ما هو الدليل على جواز صلاة سنة الجمعة القبلية؟
إن من أقوى الأدلة على جواز السنة القبلية لصلاة الجمعة ما قاله الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: (وأقوى ما يتمسك به في مشروعية ركعتين قبل الجمعة عموم ما صححه ابن حبان من حديث عبد الله بن الزبير مرفوعا: “ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان“، ومثله حديث عبد الله بن مغفَّل في وقت المغرب: “بين كل أذانين صلاة“) اهـ.
وقد ذكر الحافظ زين الدين العراقي في شرح الترمذي أنَّ الخِلَعِيَّ روى في فوائده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا، وإسناده جيد كما ذكر الحافظ ولي الدين العراقي في طرح التثريب في شرح التقريب.
قال ابن العربي المالكي في شرح الترمذي: “وأما الصلاة قبلها يعني الجمعة فإنه جائز” اهـ وكذا في كتاب الإنصاف للمرداوي الحنبلي.
ويكفي في مشروعية ركعتين قبل الجمعة فعل الصحابي الجليل ابن مسعود، وابن عمر، وأم المؤمنين صفية بنت حيي رضي الله عنهم، وفعل أبي مجلز وهو لاحِق بن حميد تابعيٌّ جليل، وطاوس بن كيسان اليماني أحد أكابر تلاميذ ابن عباس رضي الله عنهم ومن سادات التابعين وثقاتهم، وإبراهيم بن يزيد النخعي وهو تابعي ثقة ومفتي أهل الكوفة في زمانه، وإقرار سفيان الثوري وابن المبارك اللذين هما من أكابر العلماء العاملين ويكفي تصحيحُ الثقةِ الثبتِ الزين العراقي شيخ الحافظ ابن حجر العسقلاني للحديث وغيره.
وإن كثيرا من الفقهاء ذكروا جواز هذا الأمر في كتبهم، كالشيخ زكريا الأنصاري في جملة من كتبه وأبو شجاع في متن الغاية والتقريب وابن القاسم الغزي في شرحه على متن أبي شجاع وغيرهم الكثير.
هذا مختصر البيان مع شىء قليل من أدلة أهل السنة، وفي المجمل إن الصلاة ليست شيئا يُنكر فعله، حتى لو لم يكن هناك دليل – مع أن الدليل موجود – لا نقول إن هذا شيء منكر، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: “الصلاة خيرُ موضوعٍ، فاستكثر أو أقِلّ“، وهي أمر مرغب فيه في الشرع، والأحاديثُ التي فيها الحث على الصلاة كثيرة مشهورة ليس هذا محل عدها، فلا مانع لو أن شخصا صلى في وقت لم يرد أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى فيه إلا في الأوقات الخمسة المنهي عنها، ومهما كان عدد الركعات، فلا يُنظر ولا يُلتفت إلى من يحرم أو يبدع أو حتى من يقول لا تفعلوا لمجرد أن الرسول لم يفعله وليس معه دليل النهي عن هذا.
زيادة بيان لأدلة هذه المسألة
قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير: (فائدة: لم يذكر الرافعي في سنة الجمعة التي قبلها حديثًا وأصَحُّ ما فيه ما رواه ابن ماجه عن داود بن رشيد عن حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وعن أبي سفيان عن جابر قالا: جاء سُلَيْك الغَطَفاني ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له: “أصلَّيتَ ركعتين قبل أن تجيء“؟ قال: لا، قال: “فَصَلِّ ركعتين وتجَوَّز فيهما”).
قال في العرف الشذي شرح سنن الترمذي: ثم نقول: إن مُدَّعَى المُخالف أن هذه الصلاة صلاة التحية، والحال أنه يخالفه ما في ابن ماجه بسند قوي: «أصلّيتَ ركعتين قبل أن تجيء؟» قال: لا، قال: «فصل الركعتين، وتجوَّز فيها» فدل على أنهما ركعتان قبل الجمعة لا تحية المسجد، أخرجه الزيلعي أيضاً من سنن ابن ماجه.
فقوله: ” قبل أن تجيء” دليل على أنهما سنة الجمعة التي قبلها لا تحيةُ المسجد.
وقال الحافظ وليُّ الدينِ العراقيُّ عن الحديث الذي رواه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه: رواه ابن ماجه في سننه بإسناد صحيح اهـ، وقال عن حديث جابر الذي رواه ابن ماجه أيضًا: “قال والدي – يعني الحافظَ عبد الرحيم العراقي – رحمه الله في شرح الترمذي: وإسناده صحيح اهـ.
قال في كتاب النجم الوهاج في شرح المنهاج: (وقبلها [أي صلاة الجمعة] ما قبل الظهر [من الرواتب] والله أعلم لعموم [خبر] “بين كل أذانين صلاة“، وفي سنن ابن ماجه عن جابر وأبي هريرة قالا: جاء سُلَيكٌ الغَطَفَانِي ورسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَخطُب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “أصليت قبل أن تجيء” قال: لا، قال: “فصل ركعتين وتجوز فيهما” وإسناده على شرط الشيخين.
وروى الدارقطني وابن حبان وابن السكن في سننه الصِّحَاح عن عبد الله بن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان“)، وقال مثله في تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحاشيتي القليوبي وعميرة.
أما حديث ابن مسعود الموقوف فقد رواه عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن قتادة: “أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يصلي قبل الجمعة أربع ركعات وبعدها أربع ركعات”، صححه الحافظ ابن حجر، وروى ابن أبي شيبة أن ابن مسعود كان يصلي قبل الجمعة أربعًا و أخرج عبد الرزاق أيضًا أن ابن مسعود كان يأمر بأن يُصلى قبل الجمعة أربعًا، قال الحافظ ابن حجر: “ورواته ثقات” اهـ.
وروى أبو داود و ابن حبان و غيرهما عن نافع أنه قال: “كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة و يصلي بعدها ركعتين في بيته، ويحدث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يفعل ذلك”، وروى ابن سعد في الطبقات عن يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن صافية أنه سمعها وهي تقول: “رأيت صفية بنت حُيَيّ صَلَّت أربَعًا قبل خروج الإمام وصلَّت الجمعة مع الإمام ركعتين”.
وروى ابن أبي شيبة عن أبي مجلز أنه كان يصلي في بيته ركعتين يوم الجمعة وعن عبد الله بن طاوس عن أبيه أنه كان لا يأتي المسجد يوم الجمعة حتى يصلي في بيته ركعتين و عن الأعمش عن إبراهيم أنه قال: كانوا يصلون قبلها أي الجمعة أربعًا اهـ.
وقد ورد عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين وبعد المغرب ركعتين في بيته وبعد العشاء ركعتين وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين”، الحديث رواه البخاري في صحيحه تحت باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها، قال الحافظ ابن حجر: “ولم يذكر شيئًا في الصلاة قبلها يعني الجمعة قال ابن المنير في الحاشية: كأنه يقول الأصل استواء الظهر والجمعة حتى يدل دليل على خلافه لأن الجمعة بدل الظهر، قال: وكانت عنايته بحكم الصلاة بعدها أكثر ولذلك قدمه في الترجمة على خلاف العادة في تقديم القبل على البعد” اهـ، ثم قال: “وقال ابن التين: لم يقع ذكر الصلاة قبل الجمعة في هذا الحديث فلعل البخاري أراد إثباتها قياسًا على الظهر اهـ، وقوَّاه الزين ابن المنير بأنه قصد التسوية بين الإمام والمأموم في الحكم وذلك يقتضي أن النافلة لهما سواء اهـ، والذي يظهر أن البخاري أشار إلى ما وقع في بعض طرق حديث الباب وهو ما رواه أبو داود وابن حبان من طريق أيوب عن نافع أنه قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين في بيته ويُحَدِّثُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك اححتج به النووي في الخلاصة على إثبات سنة الجمعة التي قبلها” اهـ.
قال الزيلعلي: “ولم يذكر الشيخ محيي الدين النووي في الباب غير حديث عبد الله بن مغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “بين كل أذانين صلاة” أخرجه البخاري ومسلم ذكره في كتاب الصلاة وذكر أيضًا حديث نافع أنه قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين في بيته ويحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك اهـ. قال: رواه أبو داود بسند على شرط البخاري اهـ.
قال أبو عبد الرحمن شرف الحق العظيم ءابادي ما نصه:” والحديث – أي حديث ابن عمر المتقدم – يدل على مشروعية الصلاة قبل الجمعة ولم يتمسك المانع من ذلك إلا بحديث النهي عن الصلاة وقت الزوال وهو مع كون عمومه مخصصًا بيوم الجمعة ليس فيه ما يدل على المنع من الصلاة قبل الجمعة على الإطلاق وغاية ما فيه المنع في وقت الزوال وهو غير محل النزاع والحاصل أن الصلاة قبل الجمعة مُرَغَّبٌ فيها عمومًا”، ثم قال: “قلت: حديث ابن عمر الذي شرحه قال النووي في الخلاصة: صحيح على شرط البخاري وقال العراقي في شرح الترمذي: إسناده صحيح لا جرم وأخرجه ابن حبان في صحيحه” اهـ.
اللهم وفقنا لاتباع الحق، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين.