الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ الذى قَصَمَ بالموتِ رقابَ الجبابرة، وكسرَ بهِ ظهورَ الأكاسرة، وقصّرَ به ءامالَ القياصرة، الذين لم تزلْ قلوبُهم عن ذكرِ الموتِ نافرة، حتى جاءهمُ الوعدُ الحقُّ فأرداهم في الحافرة، فنُقلوا من القصورِ إلى القبور، ومن ضياءِ المهودِ إلى ظلمةِ اللحودِ، ومن ملاعبةِ الجواري والغِلمان، إلى مقاساةِ الهوامِّ والديدان، ومن التنعمِ بالطعامِ والشرابِ إلى التمرُّغِ في التراب، فسبحانَ من انفردَ بالقهرِ والاستيلاءِ واستأثرَ باستحقاقِ البقاءِ وأذلَّ الجبابرةَ من الخلقِ بما كتبَ عليهم من الفناء، ثم جعل الموتَ مُخلِّصًا للأتقياء وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ ولا زوجةَ ولا ولدَ ولا هيئةَ ولا زمانَ ولا مكانَ له، شهادةً أسأل ربي لي ولكم بها النجاةَ في دارِ البقاء، وأشهدُ أن سيدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقرّةَ أعينِنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ صلى الله عليه وسلم، أفضلُ خلقِ اللهِ في الأرضِ والسماء، اللهم صلِّ وسلِّمْ وأنعمْ وأكرمْ وباركْ على سيدِنا محمد وعلى ءالِه وصحبِهِ النجباء.
عبادَ اللهِ اتقُوا اللهَ تعالَى وخافوه، واعلموا أنكم صائرونَ سائرونَ للحساب، وسيُسألُ كلُّ واحدٍ منكم عن قولِهِ وفعلِهِ واعتقادِهِ، “يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ” (الحاقة:18) فاتقوا اللهَ تعالى القائلَ في كتابهِ العظيمِ:“يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ” (ءال عمران:30).
إخوةَ الإيمان والإسلام: روى الإمام أحمدُ في مسندِهِ وأبو داودَ في سننِهِ واللفظُ له أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: “يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا” فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟قَالَ صلى الله عليه وسلم: “بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ” فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ فقَالَ ﷺ: “حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ” فأساسُ كلِّ مصيبةٍ حلّت في هذه الأمةِ هو حبُّ الدنيا وكراهيةُ الموت؛ بل إن كثيرا من الناس اليوم عشقوا الدنيا وعملوا فيها عملَ مَن كأنه لا يموت، وتناسَوا أن الآخرة قادمةٌ إليهم، وقد روي عن سيدِنا عليٍ رضي الله عنه أنه قال: “اعملْ لدنياكَ كأنّك تعيشُ أبدا، واعملْ لآخرتِكَ كأنك تموت غدا” فالعملُ لأجلِ الدنيا أجِّلْهُ وَقُلْ معي وقتٌ له، وأما العملُ لأجلِ الآخرة فبادرْ به مسرعا، وقُلْ: لا يوجد وقت معي له، واعلمْ أخي المسلم أن من خافَ الوعيدَ قصُر عليه البعيد، ومن طالَ أملُهُ ضعُفَ عملُه، وكلُّ ما هو ءاتٍ قريب، وإن ربَّكم لم يخلقكم عبثًا ولم يتركْكُم سُدَا، فتزودوا من دنياكم ما تُحرزون به أنفسَكم غدا، فالأجلُ مستور. تمرُّ الجنائزُ بالنّاس يُجهزونَها ويُصلُّون عليها ويسيرون خلفَها، فتراهُم يُلقونَ عليها نظراتٍ عابرة، وربَّما طاف بهم طائفٌ من الحُزنِ يسير، أو أظلَّهم ظِلالٌ من الكآبة خفيف، ثم سُرعانَ ما تغلبُ على الناسِ نشوةُ الحياةِ وغفلةُ المعاش، وأهل الغفلة أعمارهم عليهم حجة، وأيامهم تقودهم إلى ما لا تحمد عقباه. كيف ترجى الآخرة بغير عمل ؟ أم كيف ترجى التوبة مع الغفلة والتقصير وطول الأمل؟؟.
إخوة الإسلام: روى الإمامُ الترمذيُّ في سننه عن الصحابيِّ الجليلِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ يَعْنِي الْمَوْتَ” بعضُ الناس إن أكثرتَ له من الكلامِ على الموتِ ليتّعظَ ويبقى مستعدًّا للآخرةِ يقول لك: يا شيخ دايما بتحكولنا عن الموت ودايما بتخوفونا!! ورسولُ اللهِ ﷺ يقولُ في هذا الحديث: “أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ” أي يأمرُنا أن نُكثِرَ من ذكرِ الموت، لماذا؟ حتى يبقى الواحدُ منا مستعدا للدار الباقيةِ؛ ولأن في الإكثارِ من ذكرِ الموتِ فوائد؛ منها: أنّه يحثّ على الاستعدادِ له قبلَ نزولِه، ويقصّرُ الأمل، ويُرضي بالقليلِ من الرّزق، ويزهّدُ في الدّنيا، ويُرغّبُ في الآخرة، ويُهوّنُ مصائبَ الدّنيا، وقد روي عن الحسنِ البصريِّ أنه قال: “إنّ هذا الموتَ قد أفسدَ على أهلِ النّعيمِ نعيمَهم، فالتمسوا عيشًا لا موتَ فيه”. وقال: “فضحَ الموتُ الدنيا فلم يَدَعْ لذي لبٍّ بها فرحا”. فيا إخوة الإيمان: أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللّذّاتِ، فبهذا أوصى نبيُّنا محمدٌ ﷺ، وهو كلامٌ مختصرٌ وجيز، جمعَ التذكرةَ وأبلغَ في الموعظة؛ فمن ذكر الموتَ حق ذكرِه حاسبَ نفسَه في عملِه وأمانيه؛ فأكثروا من ذكرِ هادمِ اللذاتِ ومفرِّقِ الجماعات، فما ذكرَه أحدٌ في ضيقٍ من العيشِ إلا وسِعَه، ولا سَعَةٍ إلا ضيَّقها. فواللهِ ليُوشكنَّ الباقي منَّا أن يبلى، والحيُّ منا أن يموت وأن تأكلَ الأرضُ لحومَنا وتشربَ دماءَنا، إلا من حفظَ اللهُ جسدَه من البِلى، كما مشَينا على ظهرِها وأكلْنا من ثمرِها وشربْنا من مائِها.
إخوة الإسلام: روى ابن ماجه في سننِه عن الصحابيِّ الجليلِ الْبَرَاءِ بنِ عازب رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جِنَازَةٍ فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ فَبَكَى حَتَّى بَلَّ الثَّرَى ثُمَّ قَالَ: “يَا إِخْوَانِي لِمِثْلِ هَذَا فَأَعِدُّوا” وقد سألَ رجلٌ النبيَّ ﷺ فقال: يَا نَبِيَّ اللهِ ، مَنْ أَكْيَسُ النَّاسِ وَأَحْذَرُ النَّاسِ ؟ قَال ﷺ: “أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَشَدُّهُمُ اسْتِعْدَادًا لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ ، أُولَئِكَ هُمُ الأَكْيَاسُ ، ذَهَبُوا بِشَرَفِ الدُّنْيَا وَكَرَامَةِ الآخِرَةِ” فيا أيها المسلمون: اذكرُوا الموتَ والسَّكرات، وحشرجةَ الرُّوحِ والزَّفرات، فمن أكثرَ ذكرَ الموتِ أكرمَهُ اللهُ بثلاث: تعجيلِ التوبةِ، وقناعةِ القلبِ، ونشاطِ العِبادةِ. ومن نسيَ الموتَ ابتُليَ بثلاث: تسويفِ التوبةِ، وتركَ الرِّضى بالكَفاف، والتكاسلِ في العِبادَة. فكفَى بالموتِ للقلوبِ مُقطِّعا، وللعيونِ مُبْكيا، وللذاتِ هادِما. وللجماعاتِ مُفرِّقًا. وللأَماني قاطعا. فتذكرُ الموتِ يردعُ عن المعاصي، ويُلينُ القلبَ القاسي، ويمنعُ الركونَ إلى الدنيا، ويهوِّنُ المصائب.
إخوةَ الإسلام: أكثروا من زيارةِ القبورِ فإنها تُذكِّرُ الآخرة. واعتبروا بمن صار تحتَ التراب وانقطعَ عن أهلِه والأحباب، جاءهُ الموتُ في وقتٍ لم يحتسبْهُ وهولٍ لم يرْتَقِبْه. وليتأملِ الزائرُ حالَ من مضى من أقرانِه، أكثَرُوا الآمالَ وجمعوا الأموالَ، فانقطعت ءامالُهم ولم تُغنِ عنهم أموالُهم، فمحَا الترابُ محاسنَ وجوهِهم، وتفرقتْ في القبورِ أشلاؤُهم، وترملتْ من بعدِهم نِساؤُهم وقُسِّمتْ أموالُهم ومساكنُهم. فاتقوا اللهَ رحمكمُ اللهُ وارجوا الدارَ الآخرةَ فتلكَ دارٌ لا يموتُ سكانُها، ولا يخرَبُ بنيانُها، ولا يهرَمُ شبابُها، ولا يبلى نعيمُها، ولا يتغيَّرُ حسنُها وإحسانُها وحِسانُها، يتقلبُ أهلُها في رحمةِ أرحم الراحمين.
أسألُ اللهَ تعالى أن يرحمنا ويغفرَ لنا إنه على كل شيءٍ قدير وبعبادِهِ لطيفٌ خبير، هذا وأستغفرُ الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: روي عن إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ أنه قال : “مَثَّلْتُ نَفْسِي فِي الْجَنَّةِ، آكُلُ ثِمَارَهَا، وَأَشْرَبُ مِنْ أَنْهَارِهَا، وَأُعَانِقُ أَبْكَارَهَا، ثُمَّ مَثَّلْتُ نَفْسِي فِي النَّارِ، آكُلُ مِنْ زَقُّومِهَا، وَأَشْرَبُ مِنْ صَدِيدِهَا، وَأُعَالِجُ سَلَاسِلَهَا وَأَغْلَالَهَا؛ فَقُلْتُ لِنَفْسِي: أَيْ نَفْسِي، أَيُّ شَيْءٍ تُرِيدِينَ؟، قَالَتْ: أُرِيدُ أَنْ أُرَدَّ إِلَى الدُّنْيَا؛ فَأَعْمَلَ صَالِحًا قَالَ: قُلْتُ: فَأَنْتِ فِي الْأُمْنِيَةِ فَاعْمَلي” وكلُّ واحدٍ منا في هذا المسجدِ ما زالتْ روحُهُ تتردّدُ بين جنبيهِ فليتقِ اللهَ تعالى كلُّ امرِئٍ منا؛ وقد كتب رجلٌ إلى أحدِ العلماء قائلا:
الموتُ بابٌ وكلُّ الناسِ داخلُهُ
فليتَ شعري بعدَ البابِ ما الدارُ؟
فأجابَه العالمُ بقولِه:
الدارُ جنّة عدنٍ إن عملتَ بما
يرضي اﻹله وإن فرطت فالنّار
هما محلَّانِ ما للنّاسِ غيرُهما
فانظرْ لنفسِك ماذا أنت تختارُ
نسألُ اللهَ تعالى أن يحسنَ ختامَنا وأن يتوفّنا على كاملِ الإيمان؛ إنه على كل شيءٍ قدير وبعبادِهِ لطيفٌ خبير.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: “إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، يا الله احفظِ المسلمين والمسجدَ الأقصى من أيدي اليهودِ المدنسين، يا الله ارزقْنا صلاةً في المسجدِ الأقصى محررا، يا اللهُ انصرِ الإسلامَ والمسلمين، يا قويُّ يا متينُ انصرِ المسلمين في غزة، يا اللهُ يا من لا يعجِزُكَ شيءٌ ثبِّتْ المسلمينَ في غزّة وأمدّهم بمددٍ من عندِك، وارزقهم نصرا قريبا، اللهم عليك باليهودِ أعداءِ هذا الدين، اللهم أحصِهمْ عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادرْ منهم أحدا، يا الله يا رحمنُ يا رحيمُ اشفِ جرحى المسلمين في غزة وفلسطين، وتقبّلْ شهداءهم، وأنزلِ الصبرَ والسكينةَ على قلوبِ أهلِهم، اللهم إنّا نستودعُكَ غزّةَ وأهلَها وأرضَها وسماءَها ورجالَها ونساءَها وأطفالَها ، فيا ربِّ احفظهم من كلِّ سوء، اللهم إنّا نبرَأُ من حولِنا وقوَّتِنا وتدبيرِنا إلى حولِكَ وقوّتِكَ وتدبيرِكَ فأرنا يا اللهُ عجائبَ قدرتِكَ وقوّتك في اليهودِ الغاصبين، اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، وارزقنا النصرَ على أنفسِنا وعلى أعداء الدين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.