خطبة الجمعة | إن الله يحب المتقين

الحَمدُ للهِ العَلِيِّ الأَعلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى، لَهُ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَمَا بَينَهُمَا وَمَا تَحتَ الثَّرَى، الَّذِي وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ عِلمًا، وَللهِ المَثَلُ الأَعلَى. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ، وَبِحَمدِهِ يَلهَجُ أُولُو الأَلبَابِ وَالنُّهَى، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ عَالِمُ السِّرِّ وَالنَّجوَى، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى كَلِمَةِ التَّقوَى، اللهم صَلِّ وَسَلِّم عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَئِمَّةِ العِلمِ وَالهُدَى، أَمَّا بَعدُ: عِبَادَ اللهِ، أُوصِيكُم وَنَفسِيَ بِتَقوَى اللهِ العَظِيمِ، اتَّقُوا اللهَ فَإِنَّ تَقوَاهُ أَفضَلُ مُكتَسَبٍ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة ءال عمران: 102]. 

أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يُصْلِحُ أَمْرَ دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِتَقْوَاهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ هِيَ وَصِيَّةُ اللهِ إِلَى الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَصِيَّةُ اللهِ لِنَبِيِّهِ وَرَسُولِهِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَذُرِّيَّتِهِ، وَصِيَّةُ اللهِ لِأَنْبِيَائِهِ إِدْرِيسَ وَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ﴾ [سورة النِّسَاء: ١٣١].

إِخْوَةَ الإِيمَانِ: التَّقْوَى هِيَ أَدَاءُ الوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابُ المُحَرَّمَاتِ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: التَّقْوَى هِيَ الخَوْفُ مِنَ الجَلِيلِ، وَالعَمَلُ بِالتَّنْزِيلِ، وَالقَنَاعَةُ بِالقَلِيلِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِيَوْمِ الرَّحِيلِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَأَنْ يُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ، وَإِنَّ الإِنْسَانَ إِذَا الْتَزَمَ هٰذِهِ الوَصِيَّةَ، فَأَدَّى مَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِ، وَاجْتَنَبَ كُلَّ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ، فَازَ بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَرَبُّنَا سُبْحَانَهُ جَعَلَ تَقْوَاهُ خَيْرَ مَا يَتَزَوَّدُهُ الإِنْسَانُ لِآخِرَتِهِ، فَهِيَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ زَخَارِفِ الدُّنْيَا كُلِّهَا. وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ، وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ [سُورَةُ البَقَرَةِ: ١٩٧].

عِبَادَ اللهِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [سورة التَّوْبَةُ: ٤]، أَي يُثِيبُهُم وَيُكرِمُهُم، فَمِنْ نَتَائِجِ الثَّبَاتِ عَلَى التَّقْوَى أَنَّ المَرْءَ يَصِيرُ مِنْ أَحْبَابِ اللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي الوَاجِبَاتِ كُلَّهَا، وَيَجْتَنِبُ المُحَرَّمَاتِ كُلَّهَا، وَمَنْ كَانَ هٰذَا حَالَهُ مَعَ الثَّبَاتِ عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّهُ، وَالتَّقْوَى مَحَلُّهَا القَلْبُ، فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «التَّقْوَى هَاهُنَا» -وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-، وَكُلَّمَا ازْدَادَتِ التَّقْوَى فِي القُلُوبِ ازْدَادَتْ مَعَهَا كَرَامَةُ المُسْلِمِ عَلَى رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَتَقْوَى اللهِ هِيَ مِعْيَارُ التَّفَاضُلِ بَيْنَ النَّاسِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الحُجُرَاتِ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

وَيَنْبَغِي عِبَادَ اللهِ عَلَى المُؤْمِنِ أَنْ يَسْعَى لِلتَّقْوَى، فَيُؤَدِّيَ جَمِيعَ الوَاجِبَاتِ، وَيَجْتَنِبَ جَمِيعَ المُحَرَّمَاتِ، وَلْيُصْلِحِ العَبْدُ سَرِيرَتَهُ مُعَظِّمًا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، مُدَاوِمًا عَلَى ذِكْرِهِ، فَإِنَّ هٰذِهِ الأَحْوَالَ تُعِينُ عَلَى تَقْوَى اللهِ تَعَالَى، وَمِمَّا يُعِينُ عَلَى التَّقْوَى عِبَادَ اللهِ كَذٰلِكَ الوَرَعُ، وَخَوْفُ الوُقُوعِ فِي الشُّبُهَاتِ وَالمُحَرَّمَاتِ بَعْدَ ذٰلِكَ، فَاحْرِصْ أَنْ تَكُونَ بَعِيدًا عَنِ المَعَاصِي صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، وَتَكُونَ مُلْتَزِمًا جَانِبَ الوَرَعِ فِي مَأْكَلِكَ وَمَشْرَبِكَ وَمَلْبَسِكَ.

وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ لِلتَّقْوَى ثَمَرَاتٍ عَدِيدَةً، مِنْهَا: أَنَّهَا سَبَبٌ لِرَحْمَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ: ﴿وَهٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. وَهِيَ سَبَبٌ لِعَوْنِ اللهِ وَنُصْرَتِهِ وَتَأْيِيدِهِ، قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. وَهِيَ سَبَبٌ لِلأَمَانِ وَالنَّجَاةِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الزُّمَرِ: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وَهِيَ سَبَبٌ لِلرِّزْقِ، قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَعْرَافِ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾. وَهِيَ سَبَبٌ لِتَفْرِيجِ الكَرْبِ وَتَيْسِيرِ الأُمُورِ، قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾. وَهِيَ سَبَبٌ لِنَجَاةِ العَبْدِ يَوْمَ القِيَامَةِ، قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَن يَجعَلَنَا مِنَ المُتَّقِينَ، وَأَن يَحفَظَنَا مِنَ المَعَاصِي صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا؛ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، وَبِعِبَادِهِ لَطِيفٌ خَبِيرٌ، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم.

الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ

الحَمدُ للهِ، لَهُ النِّعمَةُ وَلَهُ الفَضلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ البَشَرِ، عِبَادَ اللهِ، اتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُوهُ.

أمَّا بَعدُ: عِبَادَ اللهِ، إِنَّ التَّقِيَّ لَا يَصِلُ للتَّقوَى إِلَّا بِعِلمِ الدِّينِ وَأَدَاءِ الوَاجِبَاتِ وَاجتِنَابِ المُحَرَّمَاتِ، فَالتَّقوَى لَا بُدَّ لِهَا مِنْ عِلمٍ وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ صِحَّةِ اعْتِقَادٍ، وَهَذَا التَّقِيُّ هُوَ البَطَلُ، وَسَبِيلُ وَطَرِيقُ التَّقوَى العِلمُ وَالعَمَلُ. قَالَ بَعضُ الفُقَهَاءِ نَاصِحًا وَلَدَهُ: 

لَيـسَ مـنْ يَقطعُ طُـرُقًا بَطَـلًا **** إِنَّمَـا مَـنْ يَتَّقِـي اللهَ البَطَـلْ

يَا بُنيَّ اسْمعْ وَصَايا جَمَعَتْ … حِكْمًا خُصَّتْ بِهَا خَيْرُ الْمِلَلْ

اطْلُبِ العِلْمَ وَلَا تَكْسَلْ فَمَا … أَبْعَد الْخَيْرَ عَلَى أَهْلِ الكَسَلْ

فِي ازْدِيَادِ العِلْمِ إِرْغَامُ العِدَى … وَجَمَالُ العِلْم إِصْلَاحُ العَمَلْ

نَسأَلُ اللهَ أَنْ يَجعَلَنَا مِنَ المُتَّقِينَ الفَائِزِينَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ.

عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَد أَمَرَكُم بِأَمرٍ عَظِيمٍ، أَمَرَكُم بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا﴾. لَبَّيْكَ اللهم صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيتَ عَلَى إِبرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ وَبَارِك عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكتَ عَلَى إِبرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

اللهم اغفِر لِلمُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، وَالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ، اللهم فَرِّجِ الكَربَ عَنِ الأَقصَى يَا رَبَّ العَالَمِينَ، يَا اللهُ انصُرِ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، يَا قَوِيُّ يَا مَتِينُ انصُرِ المُسلِمِينَ فِي غَزَّةَ، اللهم عَلَيكَ بِاليَهُودِ أَعدَاءِ هَذَا الدِّينِ، يَا اللهُ يَا رَحمَنُ يَا رَحِيمُ اشفِ جَرحَى المُسلِمِينَ فِي غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ، وَتَقَبَّل شُهَدَاءَهُم، اللهم أَنتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ، أَنتَ الغَنِيُّ وَنَحنُ الفُقَرَاءُ، اللهم فَرِّج كُرُوبَنَا وَاستُر عُيُوبَنَا وَأَذهِب هُمُومَنَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللهم فَرِّج عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم اجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ، اللهم وَفِّق مَلِكَ البِلَادِ لِمَا فِيهِ خَيرُ البِلَادِ وَالعِبَادِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ ارزقُهُ البِطَانَةَ الصَّالِحَةَ الَّتِي تَأمُرُهُ بِالمَعرُوفِ وَتَنهَاهُ عَنِ المُنكَرِ. عِبَادَ اللهِ ﴿إِنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُربَى وَيَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغيِ يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ﴾، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.