هو الذي يقبل التوبة عن عباده ويغفر لمن يشاء منهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ المغفرة﴾ [سورة النجم/ الآية 32]وقال البوصيري:
| يا نَفْسُ لا تَقْنَطِي مِنْ زَلَّةٍ عَظُمَـتْ | إنَّ الكَبائـــــــرَ في الغُفـــرانِ كاللَّمَمِ | |
| لعلَّ رَحْمَةَ رَبِّـــي حيــــنَ يَقْسمُـها | تَأْتي عَلَى حَسَبِ العِصْيانِ في القِسَم |
رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ((وَاذُنُوبَاه وَاذُنُوبَاه!!))فَقَالَ هَذَا الْقَوْلَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((قُلِ اللَّهُمَّ مَغْفِرَتُكَ أَوْسَعُ مِنْ ذُنُوبِي وَرَحْمَتُكَ أَرْجَى عِنْدِي مِنْ عَمَلِي)) فَقَالَهَا، ثُمَّ قَالَ: ((عُدْ))، فَعَادَ، ثُمَّ قَالَ: ((عُدْ)) فَعَادَ، فَقَالَ:((قُمْ فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ)).
يَنْبَغِي عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ التَّوْبَةَ وَلَا يَشْغَلَهُ عَنْهَا شَاغِلٌ، وَأَنْ يَنْظُرَ إِلَى ثَوَابِ اللَّهِ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَكَذَا كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ وَالصَّحَابَةُ الْكِرَامُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ إِلَى بَدْرٍ حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ، وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ)). قَالَ: عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ؟! قَالَ: ((نَعَمْ)). قَالَ: بَخٍ بَخٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: ((مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ؟)) قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ: ((فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا)). قَالَ: فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ كِيسِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ. فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ أَيْضًا فِي يَوْمِ أُحُدٍ: ((قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ)) فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ وَهُوَ أَعْرَجُ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَطَأَنَّ بِهَا فِي الْجَنَّةِ. لَمَّا أَرَادَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ الْخُرُوجَ إِلَى أُحُدٍ، مَنَعَهُ بَنُوهُ، وَقَالُوا: قَدْ عَذَرَكَ اللَّهُ. فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ بَنِيَّ يُرِيدُونَ حَبْسِي عَنِ الْخُرُوجِ مَعَكَ وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَطَأَ بِعَرَجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ: ((أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ عَذَرَكَ اللَّهُ)) ثُمَّ قَالَ لِبَنِيهِ: لَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَمْنَعُوهُ لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَرْزُقُهُ الشَّهَادَةَ. فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ.
قَالَتِ امْرَأَتُهُ هِنْدُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ خِزَامٍ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مُوَلِّيًا، فَقَدْ أَخَذَ سَيْفَهُ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا تَرُدَّنِي إِلَى خَرَبِي وَهِيَ مَنَازِلُ بَنِي سَلِمَةَ. قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ حِينَ انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ ثُمَّ ثَابُوا، وَهُوَ فِي الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ، لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ظَلْعٍ فِي رِجْلِهِ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا وَاللَّهِ مُشْتَاقٌ إِلَى الْجَنَّةِ! ثُمَّ أَنْظُرُ إِلَى ابْنِهِ خَلَّادٍ وَهُوَ يَعْدُو مَعَهُ فِي إِثْرِهِ حَتَّى قُتِلَا جَمِيعًا.
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَرْوِيهِ الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ دُفِنَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ وَأَبُو جَابِرٍ – وهم من شهداء أُحد – فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، فَخَرَّبَ السَّيْلُ قَبْرَهُمْ، فَحُفِرَ عَنْهُمْ بَعْدَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً فَوُجِدُوا لَمْ يَتَغَيَّرُوا كَأَنَّهُمْ مَاتُوا أَمْسِ.
والله تعالى أعلم وأحكم