خطبة الجمعة| إن الله يحب المحسنين

الحَمدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا، وَلَا يَتَغَيَّرُ أبَدًا، لَمْ يَزَلْ وَاحِدًا أحَدًا، اخْتَارَ مَنْ شَاءَ فَنَجَّاهُ مِنَ الرَّدَى، وَأَكْرَمَ مَنْ أَكْرَمَ بِلُزُوْمِ الْهُدَى، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ أَشْرَفِ مَتْبُوعٍ وَأَفْضَلِ مُقْتَدًى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ بِنَهْجِهِ اقْتَدَى، أَمَّا بَعْدُ أَيُّها الأَحِبَّةُ فَأُوصِيكُمْ ونَفْسِيَ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظيمِ والعَمَلِ لِلفَوْزِ بِالآخِرَةِ فَإِنَّ اللهَ سبحانَهُ يقولُ فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.

إِخوَةَ الإِيمَانِ: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي القُرآنِ الكَرِيمِ: ﴿وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ﴾، [سُورَةُ الذَّارِيَاتِ:56]، فَأَخبَرَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ خَلَقَنَا وَأَمَرَنَا بِالعِبَادَةِ، وَأَمَرَنَا سُبحَانَهُ بِأَنْ نُحسِنَ فِي عِبَادَتِنَا حَيثُ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وَهَذَا الإِحسَانُ عِبَادَ اللهِ هُوَ الَّذِي سَأَلَ عَنهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ نَبِيَّنَا ﷺ فِي الحَدِيثِ المَعرُوفِ فِي الصَّحِيحَينِ بِحَدِيثِ جِبرِيلَ حَيثُ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، قَالَ لَهُ ﷺ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، مَعنَاهُ: وَإِنْ كُنْتَ لَا تَراهُ، فَلَا تَنسَ أَنَّهُ يَرَاكَ فِي كُلِّ أَحْوَالِكَ، فَانْظُرْ مَاذَا تَفْعَلْ، فَإِذَا اسْتَحْضَرَ الإِنْسَانُ هَذَا فِي قَلْبِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ خَيرِ العَوْنِ لَهُ عَلَى طاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلّ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى العَملِ عَلَى الوَجهِ الأَكْمَلِ، وَالوُصُولُ إِلَى الإِحسَانِ يَكُونُ بِالإِخلَاصِ، وَمُرَاقَبَةِ اللهِ، وَالحَيَاءِ مِنهُ سُبحَانَهُ، وَالِاجتِهَادِ فِي العِبَادَاتِ عَلَى الوَجهِ المُوَافِقِ لِلشَّرِيعَةِ وَالثَّبَاتِ عَلَيهَا فِي كُلِّ الأَحوَالِ.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مَنْ كَانَ مُستَحضِرًا أَنَّ اللهَ يَرَاهُ فِي كُلِّ أَحيَانِهِ فَإِنَّهُ سَيُخلِصُ نِيَّتَهُ لَهُ تَعَالَى، يَطلُبُ ثَوَابَهُ لَا مَدْحَ النَّاسِ وَثَنَاءَهُم، وَهُوَ حَالُ المُحسِنِينَ فَهُمْ ثَابِتُونَ عَلَى الإِخلَاصِ، فَهَذَا الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِ المَوتِ يَقُولُ لِبَعضِ تَلَامِيذِهِ: وَدِدْتُ أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ أُعَلِّمُهُ تَعَلَّمَهُ النَّاسُ أُثَابُ عَلَيهِ وَلَا يَحمَدُونِي. فَرَحِمَهُ اللهُ مَا أَشَدَّ إِخلَاصَهُ.

إِخوَةَ الإِيمَانِ: هَذَا الإِحسَانُ هُوَ الَّذِي سَأَلَ عَنهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ نَبِيَّنَا ﷺ فَفِيهِ مَعنَى المُرَاقَبَةِ للهِ أَيِ اسْتِحضَارِ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَعلَمُ حَالَكَ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، سَوَاءٌ كُنتَ بَينَ النَّاسِ أَم فِي خَلوَتِكَ، وَمَنْ كَانَ هَذَا حَالَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ بَعِيدًا عَنْ مَعصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا حَالُ عِبَادِ اللهِ المُحسِنِينَ الصَّالِحِينَ، يُروَى عَنِ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي العِشَاءَ فَقَرَأَ بِهِم إِمَامُ المَسجِدِ بِسُورَةِ الزَّلْزَلَةِ فَلَمَّا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ وَخَرَجَ النَّاسُ بَقِيَ أَبُو حَنِيفَةَ جَالِسًا مَكَانَهُ يَتَفَكَّرُ فِي السُّورَةِ وَيَتَنَفَّسُ إِلَى الفَجرِ وَقَد أَمسَكَ بِلِحيَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَن يَجزِي بِمِثقَالِ ذَرَّةِ خَيرٍ خَيرًا وَيَا مَن يَجزِي بِمِثقَالِ ذَرَّةِ شَرٍّ شَرًّا أَجِرنِي مِنَ النَّارِ وَمِمَّا يُقَرِّبُ مِنهَا مِنَ السُّوءِ وَأَدخِلنِي فِي سَعَةِ رَحمَتِكَ.اهـ وَهَذَا مِنْ شِدَّةِ خَوفِهِ مِنَ اللهِ تَعَالَى.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مَنْ وَصَلَ إِلَى مَرتَبَةِ الإِحسَانِ مِنَ الصَّالِحِينَ يَزدَادُ حَيَاؤُهُ مِنَ اللهِ، فَمَنْ رَاقَبَ اللهَ تَعَالَى فِي كُلِّ أَفعَالِهِ وَأَقوَالِهِ، اسْتَحْيَا مِنَ الإِقدَامِ عَلَى مَعصِيَتِهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِندَمَا سُئِلَ عَنِ الحَيَاءِ: «أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرِ المَوْتَ وَالبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ»، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ، وَبِهَذَا يَزدَادُ العَبدُ المُؤمِنُ فِي الطَّاعَاتِ مِنْ وَاجِبَاتٍ وَنَوَافِلَ وَلَا يُقَصِّرُ فِي حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللهِ.

إِخوَةَ الإِيمَانِ: نَحنُ مَأمُورُونَ بِالإِحسَانِ دَائِمًا سَوَاءٌ فِي العِبَادَاتِ مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَحَجٍّ وَصِلَةِ رَحِمٍ وَبِرِّ وَالِدَينِ وَغَيرِ ذَلِكَ، وَمَأمُورُونَ بِالإِحسَانِ إِلَى عِبَادِ اللهِ سَوَاءٌ كَانُوا وَالِدَينِ أَمْ أَقَارِبَ أَمْ جِيرَانًا أَمْ زَوجَةً وَأَولَادًا أَمْ غَيرَ ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [سورة الإسراء: 23]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [سورة البقرة: 83]. 

عبادَ اللهِ: رَوَى مُسلِمٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ»، أَيْ أَنَّ اللهَ أَمَرَ بِالإِحسَانِ فِي كُلِّ عَمَلٍ، وَالإِحسَانُ هُوَ أَنْ نَعمَلَ العَمَلَ مُوَافِقًا لِمَا جَاءَ فِي شَرعِ اللهِ، فَإِذَا تَصَدَّقَ المُتَصَدِّقُ فَلْيُحْسِنْ، وَإِذَا بَاعَ البَائِعُ فَلْيُحْسِنْ، وَإِذَا صَلَّى المُصَلِّي فَلْيُحْسِنْ، وَإِذَا تَكَلَّمْتَ فَأَحْسِنْ، وَإِذَا تَعَامَلْتَ مَعَ أَخِيكَ المُؤمِنِ فَأَحْسِنْ إِلَيهِ وَأَعِنْهُ فِي مَالِهِ وَنَفْسِهِ، وَإِذَا فَعَلْتَ الطَّاعَاتِ فَلْتُحْسِنْ.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ المُحسِنِينَ هُمُ الفَائِزُونَ بِمَحَبَّةِ اللهِ أَي بِثَوَابِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: 134]، وَهُمُ السُّعَدَاءُ بِحِفظِ اللهِ سُبحَانَهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [سورة النحل: 128]، وَهُمْ قَرِيبُونَ مِنْ رَحمَةِ رَبِّ العَالَمِينَ يَقُولُ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة الأعراف: 56]، وَأَجرُهُم مَحفُوظٌ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة التوبة: 120]، وَلَا يَزَالُونَ مُبَشَّرِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة الحج: 37]، وَهُمْ مَوعُودُونَ بِالمَزِيدِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة البقرة: 58].

نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَن يَجعَلَنَا مِنَ المحسنين إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ، وَبِعِبَادِهِ لَطِيفٌ خَبِيرٌ، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم.

الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ

الحَمدُ للهِ لَهُ النِّعمَةُ وَلَهُ الفَضلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ البَشَرِ، عِبَادَ اللهِ اتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُوهُ..

أَمَّا بَعدُ عِبَادَ اللهِ: اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ أَمَرَ بالإِحْسَانِ وَحَثَّ علَيْهِ وَمَدَحَ المحْسِنِينَ فقالَ: ﴿وَأَحْسِنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِيْنَ﴾ فَلْيُعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجُوْزُ ذَمُّ الإِحْسَانِ، فَلَا يَجُوْزُ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ فِيْهِ ذَمٌّ لِإِحْسَانِ شَخْصٍ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَكْذِيْبًا لِلشَّرْعِ الذِي مَدَحَ الإِحْسَانَ وَأَمَرَ بِهِ.

عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَد أَمَرَكُم بِأَمرٍ عَظِيمٍ، أَمَرَكُم بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا﴾. لَبَّيْكَ اللهم صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيتَ عَلَى إِبرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ وَبَارِك عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكتَ عَلَى إِبرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. اللهم اغفِر لِلمُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، وَالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ، اللهم فَرِّجِ الكَربَ عَنِ الأَقصَى يَا رَبَّ العَالَمِينَ، يَا اللهُ انصُرِ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، يَا قَوِيُّ يَا مَتِينُ انصُرِ المُسلِمِينَ فِي غَزَّةَ، اللهم عَلَيكَ بِاليَهُودِ أَعدَاءِ هَذَا الدِّينِ، يَا اللهُ يَا رَحمَنُ يَا رَحِيمُ اشفِ جَرحَى المُسلِمِينَ فِي غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ، وَتَقَبَّل شُهَدَاءَهُم، اللهم أَنتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ، أَنتَ الغَنِيُّ وَنَحنُ الفُقَرَاءُ، اللهم فَرِّج كُرُوبَنَا وَاستُر عُيُوبَنَا وَأَذهِب هُمُومَنَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللهم فَرِّج عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم اجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ، اللهم وَفِّق مَلِكَ البِلَادِ لِمَا فِيهِ خَيرُ البِلَادِ وَالعِبَادِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ ارزقُهُ البِطَانَةَ الصَّالِحَةَ الَّتِي تَأمُرُهُ بِالمَعرُوفِ وَتَنهَاهُ عَنِ المُنكَرِ. عِبَادَ اللهِ ﴿إِنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُربَى وَيَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغيِ يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ﴾، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.