الخطبة الأولى
الحمد للهِ المبدئِ المعيدِ، الغنيِّ الحميد، ذي العَفْوِ الواسعِ والعقابِ الشديد، مَن هداهُ فهو السعيدُ السَّديد، ومن أضَّلّهُ فهو الطَّريدُ(1) البعيدُ، ومن أرشدَهُ إلى سبيلِ النجاةِ ووفّقهُ فهو الرّشيد، يَعلَمُ ما ظهرَ وما بطنَ وما خَفِيَ وما عَلَنَ وهو أقربُ وأعلمُ إلى كُلِّ مُريدٍ من حبلِ الوريد، فسبحانَ من قَسَمَ عبادَه قسمينِ وجعلهُم فريقينِ فمنهُم شقيٌّ وسعيد، “مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ” (فصّلت:46) وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له، ولا ضدَّ له ولا ندّ ولا نديد، وأشهدُ أن سيدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا محمدا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وسلم الدّاعي إلى التوحيد، السّاعي بالنُّصحِ للقريبِ والبعيد، اللهم صلِّ وسلمْ وأنعمْ وأكرمْ وباركْ على سيدِنا محمدٍ وعلى صاحبِهِ أبي بكرٍ ذي الرأيِ الرشيد، وعلى عمرَ الفاروقِ الناطقِ بالحقِ عنه لا يحيد، وعلى عثمانَ ذي النورين البطلِ الشهيد، وعلى عليٍّ صاحبِ العلمِ والقولِ السَّديدِ.
عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ”(ءال عمران: 102) . وكن على ذكر أخي المسلم لقول الله تعالى:”أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ” (المجادلة:6) .
إخوةَ الإيمانِ والإسلامِ: يجبُ على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ أن لا يعترِضَ على الله تعالى فيما قدّر وشاء وخلق، لا اعتقادًا ولا لفظًا، لا باطنًا ولا ظاهرًا، بل يرضى عن اللهِ تعالى في تقديرِهِ الخيرَ والشرَّ والحلوَ والمرَّ والرضا والحزنَ والراحةَ والألمَ، مع التمييزِ بأن المخلوقَ المقدورَ منه ما يحبُّهُ اللهُ تعالى فيجبُ على العبدِ أن يحبَّهُ، ومنه ما لا يحبُّهُ اللهُ تعالى فيجبُ على العبدِ أن يكرَهَهُ، فإذا اعتقد ذلك العبدُ حصل عنده التسليمُ للهِ تعالى، ولم يعترضْ على اللهِ تعالى فيما يخلقُهُ عزّ وجلّ ولا فيما يصيبُ العبدَ من البلاءِ ونحوِهِ، وكلامُنا اليومَ إخوةَ الإسلامِ عن كلمةٍ تُحققُ وتعطي هذا المعنى الذي ذكرناه، كلمةٍ هي كنزٌ من كنوزِ الجنة، كلمةٍ يردِّدُها سامعُ الأذانِ أربعَ مرّاتٍ في كلِّ أذان، عنيتُ بذلك الحوقلةَ أي قولَ: لا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله. هذه الكلمةُ التي بيّن رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معناها للصحابيِّ الجليلِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي الله عنه وأرضاه؛ فقد روى الحافظ البيهقيُّ(2) عن الصحابيِّ الجليلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم يومًا فَقُلْتُ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ قَالَ : “هَلْ تَدْرِي مَا تَفْسِيرُهَا؟” قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ: “لاَ حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللهِ ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللهِ ، هَكَذَا أَخْبَرَنِي بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ” والمعنى أن اللهَ تعالى هو خالقُ أعمالِ العبادِ كلِّها، فمن وُفِّقَ إلى شيء من الخيرِ فبتوفيقِ اللهِ تعالى وإرادتِهِ وخلقِهِ عزّ وجلّ، ومن فعلَ شيئًا من الحرامِ فبإرادةِ اللهِ وخلقِه كذلك، وكذلك من فعلَ الكفرَ أو الضلالَ فهو بخلقِ اللهِ تعالى وبإرادتِه وخُذلانِ اللهِ له، فلا يخلقُ أحدٌ شيئًا إلا اللهُ تعالى الذي هو خالقُ كلِّ شيءٍ سبحانَه، سواءٌ كان خيرًا أو شرًّا، ولكنَّ اللهَ يرضى الخيرَ ولا يرضى الشرّ.
إخوة الإسلام: وأما فضائلُ هذه الكلمةِ وأسرارُها فكثيرةٌ جدا، من ذلك أنها كنزٌ من كنوزِ الجنةِ؛ فقد روى الإمام مسلمٌ في صحيحِهِ عن الصحابيِّ الجليلِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟” فَقُلْتُ بَلَى فَقَالَ: “لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ” فهي كنزٌ من كنوزِ الجنةِ أي ثوابُها نفيسٌ غالٍ مدّخرٌ في الجنةِ كما أن الكنزَ من أموالِنا نفيسٌ وغالٍ ومدّخرٌ. قال الحافظُ الكبيرُ الإمامُ النوويُّ رضي الله عنه(3): “سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى واعتراف بالإذعان له وأنه لا صانع غيره ولا راد لأمره وأن العبد لا يملك شيئا في الأمر”. ومن فضائلِها أن من أكثرَ من قولِها أكثرَ من الغرسِ الذي يُغرسُ له في الجنةِ، فكلما قالها المرءُ بنيةٍ خالصةٍ للهِ تعالى غرست له شجرةٌ في الجنةِ ساقُها من ذهب، فقد روى الترمذي عن الصحابيِّ الجليلِ أَبي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: “مَنْ مَعَكَ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ هَذَا مُحَمَّدٌ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ مُرْ أُمَّتَكَ فَلْيُكْثِرُوا مِنْ غِرَاسِ الْجَنَّةِ فَإِنَّ تُرْبَتَهَا طَيِّبَةٌ وَأَرْضَهَا وَاسِعَةٌ، قَالَ وَمَا غِرَاسُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ” فأكثروا من قولِ لا حولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ فإنها سببٌ في تيسير الرزقِ، وقضاءِ الدَّينِ، والشِّفاءِ من الأمراضِ، وزوالِ الهمومِ، وغيرِ ذلك؛ فقد روى الطبرانيُّ عن الصحابيِّ الجليلِ أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: “لا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله دواءٌ من تسعةٍ وتسعينَ داءً أيسرُها الهمّ” فكيف بعد ذلك تتركُها وتنشغلُ بما لا خيرَ فيه؟! وقد روي عن الصحابيِّ الجليلِ عليِّ بن أبي طالب رضى الله عنه أنه قال قال رسول الله ﷺ: “يا علي ألا أعلمك كلمات إذا وقعت في ورطة قلتها؟” قلت بلى جعلني اللهُ فداكَ يا رسولَ الله كم من خيرٍ قد علمتنيه قال: “إذا وقعتَ في ورطةٍ فقلْ بسمِ اللهِ الرحمٰنِ الرحيمِ ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ العليِّ العظيم فإن الله يصرف بها ما شاء من أنواع البلاء”(4) فليكثرْ كلٌّ منا من هذه الكلمةِ سيما في أيامِنا، لنكثرْ منها على نيةِ أن يفرِّجَ اللهُ تعالى عن المسلمين في غزّة ورفح، فإنه لا حول لنا ولا قوةَ إلا بكَ يا الله، نسألُ اللهَ تعالى أن يحفظَ إخوانَنا المسلمين في غزّةَ ورفح وأن يثبتَهم ويتقبلَ شهداءهم ويشفيَ جرحاهم؛ إنه على كل شيء قدير وبعباده لطيف خبير، هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: فإن من أراد أن يكثرَ من قولِ لا حولَ ولا قوَةَ إلا بالله فلا بد وأن يتلفظَ بها بلفظٍ صحيح، فبعضُ الناسِ يقولون: لا حولِ الله، فهذا اللفظُ لا يعطي معنى الحوقلةِ الذي ذكرناه، وإنما يعطي معنى فاسدا، فإنه فيه نفيٌ لعصمةِ اللهِ تعالى، فليُحذرْ وليجتنب، نسأل اللهَ تعالى أنْ يعصِمَنا من معصيتِه، وأن يقويَنا على طاعتِه؛ إنه على كل شيء قدير وبعباده لطيف خبير.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: “إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، يا الله احفظِ المسلمين والمسجدَ الأقصى من أيدي اليهودِ المدنسين، يا اللهُ انصرِ الإسلامَ والمسلمين، يا قويُّ يا متينُ انصرِ المسلمين في غزة، يا اللهُ يا من لا يعجِزُكَ شيءٌ ثبِّتْ المسلمينَ في غزّة وأمدّهم بمددٍ من عندِك، وارزقهم نصرا قريبا، اللهم عليك باليهودِ أعداءِ هذا الدين، اللهم أحصِهمْ عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادرْ منهم أحدا، يا الله يا رحمنُ يا رحيمُ اشفِ جرحى المسلمين في غزة وفلسطين، وتقبّلْ شهداءهم، وأنزلِ الصبرَ والسكينةَ على قلوبِ أهلِهم، اللهم إنّا نستودعُكَ غزّةَ وأهلَها وأرضَها وسماءَها ورجالَها ونساءَها وأطفالَها ، فيا ربِّ احفظهم من كلِّ سوء. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.
الحاشية
- أي المطرود المبعد من الرحمة.
- في شعب الإيمان ورواه البزّار في مسنده
- في شرح النووي على مسلم.
- رواه ابن السنيّ. وهو وإن ضعّفه البعض، ولكنَّ الضعيف يعمل به في فضائلِ الأعمالِ وهذا منها.