لعن الله من سبّ والديه – شرح حديث فيه بيان كيف يسب الولد أبويه

المقدمة

الْحَمْدُ للَّهِ الْمَلِكِ الْجَلِيلِ، الْمُنَزَّهِ عَنِ النَّظِيرِ وَالْعَدِيلِ، الْمُنْعِمِ بِقَبُولِ الْقَلِيلِ، الْمُتَكَرِّمِ بِإِعْطَاءِ الْجَزِيلِ، تَقَدَّسَ عَمَّا يَقُولُ أَهْلُ التَّعْطِيلِ، وَتَعَالَى عَمَّا يَعْتَقِدُ أَهْلُ التَّمْثِيلِ، نصب لِلْعَقْلِ عَلَى وُجُودِهِ أَوْضَحَ دَلِيلٍ، وَهَدَى إِلَى وُجُودِهِ أَبْيَنَ سَبِيلٍ، وَجَعَلَ لِلْحَسَنِ حَظًّا إِلَى مِثْلِهِ يَمِيلُ، أَحْمَدُهُ كُلَّمَا نَطَقَ بِحَمْدِهِ وَقِيلَ،

وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ الْمُنَزَّهُ عَنْ مَا عَنْهُ قِيلَ، وَأُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ النَّبِيلِ، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الَّذِي لا يُبْغِضُهُ إِلا ثَقِيلٌ، وَعَلَى عُمَرَ وَفَضْلُ عُمَرَ فَضْلٌ طَوِيلٌ، وَعَلَى عُثْمَانَ وَكَمْ لِعُثْمَانَ مِنْ فِعْلٍ جَمِيلٍ، وَعَلَى عَلِيٍّ وَجَحْدُ قَدْرِ عَلِيٍّ تَغْفِيلٌ، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بكثير العمل والقليل، 

أما بعد

فقد وصلنا في كتاب برّ الوالدين للإمام البخاري رضي الله عنه إلى:

الحديث التاسع: قصة نزول آيات في سعد بن أبي وقاص

قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا محمد بن عمر بن يوسف حدثنا إسرائيلُ حدثنا سِمَاكٌ عن مُصْعَب بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه

ترجمة سعد بن أبي وقاص

هو سَعْدُ بْنُ أَبِي وقاص واسم أبي وقاص مَالِكِ بْنِ وُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كلاب بْن مُرَّة ويكنى أَبَا إِسْحَاق. وَالْوَقّاصُ فِي اللّغَةِ، هُوَ وَاحِدُ الْوَقَاقِيصِ وَهِيَ شِبَاكٌ يَصْطَادُ بِهَا الطّيْرُ، وَهُوَ أَيْضًا فَعَالٍ مِنْ وُقِصَ إذَا انْكَسَرَ عُنُقُهُ.

وروي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:

«أقْبَلَ سَعْدٌ فقالَ النَّبيُّ ﷺ: هَذَا خَالِي فَلْيُرِنِي امْرُءٌ خَالَهُ»

وقَالَ سعدٌ: مَا أَسْلَمَ رَجُلٌ قَبْلِي إِلا رَجُلٌ أَسْلَمَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ. وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ يَوْمٌ وَإِنِّي لَثُلُثُ الإِسْلامِ. وَقَالَ: لَقَدْ أَسْلَمْتُ يَوْمَ أَسْلَمْتُ وَمَا فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَوَاتَ، وَأَسْلَمْتُ وَأَنَا ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وقَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ رَمَى فِي الإِسْلامِ بِسَهْمٍ. خَرَجْنَا مَعَ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ سِتِّينَ رَاكِبًا سَرِيَّةً.

وفي البخاري قَالَ سَعْدٌ: إِنِّى لأَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَأَيْتُنَا نَغْزُو، وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلاَّ وَرَقُ الْحُبْلَةِ وَهَذَا السَّمُرُ، وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ.اهـ

وروي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْدِي أَحَدًا بِأَبَوَيْهِ إِلا سَعْدًا فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: «ارْمِ سَعْدُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي».اهـ

وثبت أَنَّ رسول الله ﷺ قال لِسَعْدٍ: «اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لَهُ إِذَا دَعَاكَ»

وَشَهِدَ سَعْدُ بَدْرًا وأحدًا وثبت يَوْمَ أُحُدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حين ولَّى الناس. وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وروى ابن سعد في الطبقات أَنَّ سَعْدًا كَانَ يُسَبِّحُ بِالْحَصَى.

وجاء عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ رَأْسُ أَبِي فِي حِجْرِي وَهُوَ يَموت، قَالَ فَدَمَعَتْ عَيْنَايَ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ أَيْ بُنَيَّ؟ فَقُلْتُ: لِمَكَانِكَ وَمَا أَرَى بِكَ. قَالَ: فَلا تَبْكِ عَلَيَّ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُنِي أَبَدًا وَإِنِّي مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ (لبشارة النّبيّ له بالجنّة).

ثم إِنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ مَاتَ بِالْعَقِيقِ فَحُمِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَدُفِنَ بِهَا. وروي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَمُرُّوا بِجَنَازَتِهِ فِي الْمَسْجِدِ. فَفَعَلُوا فَوُقِفَ بِهِ عَلَى حُجَرِهِنَّ فَصَلَّيْنَ عَلَيْهِ وَخُرِجَ بِهِ مِنْ بَابِ الْجَنَائِزِ.

وروي عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ قَالَتْ: مَاتَ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ عَلَى عَشْرَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ فَحُمِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى رِقَابِ الرِّجَالِ وَصَلَّى عَلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ وَالِي الْمَدِينَةِ. وَذَلِكَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ. وَكَانَ يَوْمَ مَاتَ ابْنَ بِضْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَتَرَكَ سَعْدٌ يَوْمَ مَاتَ مِائَتَيْ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ.اهـ

وأخباره في الشجاعة والشدة في دين الله واتباع السنة والزهد والورع وإجابة الدعوة والصدق والتواضع شهيرة. وقال ابن الجوزي: له مائتان وإحدى وسبعون حديثًا. وقال أبو نعيم أسند مائة حديث ونيفًا. اتفق الشيخان على خمسة عشر حديثًا، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بثمانية عشر. وكان آخر المهاجرين موتًا بالمدينة ولما حضرته الوفاة دعا بخلق جبة له فقال: كفنوني فيها، فإني كنت لقيت المشركين فيها يوم بدر وكنت أخبؤها لهذا اليوم

الآيات التي نزلت في سعد

قال: نَزَلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ ءَاياتٍ مِن كِتابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: حَلَفَتْ أُمِّي أَنْ لَا تَأْكُلَ وَلاَ تَشْرَبَ حَتَّى أُفارِقَ مُحَمَّدًا ﷺ، فأَنْزَلَ اللهُ تَعالَى:

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾

شرح الآية وحكم بر الوالدين الكافرين

هذه الآية والتي سبقتها قال المفسرون إنها نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، حيث قال تعالى:

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

ففي رواية البيهقي والترمذي: قَالَتْ أُمُّ سَعْدٍ: أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ اللهُ بِبِرِّ الْوَالِدَةِ؟ فَوَاللهِ لَا أَطْعَمُ طَعَامًا وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى تَكْفُرَ أَوْ أَمُوتَ، فَنَزَلَتْ هاتان الآيتان.

وَجُمْلَةُ هَذَا الْبَابِ أَنَّ طَاعَةَ الْأَبَوَيْنِ لَا تُرَاعَى فِي رُكُوبِ مَعْصِيَةٍ وَلَا فِي تَرْكِ فَرِيضَةٍ، ومن طاعة الوالدين ما روى الترمذي عن عبد الله بن عُمَرَ قَالَ: كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ أُحِبُّهَا، فَأَمَرَنِي أبي أَنْ أُطَلِّقَهَا فَأَبَيْتُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: “يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلِّقِ امْرَأَتَكَ

ويُعلمُ من هذه الآية أنه لَا يَخْتَصُّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ بِأَنْ يَكُونَا مُسْلِمَيْنِ، بَلْ إِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ يَبَرُّهُمَا وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمَا إِذَا كَانَ لَهُمَا عَهْدٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾

وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: قَدِمَتْ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَمُدَّتِهِمْ إِذْ عَاهَدُوا النَّبِيَّ ﷺ مَعَ أَبِيهَا، فَاسْتَفْتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ [أي راغبة في برى وصلتي، أو راغبة عن الإسلام كارهة له] أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: “نَعَمْ صِلِي أمك”

فهذا دَلِيلٌ عَلَى صِلَةِ الْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ بِمَا أَمْكَنَ مِنَ الْمَالِ إِنْ كَانَا فَقِيرَيْنِ، وَإِلَانَةِ الْقَوْلِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ بِرِفْقٍ.

والإحسان للوالدين مُرَغَّبٌ فيه وإن ظلما الولد فقد قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ أَمْسَى مُرْضِيًا لِوَالِدَيْهِ وَأَصْبَحَ أَمْسَى وَأَصْبَحَ وَلَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ مِنَ الْجَنَّةِ وَإِنْ وَاحِدًا فَوَاحِدًا. وَمَنْ أَمْسَى وَأَصْبَحَ مُسْخِطًا لِوَالِدَيْهِ أَمْسَى وَأَصْبَحَ وَلَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ إِلَى النَّارِ وَإِنْ وَاحِدًا فَوَاحِدًا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ ظَلَمَاهُ؟ قَالَ: «وَإِنْ ظَلَمَاهُ وَإِنْ ظَلَمَاهُ وَإِنْ ظَلَمَاهُ»

الآيات الأخرى التي نزلت في سعد

والثانيةُ: أَنِّي كُنْتُ أَخَذْتُ سَيفًا فأَعْجَبَنِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ هَبْ لِي هَذَا، فنَزَلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ

فِي صَّحِيحِ مسلم عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: اغْتَنَمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَنِيمَةً عَظِيمَةً، فَإِذَا فِيهَا سَيْفٌ، فَأَخَذْتُهُ فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: نَفِّلْنِي هَذَا السَّيْفَ، فَأَنَا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ حَالَهُ. قَالَ: “رُدَّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ” فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أُلْقِيَهُ فِي الْقَبَضِ [القبض بالتحريك بمعنى المقبوض، وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن تقسم] لَامَتْنِي نَفْسِي فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: أَعْطِنِيهِ. قَالَ: فَشَدَّ لِي صَوْتَهُ (رُدَّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ) فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أُلْقِيَهُ فِي الْقَبَضِ لَامَتْنِي نَفْسِي فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: أَعْطِنِيهِ، قَالَ: فَشَدَّ لِي صَوْتَهُ “رُدَّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ” فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ

والْأَنْفَالُ وَاحِدُهَا نَفَلٌ بِتَحْرِيكِ الْفَاءِ، قَالَ لبيد: أَيْ خَيْرُ غَنِيمَةٍ.

إِنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلٍوَبِإِذْنِ اللَّهِ رَيْثِي وَعَجَلْ

والثالثةُ: أَنِّي كُنتُ مَرِضْتُ فأَتَانِي النَّبِيُّ ﷺ فقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ إِنّي أُرِيدُ أَنْ أَقْسِمَ مَالِي أَفَأُوْصِي بِالنِّصْفِ؟ قالَ: «لَا»، فقُلْتُ: الثُّلُثُ؟ فَسَكَتَ، فَكَانَ الثُّلُثُ بَعْدُ جَائِزًا

والقصة لهذا الذي ذكره سعد رضي الله عنه في الصحيحين عنه أنه قَالَ: “جَاءَنِي رسولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّة الْوَداعِ مِنْ وَجعٍ اشْتدَّ بِي فَقُلْتُ: يَا رسُول اللَّهِ إِنِّي قَدْ بلغَ بِي مِن الْوجعِ مَا تَرى، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلاَ يَرثُنِي إِلاَّ ابْنةٌ لِي، أَفأَتصَدَّق بثُلُثَىْ مالِي؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: فالشَّطُر يَا رسوُلَ اللهِ؟ فقالَ: لا، قُلْتُ: فالثُّلُثُ يَا رَسُولَ اللَّه؟ قَالَ: الثُّلثُ والثُّلُثُ كثِيرٌ – أَوْ كَبِيرٌ – إِنَّكَ إِنْ تَذرَ وَرثتك أغنِياءَ خَيْرٌ مِن أَنْ تذرهُمْ عالَةً يَتكفَّفُونَ النَّاس، وَإِنَّكَ لَنْ تُنفِق نَفَقةً تبْتغِي بِهَا وجْهَ اللهِ إِلَّا أُجرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى ما تَجْعلُ فِي امْرَأَتكَ قَال: فَقلْت: يَا رَسُولَ اللهِ أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَال: إِنَّك لَنْ تُخَلَّفَ فتعْمَل عَمَلًا تَبْتغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ إلّا ازْددْتَ بِهِ دَرجةً ورِفعةً ولعَلَّك أَنْ تُخلَّف حَتَى ينْتفعَ بكَ أَقَوامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخرُونَ. اللَّهُمَّ أَمْضِ لأِصْحابي هجْرتَهُم، وَلاَ ترُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهم”. وفي رواية قال:

«اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا. اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا. اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا».اهـ

والرابعةُ: أَنِّي شَرِبتُ الخَمْرَ مَعَ قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ (أي قَبْلَ نُزُول النَصِّ بِتَحرِيم شُرب الخَمرِ) فَضَرَبَ رَجُلٌ مِنْهُم أَنْفِي بِلَحْيِ جَمَلٍ (قال الفيومي: وَاللَّحْيُ عَظْمُ الْحَنَكِ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَسْنَانُ وَهُوَ مِنْ الْإِنْسَانِ حَيْثُ يَنْبُتُ الشَّعْرُ وَهُوَ أَعْلَى وَأَسْفَلُ) فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَنْزَلَ الله تعالى تَحْرِيمَ الخَمْرِ

حكم شرب الخمر وأبواب الكفر

وليعلم أن شُرب الخمرِ معصية كبيرة من أكبرِ الكبائرِ لكنْ هيَ أخفُّ من معصية الزنى، لأن أكبر الذنوب على الإطلاق هو الكفر بجميع أنواعه، والكفر هو الذنب الذي لا يغفره الله تعالى لمن مات عليه ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ثم بعد الكفر يأتي قتل النفسِ المؤمنةِ التي حرَّمَ الله ثم الزنى وبعد الزنى يأتي ترك الصلاةِ وأكل الربا وشُربُ الخمر وكلها من كبائر الذنوب.

وَاعْلَمْ أَنَّ الْكُفْرَ ثَلاثَةُ أَبْوَابٍ: إِمَّا تَشْبِيهٌ، أَوْ تَكْذِيبٌ، أَوْ تَعْطِيلٌ. أَحَدُهَا التَّشْبِيهُ: أَيْ تَشْبِيهُ اللَّهِ بِخَلْقِهِ كَمَنْ يَصِفُهُ بِالْحُدُوثِ أَوِ الْفَنَاءِ أَوِ الْجِسْمِ أَوِ اللَّوْنِ أَوِ الشَّكْلِ أَوِ الْكَمِيَّةِ أَيْ مِقْدَارِ الْحَجْمِ، ثَانِيهَا التَّكْذِيبُ: أَيْ تَكْذِيبُ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْءَانِ الْكَرِيْمِ أَوْ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى وَجْهٍ ثَابِتٍ وَكَانَ مِمَّا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَاعْتِقَادِ فَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، أَوْ أَنَّ الْجَنَّةَ لَذَّاتٌ غَيْرُ حِسِيَّةٍ، وَأَنَّ النَّارَ ءَالامٌ مَعْنَوِيَّةٌ، أَوْ إِنْكَارِ بَعْثِ الأَجْسَادِ وَالأَرْوَاحِ مَعًا أَوِ إِنْكَارِ وُجُوبِ الصَّلاةِ أَوِ الصِّيَامِ أَوِ الزَّكَاةِ، أَوِ اعْتِقَادِ تَحْرِيْمِ الطَّلاقِ أَوِ تَحْلِيلِ الْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ثَبَتَ بِالْقَطْعِ وَظَهَرَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. ثَالِثُهَا التَّعْطِيلُ: أَيْ نَفْيُ وُجُودِ اللَّهِ أو أيِّ صفةٍ من صفاته الواجبة له إجماعًا وَهذا أَشَدُّ الْكُفْرِ

خطر شرب الخمر

ومما يدل على فحش وقبح معصية شرب الخمر ما روى ابن حبان عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ خَطِيبًا، قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: “اجْتَنِبُوا أُمَّ الْخَبَائِثِ، فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ قَبْلَكُمْ يَتَعَبَّدُ وَيَعْتَزِلُ النَّاسَ، فَعَلِقَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ خَادِمًا، فَقَالَتْ: إِنَّا نَدْعُوكَ لِشَهَادَةٍ، فَدَخَلَ فَطَفِقَتْ كُلَّمَا يَدْخُلُ بَابًا أَغْلَقَتْهُ دُونَهُ حَتَّى أَفْضَى إِلَى امْرَأَةٍ وَضِيئَةٍ جَالِسَةٍ، وَعِنْدَهَا غُلَامٌ وَبَاطِيَةٌ فِيهَا خَمْرٌ فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نَدْعُكَ لِشَهَادَةٍ، وَلَكِنْ دَعَوْتُكَ لِتَقْتُلَ هَذَا الْغُلَامَ، أَوْ تَقَعَ عَلَيَّ، أَوْ تَشْرَبَ كَأْسًا مِنْ هَذَا الْخَمْرِ، فَإِنْ أَبَيْتَ صِحْتُ بِكَ وَفَضَحْتُكَ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: اسْقِينِي كَأْسًا مِنْ هَذَا الْخَمْرِ، فَسَقَتْهُ كَأْسًا مِنَ الْخَمْرِ، فَقَالَ: زِيدِينِي، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا، وَقَتَلَ النَّفْسَ، فَاجْتَنِبُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهُ وَاللهِ لَا يَجْتَمِعُ الإِيمَانُ [أي الإيمان الكامل] وَإِدْمَانُ الْخَمْرِ فِي صَدْرِ رَجُلٍ أَبَدًا، لَيُوشِكَنَّ أَحَدُهُمَا يُخْرِجُ صَاحِبَهُ”

الحديث العاشر: من أحق الناس بالصحبة؟

قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان عن عُمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالصُّحْبَةِ؟

«أُمَّكَ»

قال: ثُمَّ مَهْ؟

«ثُمَّ أُمَّكَ»

قال: ثُمَّ مَهْ؟

«أبَاكَ»

ترجمة الصحابي أبي هريرة رضي الله عنه

أبو هريرة رضي الله عنه، اختُلِفَ على اسمه على خمسة وثلاثين قولا، ولكن المشهور بين الحفاظ أنه عبد الرحمن بن صخر الدّوسي.

وكان أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ فَوَجَدْتُ رَجُلا مِنْ بَنِي غِفَارَ يَؤُمُّ النَّاسَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بِسُورَةِ مَرْيَمَ وفي الثانية بـ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. قال: وأبق (أي هرب) مني غلام في الطريق فلما قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فبايعته فبينا أنا عنده إذ طلع الغلام فقال لي رسول الله ﷺ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غُلامُكَ. فَقُلْتُ: هُوَ لِوَجْهِ اللَّهِ. فَأَعْتَقْتُهُ.

وقال أَبو هُرَيْرَةَ: نَشَأْتُ يَتِيمًا وَهَاجَرْتُ مِسْكِينًا وَكُنْتُ أَجِيرًا لِبُسْرَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ بِطَعَامِ بَطْنِي وعقبة رجلي. فكنت أخدم إذا نزلوا وأحدو إِذَا رَكِبُوا فَزَوِّجْنِيهَا اللَّهُ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الدِّينَ قِوَامًا وَجَعَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ إِمَامًا.

وروي في البخاري عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: تَمَخَّطَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ مِنْ كَتَّانٍ مُمْشَقٍ – مطرز بلون أحمر – فَتَمَخَّطَ فِيهِ فَقَالَ: بَخٍ بَخٍ يَتَمَخَّطُ أبو هريرة في الكتان. لقد رأيتني أَخِرُّ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحُجْرَةِ عَائِشَةَ، يَجِيءُ الْجَائِي يَرَى أَنَّ بِي جُنُونًا وَمَا بِي إِلا الْجُوعُ.

وَقَدِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَنَةَ سَبْعٍ وَالنَّبِيُّ ﷺ بِخَيْبَرَ فَسَارَ إِلَى خَيْبَرَ حَتَّى قَدِمَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ. وجاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ ثَلاثَ سِنِينَ مَا كُنْتُ سَنَوَاتٍ قَطُّ أَعْقَلَ مِنِّي وَلا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَعِيَ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنِّي فِيهِنَّ.

شرح الحديث

قال ابن حجر: هُوَ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ جَدِّ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ الذي سأل النبي ﷺ.

معنى “أَحَقُّ النَّاسِ”: أَيْ: أَوْلَى وَأَلْيَقُ.

قال ابن حجر: الصُّحْبَةُ وَالصَّحَابَةُ مَصْدَرَانِ بِمَعْنًى وَهُوَ الْمُصَاحَبَةُ أَيْضًا.

قال ملا علي القاري عن قوله «أُمَّكَ»: أَيِ: الْزَمْ أُمَّكَ، أَيْ: أَحْسِنْ صُحْبَتَهَا أَوْ رِعَايَةَ مُعَاشَرَتِهَا.

قال ابن حجر عن “ثُمَّ مَهْ؟”: أَي ثمَّ مَاذَا يكون كَأَن أَصله مَا وَالْهَاء للسكت.

قَالَ: فَيَرَوْنَ أنَّ لأمِّكَ الثُّلُثَيْنِ وَلأَبِيكَ الثُّلُث.

سبب تقديم الأم في البر

قَالَ النووي: قَالَ الْعُلَمَاءُ وَسَبَبُ تَقْدِيمِ الْأُمِّ كَثْرَةُ تَعَبِهَا عَلَيْهِ وَشَفَقَتُهَا وَخِدْمَتُهَا وَمُعَانَاةُ الْمَشَاقِّ فِي حَمْلِهِ ثُمَّ وَضْعِهِ ثُمَّ إِرْضَاعِهِ ثُمَّ تَرْبِيَتِهِ وَخِدْمَتِهِ وَتَمْرِيضِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَنَقَلَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْأُمَّ تُفَضَّلُ فِي الْبِرِّ عَلَى الْأَبِ.

وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ خِلَافًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْجُمْهُورُ بِتَفْضِيلِهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَكُونُ بِرُّهُمَا سَوَاءٌ قَالَ: وَنَسَبَ بَعْضُهُمْ هَذَا إِلَى مَالِكٍ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ لِصَرِيحِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْقَاضِي: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأُمَّ وَالْأَبَ آكَدُ حُرْمَةً فِي الْبِرِّ مِمَّنْ سِوَاهُمَا.

قَالَ: وَتَرَدَّدَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْأَجْدَادِ وَالْإِخْوَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ:

«ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ»

ترتيب البر عند الشافعية

قَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ أَنْ تُقَدَّمَ فِي الْبِرِّ الْأُمُّ ثُمَّ الْأَبُ ثُمَّ الْأَوْلَادُ ثُمَّ الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ ثُمَّ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ ثُمَّ سَائِرُ الْمَحَارِمِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ كَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ وَيُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ وَيُقَدَّمُ مَنْ أَدْلَى بِأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ أَدْلَى بِأَحَدِهِمَا ثُمَّ بِذِي الرَّحِمِ غَيْرِ الْمَحْرَمِ كَابْنِ الْعَمِّ وَبِنْتِهِ وَأَوْلَادِ الْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ وَغَيْرِهِمْ ثُمَّ بِالْمُصَاهَرَةِ ثُمَّ بِالْمَوْلَى مِنْ أَعْلَى وَأَسْفَلِ ثُمَّ الْجَارِ وَيُقَدَّمُ الْقَرِيبُ الْبَعِيدُ الدَّارِ عَلَى الْجَارِ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْقَرِيبُ فِي بَلَدٍ آخَرَ قُدِّمَ عَلَى الْجَارِ الْأَجْنَبِيِّ وَأَلْحَقُوا الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ بِالْمَحَارِمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الإشارة القرآنية لتقديم الأم

وقال ملا علي القاري: قَالُوا: وَسَبَبُ تَقَدُّمِ الْأُمِّ تَعَبُهَا عَلَيْهِ وَشَفَقَتُهَا وَخِدْمَتُهَا، قُلْتُ: وَفِي التَّنْزِيلِ إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [سورة الأحقاف/ الآية 15]

فَالتَّثْلِيثُ فِي مُقَابَلَةِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ مُخْتَصَّةٍ بِالْأُمِّ، وَهَي تَعَبُ الْحَمْلِ وَمَشَقَّةُ الْوَضْعِ وَمِحْنَةُ الرَّضَاعِ.

قال الطحاوي في شرح مشكل الآثار: فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْوَاجِبَ لِلْأُمِّ عَلَى وَلَدِهَا مِنَ الْبِرِّ وَحُسْنِ الصُّحْبَةِ ثَلَاثَةُ أَمْثَالِ مَا لِلْوَالِدِ عَلَيْهِ مِنْهُمَا، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.

قِيلَ لِسُفْيَانَ (هو سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى): لِلأمِّ الثُّلُثَانِ فِي الحَدِيثِ؟ (أي من حيث البرّ والحقّ على الولد) قالَ: نَعَم سَمِعْتُهُ مِن ابنِ شُبْرُمةَ يُحَدِّث عن عُمارَةَ قَبْلَ أَنْ أَراهَ فسَأَلتُ عُمارةَ فجَاءَ بِه.

من عظيم بر الأم

وفي هذا الحديث الحثّ على برّ الوالدين ولا سيّما الأم، وفي عظيم بر الأم روى مسلم أَنَّ ‌أَبَا هُرَيْرَةَ ‌لَمْ ‌يَكُنْ ‌يَحُجُّ ‌حَتَّى ‌مَاتَتْ أُمُّهُ لِصُحْبَتِهَا.

وقال النووي: الْمُرَادُ بِهِ حَجُّ التَّطَوُّعِ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدَّمَ بِرَّ الْأُمِّ عَلَى حَجِّ التَّطَوُّعِ لِأَنَّ بِرَّهَا فَرْضٌ فَقُدِّمَ عَلَى التَّطَوُّعِ وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ مَنْعَ الْوَلَدِ مِنْ حَجَّةِ التَّطَوُّعِ دُونَ حَجَّةِ الْفَرْضِ.

من أقوال السلف في بر الوالدين

وقد سئل الفضيلُ بنُ عياض عن بر الوالدين فقال: أن لا تقوم إلى خدمتهما عن كسل وقيل أن لا ترفعَ صوتَك عليهما ‌ولا ‌تنظُرَ ‌إليهما ‌شزْرًا – الشَّزْرُ: النظرُ عَنِ الْيَمِينِ والشِّمال، وَلَيْسَ بمُسْتَقيم الطَّريقة. وَقِيلَ هُوَ النَّظر بمُؤْخِر الْعَيْنِ، وأكثرُ مَا يَكُونُ النَّظرُ الشَّزْرُ فِي حَالِ الغضَب وَإِلَى الأعْدَاءِ -، ولا يَرَيا منك مخالفةً في ظاهر ولا باطن وأن تترحّم عليهما ما عاشا وتدعوَ لهما إذا ماتا وتقومَ بخدمة أوِدّائِهما – أهل ودّهم- من بعدهما.