الحديث (140 – 141) · فضل حمد الله بعد الأكل · إغاثة الملهوف

المقدمة

الحمد لله نحمده حمد الشاكرين، ونؤمن به إيمان الموقنين، ونقر بوحدانيته إقرار الصادقين، ونشهد أن لا إله إلا الله رب العالمين، وخالق السموات والأرضين، لا يخفى عليه من عباده شيء في الأرض ولا في السماء ولا صوتُ الأنين، وهمسُ الهامسين، جل عن الشريك والجسم والمكان والزمان والجهات ومشابهة المخلوقين، وهو سبحانه مكلِّفُ الجنِ والإنس والملائكة المقربين، أن يعبدوه عبادة المخلصين، فقال تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.

والصلاة على نبيه محمد سيد المرسلين، وحبيب رب العالمين، الإمام القدوة السيد العربي الهاشمي الأمين، صلَّى الله عليه وعلى صاحِبه أبي بكرٍ أولِ تابعٍ من الرجال على الدِّين، وعلى عمرَ القويِّ في أمر الله فلا يَلِين، وعلى عثمانَ زوجِ ابنتِي الرسولِ ونعمَ القرِين، وعلى عليٍّ بَحْر العلومِ المخلص الرزين، وعلى آل بيت الرسول الطاهرين، وعلى أصَحابِه الطَّيِّبين، وأتباعِه الصَّالِحِينَ إلى يوم الدين. أما بعد:

الحديث الأربعون بعد المائة (140)

الرابع والعشرون: عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأكُلَ الأَكْلَةَ، فَيَحمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ، فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا». رَوَاهُ مُسلِمٌ. وَ «الأَكْلَةُ» بِفَتحِ الهَمزَةِ: وَهِيَ الغَدْوَةُ أَوِ العَشْوَةُ.

الشرح والتعليق على هذا الحديث

الحديث الرابع والعشرون: أي الحديث الرابع والعشرون من باب “في بيان طرق الخير”، وهو الحديث الأربعون بعد المائة من كتاب رياض الصالحين.

عن أنس رضي الله عنه:

هو أنس بن مالك رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهر من خدمه، وعُرف بذلك رضي الله عنه وأرضاه. وقد تكلمنا عن ترجمته سابقًا.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى»: هذه العبارة فيها تأكيدان:

  1. الأول: “إن”، فإنه يفيد التأكيد.
  2. الثاني: “اللام” في كلمة “ليرضى”.

الرسول صلى الله عليه وسلم كان بإمكانه أن يقول: “الله يرضى بكذا وكذا”، ولكنه قال: “إن الله ليرضى”، ليؤكد ما سيذكره بعد ذلك. فقد أكدَّه بتأكيدين اثنين، وهذا يوضح أهمية المذكور وأهمية أن نعمل به.

إن الله ليرضى: أي يحب أن تفعل هذا الفعل. والرضى إذا أطلق على الله عز وجل يراد به إرادة الإنعام، أي أن الله يُنعم على من كان هذا حاله.

الطحاوي في العقيدة الطحاوية قال: «وَاللهُ يَغْضَبُ وَيَرْضَى لا كَأَحَدٍ مِنَ الْوَرَى»: يَعْنِى أَنَّهُ يَجِبُ إِثْبَاتُ صِفَةِ الْغَضَبِ وَصِفَةِ الرِّضَى لِلَّهِ مَعَ تَنْزِيهِهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ يَكُونَ غَضَبُهُ وَرِضَاهُ تَأَثُّرًا بَلْ هُمَا صِفَتَانِ أَزَلِيَّتَانِ قَدِيمَتَانِ أَبَدِيَتَانِ.

أَمَّا مَا وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ أَنَّ ءَادَمَ وَغَيْرَهُ مِنَ الأَنبِيَاءِ يَقُولُونَ: «إِنَّ اللَّهَ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ»، فَالْمُرَادُ بِذَلِكَ ءَاثَارُ الْغَضَبِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الصِّفَةَ لِأَنَّ الصِّفَةَ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لَيْسَتْ طَارِئَةً فِى ذَاتِ اللَّهِ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعَدَّ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ ءَاثَارِ الْغَضَبِ مَا لَمْ يَسْبِقْ قَبْلَ ذَلِكَ وَلا يَفْعَلُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى شَاءَ أَنْ يَكُونَ أَنْ يَحْصُلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ ءَاثَارِ الْغَضَبِ مُنْتَهَى الآثَارِ لَكِنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لا يَفْعَلُ فَالْعَذَابُ الَّذِي أَعَدَّهُ لِأَعْدَائِهِ شَاءَ فِي الأَزَلِ أَنْ يُصِيبَهُمْ فِى الآخِرَةِ لا يَتَجَاوَزُ ذَلِكَ الْحَدَّ الَّذِي شَاءَ هَذَا مَعْنَى مَا وَرَدَ فِى حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَأَثَّرَ ذَلِكَ الْوَقْتَ لِأَنَّ التَّأَثُّرَ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ لِأَنَّ الَّذِى يَتَأَثَّرُ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا.

وقال ابن الأثير: قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ «الغَضَب» فِي الْحَدِيثِ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَمِنَ النَّاسِ، فَأَمَّا غَضَب اللَّهِ فَهُوَ إنْكاره عَلَى مَنْ عَصاه، وسَخَطُه عَلَيْهِ، وإعْراضُه عَنْهُ، ومُعاقَبَتُه لَهُ. وَأَمَّا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ فَمِنْهُ مَحْمُود ومَذموم، فَالْمَحْمُودُ مَا كَانَ فِي جانِب الدِّين وَالْحَقِّ، والمذمومُ مَا كَانَ فِي خِلافه.اهـ فإذًا رضى الله عز وجل بمعنى أنه يُنعِمُ على من كان هذا حالَه، وليس أنه تطرأ له انفعالات وآثار نفسية كرضانا نحن عن شيء أو غضبنا عن شيء) عَنِ العَبْدِ (أي العبد المؤمن فقد تقرر في عقائد أهل السنة كما شرحنا سابقا أن المؤمن هو من تقبل منه الأعمال الصالحة، لا يقبل الله عملا لغير المؤمن مهما كثر هذا العمل ومهما كان، أما المؤمن فقد باستغفار واحد قد يدخل الجنة وبعمل قليل قد يجعل الله عملَه هذا سببا لدخول الجنات والنجاة من عذاب القبر وعذاب جهنم، وهو سبب عزنا في الدنيا والآخرة، ومهما طلب الشخص العزة بغير إسلام فلن ينالها، وأقصد العزة الحقيقية التي تكون للعبد في الآخرة، وهذا ببركة الإيمان، فكم من عزيز في الدنيا ذليل في الآخرة وكم من ذليل في الدنيا عزيز في الآخرة، وكم من معروف في الدنيا مجهول في الآخرة وكم من مجهول في الدنيا معروف في الآخرة، لأن العبرة بما أنت عليه عند الله وليس بما أنت عليه عند الناس، هذا الإيمان الذي رزقنا الله إياه هو سبب عزنا في الدنيا والآخرة إن نحن تمسكنا به وثبتنا عليه ومتنا عليه.

قبل معركة القادسية أرسل القائد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وفدا من كبار القادة عنده لملك الفرس يزدجرد وكان متكبرا فاسدا يكره العرب والمسلمين، يقول أهل السير في وصف الحوار الذي جرى بينهم: وَاجْتَمَعَ الفُرسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ وَتَحْتَهُمْ خُيُولٌ كُلُّهَا صُهَّالٌ، وَعَلَيْهِمُ الْبُرُودُ وَبِأَيْدِيهِمُ السِّيَاطُ، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَأَحْضَرَ التُّرْجُمَانَ وَقَالَ لَهُ: سَلْهُمْ مَا جَاءَ بِكُمْ وَمَا دَعَاكُمْ إِلَى غَزْوِنَا وَالْوَلُوجِ بِبِلَادِنَا؟ أَمِنْ أَجْلِ أَنَّنَا تَشَاغَلْنَا عَنْكُمُ اجْتَرَأْتُمْ عَلَيْنَا؟ فَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ رضي الله عنه لِأَصْحَابِهِ: إِنْ شِئْتُمْ تَكَلَّمْتُ عَنْكُمْ، وَمَنْ شَاءَ آثَرْتُهُ. فَقَالُوا: بَلْ تَكَلَّمْ. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ رَحِمَنَا فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولًا يَأْمُرُنَا بِالْخَيْرِ وَيَنْهَانَا عَنِ الشَّرِّ، وَوَعَدَنَا عَلَى إِجَابَتِهِ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَعَرَفْنَا جَمِيعًا فَضْلَ مَا جَاءَ بِهِ عَلَى الَّذِي كُنَّا عَلَيْهِ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالضِّيقِ، ثُمَّ أَمَرَنَا أَنْ نَبْدَأَ بِمَنْ يَلِينَا مِنَ الْأُمَمِ فَنَدْعُوَهُمْ إِلَى الإِنْصَافِ، فَنَحْنُ نَدْعُوكُمْ إِلَى دِينِنَا، وَهُوَ دِينٌ حَسَّنَ الْحَسَنَ وَقَبَّحَ الْقَبِيحَ كُلَّهُ، فَإِنْ أَجَبْتُمْ إِلَى دِينِنَا خَلَّفْنَا فِيكُمْ كِتَابَ اللهِ، وَأَقَمْنَا عَلَى أَنْ تَحْكُمُوا بِأَحْكَامِهِ، وَنَرْجِعُ عَنْكُمْ وَشَأْنُكُمْ وَبِلَادَكُمْ، وَإِنْ أبيتم وبَذَلْتُمُ الْجَزَاءَ قَبِلْنَا وَمَنَعْنَاكُمْ، وَإِلَّا قَاتَلْنَاكُمْ.

فَتَكَلَّمَ يَزْدَجِرْدُ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أُمَّةً أَشْقَى وَلَا أَقَلَّ عَدَدًا وَلَا أَسْوَأَ ذَات بَيْنٍ مِنْكُمْ، قَدْ كُنَّا نُوكِلُ بِكُمْ قُرَى الضَّوَاحِي فَيَكْفُونَنَا أَمْرَكُمْ، وَلَا تَطْمَعُوا أَنْ تَقُومُوا لِفَارِس، فَإِنْ كَانَ غَرَرٌ لَحِقَكُمْ فَلَا يَغُرَنَّكُمْ مِنَّا، وَإِنْ كَانَ الْجُهْدُ فَرَضْنَا لَكُمْ قُوتًا إِلَى خِصْبِكُمْ، وَأَكْرَمْنَا وُجُوهَكُمْ وَكَسَوْنَاكُمْ، وَمَلَّكْنَا عَلَيْكُمْ مَلِكًا يَرْفُقُ بِكُمْ. 

فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ زُرَارَةَ فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّ هَؤُلَاءِ رُءُوسُ الْعَرَبِ وَوُجُوهُهُمْ، وَهُمْ أَشْرَافٌ يَسْتَحْيُونَ مِنَ الْأَشْرَافِ، وَإِنَّمَا يُكْرِمُ الْأَشْرَافَ وَيُعَظِّمُ حَقَّهُمُ الْأَشْرَافُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا أُرْسِلُوا بِهِ قَالُوهُ، وَلَا كُلُّ مَا تَكَلَّمْتَ بِهِ أَجَابُوكَ عَلَيْهِ، فَجَاوِبْنِي لِأَكُونَ الَّذِي أُبْلِغُكَ وَهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى ذَلِكَ لِي، فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ سُوءِ الْحَالِ فَهِيَ عَلَى مَا وَصَفْتَ وَأَشَدُّ. 

ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ سُوءِ عَيْشِ الْعَرَبِ وَإِرْسَالِ اللَّهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ نَحْوَ قَوْلِ النُّعْمَانِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: إن أبيت الإسلام ووافقت على الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَأَنْتَ صَاغِرٌ، وَإِلا فَالسَّيْفُ، أَوْ تُسْلِمُ فَتُنْجِي نَفْسَكَ. فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمْ! لَا شَيْءَ لَكُمْ عِنْدِي. ثُمَّ اسْتَدْعَى بِوِقْرٍ مِنْ تُرَابٍ فَقَالَ: احْمِلُوهُ عَلَى أَشْرَافِ هَؤُلَاءِ، ثُمَّ سُوقُوهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الْمَدَائِنِ، ارْجِعُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ فَأَعْلِمُوهُ أَنِّي مُرْسِلٌ إِلَيْهِ رُسْتُمَ حَتَّى يَدْفِنَهُ وَيَدْفِنَكُمْ مَعَهُ فِي خَنْدَقِ الْقَادِسِيَّةِ، ثُمَّ أُورِدُهُ بِلَادَكُمْ حَتَّى أُشْغِلَكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ.

 فَقَامَ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو لِيَأْخُذَ التُّرَابَ وَقَالَ: أَنَا أَشْرَفُهُمْ، أَنَا سَيِّدُ هَؤُلَاءِ. فَحَمَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ وَخَرَجَ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا، وَأَخَذَ التُّرَابَ وَقَالَ لِسَعْدٍ: أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَانَا اللهُ مقَالِيدَ مُلْكِهِمْ. وَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى جُلَسَاءِ الْمَلِكِ، وَقَالَ الْمَلِكُ لِرُسْتُمَ، مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ فِي الْعَرَبِ مِثْلَ هَؤُلَاءِ، مَا أَنْتُمْ بِأَحْسَنَ جَوَابًا مِنْهُمْ، وَلَقَدْ صَدَقَنِي الْقَوْمُ، لَقَدْ وُعِدُوا أَمْرًا لَيُدْرِكُنَّهُ أَوْ لَيَمُوتُنَّ عَلَيْهِ، عَلَى أَنِّي وَجَدْتُ أَفْضَلَهُمْ أَحْمَقَهُمْ حَيْثُ حَمَلَ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ. فَقَالَ رُسْتُمُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُ أَعْقَلُهُمْ. وَكَانَ رُستُمُ مُنَجِّمًا كَاهِنًا، قال رستم: إنَّ أخذَهم ترابنا إشارة إلى أنهم يملكون بلادنا ويأخذون أرضنا وَتَطَيَّرَ إِلَى ذَلِكَ وَأَبْصَرَهَا دُونَ أَصْحَابِهِ، وَخَرَجَ رُسْتُمُ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ غَضْبَانَ كَئِيبًا، وَبَعَثَ فِي أَثَرِ الْوَفْدِ وَقَالَ لِثِقَتِهِ: إِنْ أَدْرَكَهُمُ الرَّسُولُ تَلَافَيْنَا أَرْضَنَا، وَإِنْ أَعْجَزَهُ سَلَبَكُمُ اللَّهُ أَرْضَكُمْ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ مِنَ الْحِيرَةِ بِفَوَاتِهِمْ، فَقَالَ: ذَهَبَ الْقَوْمُ بِأَرْضِكُمْ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ) 

أَنْ يَأكُلَ الأَكْلَةَ (قال النووي: الْأَكْلَةُ هُنَا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ المرةالواحدة من الأكل كالغداء والعشاء.اهـ وقال في الصحاح: الأَكْلَةُ: المرّة الواحدة حتّى تشبع. والأُكلة بالضم اللقمة. تقول: أكلت أُكْلَةً واحدة، أي لقمةً.اهـ)

فَيَحمَدَهُ عَلَيْهَا (أي أن يقول مثلا بعد فراغه من الأكل: الحمد لله)

 (الله تعالى يرضى أي يحب ويكرم الحامد له على النعم ولو كانت قليلة، وهذا يبين فضل حمد الله وشكره وعدم الاعتراض عليه عز وجل لأن الاعتراض على الله خروج من الدين، روي مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِذَا قَالَ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ صَدَقَ عَبْدِي الْحَمْدُ لِي). 

وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: (مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَّا كَانَ الَّذِي أَعْطَاهُ أَفْضَلَ مِمَّا أَخَذَ). وَفِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: (لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا بِحَذَافِيرِهَا بِيَدِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ لَكَانَتِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ أبو عبد الله: مَعْنَاهُ عِنْدَنَا أَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ الدُّنْيَا، ثُمَّ أُعْطِي عَلَى أَثَرِهَا هَذِهِ الْكَلِمَةَ حَتَّى نَطَقَ بِهَا، فَكَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ أَفْضَلَ مِنَ الدُّنْيَا كُلِّهَا، لِأَنَّ الدُّنْيَا فَانِيَةٌ وَالْكَلِمَةَ بَاقِيَةٌ. 

وروى الخرائطيُّ عن عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمِّي، قَالَتْ: “كَانَ بِمَرْوَ امْرَأَةٌ تَلِدُ الْبَنَاتَ، فَوَلَدَتْ تِسْعَ بَنَاتٍ، فَلَمَّا حَمَلَتِ الْعَاشِرَةَ، قَالَ لَهَا النِّسَاءُ: يَا فُلَانَةُ إِنْ وَلَدْتِ هَذِهِ الْمَرَّةَ ابْنَةً فَاحْمَدِي اللَّهَ، قَالَتْ: إِنْ وَلَدْتُ ابْنَةً لَمْ أَحْمَدِ اللَّهَ قَالَتْ: فَوَلَدَتْ خِنْزِيرَةً” قَالَتْ أُمِّي: «فَأَتَيْتُهَا فَنَظَرْتُ إِلَى الْخِنْزِيرَةِ تَحْتَ ثِيَابِهَا فَعَاشَتْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ مَاتَتْ»)، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ (الشربة: هي المرة من الشرب)، فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا (قال النووي في شرحه لمسلم: وفيه استحباب حمد الله تَعَالَى عَقِبَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ صِفَةَ التَّحْمِيدِ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُودَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا.

وَجَاءَ غَيْرُ ذَلِكَ ولو اقتصر عَلَى الْحَمْدِ لِلَّهِ حَصَّلَ أَصْلُ السُّنَّةِ.اهـ 

ونص الحديث في البخاري: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: الْحَمْدُ للهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ ‌وَلَا ‌مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا».اهـ 

وروي عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ الْأَمْرُ يُعْجِبُهُ أَوْ يُحِبُّهُ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُنْعِمِ الْمُفْضِلِ، اللَّهُمَّ بِنِعْمَتِكَ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ» وَإِذَا أَتَاهُ الْأَمْرُ يَكْرَهُهُ قَالَ: «الْحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ». 

وكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ إِذَا ابْتَدَأَ حَدِيثَهُ: ‌‌«الْحَمْدُ للهِ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ كَمَا خَلَقْتَنَا، وَرَزَقْتَنَا، وَهَدَيْتَنَا، وَعَلَّمْتَنَا، وَأَنْقَذْتَنَا، وَفَرَّجْتَ عَنَّا، لَكَ الْحَمْدُ بِالْإِسْلَامِ، وَالْقُرْآنِ، وَلَكَ الْحَمْدُ بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْمُعَافَاةِ، كَبَتَّ عَدُوَّنَا، وَبَسَطْتَ رِزْقَنَا، وَأَظْهَرْتَ أَمْنَنَا، وَجَمَعَتْ فُرْقَتَنَا، وَأَحْسَنْتَ مُعَافَاتَنَا، وَمِنْ كُلِّ وَاللهِ مَا سَأَلْنَاكَ رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ حَمْدًا كَثِيرًا، لَكَ الْحَمْدُ بِكُلِّ نِعْمَةٍ أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيْنَا فِي قَدِيمٍ وَحَدِيثٍ، أَوْ سِرًّا أَوْ عَلَانِيَةً، أَوْ خَاصَّةً أَوْ عَامَّةً، أَوْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ، أَوْ شَاهِدٍ أَوْ غَائِبٍ، لَكَ الْحَمْدُ حَتَّى تَرْضَى، وَلَكَ الْحَمْدُ إِذَا رَضِيتَ»)» 

(وكل هذا يبين عظيم أجر حمد الله عز وجل وشكره على هذه النعم، ولا سيما على الأكل والشرب، فهي نِعَمٌ يفتقدها كثير من الناس خصوصا في هذه الأيام التي انتشر فيها دمار كثير من بلاد المسلمين وتقتيلهم بغير حق والعياذ بالله وتداعت الأمم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، نسأل الله أن يرفع البلاء عن المسلمين في كل مكان.

ويروي الخطيب البغدادي بسنده قصة تبين عظيم نعمة الأكل والشرب وتيسير الله لها فتصل إلى كل واحد منا غضةً طريَّةً سائغةً، ثم ييسر الله خروجها من البدن بلا عناء ولا تكلف، قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: بعث هارون أمير المؤمنين إلى الواعظ الفقيه محمد بن السماك في آخر شعبان فأحضره، فقال له يحيى بن خالد: أتدري لِمَ بعث إليك أمير المؤمنين؟ قال: لا أدري، قال له يحيى بن خالد: بعث لما بلغه عنك من حسن دعائك للخاصة والعامة، فقال له ابن السماك: أما ما بلغ أمير المؤمنين عني من ذلك فبستر الله الذي ستره علي، ولولا ستره لم يبق لنا ثناء، ولا التقاء على مودة، فالستر هو الذي أجلسني بين يديك يا أمير المؤمنين، إني والله ما رأيت وجها أحسن من وجهك، فلا تحرق وجهك بالنار، قال: فبكى هارون بكاء شديدا، ثم دعا بماء فاستسقى، فأتي بقدح فيه ماء، فقال: يا أمير المؤمنين، أكلمك بكلمة قبل أن تشرب هذا الماء؟ قال: قل ما أحببت، قال: يا أمير المؤمنين، لو منعت هذه الشربة إلا بالدنيا وما فيها، أكنت تفتديها بالدنيا وما فيها حتى تصل إليك؟ فقال: نعم، قال: فاشرب رَيًّا بارك الله فيك، فلما فرغ من شربه قال له: يا أمير المؤمنين، أرأيت لو منعت إخراج هذه الشربة منك إلا بالدنيا وما فيها، أكنت تفتدي ذلك بالدنيا وما فيها؟ قال: نعم، قال: يا أمير المؤمنين، فما تصنع بشيء شَربةُ ماء خير منه؟ قال: فبكى هارون، واشتد بكاؤه، قال: فقال يحيى بن خالد: يا ابن السماك، قد ارفق بأمير المؤمنين، فقال له: وأنت يا يحيى فلا يغرنك رفاهية العيش ولينُه).

 رَوَاهُ مُسلِمٌ. وَ «الأَكْلَةُ» بِفَتحِ الهَمزَةِ: وَهِيَ الغَدْوَةُ (قال ابن علان: وهي اسم للمأكول أول النهار) أَوِ العَشْوَةُ (هو المأكول آخره).

الحديث الحادي والأربعون بعد المائة (141)

قال الحافظ النووي رحمه الله: الخامس والعشرون: عَن أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ» قَالَ: أَرَأَيتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ» قَالَ: أَرَأَيتَ إِن لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: «يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ» قَالَ: أَرَأَيتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، قَالَ: «يَأمُرُ بِالمَعْرُوفِ أَوِ الخَيْرِ». قَالَ: أرَأيْتَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: «يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

الشرح والتعليق على هذا الحديث

الخامس والعشرون (أي الحديث الخامس والعشرون من باب في بيان طرق الخير، وهو الحديث الحادي والأربعون بعد المائة من كتاب رياض الصالحين): عَن أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنهُ (هو الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري، عبد الله بن قيس وكنا قد تكلمنا في ترجمته سابقا) عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ» (قال ابن حجر: أَيْ: عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ الْمُتَأَكِّدِ اهـ وقال النووي: قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُرَادُ صَدَقَةُ نَدْبٍ وَتَرْغِيبٍ لَا إِيجَابٍ وَإِلْزَامٍ 

قَالَ: أَرَأَيتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ (كَأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ لَفْظِ الصَّدَقَةِ الْعَطِيَّةَ، فَسَأَلُوا عَمَّنْ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّدَقَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ بِإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ) قَالَ: «يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ» (من كسَبَ مالا ورزقه الله هذا المال فلينفقه في وجوه الخير ولْيَجعَلْ له صلةَ خير ويدَ خير في كل باب يقدر أن يوصل هذا المال إليه، وهنا تُعرَف معادن الرجال فالمال فحصٌ للرجال، وليس سهلا على كثير من النفوس أن تعطي المال وتبذلَه في وجوه الخير، فقدموا مما أعطاكم الله ولا تبخلوا واذكروا أنكم ستخرجون من هذه الدنيا بلا مال ولا أهل ولا ولد وإنما بما قدمتم وأنفقتم مما رزقكم الله في هذه الدنيا)

 (قال ابن الجوزي في بستان الواعظين: ذُكِرَ أَنَّ العَبْدَ إِذا قَدِمَ إِلَى مِيزَانه وأخرجت سجلاتِ سيئاته أعظمُ مِن جبالِ الدُّنْيَا فَإِذا وجدت لَهُ صَدَقَةٌ طيبَة تصدق بهَا لم يرد بهَا إِلَّا وَجه الله تَعَالَى وَلم يطْلب بهَا جَزَاءً من مَخْلُوق وَلَا رِيَاء وَلَا سمعة وَلَا محمدة وَلَا شكر فَإِن تِلْكَ الصَّدَقَة تُوضَع فِي الْمِيزَان بِأَمْر الْملك الخلَّاقِ فترجح على جَمِيع سيئاته وَلَو كَانَت سيئاته مثلَ وزن الْجبَال وقد قيل: 

يَا جَامع المَالِ يَرْجُو أَن يَدُوم لَهُ … كُلْ مَا اسْتَطَعْت وَقَدِّمْ للمَوازِينِ

وَلَا تكن كَالَّذي قد قَالَ إِذْ حضرَتْ … وَفَاتُه: ثلثُ مَالِي للْمَسَاكِينِ

وَاعْمَلُوا عباد الله أَن الْمِيزَان إِذا نُصِبَ للْعَبد فَهُوَ من أعظمِ الْأَهْوَال يَوْم الْقِيَامَة لِأَن العَبْد إِذا نظر إِلَى الْمِيزَان انخلعَ فُؤَادُه وَكَثُرت خطوبُه وعظمت كروبه فَلَا تهدأ روعة العَبْد حَتَّى يرى أيثقل مِيزَانه أم يخف فَإِن ثقل مِيزَانه فقد سعد سَعَادَة لَا يشقى بعْدهَا أبدا وَإِن خف مِيزَانه فقد خسر خسرانا مُبينًا ولقي من الْعَذَاب أمرا عَظِيما.اهـ 

وقال أيضا: يَا أحبابي إِذا جَازَ النَّاسُ الصِّرَاط وجدوا خلقا كثيرا نسَاء ورجالا قد سَبَقُوهُمْ إِلَى الْجنَّة فَيَقُولُونَ مَن هَؤُلَاءِ الَّذين سبقُونَا؟ فَتَقول لَهُم الْمَلَائِكَة هَؤُلَاءِ الرِّجَال الَّذين تصدقوا فِي السِّرّ ابْتِغَاء وَجه الله وتصدقوا فِي الْعَلَانِيَة ليحببوا الصَّدَقَة إِلَى عباد الله هَؤُلَاءِ الَّذين فَرَّجوا عَن المكروبين وَهَؤُلَاء النسْوَة اللواتي أطعن أَزوَاجهنَّ وحفظن فروجهن وحفظن ألسنتهن عَن أَذَى الزَّوْج وَعَن أَذَى الْجِيرَان وتصدقن فِي السِّرّ والإعلان) 

قَالَ: أَرَأَيتَ إِن لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: «يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ» (أَيِ: الْمُسْتَغِيثُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَظْلُومًا أَوْ عَاجِزًا) (قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى الْمُتَحَسِّرِ وَعَلَى الْمُضْطَرِّ وَعَلَى الْمَظْلُومِ)

 (وما أكثر الملهوفين في هذه الأيام وأصحاب الحاجة والفقراء في هذا الزمن الذي انتشرت فيه الحروب والمشردين وتاركي بيوتهم وانتشر فيه تقتيل المسلمين بغير حق فما أعظمَ ثواب إغاثة هؤلاء المتضررين والمحتاجين، نسأل الله أن يرفع عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، 

روي عن عبد الله بن عمر قَالَ: لَقِيَنِي عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه وَهُوَ منصرف من مَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ – فَقَالَ ابْنَ عمر: أَلا أحَدثك حَدِيثا حَدثنِي بِهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَأَنت لَهُ أهل؟ قلت: بلَى، قَالَ: حَدثنِي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَن جِبْرِيل عليه السلام عَن ربه عز وجل أَنه قَالَ: ” مَا من قوم يكونُونَ فِي حَبرَة [سرور وهناء] إِلَّا ستتبعها عِبْرَة، وكل نعيم زائلٌ إِلَّا نعيمَ أهل الْجنَّة، وكل هم مُنْقَطع إِلَّا هَمَّ أهل النَّار، وَإِذا عملت سَيِّئَة فأتبعها حَسَنَة تمحها محوا سَرِيعا، وَأكْثر صنائع الْمَعْرُوف فَإِن صنائع الْمَعْرُوف تَقِيّ مصَارِع السوء، وَمَا من عمل بعد أَدَاء الْفَرَائِض أحبُّ إِلَى الله عز وجل من إِدْخَال السرُور على الْمُؤمن”. 

وروي عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: أَي الْعَمَل أفضل؟ [أي من أفضل الأعمال] قَالَ: ” أَن تدخل على أَخِيك سُرُورًا وتقضي عَنهُ دينا، أَو تطعمه خبْزًا”.

وصح عَن أبي مُوسَى قَالَ: (كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِذا جَاءَهُ السَّائِل أَو طَالب الْحَاجة أقبل علينا بِوَجْهِهِ ثمَّ قَالَ اشفعوا تؤجروا وَيَقْضِي الله على لِسَان رَسُوله مَا أحب).اهـ 

وروي عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: (من أَدخل على مُؤمن سُرُورًا فقد سرني وَمن سرني فقد اتخذ عِنْدِي عهدا وَمن اتخذ عِنْدِي عهدا فَلَنْ تمسه النَّار أبدا.اهـ 

وروي عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم (من أغاث ملهوفا غُفِرَ لَهُ ثَلَاث وَسَبْعُونَ مغْفرَة وَاحِدَة مِنْهَا صَلَاح أمره وَدينه وثنتان وَسَبْعُونَ لَهُ دَرَجَاتٌ فِي الْآخِرَة).اهـ 

وروي عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم (من مَشى مَعَ أَخِيه الْمُسلم فِي حَاجته حَتَّى يثبتها لَهُ [أي يقضيها له] ثَبت الله قَدَمَيْهِ يَوْم تَزُول الْأَقْدَام).اهـ 

وروي عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم (إِن من النَّاس مَفَاتِيحَ للخير مغاليق للشر وَإِن من النَّاس مَفَاتِيحَ للشر مغاليق للخير فطوبى لمن جعل الله عز وجل مَفَاتِيحَ الْخَيْر على يَدَيْهِ وويل لمن جعل الله عز وجل مَفَاتِيحَ الشَّرّ على يَدَيْهِ.اهـ 

وروي عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: (إِن لله عبادا يرغب النَّاس إِلَيْهِم بحوائجهم وَإِدْخَال السرُور عَلَيْهِم أُولَئِكَ الآمنون من عَذَاب الله يَوْم الْقِيَامَة.اهـ 

وروي عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: (من أجْرى الله على يَدَيْهِ فرجا لمُسلم فرج الله عَنهُ كرب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمن عَالَ أهل بَيت من الْمُسلمين يومَهم وليلَتَهم غفر الله لَهُ ذنُوبه).اهـ 

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اتَّخذُوا عِنْد الْفُقَرَاء أيادي فَإِن لَهُم دولة، قَالَ: قيل: يَا رَسُول الله، وَمَا دولتهم؟ قَالَ: يُنَادي مُنَاد يَوْم الْقِيَامَة يَا معشر الْفُقَرَاء قومُوا فَلَا يبْقى فَقير إِلَّا قَامَ حَتَّى إِذا اجْتَمعُوا قيل ادخُلُوا إِلَى صُفُوف أهل الْقِيَامَة فَمن صنع إِلَيْكُم مَعْرُوفا فأوردوه الْجنَّة، قَالَ: فَجعل يجْتَمع على الرجل كَذَا وَكَذَا من النَّاس فَيَقُول لَهُ الرجل مِنْهُم أَلَمْ أَكسُكَ فيصدقه فَيَقُول لَهُ الآخر يَا فلَان أَلَمْ أُكَلِّمْ لَكَ وَلَا يزالون يخبرونه بِمَا صَنَعُوا إِلَيْهِ وَهُوَ يُصدقهُمْ بِمَا صَنَعُوا إِلَيْهِ حَتَّى يذهب بهم جَمِيعًا حَتَّى يدخلهم الْجنَّة فَيَقُول قوم لم يَكُونُوا يصنعون الْمَعْرُوف يَا ليتنا كُنَّا نصْنَع الْمَعْرُوف حَتَّى ندخل الْجنَّة).اهـ

وقد روي أنه خرج الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنهما يطوف بِالْكَعْبَةِ فَإِذا رجل قد قَامَ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد أحب أَن تَجِيء معي إِلَى فلَان فِي حَاجَة لي إِلَيْهِ قَالَ فَترك الطّواف وَذهب مَعَه وَقضى حَاجَة الرجل ثمَّ رَجَعَ فَقَامَ إِلَيْهِ رجل فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد تركت الطّواف وَذَهَبت مَعَ فلَان فِي حَاجته قَالَ الْحسن وَيحك وَكَيف لَا أذهب مَعَه فِي حَاجته وَرَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: (من ذهب فِي حَاجَة أَخِيه الْمُسلم وقضيت لَهُ كتب الله لَهُ حجَّة وَعمرَة [معناه مِن النفل] فَإِن لم تقض لَهُ كتبت لَهُ عمْرَة) فقد اكْتسبت حجَّة وَعمرَة وَرجعت إِلَى طوافي.اهـ 

وكان يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي وهو وزير بني العباس يَقُول قَالَ لي الْمَأْمُون يَا يحيى اغتنم قَضَاء حوائج النَّاس فَإِن الْفلك أدور من أَن يتْرك حَالا أَو يبقي لأحد نعْمَة. وقد قيل:

الناس بالناس ما دام الوفاء بهم      والعسر واليسر ساعات وأوقاتُ

وأكرم النَّاسِ ما بين الورَىٰ رجلٌ تُقضَىٰ علىٰ يدهِ للناسِ حاجاتُ لا تمنَعنَّ يد المعروفِ عن أحَدٍ ما دمت مقتَدِرًا فالسعدُ تاراتُ واشكر فضائِلَ صنع الله إذا جُعِلتْ إليك لَا لكَ عند النَّاسِ حاجاتُ قَد ماتَ قومٌ ومَا ماتَت فَضائِلهم       وعاشَ قومٌ وهم في النَّاس أمواتُ

(وروى ابن الجوزي أَن رجلا دخل بعض الْأَسْوَاق فِي يَوْم عَاشُورَاء فَسمع سَائِلًا يَقُول {من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا فيضاعفَه لَهُ وَله أجر كريم} قَالَ فَقَامَ إِلَيْهِ رجل من التُّجَّار فَأعْطَاهُ عشرَة دَنَانِير فَلَمَّا كَانَ الْعَام الْقَابِل إِذا بِالرجلِ السَّائِل قد جَاءَ وَحَوله فُقَرَاء يتبعونه وَهُوَ يُفَرِّقُ عَلَيْهِم الصَّدَقَة فَقَالَ الرجل الَّذِي رَآهُ حِين أعطَاهُ الرجل الْعشْرَة دَنَانِير يَا أخي أَقْسَمت عَلَيْك أما أَنْت الَّذِي أَعْطَاك فلَان التَّاجِر الْعشْرَة دَنَانِير  فِي يَوْم عَاشُورَاء في العام الماضي قَالَ نعم قَالَ قلت ألم تَكُ فَقِيرا ذَلِك الْيَوْم قَالَ بلَى قَالَ قلت لَهُ فَمَا أَغْنَاك قَالَ لَمَّا علم الله صدق نيتي وَأَنِّي مَا أخذت الصَّدَقَة إِلَّا وَأَنا مُحْتَاج وَعلم الله تَعَالَى طيب نفس الْمُتَصَدّق بإعطائها بَارك لي فِي تِلْكَ الْعشْرَة دَنَانِير وأنماها لي حَتَّى وَجَبت عَليّ الْيَوْم عشرَة دَنَانِير زَكَاة فِي مَالِي قَالَ فَلَمَّا سَمِعت مِنْهُ ذَلِك مضيت إِلَى الرجل الَّذِي كَانَ تصدق عَلَيْهِ بِالْعشرَةِ دَنَانِير فَقلت صف لي قصتك فِي الْعَام الْمَاضِي فِي يَوْم عَاشُورَاء إِذْ جَاءَ الرجل الَّذِي قَالَ {من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا فيضاعفه لَهُ وَله أجر كريم} فَقَالَ الرجل الْمُتَصَدّق إِنَّه لما قَرَأَ هَذِه الْآيَة وَقع فِي نَفسِي أَن الله سُبْحَانَهُ سيخلف عَليّ فِي الدُّنْيَا ويوفيني فِي الْآخِرَة الْأجر الْكَرِيم فَبت على هَذِه النِّيَّة فَرَأَيْت فِي مَنَامِي مَلَكًا مبلِّغًا عن الله وَهُوَ يَقُول يَا عَبدِي قد أنجز لك ربك الْأَمريْنِ وَقد أوجب لَك الْجنَّة) 

قَالَ: أَرَأَيتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، قَالَ: «يَأمُرُ بِالمَعْرُوفِ أَوِ الخَيْرِ» (وفِي رِوَايَةٍ عَنْ شُعْبَةَ: فَلْيَأْمُرْ بِالْخَيْرِ أَوْ بِالْمَعْرُوفِ. زَادَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ: وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ) (والأمر بالمعروف كما سبق وبينت في مجالسَ سابقةٍ فرض كفاية على المكلفين، وهو لا يقدم أجلا ولا يؤخر رزقا، ليس أنه بسبب أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر يقل الرزق عنك ويقل المال الذي يأتيك، فالأرزاق من عند الله والذي قدره الله لا بد آتيك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف.اهـ). قَالَ: أرَأيْتَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: «يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ» (قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ إِذَا أَمْسَكَ عَنِ الشَّرِّ لِلَّهِ تَعَالَى كَانَ لَهُ أَجْرٌ عَلَى ذَلِكَ كَمَا أَنَّ لِلْمُتَصَدِّقِ بِالْمَالِ أَجْرًا) 

وَمُحَصَّلُ مَا ذُكِرَ فِي هذا الحَدِيثِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، وَهِيَ إِمَّا بِالْمَالِ أَوْ غَيْرِهِ، 

تَرْتِيبُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ نَدَبَ إِلَى الصَّدَقَةِ، وَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا نَدَبَ إِلَى مَا يَقْرُبُ مِنْهَا أَوْ يَقُومُ مَقَامَهَا وَهُوَ الْعَمَلُ وَالِانْتِفَاعُ، وَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ نَدَبَ إِلَى مَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَهُوَ الْإِغَاثَةُ، وَعِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ نَدَبَ إِلَى فِعْلِ الْمَعْرُوفِ، أَيْ: مِنْ سِوَى مَا تَقَدَّمَ كَإِمَاطَةِ الْأَذَى، وغير ذلك فَإِنْ لَمْ يُطِقْ فَتَرْكُ الشَّرِّ، وَذَلِكَ آخِرُ الْمَرَاتِبِ). مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.