إن رحمت الله قريب من المحسنين

رحمة الله قريب من المحسنين

الخطبة الأولى

الحمدُ لله الَّذي لا مانعَ لما وَهَب، ولا مُعْطيَ لما سَلَب، طاعةُ العامِلِينَ لَهُ أفْضلُ مُكْتَسب، وتَقْوى المتقين من أعْلَى ما وهب، هَيَّأ قلوبَ أوْلِيائِهِ للإِيْمانِ وكَتب، وسهَّلَ لهم في جانبِ طاعته كُلَّ نَصَب، أحمدهُ على ما مَنَحَنَا من فضْله وَوَهَب، وأشهَدُ أنْ لا إِله إلَّا الله وَحْدهُ لا شريكَ لَهُ هزَمَ الأحْزَابَ وحده وَغَلَب، وأشْهَدُ أن محمدًا عبدهُ وَرَسُولهُ الَّذي اصْطَفاه وانتَخَبَ، اللهم صلِّ وسلِّمْ وأنعمْ وأكرمْ وباركْ على سيدِنا محمدٍ وعلى صَاحِبه أبي بكر الْفائِقِ في الفَضَائِلِ والرُّتَب، وعلى عُمَرَ الَّذي فرَّ الشيطانُ منهُ وهَرَب، وعَلَى عُثْمان ذي النُّوُريَنِ التَّقيِّ النَّقِّي الْحسَب، وَعَلى عَليٍّ صهرهِ وابنِ عمه في النَّسب، وعلى بقِيَّةِ أصحابه الذينَ اكْتَسَوا في الدِّيْنِ أعْلَى فَخْرٍ ومُكْتسَب، وعلى التَّابِعين لهم بإحْسَانٍ ما أشرق النجمُ وغَرَب. أما بعد: عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(الحشر:18).وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ(البقرة:235)فاللهَ اللهَ عبادَ الله.

  إخوة الإيمانِ والإسلام: يقولُ اللهُ تعالى في القرءان الكريم: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(الأعراف:180) فكل أسماء الله تعالى حسنةٌ لائقةٌ به عزّ وجل، فالله تعالى لا يدعى ولا يوصف باسمٍ أو بصفة لا تليق به عزّ وجلّ، ومن الأسماءِ اللائقةِ به عزَّ وجلَّ الرحمن والرحيم، ومعنى اسم الله الرحمن أنّ اللهَ تعالى كثيرُ الرحمةِ بالمؤمنين والكافرين في الدنيا وبالمؤمنين في الآخرةِ فقط، وأما الرحيم فهو كثيرُ الرحمةِ بالمؤمنين، ولا شكَّ أن هناك رحمةٌ خاصةٌ من اللهِ تعالى لبعض عبادِهِ المؤمنين، ومن ذلك قولُ اللهِ تعالى: “إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(الأعراف:56) فرحمةُ اللهِ تعالى قريبةٌ وشاملةٌ للمحسِن، والمحسنُ هو الذي أدّى ما أوجب اللهُ تعالى عليه وداومَ على نافلةٍ حتى وصلَ لهذهِ الدرجةِ العظيمة، فرحمةُ الله تعالى الخاصةُ قريبةٌ وشاملة لهذا، وهو منصورٌ محفوظٌ مؤيّدٌ من اللهِ تعالى، كما قال عزّ وجلّ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ(النحل:128).

  إخوةَ الإسلام: من أسبابِ نزولِ الرحَماتِ من اللهِ تعالى أن نكثرَ من ذكرِ الصالحين، فذكرُهم سببٌ لنزولِ الرحمةِ، وقد روي عن الإمامِ أحمدَ بنِ حنبل رضي الله عنه أنه قال عن صفوانِ بنِ سليم وهو شيخ الإمام مالكٍ رحمهما الله: “ثقةٌ من خيارِ عبادِ الله الصالحين، ينزلُ القطرُ – أي المطرُ – من السماءِ بذكرهِ”(1) أي بإذنِ اللهِ تعالى تنزلُ الرحَماتُ من السماءِ بذكرِ هذا الرجلِ الصالح، ومن هؤلاءِ الصالحينَ الإمامُ سهلٌ التستريّ والذي روي عنه أنه قال: قال لي خالي(2) يومًا – وكان صغيرا في العمر-: يا سهل! ألا تذكرُ اللهَ الذي خلقَكَ؟. قلتُ: فكيف أذكرُه؟ قال: عند تقلبِكَ في فراشِكَ ثلاثَ مرات من غيرِ أن تُحركَ بهِ لسانَك: اللهُ معي -أي حافظي-، اللهُ ناظرٌ إلي، اللهٌ شاهدي، قال سهلٌ: فقلت ذلك، ثم أعلمتُ خالي فقال: قلْها كلَّ ليلةٍ إحدى عشرة مرة، قال سهلٌ فقلت ذلك، فوقعَ في قلبي حَلاوة. فلما كان بعدَ سنةٍ قال لي خالي: احفظْ ما علمتُك، ودُمْ عليه، إلى أن تدخلَ القبر، فإنه ينفعُك في الدنيا والآخرة. قال سهلٌ: فلم أَزَلْ على ذلك سنينَ عديدة، فوجدتُ له حَلاوةً في سرِّي. ثم قال لي خالي يومًا: يا سهل من كان اللهُ معه -أي حافظه-، وهو ناظرٌ إليه، وشاهدُه، هل يعصيهِ؟ إيّاكَ والمعصية. فصارَ بعد ذلكَ من كبارِ الأولياءِ رضي الله عنه وعن خالِهِ. فانظرْ أخي المسلمَ ماذا يحصلُ بذكرِ الصالحين، وفكِّرْ بماذا تشعرُ بذكرِهم؟! نسألُ اللهَ تعالى أن يجمعَنا بهم في جنّاتِ النعيم مع سيِّدنا رسولِ اللهِ ﷺ. 

  إخوةَ الإسلام: من أسبابِ تنزّلِ الرحماتِ من اللهِ تعالى، أن يرحَمَ بعضُنا بعضًا، فقد روى البخاريُّ في صحيحِهِ عن الصحابيِّ الجليلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُوروى الترمذيُّ في سنَنِهِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ وانتبِهْ جيّدًا أخي المسلم إلى أن قول النبيِّ ﷺ: يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِيبينُ معناهُ ويفسِّرُها لنا رسولُ اللهِ ﷺ في الروايةِ الثانيةِ التي وردت عنه ﷺ والتي رواها الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل في مسنده حيث قال ﷺ فيها : يَرْحَمْكُمْ أهلُ السَّمَاءِولا شكَ أن أهلَ السماءِ همُ الملائكةُ، فهم يرحمونَ أهلَ الأرضِ أي يدعون لهم بالرحمةِ والمغفرةِ من الذنوبِ إن كانوا مسلمين، كما قال اللهُ تعالى في القرءانِ العظيم:الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ(غافر:7)نسألُ اللهَ تعالى أن يجعلَنا من الراحمينَ المرحومينَ في الدُّنيا والآخرة؛إنه على كلِّ شيءٍ قدير وبعبادِهِ لطيفٌ خبير. 

الخطبة الثانية

  الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: فإننا في أيامٍ بأمسِّ الحاجةِ فيها لأن تنزِلَ الرحماتُ علينا، ولكن لا بدّ من أن نعملَ بأسبابِ نزولِ الرحماتِ كما بيّنا، فالأمةُ اليوم تنتظِرُ نزولَ الرحمات، ولكن علينا أن نحسِنَ في بقي من عمُرِنا، وها نحنُ مُقبلونَ على فصلِ الشتاءِ الذي كان سيدُنا رسولُ اللهِ ﷺ يسمّي الصيامَ فيهِ بالغنيمةِ الباردة(3) وقد جاء عن الصحابيِّ الجليلِ عبدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال :“مَرْحَبَا بِالشِّتَاءِ، تَنْزِلُ فيهِ البَرَكَةُ –أي المطر– وَيَطُولُ فِيهِ اللَّيلُ لِلْقِيَامِ، ويَقْصُرُ فِيهِ النَّهَارُ لِلصِّيَام” فلنستغلّهُ في طاعةِ اللهِ تعالى حتى يُنزِلَ اللهُ علينا الرحماتِ والبركات، وما أحوجَنا إليها اليوم، سيّما وأهلُنا في غزّة وفلسطين ولبنان يعانونَ ما يعانون؛ نسأل اللهَ تعالى أن يرحمَهم رحمةً واسعة خاصّة، وأن يُريَنا عجائبَ قدرتِهِ باليهودِ الغاصبين الظالمين، إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.

    عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ:إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًالبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، يا الله احفظِ المسلمين والمسجدَ الأقصى من أيدي اليهودِ المدنسين، يا اللهُ انصرِ الإسلامَ والمسلمين، يا قويُّ يا متينُ انصرِ المسلمين في غزة، يا اللهُ يا من لا يعجِزُكَ شيءٌ ثبِّتْ المسلمينَ في غزّة وأمدّهم بمددٍ من عندِك، وارزقهم نصرا قريبا، اللهم عليك باليهودِ أعداءِ هذا الدين، اللهم أحصِهمْ عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادرْ منهم أحدا، يا الله يا رحمنُ يا رحيمُ اشفِ جرحى المسلمين في غزة وفلسطين، وتقبّلْ شهداءهم، وأنزلِ الصبرَ والسكينةَ على قلوبِ أهلِهم، اللهم إنّا نستودعُكَ غزّةَ وأهلَها وأرضَها وسماءَها ورجالَها ونساءَها وأطفالَها ، فيا ربِّ احفظهم من كلِّ سوء، اللهم إنّا نبرَأُ من حولِنا وقوَّتِنا وتدبيرِنا إلى حولِكَ وقوّتِكَ وتدبيرِكَ فأرنا يا اللهُ عجائبَ قدرتِكَ وقوّتك في اليهودِ الغاصبين، واجعلْ كيدَهم في نحرِهم يا قويُّ يا متين. اللهم أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ،  اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، وارزقنا النصرَ على أنفسِنا وعلى أعداء الدين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.

الحاشية

  1. روى ذلك ابن عساكر في تاريخه والذهبي في سير أعلاء النبلاء. ↩︎
  2. وهو محمدُ بن سوَّار. ↩︎
  3. كما روى الترمذي في سننه. ↩︎