بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
مقدمة
الصَّومُ مِن أَشرَفِ العِبَادَاتِ الَّتِي تَعَبَّدَ اللهُ بِهَا عِبَادهُ، وَلَهُ فَضِيلَةٌ يَنفَرِدُ بِهَا عَن غَيرِهِ، وَهِيَ إِضَافَتُهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِقَولِهِ فِي الحَدِيثِ القُدسِيِّ: «كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَهُوَ لِي وَأَنَا أَجزِي بِهِ»، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقَالَ: «كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشرِ أَمثَالِهَا إِلَى سَبعِمِائِةِ ضِعفٍ، إِلَّا الصِّيَامَ فَهُوَ لِي وَأَنَا أَجزِي بِهِ»، رََوَاهُ البُخَارِيُّ.
وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِلصَّائِمِ فَرحَتَانِ: فَرحَةٌ عِندَ فِطرِهِ، وَفَرحَةٌ عِندَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ (أَي رَائِحَةُ فَمِِهِ الَّتِي تَكُونُ بِسَبَبِ تَركِ الأَكلِ) أَطيَبُ عِندَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسكِ، الصَّومُ جُنَّةٌ»، أَي وِقَايَةٌ لِلإِنسَانِ، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
وَمِن أَهَمِّ أَحكَامِ الصِّيَامِ الَّتِي يَنبَغِي لِلإِنسَانِ أَن لَا يُهمِلَهَا هِيَ وَقتُ الصِّيَامِ، مَتَى يَبدَأُ وَمَتَى يَنتَهِي، فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ اليَومَ مَن فَهِمَ بَعضَ النُّصُوصِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا خَطَأً فَأَفسَدَ صَومَهُ وَأَفسَدَ صَومَ غَيرَهُ، وَفِي مَا يَلِي بَيَانُ ذَلِكَ.
متى يبدأ وقت الصيام
يَبدَأُ وَقتُ الصِّيَامِ مِن دُخُولِ وَقتِ الفَجرِ، فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ مِنَ الفَجرِ﴾ [سُورَةُ البَقَرَةِ:187]، أَي حَتَّى يَبدَأَ شُعَاعُ الفَجرِ الأُفُقِيُّ الأَبيَضُ الشَّبِيهُ بِالخَيطِ فِي الظُّهُورِ وَيَتَمَيَّزَ فِي رَأيِ العَينِ، وَالأَسوَدُ الَّذِي يَمتَدُّ مَعَهُ مِن ظُلمَةِ اللَّيلِ شَبِيهًا بِالخَيطِ أَيضًا.
وَلَيسَ المَعنَى أَنَّهُ مِن طُلُوعِ الشَّمسِ أَو مِن وَقتِ اشتِدَادِ الضَّوءِ بَعدَ الفَجرِ وَقَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ، فَعَن سَهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَال: «أُنزِلَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ، مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ﴾ وَلَم يَنزِل: ﴿مِنَ الفَجرِ﴾ (يَعنِي نَزَلَ أَوَّلًا الجُزءُ الأَوَّلُ وَلَم يَنزِل قَولُهُ تَعَالَى: ﴿مِنَ الفَجرِ﴾) فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّومَ رَبَطَ أَحَدُهُم فِي رِجلِهِ الخَيطَ الأَبيَضَ وَالخَيطَ الأَسوَدَ، وَلَم يَزَل يَأكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤيَتُهُمَا، فَأَنزَلَ اللَّهُ بَعدُ: ﴿مِنَ الفَجرِ﴾ فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعنِي اللَّيلَ وَالنَّهَارَ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.
وَقَالَ الرَّازِيُّ: «لَا شَكَّ أَنَّ كَلِمَةَ ﴿حَتَّى﴾ لِانتِهَاءِ الغَايَةِ، فَدَلَّت هَذِهِ الآيَةُ عَلَى أَنَّ حِلَّ المُبَاشَرَةِ وَالأَكلِ وَالشُّربِ يَنتَهِي عِندَ طُلُوعِ الصُّبحِ».
بيان أن الفجر فجران
يَنقَسِمُ الفَجرُ إِلَى نَوعَينِ تَكَلَّمَ الفُقَهَاءُ عَنهُمَا، وَهُمَا:
الفَجرُ الأَوَّلُ: وَهُوَ المُسَمَّى بِالفَجرِ الكَاذِبِ، وَهُوَ شُعَاعٌ أَبيَضُ عَمُودِيٌّ يَظهَرُ فِي الأُفُقِ الشَّرقِيِّ ثُمَّ يَختَفِي وَتَعُودُ الظُّلمَةُ بَعدَهُ، وَلَا يَدُلُّ عَلى دُخُولِ الفَجرِ إِنَّمَا يَدُلُّ على قُربِ دُخُولِهِ، وَسُمِّيَ كَاذِبًا لِإِيهَامِهِ دُخُولَ الفَجرِ فَكَانَ كَأَنَّهُ كَاذِبٌ.
الفَجرُ الثَّانِي: وَهُوَ المُسَمَّى بِالفَجرِ الصَّادِقِ، وَهُوَ شُعَاعٌ أَبيَضُ أُفُقِيٌّ يَظهَرُ فِي الأُفُقِ الشَّرقِيِّ، يَبدُو فِي البِدَايَةِ دَقِيقًا ثُمَّ يَنتَشِرُ وَيَتَوَسَّعُ وَيَشتَدُّ ضَوؤُهُ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى دُخُولِ الفَجرِ حَقِيقَةً، وَسُمِّيَ صَادِقًا لِصِدقِ دِلَالَتِهِ عَلَى دُخُولِ الفَجرِ.
عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الفَجرُ فَجرَانِ، فَأَمّا الأَوَّلُ فَإِنَّهُ لَا يُحَرِّمُ الطَّعَامَ (لِلصَّومِ) وَلَا يُحِلُّ الصَّلَاةَ (صَلَاةَ الفَجرِ، أَي لَا يَدخُلُ بِهِ وَقتُ الفَجرِ)، وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ الطَّعَامَ وَيُحِلُّ الصَّلاةَ»، رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبرَى.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: «عَن قَتَادَةَ قال: وَقَد يُرَى بَيَاضٌ (أَي شُعَاعٌ أَبيَضُ عَمُودِيٌّ) عَلى السَّحَرِ (قَبلَ دُخُولِ وَقتِ الفَجرِ فِي اللَّيلِ)، يُقَالُ لَهُ: الصُّبحُ الكَاذِبُ، كَانَت تُسمِّيهِ العَرَبُ، فَلَا يَمنَعكُم ذَلِكَ مِن سَحُورِكُم (أَي أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ الأَكلَ وَالشُّربَ لِلصِّيَامِ)، فَإِنَّ الصُّبحَ لَا خَفَاءَ بِهِ، طَرِيقَةٌ مُعتَرِضَةٌ (أَي هُوَ شُعَاعٌ أَبيَضُ أُفُقِيٌّ) في الأُفُقِ، وكُلُوا واشرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُم الصُّبحُ، فَإِذَا رَأَيتُم ذَلِكَ (أَيِ الفَجرَ الصَّادِقَ) فَأَمسِكُوا».
بيان المراد باستحباب تأخير السحور
يُسَنُّ لِلصَّائِمِ إِذَا أَرَادَ الصَّومَ أَن يَتَسَحَّرَ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ، وَيُسَنُّ لَهُ أَن يُؤَخِّرَ السَّحُورَ إِلَى آخِرِ اللَّيلِ قَبلَ الفَجرِ، لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ فَعَلَهُ، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.
وَلَيسَ مَعنَى تَأخِيرِ السَّحُورِ أَن يَأكُلَ وَيَشرَبَ بَعدَ دُخُولِ وَقتِ الفَجرِ، بَل إِنَّ ذَلِكَ مُفسِدٌ لِلصِّيَامِ حَرَامٌ فِي رَمَضَانَ بِنَصِّ القُرءَانِ، إِنَّمَا مَعنَاهُ أَنَّهُ يُستَحَبُّ لَهُ أَن يُؤَخِّرَ السَّحُورَ مَا دَامَ مُتَيَقِّنًا مِن عَدَمِ دُخُولِ وَقتِ الفَجرِ وَلَم يَحصُل لَهُ شَكٌّ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا شَكَّ هَل دَخَلَ الفَجرُ أَم لَا أَو عَلِمَ دُخُولَهُ فَلَا يَتَسَحَّرُ، فَإِنَّ المُرَادَ بِالسُّنَّةَ الوَارِدَةِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَن يَكُونَ التَّأخِيرُ بِحَيثُ لَا يَكُونُ السَّحُورُ بَعدَ الفَجرِ، كَمَا صَحَّ ذَلكَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ وَغَيرُهُمَا عَن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: «تَسَحَّرنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ»، قِيلَ: كَم كَانَ بَينَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: «قَدرُ خَمسِينَ آيَةً»، فَأَفهَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ قَبلَ الأَذَانِ بِنَحوِ خَمسِينَ آيَةً.
معنى حديث «إذا أذن المؤذن وفي يد أحدكم إناء فليقض حاجته منه»
وَرَدَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَلَا يَضَعهُ حَتَّى يَقضِيَ حَاجَتَهُ مِنهُ»، رَوَاهُ أَبُو دَاودَ، فَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ الشَّخصَ المُرِيدَ لِلصِّيَامِ إِذَا كَانَ يَتَسَحَّرُ وَعَلِمَ دُخُولَ الفَجرِ لَهُ أَن يُتِمَّ أَكلَهُ وَشُربَهُ، لَا، بَل هَذَا الحَدِيثُ وَارِدٌ فِي أَنَّ مَن سَمِعَ الأَذَانَ -وَقتَ الفَجرِ وَغَيرِهِ، فِي رَمَضَانَ وَغَيرِهِ- وَكَانَ فِي يَدِهِ إِنَاءٌ مِن طَعَامٍ فَيَأكُلُ مِنهُ لُقَيمَاتٍ أَو يَتَنَاوَلُ مِنهُ شَيئًا بِسُرعَةٍ ثُمَّ يَذهَبُ لِلصَّلَاةِ، وَذَلِكَ حَتَّى لَا تَتُوقَ نَفسُهُ إِلَى هَذَا الطَّعَامِ فِي الصَّلَاةِ فَيَمنَعَ عَنهُ الخُشُوعَ، وَلَيسَ المَعنَى أَنَّ لَهُ أَن يَأكُلَ وَيَشرَبَ بَعدَ دُخُولِ وَقتِ الصِّيَامِ، بَل إِنَّ ذَلِكَ مَمنُوعٌ بِنَصِّ الآيَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيهِ مَا فِي البُخَارِيِّ مِن أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُم عَلَى الطَّعَامِ فَلَا يَعجَل حَتَّى يَقضِيَ حَاجَتَهُ مِنهُ»، وَقَالَ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ: «عَن أَبِي هُرَيرَةَ وَابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَأكُلَانِ طَعَامًا وَفِي التَّنُّورِ شِوَاءٌ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَن يُقِيمَ، فَقَالَ لَهُ ابنُ عَبَّاسٍ: «لَا تَعجَل لِئَلَّا نَقُومَ وَفِي أَنفُسِنَا مِنهُ شَيءٌ»، وَفِي رِوَايَةِ ابنِ أَبِي شَيبَةَ: «لِئَلَّا يَعرِضَ لَنَا فِي صَلَاتِنَا»، وَعَنِ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ قَالَ: «العَشَاءُ قَبلَ الصَّلَاةِ يُذهِبُ النَّفسَ اللَّوَّامَةَ»، وَفِي هَذَا كُلِّهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ العِلَّةَ فِي ذَلِكَ تَشَوُّفُ النَّفسِ إِلَى الطَّعَامِ». قَالَ: «وَيُستَثنَى مِن ذَلِكَ الصَّائِمُ، فَلَا تُكرَهُ صَلَاتُهُ بِحَضرَةِ الطَّعَامِ، إِذِ المُمتَنِعُ بِالشَّرعِ لَا يَشغَلُ العَاقِلُ نَفسَهُ بِهِ، لَكِن إِذَا غَلَبَ استُحِبَّ لَهُ التَّحَوُّلُ مِن ذَلِكَ المَكَانِ».
وَقَالَ النَّوَوِيُّ في المَجمُوعِ: «إِنَّ مَن طَلَعَ الفَجرُ وَفِي فِيهِ (فَمِهِ) طَعَامٌ فَليَلفِظهُ (يُخرِجهُ) وَيُتِمَّ صَومَهُ، فَإِن ابتَلَعَهُ بَعدَ عِلمِهِ بِالفَجرِ بَطَلَ صَومُهُ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ، فَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكتُومٍ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ، وَفِي الصَّحِيحِ أَحَادِيثُ بِمَعنَاهُ».
قَالَ النَّوَوِيُّ: «وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا سَمِعَ أَحَدُكُم النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَلَا يَضَعهُ حَتَّى يَقضِيَ حَاجَتَهُ مِنهُ»، وَفِي رِوَايَةٍ «وَكَانَ المُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ إِذَا بَزَغَ الفَجرُ»، فَرَوَى الحَاكِمُ أَبُو عَبدِ اللَّهِ الرِّوَايَةَ الأُولَى وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرطِ مُسلِمٍ، وَرَوَاهُمَا البَيهَقِيُّ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا إن صَحَّ مَحمُولٌ عِندَ عَوَامِّ أَهلِ العِلمِ عَلَى أَنَّهُ ﷺ عَلِمَ أَنَّهُ يُنَادَى قَبلَ طُلُوعِ الفَجرِ بِحَيثُ يَقَعُ شُربُهُ قُبَيلَ طُلُوعِ الفَجرِ».
قَالَ: «وَقَولُهُ «إذَا بَزَغَ» يَحتَمِلُ أَن يَكُونَ مِن كَلَامِ مَن دُونَ أَبِي هُرَيرَةَ، أَو يَكُونَ خَبَرًا عَن الأَذَانِ الثَّانِي، وَيَكُونَ قَولُ النَّبِيِّ ﷺ: «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُم النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ» خَبَرًا عَن النِّدَاءِ الأَوَّلِ، لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِحَدِيثِ ابنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا».
وقَالَ: «وَعَلَى هَذَا تَتَّفِقُ الأَخبَارُ، وَبِاَللَّهِ التَّوفِيقُ، وَاللهُ أَعلَمُ».
وَقَالَ مُلَّا عَلِيٌّ القَارِي: «وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ» أَي أَذَانَ الصُّبحِ، «أَحَدُكُم وَالإِنَاءُ» أَي الَّذِي يَأكُلُ مِنهُ أَو يَشرَبُ مِنهُ «فِي يَدِهِ» جُملَةٌ حَالِيَّةٌ «فَلَا يَضَعهُ» أَيِ الإِنَاءَ «حَتَّى يَقضِيَ حَاجَتَهُ مِنهُ» أَي بِالأَكلِ وَالشُّربِ، وَهَذَا إِذَا عَلِمَ أَو ظَنَّ عَدَمَ الطُّلُوعِ، وَقَالَ ابنُ المَالكِ: هَذَا إِذَا لَم يَعلَم طُلُوعَ الصُّبحِ، أَمَّا إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَد طَلَعَ أَو شَكَّ فِيهِ فَلَا، وَقَالَ الخَطَّابِيُّ: هَذَا مَبنِيٌّ عَلَى قَولِهِ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ، فَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكتُومٍ».».
فَالبِلَادُ الَّذِينَ بَقُوا على هَذِهِ السُّنَّةِ يَكُونُ عِندَهُم أَذَانَانِ لِلصُّبحِ: وَاحِدٌ يُنذِرُ بِقُربِ دُخُولِ الفَجرِ، وَالثَّانِي لِدُخُولِهِ، فَإِذَا كَانَ الشَّخصُ يَأكُلُ فِي رَمَضَانَ قَبلَ الأَذَانِ الأَوَّلِ فَأَذَّنَ فَلَهُ أَن يُكمِلَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، وَلَا يَكُونُ قَد أَفطَرَ، أَمَّا إِن أَذَّنَ الأَذَانَ الثَّانِي وَاستَمَرَّ بِالأَكلِ وَالشُّربِ عَامِدًا فهَذَا أَفطَرَ وَفَسَدَ صِيَامُهُ، فَليَنتَبِه لِهَذَا.
خاتمة
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ إِنَّ السَّمعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنهُ مَسؤُولًا﴾، [سُورَةَ الإِسرَاءِ:36].
فَقَد حَذَّرَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مِنَ الفُتيَا بِغَيرِ عِلمٍ، فَإِنَّ خَطَرَ ذَلِكَ كَبِيرٌ يَهلِكُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَهُوَ مِنَ الكَبَائِرِ، وَقَد رَوَى ابنُ عَسَاكِرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَن أَفتَى بِغَيرِ عِلمٍ لَعَنَتهُ مَلائِكَةُ السَّمَاءِ وَالأَرضِ»، وَقَالَ بَعضُ الصَّحَابَةِ: «أَجرَؤُكُم عَلَى الفَتوَى أَجرَؤُكُم عَلَى النَّارِ» وَلَا يُفتِي إِلَّا مَن كَانَ مُجتَهِدًا، وَإِن لَم يَكُن مُجتَهِدًا فَلَيسَ لَهُ أَن يُفتِىَ إِلَّا اعتِمَادًا عَلَى فَتوَى إِمَامٍ مُجتَهِدٍ مَنصُوصٍ لَهُ أَوِ استَخرَجَهُ أَصَحَابُ مَذهَبِهِ مِن نَصٍّ لَهُ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
- السُّنَنِ الكُبرَى لِلبَيهَقِيِّ.
- المُستَدرَكِ عَلَى الصَّحِيحَينِ لِلحَاكِمِ.
- مِرقَاةِ المَفَاتِيحِ شَرحِ مِشكَاةِ المَصَابِيحِ.
- فَتحِ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ.
- مِنحَةِ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
- التَّنوِيرِ شَرحِ الجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلصَّنعَانِيِّ.
- المَجمُوعِ شَرحِ المُهَذَّبِ لِلنَّوَوِيِّ.
- فَتحِ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
- تَفسِيرِ الطَّبَرِيِّ.
- التَّفسِيرِ الكَبِيرِ لِلرَّازِيِّ.