الخطبة الأولى
الحمد للهِ القائمِ على كل نفسٍ بما كسبت الرقيبِ على كل جارحةٍ بما اجترحت المطلعِ على ضمائرِ القلوبِ إذا هَجَسَت الذي لا يَعزُبُ عن علمِه مثقالُ ذرةٍ في السمواتِ والأرضِ تحرّكَت أو سكنَت المتفضلِ بقَبولِ طاعاتِ العبادِ وإن صغُرت المتفضلِ بالعفوِ عمَّن معاصيهم وإن كثرت فسبحانَ من عمَّت نعمتُه كافةَ العبادِ وشملت ووسعت رحمتُه كلَّ شيءٍ وغَمَرت. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له جلَّت قدرتُه وعظُمت وأشهدُ أن سيدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا محمدا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلم وأنعمْ وأكرمْ وبارك على سيدنا محمدٍوعلى ءالِه وصحبِه ما تحرَّكت الألسنةُ بذلك ونطَقت. أما بعد:
عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ“ (لقمان: 33) . فالزمْ أخي المسلم طاعةَ اللهِ تعالى في سرِّكَ وعلنِكَ فاللهُ تعالى يقولُ: “وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ” (البقرة:235).
إخوةَ الإيمانِ والإسلامِ: للذهبِ سوقٌ وهو سوقُ الذهب، وللثيابِ سوقٌ وهو سوقُ الثيابِ، وللطعامِ سوقٌ وهو سوقُ الطعامِ، وللجنةِ سوقٌ، وهو رمضانُ، فرمضانُ سوقُ الجنة، ومن أرادَ أن يذهبَ للسوقِ أخذ معه ما يحتاجُ ويناسبُ ذلك السوق، فتهيّأْ واستعدَّ أخي المسلمَ لرمضان، وإياك أخي المسلم وأن تضيِّعَ على نفسِكَ هذهِ الفرصة، فإنها قد لا تتكرر،فهذا شَهْرُ التَّوْبَةِ قَدْ ءابَ وعاد، شَهْرُ الزُّهْدِ وَكَسْرِ النَّفْسِ، وشَهْرُ صَفَاءِ الرُّوحِ، شَهْرُ قِرَاءَةِ الْقُرْءَانِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ وَالإِكْثَارِ مِنَ الْخَيْرِ فَبَادِرْ يَا عَبْدَ اللَّهِ لِشَغْلِ أَيَّامِكَ وَأَنْفَاسِكَ بِطَاعَةِ اللَّهِ، لأِنَّ مَنْ لَمْ يَشْغَلِ الْفَرَاغَ بِمَا يَعْنِيهِ شَغَلَهُ الْفَرَاغُ بِمَا لا يَعْنِيهِ، فلنغتنمْ يا عبادَ اللهِ شهرَ رمضان، فهذه أبوابُ الرحَماتِ تُفتحُ وتُغلقُ أبوابُ النيران، فأغلقْ يا عبدَ الله على نفسِك بابَ الدنيا، وافتحْ بابَ الجِدِّ والعمل، استعدّ لآخرتك فالدنيا إلى زوال، فيا عباد الله اغتنموا الأوقات فهذا هو الميدان، فيا باغيَ الخيرِ أقبلْ، فقد روى الترمذيُّ عَنْ الصحابيِّ الجليلِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَيُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ(1) وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ وَذَلكَ كُلَّ لَيْلَةٍ“. شهرٌ تصفّدُ وتُسلسلُ به كبارُ الشياطين، وتغلقُ فيه أبوابُ النيران، وتفتحُ أبوابُ الجنة، وفي كل ليلةٍ يُعتقُ اللهُ تعالى عتقاء من النار، فقد قال رسول الله ﷺ:”لله فى كلِّ ليلةٍ من شهرِ رمضان عند الإفطارِ ألفُ ألفِ عتيقٍ من النارِ فإذا كان ءاخرُ يومٍ من شهرِ رمضانَ أعتقَ اللهُ في ذلك اليومِ بقدرِ ما أَعتقَ من أولِ الشهرِ إلى ءاخرِه“(2)
إخوة الإيمان والإسلام: البعض صار عنده شهر رمضان شهرا للبرامج التلفزيونية، وما يسمى بالخيمِ الرمضانية، وبدل أن يتذكرَ الفقراءَ وما يأكلونَ والذي هو أحدُ حِكَمِ الصيام، صار يتذكرُ الأغنياءَ لكثرةِ ما يأكلُ ويتلذذُ بأصنافِ الطعامِ والشرابِ، فلا شك أن البعض سيتعبُ في رمضان، لماذا؟ لأن كثيرا من الناس لا يفهمُ معنى الصيام؛ بل يفهمُ معنى الأكلِ والجوعِ، فصار تفكيرُه بما سيأكلُ لا بما سيعبدُ ويطيع. لو كانت أمامَك خزنةٌ من ذهبٍ وقيل لك ما دمتَ تعدّ المالَ فهو لك، وإذا توقفتَ عن العدّ تأخذُ ما عددته فقط، هل تقف؟ هل تفكرُ في طعامٍ وشرابٍ ووقتِ إفطار وأنت تعُدُّ؟! لعله لا يخطرُ ببالِك أصلا، لماذا؟ لأنك تتلذذُ بعدّ المال، وتقولُ لديّ هذه الفرصةُ، وأنت الآن لديك فرصةٌ قد تكون فرصةَ العمر، وهي الطاعةُ في شهرِ رمضان، فلا تضيِّعْها على نفسك.
إخوةَ الإيمان والإسلام: يقولُ النبيُّ ﷺ: “إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ وَأَدَامَ الصِّيَامَ وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ“(3). وهذه الصفات كلُّها تجتمعُ في شهرِ رمضانَالمبارك، فأطبِ الكلامَ، فقد روى البخاريُّ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال:” قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ(4) وَلَا يَصْخَبْ(5) فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ “. وأطعمِ الطعامَ أخي المسلم؛ فقد قال رسول الله ﷺ:” مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا”(6). وصلِّ بالليلِ والناسُ نيام، أدِّ هذه العبادةَ التي هجرها كثيرٌ من الناس، وهي قيامُ الليلِ، فهذا سيدنا عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه وأرضاه، كان يقومُ لياليَ الشتاءِ الباردةَ، يخرجُ من بيتِهِ، يمشي على الطينِ حافيَ القدمين، يدخلُ المسجدَ فيصلي قيامَ الليلِ، وهو في الصلاة يبكي، فيسمعهُ رجلٌ فيقول: سمعتُ له صوتًا يشبِهُ أزيزِالمِرجل، سمع صوتا يشبِهُ صوتَ غليانِ الماءِ في القِدرِ “الطنجرة” يَخرج من صدرِه رضي الله عنه وهو يبكي من خشيةِ اللهِ تعالى، ويقولُ: “يا دنيا غُرِّي غيري غُرِّي غيري، ءاهٍ من قلةِ الزادِ وبُعدِ السفرِ ووحشةِ الطريقِ”(7) فإذا كان سيدنا عليٌّ يقولُ هذا فماذا نقولُ نحن؟!! فلا تضيعِالأوقاتَ في شهر الإحسانِ بما تندمُ عليهِ يومَ لا ينفعُ الندم. بل احرصْ أخي المسلم على أن تكونَ من سكانِ الجنةِ فقد روى الطبرانيُّ عن رسول الله ﷺ قال:” إن الجنةَ لتزّيّنُ من السنةِ إلى السنةِ لشهر رمضان فإذا دخل شهر رمضان قالت الجنة: اللهم اجعل في هذا الشهر من عبادك سكانا” نسألُ اللهُ تعالى أن يرزقَنا الجنةَ وما يقربُ إليها من قول أو عمل، هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ:
فاعلمْ أخي المسلم أن للصوم ركنينِ: الأول: النيةُ، وفي مذهبِ إمامِنا الشافعيِّ رضي الله عنه يجبُ عليك أخي المسلم أن تنويَ كلَّ يومٍ بعد المغربِ وقبل الفجرِ، أي تنويَ خلالَ هذا الوقتِ وليس المرادُ أن تنويَ مرتين، والنيةُ إخوة الإسلام هي استحضارٌ في القلبِ فلو أنك جئتَبطعامٍ لتتسحرَ لتصومَ غدا عن رمضان كان ذلك نيّةً مجزئةً، وفي مذهبِ الإمامِ مالكٍ رضي الله عنه: تكفي النيةُ أوَّلَ ليلةٍ من رمضان عن جميعِ شهرِ رمضان؛ فيا أخي المسلم إذا كان أولُ يومٍ من رمضان غدا السبت فاليومَ بعد المغربِ لا تنسَ وأن تنوي عن جميعِ الشهرِ وكذا تنويَ عن أولِ يومٍ من رمضان، ثم تنويَ عن كلِّ يومٍ بيومِهِ.والرُّكْنُ الثَّانِي: الإِمْسَاكُ عَنِ الْمُفَطِّرَاتِ مِنَ الفَجْرِ حَتَّى الغُرُوبِ. وَمِنَ الْمُفَطِّراتِ كُلُّ عَيْنٍ دَخَلَتْ إلَى الْجَوْفِ مِنْ مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ، وَالْمَنَافِذُ الْمَفْتُوحَةُ المتّفقُ عليها بين العلماءِ: الأَنْفُ وَالْفَمُ وَالقُبُلُ وَالدُّبُرُ. وَلَا يُفْطِرُ مَنِ اسْتَعْمَلَ القَطْرَةَ في العَيْنِ وَلا مَنْ نَامَ طِيلَةَ النَّهارِ وَلَا مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا وَلَا مَنْ تَعَاطَى دَوَاءً مِنْ مَنْفَذٍ غَيْرِ مَفْتُوحٍ بِخِلافِ الحُقْنَةِ أي التحميلةِ في القُبُلِ أَوِ الدُّبُرِ فَإِنَّهَا مُفَطِّرَةٌ. نسألُ اللهَ تعالى أن يعلمَنا ما ينفعنا وينفَعَنا بما علمنا، إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ:“إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، يا الله احفظِ المسلمين والمسجدَ الأقصى من أيدي اليهودِ المدنسين، يا الله ارزقْنا صلاةً في المسجدِ الأقصى محررا، يا اللهُ انصرِ الإسلامَ والمسلمين، يا قويُّ يا متينُ انصرِ المسلمين في غزة، يا اللهُ يا من لا يعجِزُكَ شيءٌ ثبِّتْ المسلمينَ في غزّة وأمدّهم بمددٍ من عندِك، وارزقهم نصرا قريبا، اللهم عليك باليهودِ أعداءِ هذا الدين، اللهم أحصِهمْ عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادرْ منهم أحدا، يا الله يا رحمنُ يا رحيمُ اشفِ جرحى المسلمين في غزة وفلسطين، وتقبّلْ شهداءهم، وأنزلِ الصبرَ والسكينةَ على قلوبِ أهلِهم، اللهم إنّا نستودعُكَ غزّةَ وأهلَها وأرضَها وسماءَها ورجالَها ونساءَها وأطفالَها ، فيا ربِّ احفظهم من كلِّ سوء، اللهم إنّا نبرَأُ من حولِنا وقوَّتِنا وتدبيرِنا إلى حولِكَ وقوّتِكَ وتدبيرِكَ فأرنا يا اللهُ عجائبَ قدرتِكَ وقوّتك في اليهودِ الغاصبين، اللهم ارزقْنا شهادةً في سبيلِك، يا اللهُ بلِّغْنا منازلَ الشهداء، اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، وارزقنا النصرَ على أنفسِنا وعلى أعداء الدين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاة.
الحاشية
- أي يا مريد المعصية أمسك عنها، ويا من عصيت الله تعالى تب وارجع إلى طاعةِ اللهِ تعالى. ↩︎
- رواه البيهقي في الشعب. ↩︎
- رواه الترمذي في سننه واللفظ له، والحاكم في مستدركه وصححه. ↩︎
- الكلام الفاحش. ↩︎
- المخاصمة والصياح على المسلم بلا حق. ↩︎
- رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. ↩︎
- روى ذلك عن سيدنا علي الغزالي في الإحياء وابن الجوزي في صيد الخاطر وغيرهما. ↩︎