بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ﴾، [سورة البقرة:183].
جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لِلصِّيَامِ فَضلًا عَظِيمًا، وَأَخبَرَ أَنَّهُ يَجزِي عَلَيهِ ثَوَابًا أَكثَرَ مِن غَيرِهِ مِنَ الأَعمَالِ وَالطَّاعَاتِ، فَإِنَّ العَبدَ يَترُكُ فِيهِ مَلَذَّاتِهِ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهوَتَهُ للهِ تَعَالَى، فِي حَرٍّ الصَّيفِ، وَظَمَأِ الهَوَاجِرِ، فَكَانَ الجَزَاءُ عَلَى قَدرِ مَا يَلقَى الإِنسَانُ مِنَ التَّعَبِ بَل أَكثَرَ.
وَلِلصِّيَامِ سُنَنٌ وَآدَابٌ يَنبَغِي لِلمُسلِمِ الحِرصُ عَلَيهَا، لِيَكمُلَ صِيَامُهُ، وَيَزِيدَ أَجرُهُ، وَيَحصُلَ لَهُ كَمَالُ التَّقوَى، وَفِي هَذَا المَقَالِ نُبَيِّنُ بَعضَ هَذِهِ السُّنَنِ وَتَفصِيلَهَا إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
سنن الصيام
يُسَنُّ لِمَن أَرَادَ أَن يَصُومَ أُمُورٌ مِنهَا:
- أَكلُ السَّحُورِ وَتَأخِيرُهُ: فَقَد رَوَى مُسلِمٌ وَالبُخَارِيُّ مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» فَيُسَنُّ لِلصَّائِمِ أَن يَتَسَحَّرَ وَلَو بِجَرعَةِ مَاءٍ، وَالأَفضَلُ أَن يَتَسَحَّرَ عَلَى تَمرٍ.
- وتَأخِيرُ السَّحُورِ إِلَى ءَاخِرِ اللَّيلِ: أَي قَبلَ الفَجرِ بِنَحوِ خَمسِينَ آيةً كَمَا ضَبَطَهُ بَعضُهُم، وَذَلِكَ مَا دَامَ مُتَيَقِّنًا مِن عَدَمِ دُخُولِ وَقتِ الفَجرِ وَلَم يَحصُل لَهُ شَكٌّ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا شَكَّ هَل دَخَلَ الفَجرُ أَم لَا فَلَا يَتَسَحَّرُ، وَلَهُ أَن يَتَسَحَّرَ قَبلَ ذَلِكَ مِن بَعدِ مُنتَصَفِ اللَّيلِ، وَتَحصُلُ بِهِ السُّنَّةُ لَكِنِ الأَكمَلُ تَأخِيرُهُ.
فَائِدَةٌ: مِن بَرَكَةِ السُّحُورِ التَّقَوِّي على طَاعَةِ اللهِ وَعِبَادَتِهِ، وَهُوَ سَبَبٌ لِلقِيَامِ مِنَ النَّومِ وَقتَ السَّحَرِ، وَقتَ الِاستِغفَارِ وَالدُّعَاءِ، وَيُعِينُ عَلَى صَلَاةِ الفَجرِ مَعَ الجَمَاعَةِ.
- وَيُستَحَبُّ الاغتِسَالُ إِن كَانَ عَليهِ غُسلٌ قَبلَ الصُّبحِ: لِيُؤَدِّيَ العِبَادَةَ عَلَى طَهَارَةِ، وَلِئَلَّا يَصِلَ المَاءُ إِلَى جَوفِهِ فِي نَهَارِ الصِّيَامِ، وَمِن ثَمَّ يَنبَغِي لَهُ غَسلُ هَذِهِ المَوَاضِعِ قَبلَ الفَجرِ إِن لَم يَتَهَيَّأ لَهُ الغُسلُ الكَامِلُ قَبلَهُ.
- ويُستَحَبُّ أَن يَجمَعَ فِي نِيَّةِ الصَّومِ بَينَ القَلبِ وَاللِّسَانِ: كَمَا في غَيرِهِ مِنَ العِبَادَاتِ، فَإِن اقتَصَرَ على القَلبِ كَفَاهُ، وَإِن اقتَصَرَ على اللِّسَانِ لَم يُجزِئهُ بِلا خِلَافٍ.
- ويُسَنُّ تَعجِيلُ الفِطرِ إِذَا تَحَقَّقَ غُرُوبَ الشَّمسِ: وَذَلِكَ لِحَدِيثِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطرَ»، وَحَدِيثِ التِّرمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعجَلُهُم فِطرًا»، وَكُلُّ ذَلِكَ مَشرُوطٌ بِتَحَقُّقِ غُرُوبِ الشَّمسِ وَدُخُولِ وَقتِ المَغرِبِ، لَا أَن يَهجُمَ عَلَى الفِطرِ قَبلَ التَّحَقُّقِ مِن دُخُولِ الوَقتِ.
- وَيُسَنُّ لِلصَّائِمِ أَن يُفطِرَ عَلَى تَمرٍ: فَإِن لَم يَجِد فَعَلَى مَاءٍ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَحمَدَ وَالتِّرمِذِيِّ وَغَيرِهِمَا عَن سُلَيمَانَ بنِ عَامِرٍ الضَّبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَفطَرَ أَحَدُكُم فَليُفطِر عَلَى تَمرٍ، فَإِن لَم يَجِد فَليُفطِر عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ»، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: “يُفطِرُ عَلَى تَمرٍ، فَإِن لَم يَجِد، فَعَلَى حَلَاوَةٍ أُخرَى، فَإِن لَم يَجِد، فَعَلَى المَاءِ”.
- وأَن يَقُولَ إِذَا شَتَمَهُ أَحَدٌ أَو تَسَافَهَ عَلَيهِ فِي حَالِ صَومِهِ: “إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ” مَرَّتَينِ أَو أَكثَرَ: فَفِي البُخَارِيِّ وُمُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإذَا صَامَ أحَدُكُم فَلا يَرفُث وَلَا يَجهَل، وَإِنِ امرُؤٌ قاتَلَهُ أو شاتَمَهُ فَليَقُل: إني صَائِمٌ، إني صَائِمٌ» مَرَّتَينِ، أَي قَالَهَا مَرَّتَينِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: “قِيلَ: إِنَّهُ يَقُولُ بِلِسَانِهِ، وَيُسمِعُ الَّذِي شَاتَمَهُ لَعَلَّهُ يَنزَجِرُ، وَقِيلَ: يَقُولُهُ بِقَلبِهِ لِيَنكَفَّ عَنِ المُسَافَهَةِ وَيُحَافِظَ على صِيَانَةِ صَومِهِ، وَالأَوَّلُ أَظهَرُ”.
- ويُسَنُّ لِلصَّائِمِ أَن يُكثِرَ مِنَ الذِّكِرِ وَالدُّعَاءِ: فَفِي التِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه، عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعوَتُهُم» وَذَكَرَ «الصَّائِمُ حَتَّى يُفطِرَ».
- وأن يَقُولُ عِندَ إِفطَارِهِ: «اللَّهُمَّ لَكَ صُمتُ، وَعَلى رِزقِكَ أفطَرتُ، ذَهَبَ الظَّمأُ، وَابتَلَّتِ العُرُوقُ، وَثَبَتَ الأَجرُ إِن شَاءَ اللَّهُ تَعالى»: أَخرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالظَّمَأُ العَطَشُ، أَو يَقُولُ: «الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي أعانَنِي فَصَمتُ، وَرَزَقَنِي فأفطَرتُ»، أَو يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ صُمنَا، وَعلى رِزقِكَ أَفطَرنَا، فَتَقَبَّل مِنَّا إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ»، أَخرَجَهُمَا ابنُ السُّنِيُّ.
- وَيُستَحَبُّ تَفطِيرُ الصَّائِمِينَ: وَلَو عَلى تَمرَةٍ أَو شُربَةِ مَاءٍ أَو غَيرِهِمَا، وَالأَكمَلُ أَن يُشبِعَهُم، وَمَن فَطَّرَ صَائِمًا فَلَهُ مِثلُ أَجرِهِ، أَخرَجَ التِّرمِذِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَن فَطَّرَ صَائِمًا فَلَهُ مِثلُ أَجرِهِ»، مَعنَاهُ لَهُ أَجرٌ شَبِيهٌ بِأَجرِهِ، وَيُسَنُّ أَن يَأكُلَ مَعَهُم لِأَنَّهُ أَليَقُ بِالتَّوَاضُعِ وَأَبلَغُ فِي جَبرِ القَلبِ.
- ويُسَنُّ لِلصَّائِمِ وَغَيرِهِ إِذَا أَكَلَ عِندَ قَومٍ أَن يَقُولَ: «أَفطَرَ عِندَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبرَارُ، وَصَلَّت عَلَيكُمُ الملائِكَةُ»: أَخرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابنُ مَاجَه.
- وَتُسَنُّ صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ: فِي لَيَالِي شَهرِ رَمَضَانَ بَعدَ صَلَاةِ العِشَاءِ، وَتَكُونُ عِشرِينَ رَكعَةً، فَإِن صَلَّى أَقَلَّ مِن عِشرِينَ كَانَ قِيَامَ رَمَضَانَ.
- وَيُسَنُّ لِلصَّائِمِ الزِّيَادَةُ وَالإِكثَارُ مِن أَعمَالِ الخَيرِ: كَالذِّكرِ، وَتِلَاوَةِ القُرآنِ، وَالجُودِ، وَالصَّدَقَةِ، وَمُوَاسَاةِ الفُقَرَاءِ وَالمُحتَاجِينَ، وَالاستِغفَارِ، وَالتَّوبَةِ، وَالتَّهَجُّدِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَنَحوِ ذَلِكَ.
- وَيُستَحَبُّ فِي رَمَضَانَ التَّوسِعَةُ عَلى العِيَالِ، وَالإِحسَانُ إِلى الأَرحَامِ وَالجِيرَانِ، وَإِكثَارِ الصَّدَقَةِ: لِخَبَرِ الصَّحِيحَينِ عن رسول الله ﷺ أَنَّهُ كَانَ أَجوَدَ النَّاسِ بِالخَيرِ، وَكَانَ أَجوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلقَاهُ جِبرِيلُ، وَالمَعنَى فِي ذَلِكَ تَفرِيغُ قُلُوبِ الصَّائِمِينَ وَالقَائِمِينَ لِلعِبَادَةِ بِدَفعِ حَاجَاتِهِم.
- وَيُستَحَبُّ إِكثَارُ التِّلَاوَةِ وَالمُدَارَسَةِ لِلقُرآنِ: أَي أَن يَقرَأَ على غَيرِهِ وَيَقرَأَ غَيرُهُ عَلَيهِ، لِخَبَرِ الصَّحِيحَينِ: «كَانَ جِبرِيلُ يَلقَى النَّبِيَّ ﷺ فِي كُلِّ لَيلَةٍ مِن رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرآنَ».
- وَيُسَنُّ إِكثَارُ الاعتِكَافِ فِي المَسجِدِ: أَي حَبسُ نَفسِهِ فِيهِ بِحَيثُ لَا يَخرُجُ مِنهُ إلَّا لِعُذرٍ، لِأَنَّهُ أَقرَبُ لِصَونِ النَّفسِ عَلى ارتِكَابِ مَا لَا يَلِيقُ، لَا سِيَّمَا فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ، فَهِيَ أَولَى بِذَلِكَ مِن غَيرِهَا، لأن النبي ﷺ فعله، وَلِأَجلِ طَلَبِ لَيلَةِ القَدرِ.
- وَيُسَنُّ أَن يَجتَهِدَ فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ بِأَنوَاعِ العِبَادَةِ أكثر من غيرها: وَيُحيِي اللَّيلَ كُلَّهُ، وَيُوقِظَ أَهلَهُ، رَوَى التِّرمِذِيُّ عَن عَائِشَةَ قَالَت: «كَانَ ﷺ يَجتَهِدُ فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ مَا لَا يَجتَهِدُ فِي غَيرِهَا».
- وَتَحَرِّي لَيلَةِ القَدرِ: وَقَدِ اختَلَفَ العُلَمَاءُ فِي تَعيِينِ لَيلَةِ القَدرِ، وَعلامَتُهَا أَن تَطلُعَ الشَّمسُ صَبِيحَتَهَا بَيضَاءَ لا شُعَاعَ لَهَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا فِي العَشر الأَوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ، وَهُوَ قَولُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالأَوزَاعِيِّ وَأَبِي ثَورٍ وَأَحمَدَ، لِمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «التَمِسُوهَا فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ مِن رَمَضَانِ»، الحَدِيثَ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَعَائِشَةُ وَأُبَيُّ بنُ كَعبٍ: هِيَ لَيلَةُ السَّابِعِ وَالعِشرِينَ، وَقَالَ بَعضٌ: أَخفَاهَا اللهُ فِي جَمِيعِ شَهرِ رَمَضَانَ لِيَجتَهِدَ المَرءُ فِي العَمَلِ وَالطَّاعَاتِ لَيَالِيَ رَمَضَانَ المُكَرَّمِ.
- ويتأكد على الصائم تَركُ الكَذِبِ وَالغِيبَةِ وَالمُشَاتَمَةِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِن كُلِّ مُحَرَّمٍ: لِأَنَّهُ يُحبِطُ الثَّوَابَ، فَيَنبَغِي لِلصَّائِمِ أَن يَحفَظَ لِسَانَهُ مَهمَا غَضِبَ، فَإِن سَابَّهُ أَحَدٌ فَليَقُل إِنِّي صَائِمٌ، مَعنَاهُ أَنَا صَائِمٌ فَلا أُقَابِلُكَ بِالشَّتمِ.
وَقَد رَوَى البُخَارِيُّ وَغَيرُهُ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ: «مَن لَم يَدَع قَولَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ وَالجَهلَ فَلَيسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»، أَي لَيسَ لَهُ ثَوَابٌ.
وَلَيسَ مَعنَى سُنِّيَّةِ ذَلِكَ وَتَأَكُّدِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ هَذَا فِي رَمَضَانَ، بَلِ المَعنَى أَنَّهُ يَجدُرُ بِهِ أَن يَهتَمَّ بِهَذَا الأَمرِ فِي رَمَضَانَ أَكثَرَ مِن غَيرِهِ، وَإِلَّا فَيَجِبُ عَلَى الإِنسَانِ أَن يَحفَظَ لِسَانَهُ مِن كُلِّ المُحَرَّمَاتِ فِي رَمَضَانَ وَفِي غَيرِ رَمَضَانَ.
فائدة: الغِيبَةُ لا تُفَطِّرُ الصَّائِمَ، إِنَّمَا تُذهِبُ الثَّوَابَ فَقَط، قَالَ الشَّيخُ مَرعِيٌّ الحَنبَلِيُّ مَا نَصُّهُ: «قَالَ أَحمَدُ: يَتَعَاهَدُ صَومَهُ مِن لِسَانِهِ، وَلا يُمَارِي، وَيَصُونُ صَومَهُ، وَأَسقَطَ أَبُو الفَرَجِ ثَوَابَهُ بِغِيبَةٍ وَنَحوِهَا، وَلا فِطرَ، قَالَ أَحمَدُ: لَو كَانَتِ الغِيبَةُ تُفَطِّرُ مَا كَانَ لَنَا صَومٌ».
وَأَمَّا حَدِيثُ: خَمسٌ يُفَطِّرنَ الصَّائِمَ: القُبلَةُ وَالغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ وَالنَّظَرُ بِشَهوَةٍ وَالكَذِبُ، فَقَد حَكَمَ عَلَيهِ الحَافِظُ ابنُ الجَوزِيِّ بِالوَضعِ، أَي هُوَ مَكذُوبٌ.
- وَيُستَحَبُّ أَن يعمل العُمرَةِ يُكثِرَ مِنهَا فِي رَمَضَانَ، لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «عُمرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقضِي حَجَّةً» أَو «حَجَّةً مَعِي»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.
ما يكره للصائم
يُكرَهُ لِلصَّائِمِ فِعلُ أَشيَاءَ، مِنهَا:
- الحِجَامَةُ: لِأَنَّهَا قَد تُضعِفُ البَدَنَ.
- وَالعِلكُ: وَهُوَ ضَربٌ مِن صَمغِ الشَّجَرِ كَاللُّبَانِ يُمضَغُ فَلَا يَذُوبُ، يُسَمَّى بِالعَامِّيَّةِ «عِلكَة».
- وَذَوقُ الطَّعَامِ أَو غَيرِهِ: وَذَلِكَ لِخَوفِ وُصُولِ شَيءٍ إِلَى حَلقِهِ أَو أَكلِهِ لِغَلَبَةِ شَهوَتِهِ.
- القُبلَةُ فِي صَومِ الفَرضِ إِن خَشِيَ الإِنزَالَ: وَعَلَى قَولٍ هِيَ حَرَامٌ، وَصَحَّ أَنَّهُ ﷺ رَخَّصَ فِي القُبلَةِ لِلشَّيخِ وَهُوَ صَائِمٌ وَنَهَى عَنهَا الشَّابَّ، وَقَالَ: «الشَّيخُ يَملِكُ إِربَهُ، وَالشَّابُّ يُفسِدُ صَومَهُ»، رَوَاهُ الإِمَامُ مَالِكٌ فِي المُوَطَّأِ، فَأَفهَمَ التَّعلِيلُ أَنَّ الحُكمَ دَائِرٌ مَعَ خَشيَةِ مَا ذُكِرَ وَعَدَمِهَا.
الخاتمة
شَهرُ رَمَضَانَ شَهرُ تَصفِيَةِ الرُّوحِ، وَلَيسَ شَهرَ التَّنَعُّمِ كَمَا يَفعَلُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَيَنبَغِي عَلَى طَالِبِ الآخِرَةِ أَن يَكُونَ هَمُّهُ -فِي هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَفِي غَيرِهِ- رِضَا اللهِ تَعَالَى، لَا أَن يَتَنَعَّمَ وَيُجَرِّبَ كُلَّ أَنوَاعِ الطَّعَامِ فِي رَمَضَانَ تَحتَ ذَرِيعَةِ أَنَّهُ كَانَ صَائِمًا كُلَّ اليَومِ، لِأَنَّ مَن كَانَ هَمُّهُ الأَكلَ وَالشُّربَ وَاللِّبَاسَ لَا يَكُونُ فِي الآخِرَةِ مِن أَهلِ الدَّرَجَاتِ العُلَى، بَل يَتَذَكَّرُ الفُقَرَاءَ الَّذِينَ قَد لَا يَجِدُونَ مَا يَأكُلُونَهُ عِندَ الإِفطَارِ، وَيَتَذَكَّرُ الآخِرَةَ الَّتِي يَنفَعُ فِيهَا العَمَلُ الصَّالِحُ، وَالتَّنَعُّمُ يُضعِفُ الإِنسَانَ عَنِ العَمَلِ الصَّالِحِ، وَيَدخُلُ فِي العَمَلِ بِالعِلمِ تَركُ التَّعَلُّقِ بِالمُستَلَذَّاتِ، فَقَد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ: «إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ، فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيسُوا بِالمُتَنَعِّمِينَ»، أَي أَنَّ عِبَادَ اللَّهِ الكَامِلِينَ يَترُكُونَ التَّنَعُّمَ الجَائِزَ المُبَاحَ، رَوَاهُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِه.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
- سُنَنُ التِّرمِذِيِّ.
- سُنَنِ ابنِ مَاجَه.
- مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ.
- مُوَطَّأِ الإِمَامِ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ.
- السُّنَنِ الكُبرَى لِلبَيهَقِيِّ.
- عَمَلِ اليَومِ وَاللَّيلَةِ لِابنِ السُّنِّيِّ.
- الأَذكَارِ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
- رَوضَةِ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةِ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
- فَتحِ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
- كِفَايَةِ النَّبِيهِ شَرحِ التَّنبِيهِ لِلسُّيُوطِيِّ.
- البَيَانِ لِلعِمرَانِيِّ.
- المِنهَاجِ القَوِيمِ لابنِ حَجَرٍ.
- بَحرِ المَذهَبِ لِلرُّويَانِيِّ.
- مَجمُوعِ رَسَائِلِ العَلَّامَةِ مِرعِي الكَرمِيِّ الحَنبَلِيِّ.