بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيم
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
كَانَ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ كَغَيرِهِ مِنَ الأَنبِيَاءِ الكِرَامِ مُنذُ صِغَرِهِ وَنَشأَتِهِ مُسلِمًا مُؤمِنًا، عَارِفًا بِرَبِّهِ، مُنَزِّهًا لَهُ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾، [سورة الأنبياء: 51]، أَي مِن قَبلِ إِيتَائِهِ النُّبُوَّةَ وَمُنذُ الصِّغَرِ كَانَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى الرُّشدِ وَالهُدَى، لَم يَعبُد صَنَمًا وَلَا كَوكَبًا إِنَّمَا أُلْهِمَ التَّوحِيدَ وَالتَّنزِيهَ وَعِبَادَةَ اللهِ الوَاحِدَ الأَحَدَ، الَّذِي لَم يَلِد وَلَم يُولَد، وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.
دعوة إبراهيم قومه لعبادة الله وإقامة الحجة عليهم
كَانَ قَومُ إِبرَاهِيمَ يَعبُدُونَ الكَوَاكِبَ السَّبعَةَ وَكَانَ لَهُم أَصنَامٌ بِشَكلِ الشَّمسِ وَالقَمَرِ وَأَصنَامٌ بِشَكلِ الكَوَاكِبِ، فَقَامَ الخَلِيلُ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ يَدعُو قَومَهُ إِلَى دِينِ اللهِ وَتَركِ عِبَادَةِ الأَصنَامِ الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنفَعُ، وَجَادَلَ إِبرَاهِيمُ قَومَهُ وَدَعَاهُم إِلَى اللهِ وَتَلَطَّفَ فِي إِفهَامِهِم فَلَمَّا رَأَى الكَوكَبَ بَازِغًا قَالَ ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [سورة الأنعام: 76]، يَعنِي أَهَذَا الَّذِي تَزعُمُونَ كَذِبًا أَنَّهُ رَبِّي هَذَا الَّذِي تُرِيدُونَ أَن أَعبُدَهُ؟، قَالَهُ عَلَى وَجهِ الِاستِفهَامِ الإِنكَارِيِّ أَي يُنكِرُ عَلَيهِم فَلَمَّا أَفَلَ أَي غَابَ الكَوكَبُ قَالَ ﴿لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [سورة الأنعام: 76]، أَي هَذَا يَطلُعُ وَيَغِيبُ وَيَتَغَيَّرُ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَالمُتَغَيِّرُ مُحتَاجٌ، وَالمُحتَاجُ لَا يَكُونُ إِلَهًا، فَكَيفَ تَأمُرُونَنِي بِعِبَادَتِهِ فَلَم يَفهَمُوا مُرَادَهُ وَبَقُوا عَلَى جَهلِهِم.
فَانتَظَرَ حَتَّى إِذَا طَلَعَ القَمَرُ كَرَّرَ لَهُم ذَلِكَ، قَالَ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [سورة الأنعام: 77] أَي هَذَا هُوَ الَّذِي تَزعُمُونَ أَنَّهُ رَبِّي؟، فَلَمَّا غَابَ قَالَ: ﴿قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾، [سورة الأنعام: 77]، وَهَذَا أَيضًا مِن بَابِ الإِنكَارِ وَإِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَيهِم لَا أَنَّهُ لَا يَعرِفُ هَل هَذَا رَبُّهُ أَم لَا، وَمَعنَاهُ أَنَّ القَمَرَ كَالكَوكَبِ يَطلُعُ وَيَغِيبُ وَيَتَغَيَّرُ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ، إِذًا هُوَ مُحتَاجٌ إِلَى مَن يُغَيِّرُهُ، وَالمُحتَاجُ لَا يَكُونُ إِلَهًا، فَلَا يَصلُحُ لِلأُلُوهِيَّةِ، فَكَيفَ تَعبُدُونَهُ؟!
ثُمَّ لَمَّا طَلَعَتِ الشَّمسُ قَالَ: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾، [سورة الأنعام: 78]، يَعنِي تُرِيدُونَ مِنِّي أَن أَعبُدَ هَذَا الَّذِي لَهُ حَجمٌ أَكبَرُ مِنَ النَّجمِ وَالكَوكَبِ وَالقَمَرِ، فَلَمَّا غَابَت ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾، [سورة الأنعام: 78]، أَي لَمَّا لَم يَرَ مِنهُم بُغيَتَهُ أَيضًا وَأَنَّهُم أَصحَابُ عُقُولٍ سَقِيمَةٍ وَقُلُوبٍ مُظلِمَةٍ مُستَكبِرَةٍ أَيِسَ مِنهُم وَأَظهَرَ بَرَاءَتَهُ مِن هَذَا الإِشرَاكِ الَّذِي وَقَعُوا بِهِ وَهُوَ عِبَادَةُ غَيرِ اللهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ فَهُوَ رَسُولُ اللهِ وَنَبِيُّهُ فَقَد كَانَ مُؤمِنًا عَارِفًا بِرَبِّهِ كَجَمِيعِ الأَنبِيَاءِ لَا يَشُكُّ بِوُجُودِ اللهِ طَرفَةَ عَينٍ، فَقَد كَانَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَبلَ مُنَاظَرَتِهِ لِقَومِهِ وَإِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَيهِم وَقَبلَ دَعوَتِهِم إِلَى الإِسلَامِ وَالإِيمَانِ يَعلَمُ عِلمًا يَقِينًا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ لَهُ رَبًّا وَهُوَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الَّذِي لَا يُشبِهُ شَيئًا، وَقَد أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ والأرض حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، [سُورَةُ الأَنعَامِ: 79].
يأس سيدنا إبراهيم عليه السلام من قومه وتخلفه عن عيدهم
رَأَى إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُم مَا زَالُوا مُتَعَلِّقِينَ بِأَوهَامِهِم مُتَمَسِّكِينَ بِعِبَادَةِ أَصنَامِهِم فَعَقَدَ النِّيَّةَ عَلَى أَنْ يَكِيدَ أَصنَامَهُم وَيَفعَلَ بِهَا أَمرًا يُقِيمُ الحُجَّةَ بِهِ عَلَيهِم لَعَلَّهُم يُفِيقُونَ مِن غَفلَتِهِم وَيَستَيقِظُونَ مِن كَبوَتِهِم، وَكَانَ مِن عَادَةِ قَومهِ أَن يُقِيمُوا لَهُم عِيدًا، فَلَمَّا حَلَّ عَلَيهِم عِيدُهُم وَهَمُّوا بِالخُرُوجِ إِلَى خَارِجِ بَلَدِهِم دَعَوْهُ لِيَخرُجَ مَعَهُم، فَأَخبَرَهُم أَنَّهُ سَقِيمٌ لِأَنَّهُ أَرَادَ التَّخَلُّفَ عَنهُم لِيَكسِرَ أَصنَامُهُم وَيُقِيمَ الحُجَّةَ عَلَيهِم، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [سُورَةُ الصَّافَّاتِ:88-90]، وَمَعنَى ذَلِكَ سَيَلحَقُنِي المَرَضُ وَهَذَا لَيسَ كَذِبًا مِن سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ بَل هُوَ صِدقٌ لِأَنَّهُ كَانَت تَأتِيهِ الحُمَّى بِتَقَطُّعٍ تَذهَبُ وَتَجِيءُ فَلَمَّا دَعَوهُ كَانَ هَذَا وَقتَ مَجِيءِ الحُمَّى لَهُ.
فَلَمَّا مَضَى قَومُهُ لِيَحتَفِلُوا بِعِيدِهِم قَالَ: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [سورة الأنبياء: 57]، قِيلَ سَمِعَهُ بَعضُهُم وَقِيلَ إِنَّهُ قَالَ ذَلِكَ خُفيَةً فِي نَفسِهِ.
رؤية إبراهيم للأصنام وغيظه منها
رَجَعَ إِبرَاهِيمُ إِلَى بَيتِ الأَصنَامِ الَّذِي كَانَ فِيهِ قَومُهُ يَعبُدُونَ هَذِهِ الأَصنَامَ، فَإِذَا هُوَ فِي بَهْوٍ (مَكَانٍ مِثلِ الغُرفَةِ الوَاسِعَةِ) عَظِيمٍ وَاسِعٍ، مُستَقبَلَ بَابِ البَهوِ (فِي مَا يُقَابِلُ البَابَ مِنَ الجِهَةِ الأُخرَى) صَنَمٌ كَبِيرٌ إِلَى جَانِبِهِ أَصنَامٌ صَغِيرَةٌ بَعضُهَا إِلَى جَنبِ بَعضٍ، وَإِذَا هُم قَد صَنَعُوا لَهَا طَعَامًا وَضَعُوهُ أَمَامَ هَذِهِ الأَصنَامِ.
فَلَمَّا نَظَرَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى مَا بَينَ أَيدِي هَذِهِ الأَصنَامِ مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي وَضَعَهُ قَومُهُ قُربَانًا لَهَا وَرَأَى سَخَافَةَ عُقُولِهِم خَاطَبَ هَذِهِ الأَصنَامَ وَقَالَ لَهَا عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ وَالِازدِرَاءِ: ﴿أَلَا تَأْكُلُون﴾ [سُورَةُ الصَّافَّاتِ: 91]، فَلَمَّا لَم تُجِبهُ قَالَ لَهَا أَيضًا عَلَى سَبِيلِ الِاحتِقَارِ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [سُورَةُ الصَّافَّاتِ: 92-93]، بَدَأَ بِتَكسِيرِهَا.
تكسيره عليه السلام للأصنام
أَمسَكَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِيَدِهِ اليُمنَى فَأسًا وَأَخَذَ يَهْوِي عَلَى الأَصنَامِ يَكسِرُهَا وَيُحَطِّمُ حِجَارَتَهَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾، [سُورَةُ الأَنبِيَاءِ: 58]، وَمَا زَالَ كَذَلِكَ حَتَّى جَعَلَهَا كُلَّهَا حُطَامًا إِلَّا كَبِيرَ هَذِهِ الأَصنَامِ فَقَد أَبقَى عَلَيهِ وَعَلَّقَ الفَأسَ فِي عُنُقِهِ لِيَرجِعُوا إِلَيهِ فَيُظهِرَ لَهُم أَنَّهَا لَا تَنطِقُ وَلَا تَعقِلُ وَلَا تَدفَعُ عَن نَفسِهَا ضَرَرًا، وَبِذَلِكَ يُقِيمُ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ الحُجَّةَ عَلَى قَومِهِ الكَافِرِينَ الَّذِينَ يَعبُدُونَهَا عَلَى غَيرِ بُرهَانٍ وَلَا هُدًى تَقلِيدًا لِآبَائِهِم، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾، [سورة الأنبياء: 58].
رجوع قومه من عيدهم ورؤيتهم لما حل بأصنامهم وحجة إبراهيم عليهم
عِندَمَا رَجَعَ قَومُهُ مِن عِيدِهِم وَوَجَدُوا مَا حَلَّ بِأَصنَامِهِم بُهِتُوا وَاندَهَشُوا وَرَاعَهُم مَا رَأَوا فِي أَصنَامِهِم، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [سُورَةُ الأَنبِيَاءِ: 59-60]، يَعنُونَ أَنَّهُ يَسُبُّهَا وَيَعِيبُهَا وَيَستَهزِئُ بِهَا وَهُوَ الَّذِي نَظُنُّ أَنَّهُ صَنَعَ هَذَا وَكَسَّرَهَا، وَبَلَغَ ذَلِكَ الخَبَرُ المَلِكَ النُّمرُودَ الجَبَّارَ مَلِكَ البِلَادِ وَحَاكِمَهَا وَأَشرَافَ قَومِهِ: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [سورة الأنبياء: 61]، اتَّفَقُوا عَلَى أَن يُحضِرُوا إِبرَاهِيمَ وَيَجمَعُوا النَّاسَ لِيَشهَدُوا عَلَيهِ وَيَسمَعُوا كَلَامَهُ وَكَانَ اجتِمَاعُ النَّاسِ فِي هَذَا المَكَانِ الوَاحِدِ مَقصِدَ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِيُقِيمَ عَلَى قَومِهِ الحُجَّةَ عَلَى بُطلَانِ مَا هُم عَلَيهِ مِن عِبَادَةِ الأَصنَامِ الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنفَعُ، وَأَتَتِ الوُفُودُ وَتَكَاثَرَت جُمُوعُ الكَافِرِينَ، كُلٌّ يُرِيدُ الِاقتِصَاصَ مِن إِبرَاهِيمَ نَبِيِّ اللهِ الَّذِي أَهَانَ أَصنَامَهُم وَاحتَقَرَهَا.
ثُمَّ جَاءُوا بِإِبرَاهِيمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى هَذَا الجَمعِ مِنَ الكَافِرِينَ أَمَامَ مَلِكِهِمُ الجَبَّارِ نُمرُودَ ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [سورة الأنبياء: 62]، وَهُنَا وَجَدَ نَبِيُّ اللهِ إِبرَاهِيمَ الفُرصَةَ سَانِحَةً لِيُقِيمَ الحُجَّةَ عَلَيهِم وَلِيُظهِرَ لَهُم سُخْفَ مُعتَقَدِهِم وَبُطلَانَ دِينِهِم ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [سورة الأنبياء: 63]، وَهَذَا إِلزَامٌ لِلحُجَّةِ عَلَيهِم لِيَجُرَّهُم إِلَى الِاعتِرَافِ بِأَنَّ الأَصنَامَ جَمَادٌ لَا تَقدِرُ عَلَى النُّطقِ، وَأَنَّ هَذِهِ الأَصنَامَ لَا تَستَحِقُّ العِبَادَةَ فَهِيَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنفَعُ، وَلَا تَملِكُ لَهُم نَفعًا وَلَا ضَرًّا وَلَا تُغنِي عَنهُم شَيئًا.
فَقَولُ نَبِيِّ اللهِ إِبرَاهِيمَ لَهُم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذَا﴾ لَيسَ كَذِبًا بَل هُوَ صِدقٌ لِأَنَّ كَبِيرَ الأَصنَامِ كَانَ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ اغتِيَاظَ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ مِنهُ هُوَ الَّذِي دَفَعَهُ إِلَى تَكسِيرِهَا، فَيَكُونُ إِسنَادُ الفِعلِ لَهُ إِسنَادًا مَجَازِيًّا لَا كَذِبَ فِيهِ، وَهَذَا مُستَعمَلٌ فِي لُغَةِ العَرَبِ كَثِيرًا حَتَّى بَينَ العَوَامِّ.
فَعَادُوا إِلَى أَنفُسِهِم فِيمَا بَينَهُم بِالمَلَامَةِ لِأَنَّهُم تَرَكُوهَا مِن غَيرِ حَافِظٍ لَهَا وَلَا حَارِسٍ عِندَهَا، ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [سورة الأنبياء: 65]، أَي لَقَد عَلِمتَ يَا إِبرَاهِيمُ أَنَّ هَذِهِ الأَصنَامَ الَّتِي نَعبُدُهَا لَا تَنطِقُ فَكَيفَ تَطلُبُ مِنَّا أَن نَسأَلَهَا.
فَلَمَّا أَقَرُّوا عَلَى أَنفُسِهِم بِأَنَّ أَصنَامَهُمُ الَّتِي اتَّخَذُوهَا ءَالِهَةً مِن دُونِ اللهِ عَاجِزَةٌ عَنِ الإِصغَاءِ وَالنُّطقِ وَاعتَرَفُوا أَنَّهَا عَاجِزَةٌ لَا تُدرِكُ وَلَا تَشعُرُ وَلَا تَقدِرُ وَلَا حَيَاةَ لَهَا، عِندَ ذَلِكَ أَقَامَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ الحُجَّةَ عَلَيهِم وَأَفحَمَهُم ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [سورة الأنبياء: 66-67]، وَقَالَ لَهُم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات: 96]، عِندَ ذَلِكَ غُلِبُوا عَلَى أَمرِهِم وَأَلزَمَهُم نَبِيُّ اللهِ إِبرَاهِيمُ الحُجَّةَ عَلَيهِم فَلَم يَجِدُوا حُجَّةً يَحْتَجُّونَ بِهَا عَلَيهِ، يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة الأنعام: 83].
الخاتمة
الأَنبِيَاءُ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَمتَازُونَ عَن بَاقِي البَشَرِ بِأَنَّ اللهَ عَصَمَهُم أَي حَفِظَهُم مِنَ الوُقُوعِ فِي الكُفرِ وَالذُّنُوبِ الكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ الَّتِي فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةُ نَفسٍ قَبلَ النُّبُوَّةِ وَبَعدَهَا، وَالحِكمَةُ مِن ذَلِكَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ بِاتِّبَاعِهِم وَالِاقتِدَاءِ بِهِم، فَهُمُ القُدوَةُ الحَسَنَةُ وَالأُسوَةُ الصَّالِحَةُ لِلخَلْقِ، وَلِذَلِكَ حَفِظَهُمُ اللهُ مِنَ الكُفرِ وَالكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الخِسَّةِ فَهُم آمِنُونَ مِن كُلِّ ذَلِكَ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- تَفسِيرِ البَغَوِيِّ.
- عِصمَةِ الأَنبِيَاءِ لِلرَّازِيِّ.
- تَنزِيهِ الأَنبِيَاءِ عَن تَسفِيهِ الأَغبِيَاءِ لِلسُّيُوطِيِّ.
- المَقَاصِدِ لِلتَّفتَازَانِيِّ.
- البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ لِابنِ كَثِيرٍ.
- تَفسِيرِ القُرطُبِيِّ.
- المِصبَاحِ المُنِيرِ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ لِلفَيُّومِيِّ.