بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
مِن فَضلِ اللهِ تَعَالَى وَرَحمَتِهِ بِنَا أَن شَرَعَ لِلصَّلَاةِ سُنَنًا كَثِيرَةً، وَجَعَلَ فِيهَا مِنَ الثَّوَابِ الشَّيءَ العَظِيمَ، وَمِن هَذِهِ السُّنَنِ مَا يَكُونُ قَبلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَمِنهَا مَا يَكُونُ فِي أَثنَائِهَا، وَغَيرُ ذَلِكَ، وَمِنَ السُّنَنِ الَّتِي تُشرَعُ قَبلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ الأَذَانُ وَالإِقَامَةُ، فَمَا تَعرِيفُهُمَا؟ وَمَا أَحكَامُهُمَا؟ وَمَا ثَوَابُهُمَا؟
تعريف الأذان والإقامة
- الأَذَانُ لُغَةً: الإِعلَامُ، وَشَرعًا: ذِكرٌ مَخصُوصٌ لِلإِعلَامِ بِدُخُولِ وَقتِ صَلَاةٍ مَفرُوضَةٍ.
- وَالإِقَامَةُ: مَصدَرُ أَقَامَ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ الذِّكرُ المَخصُوصُ المَعرُوفُ لِأَنَّهُ يُقِيمُ النَّاسَ إِلَى الصَّلَاةِ.
كيف شُرع الأذان
لَمَّا اطمَأَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ وَاجتَمَعَ إِلَيهِ إِخوَانُهُ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَاجتَمَعَ مَعَهُم أَمرُ الأَنصَارِ، استَحكَمَ أَمرُ الإِسلَامِ، فَقَامَتِ الصَّلَاةُ، وَفُرِضَتِ الزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ، وَقَامَتِ الحُدُودُ، وَفُرِضَ الحَلَالُ وَالحَرَامُ، وَتَبَوَّأَ الإِسلَامُ بَينَ أَظهُرِهِم.
وَقَد كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَهَا إِنَّمَا يَجتَمِعُ النَّاسُ إِلَيهِ لِلصَّلَاةِ عِندَ مَوَاقِيتِهَا بِغَيرِ دَعوَةٍ (بِغَيرِ أَذَانٍ)، فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَن يَجعَلَ بُوقًا كَبُوقِ يَهُودَ الَّذِي يَدعُونَ بِهِ لِصَلَاتِهِم، ثُمَّ كَرِهَهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِالنَّاقُوسِ (الجَرَسِ) فَنُحِتَ لِيَضرِبَ بِهِ لِدَعوَةِ المُسلِمِينَ لِلصَّلَاةِ، فَبَينَا هُم عَلَى ذَلِكَ رَأَى عَبدُ اللهِ بنُ زَيدِ بنِ ثَعلَبَةَ بنِ عَبدِ رَبِّهِ أَمرَ الأَذَانِ فِي مَنَامِهِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ طَافَ بِي هَذِهِ اللَّيلَةَ طَائِفٌ، مَرَّ بِي رَجُلٌ عَلَيهِ ثَوبَانِ أَخضَرَانِ يَحمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلتُ: يَا عَبدَ اللهِ، أَتَبِيعُ هَذَا النَّاقُوسَ؟، فَقَالَ: وَمَا تَصنَعُ بِهِ؟ قُلتُ: نَدعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَيرٍ مِن ذَلِكَ؟ قُلتُ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَقُولُ: اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشهَدَ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ (أَي أَقبِلُوا إِلَى الصَّلَاةِ)، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ (أَيِ الفَوزِ، أَي هَلُمُّوا إِلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ وَالفَوزِ)، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَلَمَّا أَخبَرَ بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: “إِنَّهَا لَرُؤيَا حَقٍّ إِن شَاءَ اللهُ، فَقُم مَعَ بِلَالٍ فَأَلقِهَا عَلَيهِ (أَي عَلِّمهُ إِيَّاهُ) فَليُؤَذِّن بِهَا، فَإِنَّهُ أَندَى صَوتًا مِنكَ (أَي أَمَدُّ وَأَبعَدُ وَأَرفَعُ غَايَةً، وَقِيلَ: أَحسَنُ وَأَعذَبُ)”، فَلَمَّا أَذَّنَ بِهَا بِلَالٌ سَمِعَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وَهُوَ فِي بَيتِهِ، فَخَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَقَد رَأَيتُ مِثلَ الَّذِي رَأَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “فَلِلهِ الحَمدُ“.
ثُمَّ عَلَّمَهُ ﷺ الإِقَامَةَ، قَالَ: “ثُمَّ تَقُولُ إِذَا أَقَمتَ الصَّلَاةَ: اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، قَد قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَد قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ“.
ثُمَّ زَادَ بِلَالٌ فِي نِدَاءِ صَلَاةِ الفجر: الصَّلَاةُ خَيرٌ مِنَ النَّومِ، مَرَّتَينِ، فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ أَمرٌ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي ابتَدَأَهَا الصَّحَابَةُ ثُمَّ أَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ.
ألفاظ الأذان والإقامة
مُعظَمُ أَلفَاظِ الأَذَانِ تُكَرَّرُ مَرَّتَينِ مَرَّتَينِ، إِلَّا التَّكبِيرَ أَوَّلَهُ فَأَربَعَ مَرَّاتٍ، وَإِلَّا لَفظَ التَّوحِيدِ ءَاخِرَهُ (وَهُوَ لَفظُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) فَوَاحِدَةً.
وَمُعظَمُ أَلفَاظِ الإِقَامَةِ مُفرَدَةٌ إِلَّا التَّكبِيرَ الأَوَّلَ وَالأَخِيرَ وَلَفظَ الإِقَامَةِ (وَهُوَ لَفظُ: قَد قَامَتِ الصَّلَاةُ) فَهُوَ مُثَنًّى.
شروط الأذان والإقامة
شُرِطَ فِي الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ أُمُورٌ مِنهَا:
- تَرتِيبُ الأَلفَاظِ: فَلَا يُقَدِّمُ لَفظًا عَلَى لَفظٍ ءَاخَرَ.
- وَالمُوَالَاةُ بَينَ كَلِمَاتِهِمَا مُطلَقًا: فَلَا يَفصِلُ بَينَ الكَلِمَاتِ بِفَاصِلٍ طَوِيلٍ، وَلَا يُؤَثِّرُ سُكُوتٌ قَصِيرٌ.
- وَالجَهرُ فِي الأَذَانِ: إِذَا كَانَ يُؤَذِّنُ فِي جَمَاعَةٍ، فَيَرفَعُ صَوتَهُ بِحَيثُ يَسمَعُونَ الأَذَانَ.
- وَدُخُولُ وَقتِ الصَّلَاةِ: لِأَنَّ ذَلِكَ لِلإِعلَامِ بِدُخُولِ الوَقتِ، فَلَا يَصِحُّ أَن يُؤَذِّنَ قَبلَ دُخُولِهِ، إلَّا فِي أَذَانِ الصُبحِ فَيُؤَذِّنُ مِن نِصفِ اللَّيلِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ – أَي قَبلَ دُخُولِ وَقتِ الفَجرِ –، فَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتَّى تَسمَعُوا أَذَانَ ابنِ أُمِّ مَكتُومٍ“، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.
حكم الأذان والإقامة
الأَذَانُ وَالإِقَامَةُ سُنَّةٌ عَلَى الكِفَايَةِ، فَإِذَا قَامَ بِهَا البَعضُ سَقَطَ الطَّلَبُ عَنِ البَاقِينَ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَليُؤَذِّن لَكُم أَحَدُكُم، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.
متى يسن الأذان والإقامة
إِنَّمَا يُشرَعُ كُلٌّ مِنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ فِي الصَّلَوَاتِ الخَمسِ المَكتُوبَاتِ، وَأَمَّا غَيرُهَا مِمَّا تُسَنُّ فِيهِ الجَمَاعَةُ كَصَلَاةِ الجِنَازَةِ وَالعِيدَينِ وَغَيرِهِمَا مِنَ النَّوَافِلِ فَيُنَادَى لَهَا (الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ)، وَلَا يُسَنُّ لَهَا أَذَانٌ.
وَيُسَنُّ الأَذَانُ وَالإِقَامَةُ لِلرِّجَالِ، حَتَّى لَو أَرَادَ رَجُلٌ أَن يُصَلِّيَ مُنفَرِدًا سُنَّ أَن يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ وَحدَهُ.
وَإِذَا أَرَادَ أَن يَقضِيَ عِدَّةَ صَلَوَاتٍ أَو يَجمَعَ بَينَ صَلَاتَينِ فِي السَّفَرِ مَثَلًا سُنَّ لَهُ أَن يُؤَذِّنَ لِلأُولَى فَقَط، وَيُقِيمُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنهَا، فَإِن فَصَلَ بَينَ الصَّلَوَاتِ فَاصِلٌ طَوِيلٌ أَعَادَ الأَذَانَ.
سنن الأذان والإقامة
يُسَنُّ لِلأَذَانِ وَالإِقَامَةِ سُنَنٌ مِنهَا:
- رَفعُ صَوتِهِ بِالأَذَانِ: رَوَى البُخَارِيُّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَبِي صَعصَعَةَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدرِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ لَهُ: إنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنتَ فِي غَنَمِكَ أَو بَادِيَتِكَ فَأَذَّنَتَ لِلصَّلَاةِ فَارفَع صَوتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسمَعُ مَدَى صَوتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنسٌ وَلَا شَيءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَومَ القِيَامَةِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعتُهُ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ.
- وَيسَنُّ عَدَمُ رَفعِ صَوتِهِ بِالأَذَانِ إِذَا صَلَّى فِي مُصَلًّى أَو مَسجِدٍ أُقِيمَت فِيهِ الجَمَاعَةُ قَبلَهُ، لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ السَّامِعُونَ دُخُولَ وَقتِ صَلَاةٍ أُخرَى، بَل يَقتَصِرُ فِي الأَذَانِ عَلَى إِسمَاعِ نَفسِهِ.
- وَسُنَّ الإِسرَاعُ بِالإِقَامَةِ وَخَفضُ الصَّوتِ بِهَا: لِأَنَّهَا لِاستِنهَاضِ الحَاضِرِينَ فَلَا تَحتَاجُ إلَى رَفعِ صَوتٍ، وَالأَذَانِ لِإِعلَامِ الغَائِبِينَ فَيُحتَاجُ فِيهِ إلَى رَفعِ الصَّوتِ.
- وَسُنَّ تَرتِيلُ الأَذَانِ: أَيِ التَّأَنِّي فِيهِ.
- وَالتَرجِيعُ فِي الأَذَانِ: وَهُوَ أَن يَأتِيَ بِالشَّهَادَتَينِ مَرَّتَينِ بِخَفضِ الصَّوتِ ثُمَّ إِعَادَتُهُمَا بِرَفعِ الصَّوتِ، فَيَقُولُ: (أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) أَوَّلًا بِصَوتٍ مُنخَفِضٍ يُسمِعُ نَفسَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: (أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) بِصَوتٍ مُرتَفِعٍ يُسمِعُ النَّاسَ.
- وَالتَثوِيبُ فِي أَذَانَيِ الفَجرِ فَقَط: وَهُوَ أَن يَقُولَ بَعدَ الحَيعَلَتَينِ (وَهُمَا لَفظُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَحَيَّ عَلَى الفَلَاحِ): الصَّلَاةُ خَيرٌ مِن النَّومِ مَرَّتَينِ.
- وَالقِيَام فِي الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ عَلَى شَيءٍ عَالٍ إِنِ احتِيجَ إلَيهِ: لِأَنَّهُ أَبلَغُ فِي الإِعلَامِ.
- وَوَضَعَ مُسَبِّحَتَيهِ فِي صِمَاخَي أُذُنَيهِ فِي الأَذَانِ.
- وَالتَّوَجُّهُ إِلَى القِبلَةِ: لِأَنَّهَا أَشرَفُ الجِهَاتِ، وَلِأَنَّ تَوَجُّهَهَا هُوَ المَنقُولُ سَلَفًا وَخَلَفًا.
- وَأَن يَلتَفِتَ بِعُنُقِهِ فِي الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ يَمِينًا فِي حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَشِمَالًا فِي حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، مِن غَيرِ تَحوِيلِ صَدرِهِ عَن القِبلَةِ وَقَدَمَيهِ عَن مَكَانِهِمَا، لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يَفعَلُ ذَلِكَ.
- وَسُنَّ لِسَامِعِ المُؤَذِّنِ وَالمُقِيمِ وَلَو كَانَ السَّامِعُ غَيرَ مُتَوَضِّئٍ أَو جُنُبًا أَن يَقُولَ مِثلَ قَولِهِمَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “إذَا سَمِعتُم المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَي“، رَوَاهُ مُسلِمٌ، إلَّا فِي حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَحَيَّ عَلَى الفَلَاحِ وَالَتَثوِيبِ وَفِي قَد قَامَتِ الصَّلَاةُ فَيُسَنُّ لَهُ أَن يَقُولَ: لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “وَإِذَا قَالَ – أَيِ المُؤَذِّنُ وَالمُقِيمُ -: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ – أَي سَامِعُهُ -: لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ، وَإِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ قَالَ: لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ، أَي لَا حَولَ عَن مَعصِيَةِ اللهِ إلَّا بِهِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَتِهِ إلَّا بِمَعُونَتِهِ“، رَوَاهُ مُسلِمٌ.
- وَأَن يَكُونَ كُلٌّ مِن المُؤَذِّنِ وَالمُقِيمِ عَدلًا فِي الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُ يُخبِرُ بِأَوقَاتِ الصَّلَوَاتِ، صَيِّتًا أَي عَالِيَ الصَّوتِ لِأَنَّهُ أَبلَغُ فِي الإِعلَامِ، حَسَنَ الصَّوتِ لِأَنَّهُ أَبعَثُ عَلَى الإِجَابَةِ بِالحُضُورِ.
- وَيُكرَهُ الأَذَانُ وَالإِقَامَةُ مِن فَاسِقٍ وَصَبِيٍّ وَأَعمَى، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَغلَطُ فِي الوَقتِ، وَيُكرَهَانِ لِمُحدِثٍ، وَالكَرَاهَةُ لِلجُنُبِ أَشَدُّ مِنهَا لِلمُحدِثِ لِغِلَظِ الجَنَابَةِ، وَفِي الإِقَامَةِ أَغلَظُ مِنهَا فِي الأَذَانِ لِقُربِهَا مِنَ الصَّلَاةِ.
- وَسُنَّ أَن يَقُولَ بَعدَ الأَذَانِ: اللهم رَبَّ هَذِهِ الدَّعوَةِ – أَيِ الأَذَانِ أَوِ الإِقَامَةِ – التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ وَابعَثهُ مَقَامًا مَحمُودًا الَّذِي وَعَدتَهُ.
فائدة
عَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “إِذَا تَغَوَّلَت لَكُمُ الغِيلَانُ فَنَادُوا بِالأَذَانِ“، رَوَاهُ ابنُ السُّنِّيِّ.
وَالغِيلَانُ جِنسٌ مِنَ الجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَهُم سَحَرَتُهُم، وَمَعنَى تَغَوَّلَت: تَمَرَّدَت وَتَلَوَّنَت فِي صُوَرٍ، وَالمُرَادُ: ادفَعُوا شَرَّهَا بِالأَذَانِ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ إِذَا سَمِعَ الأَذَانَ هَرَبَ.
خاتمة
قَالَ الشَّيخُ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيُّ فِي فَتحِ الوَهَّابِ: يُسَنُّ لِكُلٍّ مِنَ مُؤَذِّنٍ وَمُقِيمٍ وَسَامِعٍ وَمُستَمِعٍ أَن يُصَلِّيَ وَيُسَلِّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعدَ الفَرَاغِ مِنَ الأَذَانِ أَوِ الإِقَامَةِ.اهـ
وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “إذَا سَمِعتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ“، رَوَاهُ مُسلِمٌ، فَلَا يُلتَفَتُ إِلَى مَن يُحَرِّمُ عَلَى المُؤَذِّنِ أَن يَذكُرَ لَفظَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعدَ الأَذَانِ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ لَم يَرِد عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ، بَل هَذَا الحَدِيثُ يُكَذِّبُ دَعوَاهُم، فَإِنَّهُ أَمرٌ صَرِيحٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِالصَّلَاةِ عَلَيهِ بَعدَ الأَذَانِ، وَلَم يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ فَليُصَلِّ عَلَيَّ المُستَمِعُ دُونَ المُؤَذِّنُ، وَلَم يَقُل ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ سِرًّا، بَل جَعَلَ الأَمرَ عَامًّا لَا تَخصِيصَ فِيهِ، وَالتَّخصِيصُ يَحتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَلَا دَلِيلَ فِي هَذِهِ المَسأَلَةِ عَلَى تَخصِيصِ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ بِشَيءٍ مِنَ الأَشيَاءِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- الأَذكَارِ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
- الفُتُوحَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ لِابنِ عَلَّانَ.
- فَتحِ الوَهَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
- أَسنَى المَطَالِبِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
- القَولِ البَدِيعِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ الشَّفِيعِ لِلسَّخَاوِيِّ.