كلام الحيوانات مع النبيّ ﷺ

الدرس ٣٤ من ٤١دلائل النبوة

بسم الله الرحمن الرحيم

الْحَمْدُ لله تُسَبِّحُهُ الْبِحَارُ الطَّوَافِحُ، وَالسُّحُبُ السَّوَافِحُ، وَالأَبْصَارُ اللَّوَامِحُ، وَالأَفْكَارُ وَالْقَرَائِحُ، رَازِقُ الصَّالِحِ وَالطَّالِحِ، عليمٌ بخَافِيَةِ الصَّدْرِ وَمَا فِيهِ مِنْ سِرٍّ أَضْمَرَتْهُ الْجَوَانِحُ، تَعَالَى عن النّدّ المماثل والضّدّ المكادح، أَنْزَلَ الْقَطْرَ بِقُدْرَتِهِ وَصَبَغَ لَوْنَ النَّبَاتِ بِحِكْمَتِهِ، وَخَالَفَ بَيْنَ الطُّعُومِ بِمَشِيئَتِهِ، وَأَرْسَلَ الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ. 

أَحْمَدُهُ عَلَى تَسْهِيلِ الْمَصَالِحِ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى سَتْرِ الْقَبَائِحِ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ أَفْضَلِ غَادٍ وَخَيْرِ رَائِحٍ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ ذِي الْفَضْلِ الرَّاجِحِ، وَعَلَى عُمَرَ الْعَادِلِ فَلَمْ يُرَاقِبْ وَلَمْ يُسَامِحْ، وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي بَايَعَ عَنْهُ الرسول فيالها من صَفْقَةِ رَابِحٍ، وَعَلَى عَلِيٍّ الْبَحْرِ الْخِضَمِّ الطَّافِحِ، وسلم تسليمًا كثيرًا، 

أما بعد: 

أنشد أبو سعدٍ محمد بن الهيثم محمد السّلمي فقال:

أمّــا الصّــــلاةُ عليــــه فسيرةٌ                     مَرْضيـةٌ تُمحى بهـــا الآثامُ
وبها ينــــال المرءُ عِزَّ شفاعةٍ             يَثنى بها الإعزازُ والإكـرامُ
كن للصّلاة على النّبي ملازمًا            فصلاتــه لك تحيـــةٌ وسلامُ

اللهم اجعل صلواتِك وبركاتِك على محمّدٍ النّبي الأميّ وأزواجِه أمّهات المؤمنين وذريّتِه وأهلِ بيتِه كما صلّيت على ءال إبراهيم إنّك حميد مجيد.

اللهم اجعل صلواتِك وبركاتِك على محمّدٍ النّبي الأميّ وأزواجِه أمّهات المؤمنين وذريّتِه وأهلِ بيتِه كما صلّيت على ءال إبراهيم إنّك حميد مجيد.

 لا زلنا نجول في ذِكْرِ دلائل محمد ﷺ، وبراهين نبوته الشّريفة عليه أفضل الصّلاة وأتمّ التّسليم، 

ومن ذلك مَا جَاءَ فِي مَجِيءِ الذِّئْبِ مَجْلِسَ النَّبِيِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَطْلُبُ شَيْئًا، فقد روى أبو نعيم وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ ذِئْبٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَقْعَى غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَعَلَ كَأَنَّهُ يَطْلُبُ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ هَذَا لَيُرِيدُ شَيْئًا»، فَقَالَ رَجُلٌ: لَا تَجْعَلْ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ نَصِيبًا فِي أَمْوَالِنَا، فَأَخَذَ حَجَرًا فَرَمَاهُ بِهِ، فَانْطَلَقَ الذِّئْبُ يَسْعَى وَهُوَ يَعْوِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الذِّئْبُ وَمَا الذِّئْبُ». وفي رواية قَالَ: وَجَاءَ الذِّئْبُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ فَأَقْعَى بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَ يُبَصْبِصُ بِذَنَبِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَذَا وَافِدُ الذِّئَابِ، جَاءَ يَسْأَلُكُمْ أَنْ تَجْعَلُوا لَهُ مِنْ أَمْوَالِكُمْ شَيْئًا»، قَالُوا: لَا وَاللهِ لَا نَفْعَلُ، وَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ حَجَرًا فَرَمَاهُ، فَأَدْبَرَ الذِّئْبُ وَلَهُ عُوَاءٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «الذِّئْبُ وَمَا الذِّئْبُ». 

وفي قصة أخرى: 

عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ بِالْبَقِيعِ، فَإِذَا الذِّئْبُ مُفْتَرِشًا ذِرَاعَيْهِ عَلَى الطَّرِيقِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَذَا أُوَيْسٌ يَسْتَفْرِضُ فَافْرِضُوا لَهُ»، قَالُوا: نَرَى رَأْيَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «مِنْ كُلِّ سَائِمَةٍ شَاةٌ فِي كُلِّ عَامٍ»، قَالُوا: كَثِيرٌ. قَالَ: فَأَشَارَ إِلَى الذِّئْبِ، فَانْطَلَقَ الذئب.

وفي قصة أخرى: 

عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: بَيْنَمَا رَاعٍ يَرْعَى بِالْحَرَّةِ إِذْ عَرَضَ ذِئْبٌ لِشَاةٍ مِنْ شِيَاهِهِ، فَحَالَ الرَّاعِي بَيْنَ الذِّئْبِ وَالشَّاةِ، فَأَقْعَى الذِّئْبُ عَلَى ذَنَبِهِ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّاعِي: أَلَا تَتَّقِي اللهَ، تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ رِزْقٍ سَاقَهُ اللهُ إِلَيَّ، فَقَالَ الرَّاعِي: الْعَجَبُ مِنْ ذِئْبٍ مُقْعٍ عَلَى ذَنَبِهِ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ الْإِنْسِ، فَقَالَ الذِّئْبُ: أَلَا أُحَدِّثُكَ بِأَعْجَبَ مِنِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِأَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ، فَسَاقَ الرَّاعِي شَاةً حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَزَوَى إِلَى زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَدَّثَهُ بِحَدِيثِ الذِّئْبِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ لِلرَّاعِي: قُمْ فَأَخْبِرْهُمْ، قَالَ: فَأَخْبَرَ النَّاسَ بِمَا قَالَ الذِّئْبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صَدَقَ الرَّاعِي أَلَا إِنَّهُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ كَلَامُ السِّبَاعِ لِلْإِنْسِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ، وَيُكَلِّمَ الرَّجُلَ شِرَاكُ نَعْلِهِ، وَعَذَبَةُ سَوْطِهِ، وَيُخْبِرُهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ». 

وفي رواية: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ فِي غَنَمٍ لَهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِنَحْوٍ مِنْ مَعْنَاهُ، وَقَالَ فِيهِ: فَقَالَ الذِّئْبُ مِمَّ تَعْجَبُ؟ فَقَالَ: أَعْجَبُ مِنْ مُخَاطَبَتِكَ إِيَّايَ، فَقَالَ الذِّئْبُ: أَعْجَبُ مِنْ ذلك رسول الله ﷺ بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ فِي النَّخْلَاتِ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا قَدْ خَلَا، وَيُحَدِّثُ بِمَا هُوَ آتٍ، وَأَنْتَ هَا هُنَا تَتْبَعُ غَنَمَكَ، فَأَسْلَمَ الرجل. 

وممّا يدلّ على أنّ النّبيّ ﷺ صادق في إخباره بأنّ البهائم ستُكلّم الإنس:

ما روى أبو نعيم عن الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ الرَّازِيِّ قال: سَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ الْمَغْرِبِيَّ يَقُولُ: خَرَجْتُ مِنْ بَعْضِ الْبُلْدَانِ عَلَى حِمَارٍ فَجَعَلَ الْحِمَارُ يَجْذِبُنِي عَنِ الطَّرِيقِ فَضَرَبْتُ رَأْسَهُ ضَرَبَاتٍ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ، وَقَالَ: اضْرِبْ يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، فَإِنَّمَا عَلَى دِمَاغِكَ هُوَ ذَا تُضْرَبُ. قُلْتُ لَهُ: كَلَّمَكَ كَلَامًا يُفْهَمُ؟ فَقَالَ: كَمَا تُكَلِّمُنِي وأكلمك.

وروي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: أَتَى النبيَّ ﷺ وَهُوَ بِخَيْبَرَ حِمَارٌ أَسْوَدُ فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا عَمْرُو بْنُ فُلَانٍ كُنَّا سَبْعَةَ إِخْوَةٍ، كُلُّنَا رَكِبَنَا الْأَنْبِيَاءُ وَأَنَا أَصْغَرُهُمْ وَكُنْتُ لَكَ فَمَلَكَنِي رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فَكُنْتُ إِذَا ذَكَرْتُكَ كَبَأْتُ بِهِ فَيُوجِعُنِي ضَرْبًا فَقَالَ النبي ﷺ: «فَأَنْتَ يَعْفُورُ» – قِيلَ: سُمِّي يَعْفُورًا لِلَونِه، مِنَ العُفْرَة، كَمَا قِيلَ فِي أخْضَر: يَخْضُور. وَقِيلَ: سُمِّي بِهِ تَشْبِيهًا فِي عَدْوِه باليَعْفُور، وَهُوَ الظَّبيُ -.

قصة أخرى: 

قال النيسابوري في شرف المصطفى: ومن دلائل نبوته ﷺ ما رواه عبد الرّحمن العنبري يرفعه قال: كان رسول الله ﷺ في يوم عرفة يخطب النّاس ويحثّ على الصّدقة، فقام شاب فقال: يا رسول الله، هذه الناقة للمساكين، فنظر إليها النّبي ﷺ فقال: اشتروها لي، قال: فبينما هو يسير ذات يوم ومعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا ابن الخطاب ألا أخبرك بالعجب؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: خرجت في بعض الليل إلى الدّار، فقالت الناقة: السّلام عليك يا رسول الله، وقالت: يا رسول الله كانت أمّي لرجل من قريش، إذا حلبوها علفوها، وإذا لم يحلبوها لم يعلفوها، وكنت خامس خمسة أبطن، فكانت الجاهلية إذا وضعت الناقة خمسة أبطن جعلوا الخامس لأصنامهم لا يركبونها ولا يستعملونها، ولا يأخذوا وبرها، فاستعارني الأعراب فهربت منهم في بعض الطريق، فكنت أرعى، فيناديني الحشيش: إليّ إليّ فإنّك لمحمّد ﷺ فإذا كان الليل نادى السّباع والهوام بعضها بعضا: لا تقربوها فإنّها لمحمّد ﷺ حتى صيّرني الله لك. قال ﷺ: فقلت لها: ما كان اسم مولاك؟ قالت: العضباء، فسميتها العضباء باسم مولاها. قال: فلمّا حضر النّبي ﷺ الوفاة قالت العضباء: يا رسول الله بمن توصني من بعدك؟ قال: يا عضباء، أنت لابنتي فاطمة تركبك في الدنيا والآخرة، قالت: يا رسول الله ما أحب أن يركبني أحد بعدك، قال: لا يركبك غيرها، قال: فلمّا قبض النّبي ﷺخرجت فاطمة ليلا فإذا هي بالعضباء فقالت: السّلام عليك يا بنت رسول الله ﷺ قد حان فراقي من الدّنيا، والله ما تهنأت بعلف ولا شراب بعد رسول الله ﷺ.

ومن دلائل نبوته ﷺ ما روي عَنْ حَشْرَجِ بْنِ نُبَاتَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ عَنْ سَفِينَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِسَفِينَةَ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: مَا أَنَا بِمُخْبِرِكُمْ، ثُمَّ قَالَ: سَمَّانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ سَفِينَةَ، قُلْتُ: وَلِمَ سَمَّاكَ سَفِينَةَ؟ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ، فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ مَتَاعُهُمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ: «ابْسُطْ كِسَاءَكَ» فَبَسَطْتُهُ، فَجَعَلُوا فِيهِ مَتَاعَهُمْ، فَحَمَلُوهُ عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «احْمِلْ فَإِنَّمَا أَنْتَ سَفِينَةُ»، فَلَوْ حَمَلْتُ مِنْ يَوْمَئِذٍ وِقْرَ بَعِيرٍ، أَوْ بَعِيرَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ، أَوْ خَمْسَةٍ، أَوْ سِتَّةٍ، أَوْ سَبْعَةٍ مَا ثَقُلَ عَلَيَّ إِلَّا أَنْ يَخْفُوَ.

ومن دلائل نبوته ﷺ وُجُودِ رَائِحَةِ الطِّيبِ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ سَلَكَهُ نَبِيُّنَا ﷺ وَسُجُودِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ الَّذِي يَمُرُّ عَلَيْهِ لَهُ وَمَجِّهِ مِسْكًا أَوْ أَطْيَبَ مِنَ الْمِسْكِ فِي الدَّلْوِ الَّذِي كَانَ يَشْرَبُ مِنْهُ: 

فقد روي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ خِصَالٌ لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقٍ فَيَتْبَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ سَلَكَهُ مِنْ طِيبِ عرقه أَوْ رِيحِ عَرَقِهِ وَلَمْ يَكُنْ مَرَّ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ إِلَّا سَجَدَ لَهُ.

وكذلك روي عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ تَمَضْمَضَ مِنْ دَلْوٍ مَجَّ فِيهِ مِسْكًا أَوْ أَطْيَبَ مِنْ مِسْكٍ، قَالَ أَبُو أُسَامَةَ: يَقُولُ فِي ذَلِكَ الْمَاءِ اسْتَنْثَرَ خَارِجًا مِنْهُ.

وروي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْغَائِطَ دَخَلْتُ فِي أَثَرِهِ، فَلَا أَرَى شَيْئًا إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أَشُمُّ رَائِحَةَ الطِّيبِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ! أَمَا عَلِمْتِ أَنَّ أَجْسَادَنَا نَبَتَتْ عَلَى أَرْوَاحِ أَهْلِ الْجَنَّةَ، وَمَا خَرَجَ مِنْهَا مِنْ شَيْءٍ ابْتَلَعَتْهُ الْأَرْضُ».

ومن دلائل نبوته ﷺ ما روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «هل ترون قبلتي ها هنا، فو الله مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلَا سُجُودُكُمْ إِنِّي لَأَرَاكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِي»، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ قَوْلَهُ: إِنِّي لَأَرَاكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِي كَرَامَةً مِنَ اللهِ تَعَالَى – وليس معناه أنّ النّبي ﷺ يعلم الغيب، لا بل لا يعلم الغيب إلا الله، لكن الله تعالى يُطلع نبيه ﷺ على بعض أحوال أصحابه فكان بأمر من الله عزّ وجلّ يراهم من خلفه كما يراهم في الأمام في بعض الأحوال والأوقات -.

وفي رواية عند مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَقَالَ:«أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي أَمَامَكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي فِي الرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ، ولا ترفعوا رؤوسكم فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِي، وَمِنْ خَلْفِي، وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا رَأَيْتَ؟ قَالَ: «رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ».

وروي عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ، وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [سورة الشعراء/ الآية 218-219]، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرَى مَنْ خَلْفَهُ مِنَ الصُّفُوفِ كَمَا يَرَى مَنْ بَيْنِ يَدَيْهِ. وروي عَنْ عائشة، قالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرَى فِي الظَّلْمَاءِ كَمَا يَرَى فِي الضَّوْءِ. وروي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرَى بِاللَّيْلِ فِي الظُّلْمَةِ كَمَا يَرَى بِالنَّهَارِ مِنَ الضَّوْءِ.

ومن دلائل نبوته ﷺ ما حصل فِي الْبَرْقَةِ الَّتِي بَرَقَتْ لِابْنَيِ ابْنَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى مَشَيَا فِي ضَوْئِهَا كَرَامَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ: 

فقد روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْعِشَاءَ، فَكَانَ يُصَلِّي فَإِذَا سَجَدَ وَثَبَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَلَى ظَهْرِهِ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ أَخَذَهُمَا فَوَضَعَهُمَا وَضْعًا رَفِيقًا، فَإِذَا عَادَ عَادَا، فَلَمَّا صلى جعل واحدا ها هنا وواحدا ها هنا، فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلَا أَذْهَبُ بِهِمَا إِلَى أُمِّهِمَا قَالَ: لَا، فَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ، فَقَالَ: الْحَقَا بِأُمِّكُمَا، فَمَا زَالَا يَمْشِيَانِ فِي ضَوْئِهَا حَتَّى دَخَلَا.

ومن دلائل نبوته ﷺ الْكَرَامَةُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ شَرَفًا لِلْمُصْطَفَى ﷺ وَتَنْوِيهًا بِاسْمِ مَنْ آمَنَ بِهِ: 

فقد روى أبو نعيم عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَرْمَلٍ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَلَبِثْتُ فِي الْمَسْجِدِ ثَلَاثًا لَا أَطْعَمُ، قَالَ: فَأَتَيْتُ عُمَرَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَائِبٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: أَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ حَرْمَلٍ، قَالَ: اذْهَبْ إِلَى خَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فَانْزِلْ عَلَيْهِ، قَالَ: وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِمِيُّ إِذَا صَلَّى ضَرَبَ بِيَدِهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ فَأَخَذَ رَجُلَيْنِ فَذَهَبَ بِهِمَا، فَصَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَضَرَبَ يَدَهُ فَأَخَذَ بِيَدِي فَذَهَبَ بِي، فَأُتِينَا بِطَعَامٍ، فَأَكَلْتُ أَكْلًا شَدِيدًا وَمَا شَبِعْتُ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ، قَالَ: فَبَيْنَا نَحْنُ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ خَرَجَتْ نَارٌ بِالْحَرَّةِ فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى تَمِيمٍ فَقَالَ: قُمْ إِلَى هَذِهِ النَّارِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! وَمَنْ أَنَا وَمَا أَنَا، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى قَامَ مَعَهُ، قَالَ: وَتَبِعْتُهُمَا فَانْطَلَقَا إِلَى النَّارِ فَجَعَلَ تَمِيمٌ يَحُوشُهُمَا بِيَدِهِ حَتَّى دَخَلَتِ الشِّعْبَ، وَدَخَلَ تَمِيمٌ خَلْفَهَا، قَالَ: فَجَعَلَ عُمَرُ يَقُولُ: لَيْسَ مَنْ رَأَى كَمَنْ لَمْ يَرَ. قَالَهَا ثَلَاثًا. 

‌‌ومن دلائل نبوته ﷺ مَا رُوِيَ فِي إِخْبَارِهِ بِمَا أَصَابَ الْمُشْرِكَ الَّذِي سَأَلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ اللهِ سُبْحَانَهُ مِنَ الْعَذَابِ: 

فقد روي عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى رأس من رؤوس الْمُشْرِكِينَ يَدْعُوهُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ الْمُشْرِكُ: هَذَا الْإِلَهُ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ ذَهَبٍ هُوَ أَوْ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ مِنْ نُحَاسٍ؟! فَتَعَاظَمَ مَقَالَتُهُ فِي صَدْرِ رَسُولِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: «ارْجِعْ إِلَيْهِ» فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: «ارْجِعْ إِلَيْهِ»، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ صَاعِقَةً مِنَ السَّمَاءِ وَرَسُولُ رسولِ اللهِ ﷺ فِي الطَّرِيقِ لَا يَدْرِي فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وجلّ قد أَهْلَكَ صَاحِبَكَ وأُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ قولُه تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة الرعد/ الآية 13]. وهذا الحديث يدلّ على أنّ نسبة الكيفية إلى الله عزّ وجلّ هو قول المشركين، والكيفية هي كلّ ما كان من صفات المخلوقات، والله عزّ وجلّ لا يوصف بالكيفية والشكل والصّورة منزّه عن الجسمية وعن سائر صفات الأجسام، فالذي له كيفية محتاج لمن كيَّفَه بهذه الكيفية والله تعالى هو الذي كيَّفَ الكيفيات كلّها، فلا يوصف بالكيفية ولا يحتاج لمكيّف يكيّفه والعياذ بالله تعالى، فهو خالق كلّ شيء لا كيف له ولا يحتاج إلى غيره ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير.

ومن دلائل نبوته ﷺ مَا رُوِيَ فِيمَا أَصَابَ الَّذِي كَذَبَ عَلَيْهِ، وَقَوْلِهِ لِلَّذَيْنَ بَعَثَهُمَا إِلَيْهِ: وَلَا أُرَاكُمَا تُدْرِكَانِهِ فَلَمْ يُدْرِكَاهُ

فقد روي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْأَنْصَارِ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺأَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَأَمَرَكُمْ أَنْ تُزَوِّجُونِيَ فُلَانَةَ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِهَا: جَاءَنَا هَذَا بِشَيْءٍ مَا نَعْرِفُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْزِلُوا الرَّجُلَ وَأَكْرِمُوهُ حَتَّى آتِيَكُمْ بِخَبَرِ ذَلِكَ. فَأَتَى النَبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا. فَقَالَ: «اذْهَبَا فَإِنْ أَدْرَكْتُمَاهُ فَاقْتَلَاهُ، وَلَا أُرَاكُمَا تُدْرِكَانِهِ». قَالَ: فَذَهَبَا فَوَجَدَاهُ قَدْ لَدَغَتْهُ حَيَّةٌ فَقَتَلْتُهُ فَرَجَعَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». 

وفي رواية قال عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحارث أن جدجد الْجُنْدَعِيَّ كَانَ النَّبِيُّ ﷺيُقَرِّبُهُ فَأَتَى الْيَمَنَ فَعَشِقَ فِيهِمُ امْرَأَةً فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنِي أَنْ تَبْعَثُوا إِلَيَّ بِفَتَاتِكُمْ، فَقَالُوا: عَهْدُنَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُحَرِّمُ الزِّنَا، ثُمَّ بَعَثُوا رَجُلًا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا فَقَالَ: «ائْتِهِ فَإِنْ وَافَقْتَهُ حَيًّا فَاقْتُلْهُ» قَالَ: فَخَرَجَ جُدْجُدٌ مِنَ اللَّيْلِ يَسْتَسْقِي مِنَ الْمَاءِ فَلَدَغَتْهُ أَفْعَى فَقَتَلَتْهُ فَقَدِمَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَوَافَقَهُ وَهُوَ مَيِّتٌ فَمِنْ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».

ومن دلائل نبوته مَا جَاءَ فِي إِخْبَارِهِ ﷺ بِأَسْمَاءِ الْمُنَافِقِينَ وَصِدْقِهِ فِي ذَلِكَ: 

فقد روي عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ. قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ مِنْكُمْ مُنَافِقِينَ فَمَنْ سَمَّيْتُهُ فَلْيَقُمْ، فَقَامَ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ. فَقَالَ: إِنَّ فِيكُمْ أَوْ مِنْكُمْ مُنَافِقِينَ فَسَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ». 

ومن دلائل نبوته ﷺ مَا جَاءَ فِي إِخْبَارِهِ الْمَرْأَةَ الصَّائِمَةَ بِمَا كَانَ مِنْ شَأْنِهَا فِي حِفْظِ لِسَانِهَا:

فقد روى البيهقي عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ فِي لِسَانِهَا ذَرَابَةً – أي حّدة – فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمَّا أَمْسَتْ دَعَاهَا إِلَى طَعَامِهِ، فَقَالَتْ لَهُ: إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً. فَقَالَ: مَا صُمْتِ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الْآخَرُ تَحَفَّظَتْ بَعْضَ التَّحَفُّظِ، فَلَمَّا أَمْسَتْ دَعَاهَا إِلَى طَعَامِهِ، فَقَالَتْ: أَمَا إِنِّي كُنْتُ الْيَوْمَ صَائِمَةً. قَالَ: كَذَبْتِ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الْآخَرُ تَحَفَّظَتْ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهَا شَيْءٌ، فَلَمَّا أَمْسَتْ دَعَاهَا إِلَى طَعَامِهِ، قَالَتْ: أَمَّا أَنَا كُنْتُ صَائِمَةً. قَالَ: الْيَوْمَ صُمْتِ.

ومن دلائل نبوته ﷺ مَا جَاءَ فِي وَعْدِهِ مَنِ اسْتَعَفَّ بِالْإِعْفَافِ وَمَنِ اسْتَغْنَى بِالْإِغْنَاءِ: 

فقد روي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَصَابَنَا جُوعٌ مَا أَصَابَنَا مِثْلُهُ قَطُّ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، قَالَتْ لِي أُخْتِي فُرَيْعَةُ: اذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَلْهُ لنا فو الله لا يَخِيبُ سَائِلُهُ، لِأَنَّكَ مِنْهُ بِإِحْدَى اثْنَتَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ فَيُعْطِيَكَ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ فَيَقُولَ أَعِينُوا أَخَاكُمْ فَلَمْ أَكْرَهْ ذَلِكَ فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ لَهُ جِدَارٌ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ فَكَانَ أَوَّلُ مَا فَهِمْتُ مِنْ قَوْلِهِ: «مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ» فَقُلْتُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ وَاللهِ لَكَأَنَّكَ أَرَدْتَ بِهَذَا. لَا جَرَمَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أسألك شيئا بعد ما سَمِعْتُ مِنْكَ. فَجَلَسْتُ فَلَمَّا فَرَغَ رَجَعْتُ وَفُرَيْعَةُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ أَقْصَى الْآجَامِ إِلَى بَابِهِ – آجام الْمَدِينَة: الْحُصُون-، قَدْ أَدَامَهَا الْجُوعُ. قَالَ: فَلَمَّا حَصَلْتُ بِبَقِيعِ الزُّبَيْرِ أَبْصَرَتْ لَيْسَ مَعِي شَيْءٌ فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ: مالك؟ فو الله مَا يَخِيبُ سَائِلُهُ فَأَخْبَرْتُهَا بِالَّذِي سَمِعْتُ مِنْهُ. قَالَتْ: فَسَأَلْتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ: لَا. قَالَتْ: أَحْسَنْتَ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ فَإِنِّي وَاللهِ لَأُتْعِبُ نَفْسِي تَحْتَ الْأُجُمِ إِذْ وَجَدْتُ مِنْ دَرَاهِمِ الصدقة فَابْتَعْنَا بِهِ وأكلنا، ثم والله ما زال النبي ﷺ مُحْسِنًا. 

وفي رواية عَنْ أَبِي سَعِيدٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَرَجَعْتُ فَمَا سَأَلْتُ أَحَدًا بَعْدَهُ شَيْئًا فَجَاءَتِ الدُّنْيَا، فَمَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَكْثَرَ أَمْوَالًا مِنَّا.

ومن دلائل نبوته ﷺ إِخْبَارِهِ عَنْ قَبْرِ أَبِي رِغَالٍ وَمَا فِيهِ مِنَ الذَّهَب:

فقد روى البيهقي عَنْ بُجَيْرِ بْنِ أَبِي بُجَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ خَرَجْنَا مَعَهُ إِلَى الطَّائِفِ فَمَرَرْنَا بِقَبْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ وَهُوَ أَبُو ثَقِيفٍ وَكَانَ مِنْ ثَمُودَ، وَكَانَ هَذَا الْحَرَمُ يَدْفَعُ عَنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتِي أَصَابَتْ قَوْمهُ بِهَذَا الْمَكَانِ فَدُفِنَ فِيهِ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبَ، إِنْ أَنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ»، قَالَ: فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَاسْتَخْرَجُوا مَعَهُ الْغُصْنَ. 

‌‌ومن دلائل نبوته ﷺ مَا جَاءَ فِي اللَّحْمِ الَّذِي صَارَ حَجَرًا وَإِخْبَارِ النَّبِيِّ عَنْ سَبَبِهِ فَكَانَ كَمَا قَالَ: 

فقد روى البيهقي عن مولى لِعُثْمَانَ قَالَ: أُهْدِيَ لِأُمِّ سلمة بضعة من لحم وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ اللَّحْمَ، فَقَالَتْ لِلْخَادِمِ: ضَعِيهِ فِي الْبَيْتِ لَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ يَدْخُلُ فَيَأْكُلُهُ، فَوَضَعَتْهُ فِي كُوَّةٍ فِي الْبَيْتِ وَجَاءَ سَائِلٌ فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ: تَصَدَّقُوا بَارَكَ اللهُ فِيكُمْ. فَقَالُوا لَهُ: بَارَكَ اللهُ فِيكَ. فَذَهَبَ السَّائِلُ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ:«يَا أُمَّ سَلَمَةَ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ أَطْعَمُهُ؟» قَالَتْ: نَعَمْ! قَالَتْ لِلْخَادِمِ: اذْهَبِي فَأْتِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ اللَّحْمِ، فَذَهَبَتْ فَلَمْ تَجِدْ فِي الْكُوَّةِ إِلَّا قِطْعَةَ مَرْوَةٍ – بِسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ: حَجَرٍ أَبْيَضَ بَرَّاقٍ، وَقِيلَ: هِيَ مَا يَقْدَحُ مِنْهُ النَّارُ -، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:«أَتَاكُمُ الْيَوْمَ السَّائِلُ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْنَا لَهُ: بَارَكَ اللهُ فِيكَ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:«فَإِنَّ ذَلِكَ اللَّحْمَ عَادَ مَرْوَةَ لَمَّا لَمْ تُطْعِمُوهُ السَّائِلَ». 

ومن دلائل نبوته ﷺ مَا جَاءَ فِي إِخْبَارِهِ بِإِسْلَامِ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ ﷺ: 

فقد روى البيهقي عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَعْبُدُ صَنَمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ رواحة وَمُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ دَخَلَا بَيْتَهُ فَسَرَقَا صَنَمَهُ، فَرَجَعَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَجَعَلَ يَجْمَعُ صَنَمَهُ ذَلِكَ وَيَقُولُ: وَيْحَكَ هَلِ امْتَنَعْتَ أَلَا دَفَعَتْ عَنْ نَفْسِكَ؟! فَقَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ: لَوْ كَانَ يَنْفَعُ أَحَدًا أَوْ يَدْفَعُ عَنْ أَحَدٍ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَنَفَعَهَا. فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أعَدِّي لِي فِي الْمُغْتَسَلِ مَاءً فَجَعَلَتْ لَهُ مَاءً فَاغْتَسَلَ، وَأَخَذَ حُلَّتَهُ فَلَبِسَهَا، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ رَوَاحَةَ مُقْبِلًا فَقَالَ: هَذَا أَبُو الدَّرْدَاءِ مَا أُرَاهُ جَاءَ إِلَّا فِي طَلَبِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا، إِنَّمَا جَاءَ لِيُسْلِمَ، فَإِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَنِي بِأَبِي الدَّرْدَاءِ أن يُسلم».

ومِن دلائل نبوته ﷺ مَا جَاءَ فِي إِخْبَارِهِ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي نَحْرِ الْجَزُورِ:

فقد روى البيهقي عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَمَعَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ يَعْنِي: ابْنَ الْجَرَّاحِ فَأَصَابَتْنِي مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ فَوَجَدْتُ قَوْمًا يُرِيدُونَ أَنْ يَنْحَرُوا جَزُورًا، فَقُلْتُ: أكفيكم عملهما وَنَحْرَهَا وَتُطْعِمُونِي مِنْهَا شَيْئًا، قَالُوا: نَعَمْ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: تَعَجَّلْتَ أَجْرَكَ وَمَا أَنَا بِآكِلِهِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِثْلَهُمَا، فَقَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ: «صَاحِبُ الْجَزُورِ؟» وفي رواية قَالَ: «أَنْتَ صَاحِبُ الْجَزُورِ» قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. لَمْ يَزِدْنِي عَلَى ذَلِكَ. 

ومن دلائل نبوته ﷺ مَا جَاءَ فِي إِخْبَارِهِ عَنِ السَّحَابَةِ الَّتِي مَطَرَتْ بِوَادٍ بِالْيَمَنِ: 

فقد روى البيهقي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَصَابَتْنَا سَحَابَةٌ وَلَمْ نَطَّلِعْ فِيهَا فَخَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺفَقَالَ: «إِنَّ مَلَكًا مُوَكَّلًا بِالسَّحَابِ دَخَلَ عَلَيَّ آنِفًا فَسَلَّمَ عَلَيَّ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يَسُوقُ بِالسَّحَابِ إِلَى وَادٍ بِالْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ: ضَرِيحٌ» فَجَاءَنَا رَاكِبٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلْنَاهُ عَنِ السَّحَابَةِ فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ مُطِرُوا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. 

وَقَدْ رُوي عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي إِخْبَارِهِ عَنْ مَلَكِ السَّحَابِ بِأَنَّهُ يَجِيءُ مِنْ بَلَدِ كَذَا وَكَذَا وَأَنَّهُمْ أُمْطِرُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا وَأَنَّهُ سَأَلَهُ مَتَى تُمْطَرُ بَلَدُنَا فَقَالَ يَوْمُ كَذَا وَكَذَا. وَعِنْدَهُ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فَحَفِظُوهُ ثُمَّ سَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ فَوَجَدُوا تَصْدِيقَهُ فَآمَنُوا وَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُمْ: زَادَكُمُ اللهُ إِيمَانًا.

وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.