كم مرة اعتمر رسول الله؟

كم مرة اعتمر رسول الله؟

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

رُوِيَ عَن قَتَادَةَ قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: كَمِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ؟ قَالَ: “أَرْبَعًا، عُمْرَتَهُ الَّتِي صَدَّهُ عَنْهَا الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْبَيْتِ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَتَهُ أَيْضًا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ حِينَ صَالَحُوهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَتَهُ حِينَ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَتَهُ مَعَ حَجَّتِهِ”، رَوَاهُ أَحمَدُ.

عمرة الحديبية

فِي سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الهِجرَةِ كَانَت عُمرَةُ الحُدَيبِيَةِ الَّتِي اعتَمَرَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقَد صَدَّهُ المُشرِكُونَ عَنِ البَيتِ الحَرَامِ، فَنَحَرَ البُدنَ فِي المَكَانِ الَّذِي صُدَّ فِيهِ فِي الحُدَيبِيَةِ وَحَلَقَ هُوَ وَأَصحَابُهُ رُؤُوسَهُم. ثُمَّ قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ العُمرَةَ فِي العَامِ القَابِلِ.

والسَّبَبُ فِي هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخبَرَ أَصحَابَهُ أَنَّهُ مُعتَمِرٌ وَأَن يَتَجَهَّزُوا لِلسَّفَرِ، فَسَارَ المُسلِمُونَ، وَعِندَمَا وَصَلُوا إِلَى مَوضِعٍ يُقَالُ لَهُ الحُدَيبِيَةَ أَرسَلَ النَّبِيُّ ﷺ عُثمَانَ بنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِقُرَيشٍ، وَقَالَ لَهُ: «أَخبِرهُم أَنَّا لَم نَأتِ لِقِتَالٍ، وَإِنَّمَا جِئنَا عُمَّارًا، وَادعُهُم إِلَى الإِسلَامِ»، فَأَرسَلَت قُرَيشٌ عُروَةَ بنَ مَسعُودٍ الثَّقَفِيَّ ليُحَاوِرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَلَا يَدخُلَ مَكَّةَ، وَجَعَلَ عُروَةُ يَرمُقُ (أَيْ يَنْظُرُ إِلَيهِمْ) أَصحَابَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَينَيهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصحَابِهِ فَقَالَ: أَي قَومِ، وَاللهِ لَقَد وَفَدْتُ علَى المُلوكِ ووَفَدتُ علَى قَيصَرَ وكِسرَى والنَّجاشِيِّ، واللهِ إنْ رأَيتُ (أي مَا رأيتُ) ملِكًا قَطُّ يُعظِّمُهُ أَصحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصحَابُ محمَّدٍ مُحمَّدًا، وَاللهِ إِنْ تَنَخَّم (أَيْ مَا تَنَخَّمَ) نُخامةً إِلَّا وَقَعَت فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنهُم فدَلَكَ بِهَا وَجهَهُ وَجِلدَهُ، وَإِذَا أمَرَهُمُ ابتَدَرُوا أَمرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقتَتِلُون علَى وَضُوئِهِ (أَي يَتَسَابَقُونَ عَلَى مَاءِ وُضُوئِهِ لِيَتَبَرَّكُوا مِنهُ)، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصوَاتَهُم عِندَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيهِ النَّظَرَ تَعظِيمًا لَهُ، وَإِنَّهُ قَدِ عَرَضَ عَلَيكُم خُطَّةَ رُشدٍ فَاقبَلُوهَا. ثُمَّ بَعَثَت قُرَيشٌ سُهَيلَ بنَ عَمرٍو إِلَى رَسولِ اللهِ ﷺ وَقَالُوا: ائتِ مُحَمَّدًا وَصَالِحهُ، وَلَا يَكُن فِي صُلحِهِ إلَّا أنْ يَرجِعَ عَنَّا عَامَهُ هَذَا، فَوَاللهِ لَا تُحَدِّثُ العَرَبُ أَنَّهُ دَخَلَهَا عَلَينَا عُنوَةً أَبَدًا، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ سُهَيلًا مُقبِلًا قَالَ: «قَد أَرَادَ القَومُ الصُّلحَ حِينَ بَعَثُوا هَذَا الرَّجُلَ»، وَحَصَلَ وَقتَهَا صُلحُ الحُدَيبِيَةِ.

عمرة القضاء

هَذِهِ العُمرَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ عُمرَةُ القَضَاءِ، حَصَلَت فِي العَامِ السَّابِعِ مِنَ الهِجرَةِ وَيُقَالُ لَهَا: غَزوَةُ الأَمنِ، وَعُمرَةُ القِصَاصِ، وَعُمرَةُ القَضِيَّةِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَاضَى فِيهَا أَهلَ مَكَّةَ أَي أَنفَذَ عَلَيهِم أَمرَهُ كَمَا جَاءَ فِي الصُّلحِ أَنَّهُم يَعمَلُونَ عُمرَةً فِي العَامِ المُقبِلِ.

وَكَانَ مِن خَبَرِهَا أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ فِي ذِي القَعدَةِ مِنَ السَّنَةِ السَّابِعَةِ قَاصِدًا مَكَّةَ لِلعُمرَةِ عَلى مَا عَاقَدَ عَلَيهِ قُرَيشًا فِي الحُدَيبِيَةِ مِن أَنَّهُ يَدخُلُ مَكَّةَ فِي العَامِ القَابِلِ مَعَهُ سِلَاحُ المُسَافِرِ وَلَا يُقِيمُ بِهَا أَكثَرَ مِن ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.

وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مُعتَمِرًا وَمَعَهُ المُسلِمُونَ مِمَّن كَانَ صُدَّ مَعَهُ فِي عُمرَتِهِ تِلكَ وَغَيرُهُم فَبَلَغُوا أَلفَينِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِ مُشرِكُو مَكَّةَ خَرَجُوا عَنهُ، وَسَاقَ مَعَهُ ﷺ سِتِّينَ بَدَنَةً، فَخَرَجَ رُؤَسَاءُ قُرَيشٍ مِن مَكَّةَ إِلى رُؤُوسِ الجِبَالِ غَيظًا وَحَسَدًا، وَقَالُوا: لَا نَنظُرُ إِلَيهِ وَلَا إِلَى أَصحَابِهِ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ مَا أشَاعُوهُ مِن أَنَّ المُسلِمِينَ قَد أَصَابَتهُمُ الحُمَّى، وَقَالُوا لِقَومِهِم: إِنَّه يَقدَمُ عَلَيكُم قَومٌ قَد وَهَّنَتهُمُ الحُمَّى وَلَقُوا مِنهَا شَرًّا، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصحَابَهُ أَن يَرمُلُوا الأَشوَاطَ الثَّلَاثَةَ (أَي يُهَروِلُوا وَيُسرِعُوا فِي الطَّوَافِ) فَلَمَّا رَأَوهُم يَرمُلُونَ، قَالُوا: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرتُم أَنَّ الحُمَّى وَهَّنَتهُم؟، هَؤُلَاءِ أَجلَدُ مِنَّا.

وَحَبَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الهَديَ بِذِي طُوًى وَدَخَلَ مَكَّةَ مِن ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ- وَهِيَ الثَّنِيَّةُ الَّتِي تُطِلُّ عَلَى الحَجُونِ- (وَهِيَ فِي جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ أَبوَابِ مَكَّةَ) ثُمَّ رَكِبَ نَاقَتَهُ القَصوَاءَ وَحَولَهُ أَصحَابُهُ مُتَوَشِّحُو السُّيُوفَ يُلَبُّونَ، وَعَبدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ ءَاخِذٌ بِزِمَامِ القَصوَاءِ، وَلَم يَزَل ﷺ يُلَبِّي حَتَّى استَلَمَ الرُّكنَ. ثُمَّ انتَهَى ﷺ إِلَى البَيتِ الحَرَامِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَدَنَا مِنَ الرُّكنِ وَاستَلَمَهُ بِمِحجَنِهِ (وَهُوَ العَصَا المُنعَطِفَةُ الرَّأسِ) وَهُوَ مُضطَبِعٌ بِثَوبِهِ (أَي لَافٌّ ثَوبَهُ بِطَرِيقَةٍ مُعَيَّنَةٍ)، وَهَروَلَ هُوَ وَالمُسلِمُونَ فِي الثَّلَاثَةِ الأَشوَاطِ الأُوَلِ، وَكَانَ ابنُ رَوَاحَةَ يَرتَجِزُ فِي طَوَافِهِ وَهُوَ ءَاخِذٌ بِزِمَامِ القَصوَاءِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا ابنَ رَوَاحَةَ قُل: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ، نَصَرَ عَبدَهُ، وَأَعَزَّ جُندَهُ، وَهَزَمَ الأَحزَابَ وَحدَهُ».

وَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ طَوَافَهُ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا فَسَعَى عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَوَقَفَ عِندَ فَرَاغِهِ قَرِيبًا مِنَ المَروَةِ وَالهَديُ عِندَهَا فَقَالَ: «هَذَا المَنحَرُ وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنحَرٌ»، وَنَحَرَ عِندَ المَروَةِ. وَصَعِدَ بِلَالٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَوقَ الكَعبَةِ فَأَذَّنَ بِالظُّهرِ، فَاغتَاظَ لِذَلِكَ المُشرِكُونَ، حَتَّى غَطَّى سُهَيلُ بنُ عَمرٍو وَرِجَالٌ مَعَهُ وُجُوهَهُم تَغَيُّظًا مِمَّا يَقَعُ.

وَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ ثَلَاثًا قَضَى فِيهَا وَأَصحَابُهُ النُّسُكَ، فَلَمَّا كَانَ ظُهرُ اليَومِ الرَّابِعِ خَرَجَ ﷺ مِن مَكَّةَ وَرَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ فِي ذِي الحِجَّةِ.

العمرة الثالثة

فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الهِجرَةِ بَعدَ غَزوَةِ حُنَينٍ اعتَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن مَوضِعٍ يُقَالُ لَهُ الجِعِرَّانَةُ.

العمرة الرابعة

وَأَمَّا العُمرَةُ الرَّابِعَةُ فَكَانَتِ العُمرَةَ الَّتِي كَانَت مَعَ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ، فَفِ العَامِ العَاشِرِ مِنَ الهِجْرَةِ حَجَّ رَسُولُ اللهِ وَاعتَمَرَ.

الخاتمة

وَبَعدَ أَلفٍ وَأَربَعِمِائَةِ سَنَةٍ يُرَدِّدُ المُسلِمُونَ فِي مَكَّةَ «لَبَّيكَ اللهم لَبَّيكَ» وَهُم يَتَذَكَّرُونَ تَعَالِيمَ النَّبِيِّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لَيتَنَا كُنَّا مَعَكَ، لَيتَنَا حَجَجنَا وَاعتَمَرنَا مَعَكَ، وَلَكِن يَا رَسُولَ اللهِ وَإِن كُنَّا لَم نَلقَكَ فَإِنَّا نُحِبُّكَ وَنُحِبُّ هَديَكَ وَنُحِبُّ تَعَالِيمَكَ.

نَسأَلُ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُثَبِّتَنَا عَلَى هَديِكَ حَتَّى المَمَاتِ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  3. مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ.
  4. عُيُونِ الأَثَر لِابنِ سَيِّدِ النَّاسِ.
  5. شَرحِ أَلفِيَّةِ العِرَاقِيِّ فِي السِّيرَةِ للحَافِظِ العِرَاقِيِّ.
  6. الرَّوضُ الأُنُفُ لِأَبِي القَاسِمِ السُّهَيلِيِّ.
أمثلة على علو مقام النبي ﷺ

أمثلة على علو مقام النبي ﷺ

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: مقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share