السحور والفطور

السحور والفطور

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى

﴿وَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ مِنَ الفَجرِ

سورة البقرة: 187

إِنَّ شَهرَ رَمَضانَ شَهرٌ عَظِيمٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللهُ فِيهِ الصِّيَامَ، وَأَوجَبَ للصِّيَامِ أَركَانًا وَشَرَعَ لَهُ سُنَنًا، وَمِن هَذِهِ السُّنَنِ العَظِيمَةِ السَّحُورُ، وَسُنَّتَا تَعجِيلِ الفِطرِ وَتَأخِيرِ السَّحُورِ.

عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّهَا قَالَت:

ثَلاثَةٌ مِنَ النُّبوَّةِ، تَعجِيلُ الإِفطَارِ، وَتَأخِيرُ السَّحُورِ، وَوَضعُ اليَدِ اليُمنَى عَلَى اليُسرَى فِي الصَّلَاةِ

رَوَاهُ البَيهَقِيُّ

فَمَا هُوَ السَّحُورُ، وَمَا هُوَ الفَطُورُ، وَمَا مَعنَى تَأخِيرِ السَّحُورِ وَتَعجِيلِ الفِطرِ.

معنى الفطور والسحور

الفَطُورُ بِالفَتحِ: اسمُ مَا يُفطَرُ عَلَيهِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالسَّحُورُ بِالفَتحِ اسمُ مَا يُتَسَحَّرُ بهِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَبِالضَّمِّ فِعلُ الأَكلِ، وَهُوَ مَأخُوذٌ مِنَ السَّحَرِ وَهُوَ الوَقتُ قُبَيلَ الصُّبحِ، لِأَنَّهُ يُؤكَلُ فِيهِ عَادَةً.

السحور

السَّحُورُ هُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يُؤكَلُ فِي وَقتٍ مَخصُوصٍ قَبلَ الفَجرِ لِيُعِينَ الصَّائِمَ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ، وَيَدخُلُ وَقتُهُ بِمُنتَصَفِ اللَّيلِ وَيَبقَى إِلَى مَا قَبلَ الفَجرِ، وَيَحصُلُ السُّحُورُ بِأَقَلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ المَرءُ مِن مَأكُولٍ وَمَشرُوبٍ، فتَحصُلُ السُّنَّةُ وَلَو بِجَرعَةِ مَاءٍ، وَحُكمُ السُّحُورِ أَنَّهُ مُستَحَبٌّ غَيرُ وَاجِبٍ.

تأخير السحور

يُستَحَبُّ تَأخِيرُ السَّحُورِ إِلَى ءَاخِرِ اللَّيلِ وَقُبَيلَ الفَجرِ، وَذَلِكَ اتِّبَاعًا لِلرَّسُولِ ﷺ، وَلِأَنَّ ‌السُّحُورَ يُرَادُ لِلتَّقَوِّي عَلَى الصَّومِ، وَالتَأخِيرُ أَبلَغُ فِي ذَلِكَ وَأَرجَى فِي حُصُولِ المَقصُودِ فَكَانَ أَولَى.

وَلَيسَ المُرَادُ بِتَأخِيرِ السُّحُورِ أَن يُؤَخِّرَهُ عَن طُلُوعِ الفَجرِ فَيَأكُلَ بَعدَهُ، بَل هَذَا مُخَالِفٌ لِلآيَةِ: ﴿وَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ مِنَ الفَجرِ﴾، [سورة البقرة: 187]، بَلِ المُرَادُ أَن يُؤَخِّرَ السُّحُورَ فَيُوقِعَهُ فِي ءَاخِرِ وَقتِ اللَّيلِ وَقَبلَ الفَجرِ كَمَا ذَكَرنَا.

وَقَد وَرَدَ فِي تَأخِيرِ السّحُورِ أَخبَارٌ، فَعَن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: تَسَحَّرنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، قِيلَ: كَم كَانَ بَينَ الأَذَانِ وَبَينَ السَّحُورِ؟ قَالَ: قَدرُ خَمسِينَ آيَةً، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ أَيضًا عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهلِي ثُمَّ تَكُونُ سُرعَتِي أَن أُدرِكَ السُّجُودَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ. السجود هنا أي الصلاة. والمعنى: أَيْ: ثُمَّ يَكُونُ مِنِّيَ إِسْرَاعٌ حَتَّى أُدْرِكَ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

وَوَرَدَ فِي فَضلِ السّحُورِ أَحَادِيثُ، فعَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:  “تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً“، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

وَرَوَى مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالِ: “إِنَّ فَصلَ مَا بَينَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهلِ الكِتَابِ أكْلَةُ السَّحَرِ”.

وَرَوَى النَّسَائِيُّ فِي سُنَنَهِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: “عَلَيكُم بِغَدَاءِ السَّحُورِ، فَإِنَّهُ هُو ‌الغَدَاءُ ‌المُبَارَكُ“.

تعجيل الفطور

يُستَحَبُّ تَعجِيلُ الفَطُورِ بَعدَ التَّحَقُّقِ مِن دُخُولِ وَقتِ المَغرِبِ، أَي بِأَن يُوقِعَ الفَطُورَ أَوَّلَ دُخُولِ اللَّيلِ وَلَا يُؤَخِّرَهُ إِلَى دُخُولِ العِشَاءِ مَثَلًا، وَلَيسَ المُرَادُ أَن يَأكُلَ قَبلَ دُخُولِ الوَقتِ أَو قَبلَ أَن يَتَحَقَّقَ مِن دُخُولِهِ لِأَنَّ هَذَا مُخَالَفَةٌ لِلأَمرِ فِي الآيَةِ: ﴿وَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ مِنَ الفَجرِ﴾، [سورة البقرة: 187].

بماذا يبتدئ من أراد الفطور؟

  1. وَالأفضَلُ أَن يُفطِرَ عَلَى رُطَبٍ
  2. وَإِلَّا فَعَلَى تَمرٍ
  3. وَإِلَّا فَعَلَى مَاءٍ فَإِنَّهُ طَهُورٌ

عَن أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ:

كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفطِرُ ‌عَلَى ‌رُطَبَاتٍ قَبلَ أَن يُصَلِّيَ، فَإِن لَم تَكُن رُطَبَاتٌ فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِن لَم تَكُن حَسَا حَسَوَاتٍ مِن مَاءٍ

رَوَاهُ أَبُو دَاودَ

وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ: “إِذَا أَفطَرَ أَحَدُكُم فَليُفطِر عَلَى تَمرٍ فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ، فَإِن لَم يَجِد تَمرًا فَالمَاءُ ‌فَإِنَّهُ ‌طَهُورٌ”، وَيُسَنُّ أَن يَدعُوَ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ: ‌”اللهم ‌لَكَ ‌صُمتُ، وَعَلَى رِزقِكَ أَفطَرتُ“.

ما حكم الوصال في الصوم؟

وَلَا يَجُوزُ الوِصَالُ فِي الصِّيَامِ، وَهُوَ أَن يَصِلَ صِيَامَ يَومِهِ بِاليَومِ الذِي بَعدَهُ بِأَنْ لَا يَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِنَ الْمُفَطِّرَاتِ وَلَوُ فِيْ اللَّيْلِ مَثَلًا، وَقَد نَهَى الرَّسُولُ ﷺ عَنِه فَقَالَ: “إِيَّاكُم وَالوِصَالَ“، رَوَاهُ البُخَارِيُّ، بَل حَثَّ ﷺ عَلَى التَّعجِيلِ فِي الفِطرِ حَيثُ قَالَ: “لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيرٍ ‌مَا ‌عَجَّلُوا ‌الفِطرَ“، رَوَاهُ ابنُ مَاجَه، وَفِي رِوَايَةٍ لِلبَيهَقِيِّ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الفِطرَ“.

عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:

إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: إِنَّ أَحَبَّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعجَلُهُم فِطرًا

رَوَاهُ البَيهَقِيُّ

ماذا كان يفعل النبي في الإفطار؟

رُوِيَ عَن أَبِي عَطِيَّةَ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلتُ أَنَا وَمَسرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلنَا: يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ، رَجُلَانِ مِن أَصحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الإِفطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ، وَالآخَرُ يُؤَخِّرُ الإِفطَارَ، وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، قَالَت: أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الإِفطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟، قَالَ: قُلنَا: عَبدُ اللهِ – يَعنِي: ابنَ مَسعُودٍ – قَالَت: كَذَلِكَ كَانَ يَصنَعُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، رَوَاهُ مُسلِمٌ.

ما حكم مَنِ استَعمَلَ مُفَطِّرًا قَبلَ المَغرِبِ ظَنًا مِنهُ أَنَّ الشَّمسَ قَد غَرَبَت؟

الجواب

مَنِ استَعمَلَ مُفَطِّرًا قَبلَ المَغرِبِ ظَنًا مِنهُ أَنَّ الشَّمسَ قَد غَرَبَت فَقَد أَفطَرَ وَلَزِمَهُ أَن يَقضِيَ هَذَا اليَومَ، وَكَذَلِكَ لَو أَكَلَ شَاكًا هَلِ غَرَبَتِ الشَّمسُ أَم لَا لَزِمَهُ القَضَاءُ، أَمَّا لَو أَكَلَ شَاكًّا فِي طُلُوعِ الفَجرِ لَم يَلزَمهُ القَضَاءُ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  3. صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  4. السُّنَنِ الكُبرَى لِلنَّسَائِيِ.
  5. السُّنَنِّ الكُبرَى لِلبَيهَقِيِّ.
  6. التَنبِيهِ لِلشِّيرَازِيِّ.
  7. عُمدَةِ السَّالِكِ لِابنِ النَّقِيبِ.