الصحابي الجليل زيد بن الخطاب رضي الله عنه

الصحابي الجليل زيد بن الخطاب رضي الله عنه

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

‌‌امتَلَأَ التَّارِيخُ الإِسلَامِيُّ وَصَفَحَاتُ المَجدِ المُحَمَّدِيِّ بِأَسمَاءِ الأَبطَالِ الَّذِينَ سَطَّرُوا فِي صَفَحَاتِ المَجدِ أَروَعَ البُطُولَاتِ وَأَسمَى الأَخلَاقِ المُحَمَّدِيَّةِ، فَكَانَ الوَاحِدُ مِنهُم مَعَ تَعَلُّقِهِ بِدِينِهِ وَرَحمَتِهِ عَلَى إِخوَانِهِ شَدِيدًا عَلَى أَعدَاءِ الدِّينِ، وَكَانُوا يَحمُونَ الرَّسُولَ ﷺ بِأَبدَانِهِم وَصُدُورِهِم وَوُجُوهِهِم وَحَتَّى أَعيُنِهِم، حَتَّى نَالُوا الدَّرَجَاتِ الرَّفِيعَةَ وَاستُشهِدَ عَدَدٌ مِنهُم فِي المَعَارِكِ ضِدَّ الكُفَّارِ، وَمِن هَؤُلَاءِ الأَبطَالِ السَّيِّدُ الشَّهِيدُ المُجَاهِدُ التَّقِيُّ الْخَفِيُّ، أَبُو عَبدِ الرَّحمَنِ زَيدُ بنُ الخَطَّابِ، أَخُو الخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ العَادِلِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا.

اسمه ونسبه رضي الله عنه

هُوَ الصَّحَابيُّ الجَلِيلُ زَيدُ بنُ الخَطَّابِ بنِ نُفَيلِ بنِ عَبدِ العُزَّى بنِ رِيَاحِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ قُرطِ بنِ رَزَاحِ بنِ عَدِيِّ بنِ كَعبِ بنِ لُؤَيٍّ القُرَشِيُّ العَدَوِيُّ، أَخُو عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ لِأَبِيهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، يُكَنَّى أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ، أُمُّهُ أَسمَاءُ بِنتُ وَهبِ بنِ حَبِيبٍ مِن بَنِي أَسَدٍ، وَأُمُّ عُمَرَ حَنتَمَةُ بِنتُ هَاشِمِ بنِ المُغِيرَةِ المَخزُومِيَّةُ، وَكَانَ زَيدٌ أَسَنَّ مِن عُمَرَ وَأَسلَمَ قَبلَهُ.

وَكَانَ لِزَيدٍ مِنَ الوَلَدِ عَبدُ الرَّحمَنِ وَأُمُّهُ لُبَابَةُ بِنتُ أَبِي لُبَابَةَ بنِ عَبدِ المُنذِرِ بنِ رِفَاعَةَ بنِ زُبَيرِ بنِ زَيدِ بنِ أُمَيَّةَ بنِ زَيدِ بنِ مَالِكِ بنِ عَوفِ بنِ عَمرِو بنِ عَوفٍ، وَأَسمَاءُ بِنتُ زَيدٍ وَأُمُّهَا جَمِيلَةُ بِنتُ أَبِي عَامِرِ بنِ صَيفِيٍّ.

سيرته رضي الله عنه

كَانَ زَيدُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِنَ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ فِي الإِسلَامِ، سَبَقَ أَخَاهُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِلَى الإِسلَامِ بِسَبعِ سَنَوَاتٍ تَقرِيبًا، وَكَانَ مِن أَوَائِلِ المُهَاجِرِينَ أَيضًا، وَكَانَ مُجَاهِدًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَآخَى النَّبِيُّ ﷺ بَينَهُ وَبَينَ مَعنِ بنِ عَدِيٍّ العَجلَانِيِّ، حِينَ آخَى بَينَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ بَعدَ قُدُومِهِ المَدِينَةَ، فَقُتِلَا بِاليَمَامَةِ شَهِيدَينِ، وَكَانَت وَقعَةُ اليَمَامَةِ فِي رَبِيعِ الأَوَّلِ سَنَةَ اثنَتَي عَشرَةَ، فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا.

جهاده رضي الله عنه

شَهِدَ زَيدٌ بَدرًا وَأُحُدًا وَالخَندَقَ وَالمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَعَاشَ مُجَاهِدًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَحمِيهِ بِجَسَدِهِ وَيَبذُلُ لَهُ رُوحَهُ وَيُقَاتِلُ مَعَهُ قِتَالَ طَالِبِ الشَّهَادَةِ، حَتَّى قَالَ لَهُ أَخُوهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يَومًا: أَقسَمتُ عَلَيكَ إِلَّا لَبِستَ دِرعِيَ، فَلَبِسَهَا ثُمَّ نَزَعَهَا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَالَكَ؟، قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ بِنَفسِي مَا تُرِيدُ بِنَفسِكَ مِنَ الشَّهَادَةِ.

فَلنَنظُر كَيفَ كَانَ الصَّحَابَةُ يَتَسَابَقُونَ لِلجِهَادِ وَالمَوتِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، فَكَانُوا مِن شِدَّةِ اليَقِينِ بِمَنزِلَةٍ عَالِيَةٍ وَمَرتَبَةٍ رَفِيعَةٍ حَتَّى مَا كَانُوا يَتَّخِذُونَ أَسبَابَ الحِمَايَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ فِي المَعرَكَةِ.

وَكَانَت رَايَةُ المُسلِمِينَ مَعَهُ يَومَ اليَمَامَةِ، فَلَم يَزَل يَتَقدَّمُ بِهَا فِي نَحرِ العَدُوِّ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَوَقَعَتِ الرَّايَةُ، فَأَخَذَهَا سَالِمٌ مَولَى أَبِي حُذَيفَةَ.

وَزَيدُ بنُ الخَطَّابِ هُوَ الَّذِي قَتَلَ الرَّجَّالَ بنَ عُنفُوَةَ، وَاسمُهُ نَهَارُ بنُ عُنفُوَةَ، وَكَانَ الرَّجَّالُ قَد هَاجَرَ وَقَرَأَ القُرآنَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى مُسَيلِمَةَ مُرتَدًّا، وَأَخبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُشرِكُهُ فِي الرِّسَالَةِ بِزَعْمِهِ، فَكَانَ أَعظَمَ فِتنَةً عَلَى بَعْضِ بَنِي حَنِيفَةَ مِن مُسَيلِمَةَ نَفسِهِ، لِأَنَّ مَا قَالَهُ فِيهِ شَهَادَةُ زُورٍ وَكَذِبٍ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَدخَلَ مُسَيلِمَةَ مَعَهُ فِي النّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.

وَرُوِيَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّهُ قَالَ: جَلَستُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي رَهطٍ وَمَعَنَا الرَّجَّالُ بنُ عُنفُوَةَ، فَقَالَ ﷺ: “إِنَّ فِيكُم لَرَجُلًا ضِرسُهُ فِي النَّارِ مِثلُ أُحُدٍ“، قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: فَمَاتَ كُلُّ مَن كَانَ فِي المَجلِسِ وَبَقِيتُ أَنَّا وَالرَّجَّالُ بنُ عُنفُوَةَ، فَكُنتَ مُتَخَوِّفًا مِنهَا حَتَّى خَرَجَ الرَّجَّالُ مَعَ مُسَيلِمَةَ وَشَهِدَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، فَقَتَلَهُ زَيدُ بنُ الخَطَّابِ يَومَ اليَمَامَةِ.

استشهاده زيد بن الخطاب رضي الله عنه

استُشهِدَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ اثنَتَي عَشرَةَ لِلهِجرَةِ فِي حَربِ اليَمَامَةِ مِن حُرُوبِ الرِّدَّةِ، وَحَزِنَ عَلَيهِ عُمَرُ حُزنًا شَدِيدًا، وَكَانَ يَقُولُ: مَا هَبَّتِ الصَّبَا إِلَّا وَأَنَا أَجِدُ رِيحَ زَيدٍ.

وَمِمَّا جَاءَ فِي قِصَّةِ استِشهَادِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ كَانَ يَحمِلُ رَايََةَ المُسلِمِينَ يَومَ حَربِ اليَمَامَةِ، فَانكَشَفَ المُسلِمُونَ حَتَّى غَلَبَت بَنُو حَنِيفَةَ عَلَى رِحَالِ المُسلِمِينَ وَتَوَغَّلُوا فِيهِم، فَجَعَلَ زَيدٌ يَقُولُ: أَمَّا الرِّحَالُ فَلَا رِحَالَ، وَأَمَّا الرِّجَالُ فَلَا رِجَالَ، ثُمَّ جَعَلَ يَصِيحُ بِأَعلَى صَوتِهِ: اللهم إِنِّي أَعتَذِرُ إِلَيكَ مِن فِرَارِ أَصحَابِي، وَأَبرَأُ إِلَيكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ مُسَيلِمَةُ، وَجَعَلَ يَشتَدُّ بِالرَّايَةِ وَيَتَقَدَّمُ بِهَا فِي نَحرِ العَدُوِّ، ثُمَّ ضَارَبَ بِسَيفِهِ وَقَاتَلَ قِتَالَ مَن يَطلُبُ الشَّهَادَةَ، حَتَّى قُتِلَ وَوَقَعَتِ الرَّايَةُ، فَأَخَذَهَا سَالِمٌ مَولَى أَبِي حُذَيفَةَ، فَقَالَ لَهُ المُسلِمُونَ: يَا سَالِمُ، إِنَّا نَخَافُ أَن نُؤتَى مِن قِبَلِكَ، فَقَالَ: بِئسَ حَامِلُ القُرآنِ أَنَا إِن أُتِيتُم مِن قِبَلِي.

وَكَانَ الَّذِي قََتَلَ زَيدًا رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَبُو مَريَمَ الحَنَفِيُّ، وَقَالَ بَعضُهُم: سَلَمَةُ بنُ صُبَيحٍ، ابنُ عَمِّ أَبِي مَريَمَ، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ السِّيَرِ: النَّفسُ أَميَلُ إِلَى هَذَا، وَاللهُ أَعلَمُ.

وَلَمَّا عَادَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ إِلَى أَبِيهِ وَقَدِ استُشهِدَ زَيدٌ قَالَ لَهُ: مَاتَ زَيدٌ وَأَنتَ حَيٌّ، أَلَا وَارَيتَ وَجهَكَ عَنِّي، فَقَالَ عَبدُ اللهِ: سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ فَأُعطِيَهَا، وَجَهِدتُ أَن تُسَاقَ إِلَيَّ فَلَم أُعطَهَا، فَبَكَى عُمَرُ وَهُوَ يَقُولُ: رَحِمَ اللهُ زَيدًا، كَانَ خَيرًا مِنِّي (أَي فِي خَصلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَو هُوَ تَوَاضُعٌ مِن سَيِّدِنَا عُمَرَ، وَإِلَّا فَسَيِّدُنَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أَفضَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعدَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكرٍ) سَبَقَنِي إِلَى الحُسنَيَينِ، أَسلَمَ قَبلِي وَاستُشهِدَ قَبلِي.

حَدَّثَ عَنهُ ابنُ أَخِيهِ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ خَبَرَ النَّهيِ عَن قَتلِ عَوَامِرِ البُيُوتِ، وَرَوَى عَنهُ وَلَدُهُ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ زَيدٍ حَدِيثَينِ.

الفاروق وقاتل أخيه زيد رضي الله عنهما

دَارَتِ الأَيَّامُ وَأَصبَحَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ خَلِيفَةَ المُسلِمِينَ، وَفِيْ زَمَانِهِ تَوَلَّىْ أَبُوْ مَرْيَمٍ قَاتِلُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ الْقَضَاءَ فِيْ الْبَصْرَةِ كَمَا يَرْوِيْ ابْنُ سَعْدٍ فِيْ الطَّبَقَاتِ وَغَيْرُهُ.

فَرَحِمَ اللهُ الفَارُوقَ عُمَرَ الحَاكِمَ العَادِلَ، وَمَا هَذِهِ القِصَّةُ إِلَّا غَيضٌ مِن فَيضٍ مِن قِصَصِ عَدلِهِ الَّتِي مَلَأَتِ الآفَاقَ.

تعزية بليغة للفاروق بأخيه زيد

وَتَمُرُّ الأَيَّامُ وَبَقِيَ الفَارُوقُ حَزِينًا عَلَى أَخِيهِ، فَالتَقَى يَومًا مُتَمِّمَ بنَ نُوَيرَةَ فَقَالَ عُمَرُ لِمُتَمِّمٍ: يَرحَمُ اللهُ زَيدَ بنَ الخَطَّابِ، لَو كُنتُ أَقدِرُ أَن أَقُولَ الشِّعرَ لَبَكَيتُهُ كَمَا بَكَيتَ أَخَاكَ، فَقَالَ مُتَمِّمٌ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، لَو قُتِلَ أَخِي يَومَ اليَمَامَةِ كَمَا قُتِلَ أَخُوكَ مَا بَكَيتُهُ أَبَدًا، فَسُرَّ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِمَقَالَةِ مُتَمِّمٍ وَقَالَ: مَا عَزَّانِي أَحَدٌ عَن أَخِي بِمِثلِ مَا عَزَّانِي بِهِ مُتَمِّمٌ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:

  1. سِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ لِابنِ كَثِيرٍ.
  2. الإِصَابَةِ فِي تَميِيزِ الصَّحَابَةِ لِابنِ حَجَرٍ.
  3. الكَامِلِ فِي التَّارِيخِ لِابنِ الأَثِيرِ.
  4. البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ لِابنِ كَثِيرٍ.
  5. الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَىْ لِابْنِ سَعْدٍ.
خطبة الجمعة - الاستغفار

خطبة الجمعة: الاستغفار فضله وثمراته

الخطبة الأولى الحمد للهِ غافرِ الذنبِ وقابلِ التوبِ شديدِ العقابِ ذي الطَّولِ لا إله إلا هو إليه المصير،…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share