بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى فِي قَصَصِ القُرءَانِ قِصَّةَ ضُيُوفٍ أَتَوا إِلَى سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ وَدَخَلُوا عَلَيهِ فِي بَيتِهِ وَكَانَ مِن أَمرِهِم مَا ذَكَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي القُرآنِ الكَرِيمِ حَيثُ قَالَ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة الذاريات: 24-30].
ضيفان إبراهيم عليه السلام
ذَكَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّ ثَلَاثَةً مِنَ المَلَائِكَةِ المُكرَمِينَ عِندَهُ (أَي هُم ذَوِي مَكَانَةٍ عَالِيَةٍ عِندَ اللهِ تَعَالَى، قِيلَ هُم جِبرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسرَافِيلُ) أَرسَلَهُمُ اللهُ إِلَى لُوطٍ عَلَيهِ السَّلَامُ لِيَنصُرُوهُ عَلَى قَومِهِ وَيُنزِلُوا بِهِمُ العَذَابَ، فَنَزَلُوا أَوَّلًا عِندَ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ بِصُورَةِ الرِّجَالِ، حَيثُ إِنَّ سَيّدَنَا لُوطًا عَلَيهِ السَّلَامُ كَانَ فِي زَمَنِ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ وَكَانَ قَرِيبَهُ.
فَلَمَّا أَتَوا إِلَيهِ أَلقَوا عَلَيهِ السَّلَامَ فَقَالَ ﴿سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾، [سورة الذاريات: 25]، أَي غَيرُ مَعرُوفِينَ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَعرِفُهُم، أَوِ استَغرَبَ أَنَّهُم يُلقُونَ عَلَيهِ السَّلَامَ فِي تِلكَ الأَرضِ لِقِلَّةِ المُسلِمِينَ فِيهَا فَقَالَ ﴿سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾، [سورة الذاريات: 25]، مُستَغرِبًا مِنهُم إِلقَاءَ السَّلَامِ.
وَلَم يَكُن سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ يَعرِف أَنَّهُم مَلَائِكَةُ اللهِ، فَحَسِبَهُم ضُيُوفًا عِندَهُ وَعَامَلَهُم مُعَامَلَةَ الضُّيُوفِ وَفَرِحَ بِهِم كَثِيرًا، فَقَد كَانَ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ جَوَادًا مِعطَاءً يُحِبُّ الضِّيَافَةَ كَثِيرًا، ثُمَّ رَأَى مِن هَيئَتِهِم وَتَصَرُّفِهِم مَا أَعجَبَهُ، فَخَرَجَ إِلَى أَهلِهِ وَشَوَى لَهُم عِجلًا سَمِينًا مِن خِيَارِ بَقَرِهِ.
وَلَمَّا قَرَّبَ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ العِجلَ إِلَيهِم وَعَرَضَ عَلَيهِم أَن يَأكُلُوا لَم يَرَ لَهُم هِمَّةً إِلَى الأَكلِ فَإِنَّ مَلَائِكَةَ اللهِ الكِرَامَ لَا يَأكُلُونَ وَلَا يَشرَبُونَ وَلَا يَتعَبُونَ وَلَا يَتَوَالَدُونَ وَلَيسَ فِيهِم حَاجَةٌ إِلَى الطَّعَامِ، فَلَمَّا وَجَدَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ أَنَّ ضُيُوفَهُ لَيسَ لَهُم هِمَّةٌ عَلَى الأَكلِ أَنكَرَ ذَلِكَ وَاستَغرَبَهُ وَأَوجَسَ مِنهُم خِيفَةً أَي خَافَ مِن أَن يَكُونُوا قَد أَتَوا بِسُوءٍ لَهُ وَلِأَهلِهِ، حَيثُ إِنَّ العَرَبَ قَدِيمًا كَانُوا إِذَا قَدَّمُوا الطَّعَامَ لِلضَّيفِ فَلَم يَأكُل مِنهُ ظَنُّوا أَنَّهُ يُرِيدُ الشَّرَّ لَهُم، فَخَوفُ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ مِنهُم خَوفٌ طَبِيعِيٌّ لَيسَ جُبنًا، لَكِن حَذَرًا مِن أَن يُؤذُوهُ وَأَهلَهُ، وَلَيسَ المُرَادُ أَنَّ سَيِّدَنَا إِبرَاهِيمَ أَسَاءَ الظَّنَّ لَا بَل إِنَّمَا هُوَ الحَذَرُ، كُلُّ هَذَا وَهُوَ لَا يَعرِفُ أَنَّهُم مَلَائِكَةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَلَمَّا رَأَتِ المَلَائِكَةُ ذَلِكَ مِن إِبرَاهِيمَ هَدَّؤُوا خَوفَهُ وَقَالُوا لَهُ: لَا تَخَف، وَطَمأَنُوهُ وَذَكَرُوا لَهُ أَنَّهُم مَلَائِكَةُ اللهِ تَعَالَى وَأَنَّهُم فِي طَرِيقِهِم إِلَى مَدَائِنِ قَومِ لُوطٍ الكَافِرِينَ لِيُدَمِّرُوهُم وَيُنزِلُوا بِهِمُ العَذَابَ لِكُفرِهِم وَفُجُورِهِم.
بشارة سارة وقد بلغت سن اليأس بإسحاق عليه السلام
كَانَتِ السَّيِّدَةُ سَارَةُ قَائِمَةً عَلَى رُؤُوسِ الضُّيُوفِ تَقُومُ هِيَ وَسَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ بِخِدمَةِ ضُيُوفِهِمَا بِنَفسَيهِمَا، فَلَمَّا سَمِعَت أَنَّهُم مَلَائِكَةُ اللهِ استَبشَرَت عِندَ ذَلِكَ وَضَحِكَتِ وَذَلِكَ قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [سُورَةُ هُودَ: 71] أَي بَشَّرَتهَا المَلَائِكَةُ بِذَلِكَ، عِندَ ذَلِكَ صَرَخَت سَارَةُ صَرخَةً وَصَكَّت وَجهَهَا كَمَا تَفعَلُ النِّسَاءُ عادة عِندَ التَّعَجُّبِ وَقَالَت: كَيفَ يَلِدُ مِثلِي وَأَنَا امرَأَةٌ كَبِيرَةٌ وَعَقِيمٌ وَزَوجِي شَيخٌ كَبِيرٌ، قِيلَ كَانَ عُمُرُهَا نَحوًا مِن بِضعٍ وَتِسعِينَ سَنَةً وَكَانَ عُمُرُ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ مِائَةَ سَنَةٍ، فَقَالَتِ المَلَائِكَةُ لَهَا: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [سورة هود: 73]، وَكَذَلِكَ تَعَجَّبَ إِبرَاهِيمُ استِبشَارًا بِهَذِهِ البِشَارَةِ فَرَحًا بِهَا ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ [سورة الحجر: 54-55] أَيِ اليَائِسِينَ، فَأَكَّدُوا لِإِبرَاهِيمَ هَذِهِ البِشَارَةَ وَبَشَّرُوهُ وَزَوجَتَهُ سَارَةَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ وَهُوَ إِسحَاقُ أَخُو إِسمَاعِيلَ عَلَيهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
إسحاق عليه السلام
هُوَ نَبِيُّ اللهِ ابنُ نَبِيِّ اللهِ إِبرَاهِيمَ يُقَالُ إِنَّهُ تَزَوَّجَ امرَأَةً فَوَلَدَت لَهُ وَلَدَينِ تَوأَمَينِ عَيصَا وَيَعقُوبُ، وَكَانَ يَعقُوبُ نَبِيًّا وَاسمُهُ كَذَلِكَ إِسرَائِيلُ وَإِلَيهِ يُنسَبُ بَنُو إِسرَائِيلَ.
تُوُفِّيَ إِسحَاقُ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي الشَّامِ وَدُفِنَ قُربَ وَالِدِهِ فِي الخَلِيلِ فِي فِلَسطِينَ. وَهُوَ ثَانِي أَولَادِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ.
خاتمة
اللهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ لَا يُعجِزُهُ شَيءٌ يَفعَلُ مَا يَشَاءُ بِلَا مَشَقَّةٍ وَلَا يُمَانِعُهُ أَحَدٌ. فَهَذِهِ سَارَةُ زَوجَةُ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ بَعدَ أَن بَلَغَت سِنَّ اليَأسِ، وَهُوَ السِّنُّ الَّذِي لَا تَلِدُ المَرأَةُ فِيهِ عَادَةً وَكَانَتِ امرَأَةً عَقِيمًا وَكَانَ عُمُرُهَا تِسعِينَ سَنَةً رَزَقَهَا اللهُ وَرَزَقَ زَوجَهَا إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ابنًا نَجِيبًا عَلِيمًا هُوَ إِسحَاقُ عَلَيهِ السَّلَامُ الَّذِي صَارَ بَعدَ ذَلِكَ نَبِيًّا كَأَخِيهِ إِسمَاعِيلَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ، قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [سورة الصافات: 112-113].
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- تَفسِيرِ البَغَوِيِّ.
- البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ لِابنِ كَثِيرٍ.
- تَفسِيرِ القُرطُبِيِّ.
- المِصبَاحِ المُنِيرِ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ لِلفَيُّومِيِّ.