الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ وصلى الله وسلم على سيدِنا محمدٍ الأمين أما بعد:
هو نبيُ اللهِ شيثٌ ابنُ سيدِنا ءادم عليهما الصلاة والسلام من صُلبهِ، سماهُ أبوه سيدنا ءادم شيثًا ومعناه هبةُ الله، وقد جعلَ اللهُ تعالى شيثًا نبيًا بعدَ موتِ سيدِنا ءادمَ عليه الصلاة والسلام، وأَنزلَ عليهِ خمسينَ صحيفةٍ، روى أبو ذرٍ الغِفاريُ رضيَ الله عنهُ عنِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم أنه قالَ: “أنزلَ على شيثٍ خمسونَ صحيفة” رواه ابنُ حبان.
قام سيدنا شيثٌ بالأمر بعد سيدنا ءادم عليه السلام وصارَ يدعو إلى طاعةِ الله وتطبيق شريعةِ الله، وقد كانَ الناسُ في زمانه على دين الإسلام يشهدون أن لا إله إلا الله شيثٌ رسولُ الله يعبدون الله تعالى وحده ولا يشركون به شيئًا، قال الله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} أي أن الناس كانوا كلُهم على دين واحد وهو الإسلامُ ثم اختلفوا فبعث الله النبيين كما ذكر ذلك ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
سيدنا شيث نبيٌّ رسول
النبي الرسول هو إنسان أوحي بشرع جديد أو بنسخ بعض شرع الرسول الذي كان قبله، وسيدنا شيث عليه السلام أنزل الله سبحانه وتعالى عليه شرعًا جديدًا فهو نبي رسول كأبيه ءادم عليه السلام ومما نزل على شيث عليه السلام تحريمُ زواج الأخ من أخته غيرِ التوأم بعد أن كان حلالًا في شرع أبيه ءادم.
وِصايَةُ سيِّدنَا شِيث عليه السلام في الأرض بَعدَ سيِّدنَا ءادم عليه السلام
وَقَد ذُكر أنَّ سيِّدنَا ءادَمَ عليه السلام مَرِض قَبل مَوتِه أَحَد عشَر يومًا، وكتَب وَصِيَّتَه ثُمَّ دفَع كِتابَ وَصِيَّتِه إلى شِيث وأمَره أنْ يُخفِيَهُ عن وَلَده قَابِيل وَوَلَدِه، لأن قَابِيل كان حَسُودًا، ولذلك قِيل: إنَّ شيثًا كان وَصِيَّ أبِيه ءادَمَ في مُخَلَّفِيه.
المكان الذي سكن فيه سيدنا شيث وأين مات ودفن
أقَامَ سيِّدنَا شِيث بِمكَّةَ يَحُجُّ ويَعتَمِر إلى أنْ مَات عَن عُمُر تِسعِمائةٍ واثنَتَي عَشرة سَنَةً، وقيل إن شِيثًا لمَّا مَرِض أوصَى إلى ابنِه أنُوش، وقيل دُفِن مَع أبَوَيه ءادمَ وحوَّاءَ عليهما السلام فِي غَارٍ بِأبِي قُبَيسٍ فِي مَكَّة، ويُقَال إنَّه دُفِن بِقُربِ مَسجِد الخَيف بمِنًى.
أوصياء شيث عليه السلام بعده في الأرض
قالَ المُؤرِّخُون: قَام أنُوشُ بَعدَ وَفَاة أبِيه شِيث عَلى مَنهَجِه مِن غيرِ تَبدِيل ولا تَغيِير ثمَّ بَعدَه وَلَدُه قَيْنَان، ثمَّ مِن بَعدِه ابنُه مَهلَايِيل وهُو الذي كانَ يَزعُم الأعَاجِم مِن الفُرسِ أنَّه مَلِك الأقَالِيم السبعَةِ، ثم بَعدَه ابنُه يَرْد فَلَمَّا حَضَرتهُ الوَفَاةُ أوصَى إلى وَلدِه أخْنُوخ وهُو إدرِيسُ عليه السلام عَلى المشهُورِ.
ذرية شيث عليه السلام
وَيُروَى أنَّه إلى شِيثٍ يَرجِع أنسَابُ بَنِي ءادَمَ كلِّهم اليومَ، وذَلِك أنَّ نَسلَ سَائِر وَلَدِ ءادَمَ مِن صُلبِه غَير نَسلِ شِيث انقَرَضُوا ومَاتُوا لَم يَبقَ مِنهُم أَحَدٌ، والله أعلم.
بيان أن دين جميع الأنبياء الإسلام
إنّ دينَ الأنبياء واحدٌ وهو الإسلام وشرائعُهم مختلفة، فقد روى الشيخانِ وأحمدُ وابنُ حبان وغيرُهم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الأنبياءُ إخوةٌ لعلات دينُهم واحدٌ وأمهاتُهم شتّى”، معناه أنّ الأنبياءَ كلَّهم على دينٍ واحدٍ هو دينُ الإسلام فكلُهم دعَوا إلى عبادةِ الله وحدَه وعدمِ الإشراكِ بهِ والتصديقِ بأنبيائه، ولكن شرائِعهم مختلفةٌ أي أنّ بعضَ الأحكامِ مختلفة، ومثال ذلك: ما مر ءانفا من أنه كان جائزًا في شرع ءادم أن يتزوج الأخ من أخته إن لم تكن توأمًا له؛ لأنّ حواء رضي الله عنها ولدت أربعين بطنًا، في كل مرة تلد ذكرًا وأنثى وكان الحرامُ أن يتزوج الأخُ بأخته التي هي توأمةٌ له ثم نسخ الله تعالى هذا الحكمَ بعد موت ءادم وحرّمَ زواج الأخِ بأختهِ إن كانت توأمةً له أو لم تكن.
ومن اختلاف الشرائع أيضًا أنه كان مفروضًا في شرائعِ أنبياءِ بني إسرائيل كموسى صلاتان في اليوم والليلة، وفي شرعِ نبيِنا محمدٍ عليه الصلاة والسلام خمسُ صلوات. وكان جائزًا في شرع سيدِنا يعقوب عليه السلام أن يجمعَ الرجلُ في الزواج بين المرأةِ وأختِها وهو محرّمٌ في شرع محمد صلى الله عليه وسلم، وكان جائزًا في الشرائع القديمة أن يسجد المسلمُ للمسلمِ للتحيةِ وهو محرّمٌ في شرعنا.
قاعدة في عصمة الأنبياء
مما اتفقَ عليه المسلمون أنّ الأنبياء معصومون من الكفر قبل النبوة وبعدَها، وكذلك معصومون من كبائرِ الذنوبِ كالزنى وأكلِ الربا وغيرِ ذلك، وأمّا الذنوبُ الصغيرةُ فما كان من صغائر الخسة والدناءة فهم معصومون منها قبل النبوة وبعدَها. وأما الصغائر التي هي غيرُ صغائرِ الخسةِ تجوزُ في حقهم كالمعصية التي حصلت من ءادم عليه السلام قال تعالى: {وَعَصَى ءادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}، ولكنهم يُنبَّهون فورًا فيتوبون قبل أن يقتديَ بهم فيها غيرُهم، وهذا هو القولُ الصواب.