يُحكَى أنَّ شَابًّا تَقِيًّا وَرِعا كَان فِي القَرنِ الأوَّل الهِجرِي، وكَان هَذَا الشَّاب فَقِيرا جِدًا.
وفِي يَومٍ مِن الأيَّام خَرَج مِن بَيتِه مِن شِدَّة الجُوع ولَم يَجِد مَا يَأكُله، فَانتَهَى بِه الطرِيقُ إلى أحَدَ البَسَاتِين والتِي كَانَت مَملُوؤَة بَأشجَار التُّفاح، وكَان أَحَد أغصَان شَجَرة مِنهَا مُتَدَليا فِي الطرِيق.
فَحَدَّثَته نَفسُه أنْ يَأكُلَ تُفَاحة ويَسُد بِها جُوعَه، فَقَطَف تُفَاحةً وَاحِدَةً فَجَلَس يَأكلُهَا حَتى ذَهَب عَنه جُوعُه.
ولَمَّا رَجَع إِلى بَيتِه بَدَأت نَفسُه تَلومُه، وَهَذا هُو حَال المُؤمِنِ الصالِح، فَقَال: كيفَ أكلتُ هَذِه التُّفَاحَة ولَم أستَأذِن مِن صَاحِبِها؟! فَذَهب يَبحَث عَن صَاحِب البُستَان حَتَّى وَجَدَه.
فَقَال لَه: يا عَمُّ بِالأمسِ بَلَغَ بِي الجُوع مَبلَغًا عَظِيما وأكَلت تُفاحَة مِن بُستَانِك دُونَ عِلمِك، وهَا أنَا اليَوم أستَسمِحُك وأطلُبُ مِنك العَفوَ.
فَقَال لَه صَاحِب البُستَان: لا أسَامِحُك!.
فَقَال لَه الشابُّ: أعمَل عِندَك مُقَابِل مَا أكلتُ.
فَرَفَضَ الرَّجُل وأصَرَّ على مَا قَال، وَتَركَه وذَهَب إلى بَيتِه.
فبَقِي الشابُّ عِند البَيتِ يَنتَظِر خُروجَه إلى الصَّلاة، فلمَّا خَرَج صَاحِب البُستَان وَجَد الشابَّ ما زَالَ واقِفًا ودُمُوعُه عَلى خَدِّه.
فقَال الشاب لِصَاحِب البُستَان: يا عَم أعمَلُ عِندَك فَلاحًا فِي هَذا البُستَان دُون أجرٍ بَاقِي عُمُري عَلى أن تُسَامِحَنِي!.
فَعِندَها قال لَه صَاحِب البُستَان: يَا بُنَي أسَامِحُك ولكِن بِشرط، وشَرطِي أَن تَتَزوَّج ابنَتِي.
فَدَهِشَ الشاب، ثُم قَالَ صَاحِب البُستَان لَه: وَلكِن يَا بُنيَّ اعلَم أنَّ ابنَتيَ عَميَاءُ صَمَّاءُ بَكمَاءُ مُقعَدة، وأنَا أبحَث لَها عَن زَوجٍ أستَأمِنُهُ عَليهَا ويَقبَل بِهَا.
فَبَدأ الشاب يُفَكر كَيف يَعِيشُ مَع واحِدة فِيهَا كُل هِذِه العِلل، لَكنَّه قال فِي نَفسِه: أصبِر عَلَيها فِي هَذِه الدُّنيَا لِكي يُسَامِحَنِي، ثم قَال لَه: يَا عَم لَقَد قَبِلتُ ابنَتَك، وأسأَل الله أن يَجزِيَنِي عَلى نِيَّتِي وأن يُعَوِضَني خَيرًا مِمَّا أصَابَنِي، فَقَال لَه صاحِب البُستَان: حَسَنًا يَا بني مَوعِدُك يَوم كذا عِندِي فِي البَيت لِوَلِيمَة زِوَاجِك، وأنَا أتَكَفل لَك بِمَهرها.
فَلمَّا كَان ذَلِك اليَومُ، جَاء هَذا الشابُّ مُتَثَاقِل الخُطا، حَزين الفُؤادِ، مُنكَسِر الخَاطِر، لَيسَ كَأيِّ زَوج ذَاهِبٍ إلى يَومِ زِفَافِه.
فَلمَّا دَخَل قَال الرجُل لَه: بَارك الله لَكمَا وبَارَك عَليكمَا وجَمَع بَينَكما فِي خَير، وأخَذ بِيَده وذَهَب بِه إلى الغُرفَة التِي تَجلِس فِيهَا ابنَتُه.
فَلما فَتَح البَاب ورَآها فَإذا بِها فَتَاة مِن أجمَل النِّسَاء، فَقَامَت ومَشَت إليه فَإذا هِي مَمشُوقَة القَوام جَمِيلة، وسَلمَت عَليه وقَالت: السلامُ عَليك يَا زَوجِي، فَتَعجَّب الشابُّ.
فَقَالت له البِنتُ: إنَّنِي عَميَاءُ عَن النَظر إلى الحَرام، بَكمَاءُ عَن الكلامِ في الحَرام، صَمَّاءُ عَن الاستِمَاع إلى الحرام، ولا تَخطُو رِجلَاي خَطوَةً إلى الحَرام بِإذن الله تعالى.
وَإنَّنِي وَحِيدة أبِي، وَمُنذُ عِدة سَنَوات وأبِي يَبحَث لِي عَن زَوجٍ صَالِح، فلمَّا أتَيتَه تَستَأذِنه فِي التُّفاحَة وتَبكِي مِن أجلِها، قَال أبِي: إنَّ مَن يَخاف مِن أكلِ تُفاحَة لا تَحِل لهُ حَرِيٌّ بِه أن يَخَافَ الله فِي ابنَتِه.
فَهَنيئًا لِي بِك زَوجًا، وهَنِيئًا لَأبِي بِنَسبِك.
وبَعد عَام، أنجَبَت هَذِه الفَتَاة مِن هَذا الشابِّ الوَرِع غُلاما كَان مِن القَلائِل الذِين مَرُّوا عَلى هَذِه الأمة، فَعزَّ نظيره.
أتَدرُون مَن هُوَ هَذا الغلام؟ أتَدرُون مَن يَكون هَذا الغُلام الذِي وَلَدته هذه الفَتَاة، إنَّهُ الإمَام أبُو حَنِيفَةَ النُّعمَانُ بنُ ثَابِت الكُوفي صَاحِبُ المَذهَبِ الحَنَفِيِّ المَشهُور رَضِيَ الله تَعالى عَنه وأرضَاه.