بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ ربِّ العَالمِين والصلاةُ والسَّلامُ عَلى سيِّدِنَا محمدٍ رَسُولِ الله، أمَّا بَعدُ:
الآية
قال الله تعالى
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
سورة النَّحل
سبب نزول الآية
نَزَلَتْ في عَمَّارِ بنِ ياسرٍ كَمَا جَاءَ مِن طَريقِ أبي عُبَيْدَةَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَمَّارِ بنِ ياسرٍ قَالَ: أَخَذَ المُشرِكونَ عَمَّارًا فَعَذَّبُوهُ حَتَّى قَارَبَهُم فِي بَعضِ مَا أَرَادُوا – أَي قَالَ بَعضَ مَا أَرَادُوا – فَشَكَى ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ لِعَمَّارٍ: “كَيفَ تَجِدُ قَلبَكَ“، فَقَالَ عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ: مُطمَئِنًّا بِالإِيمَانِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: “إِنْ عَادُوا فَعُدْ“.
مَعنَاهُ إِنْ عَادَ الكُفَّارُ إِلَى إِكرَاهِكَ عَلَى التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ بِالقَتلِ فَقُلْـتَهَا فَلَا شَيءَ عَلَيكَ لِأَنَّكَ مُؤْمِنٌ.
تنبيه مهم
بَعضُ النَّاسِ يُورِدُونَ هَذَا الحَدِيثَ: “إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنِّيَّاتِ” فِي غَيرِ مَحَلِّهِ فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ غَيرَهُم، فَإِنَّهُم يُورِدُونَهُ لِدَفعِ تَكفِيرِ مَن يَتَكَلَّمُ بِالكُفرِ عَمدًا عَلَى وَجهِ المِزَاحِ أَو فِي حَالِ الغَضَبِ فَيَقُولُونَ هُوَ لَم يَقصِدِ الخُرُوجَ مِنَ الإِسلَامِ أَو نَحوَ ذَلِكَ، فَهؤُلَاءِ لَم يَعرِفُوا مَعنَى ذَلِكَ الحَدِيثِ، إِنَّمَا مَعنَاهُ أَنَّ الأَعمَالُ التِي أَمَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِبَادَهُ بِهَا لَا تَكُونُ مُعتَبَرَةً إِلَّا بِالنِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالطَّهَارَةِ عَن الحَدَثَينِ وَالحَجِّ وَالجِهَادِ، كُلُّ هَذَا لَا يَكُونُ مَقبُولًا عِندَ اللهِ إِلَّا بِالنِّيَّةِ.
فَلَيسَ مَعنَاهُ كَمَا يَقُولُ بَعضُ الجُهَّالِ، فَتَحَ لِلنَّاسِ بَابًا وَاسِعًا مِنَ الكُفرِ وَوَرَّطَ بِهِ خَلقًا كَثِيرًا، قَالُوا بِزَعمِهِم: الأَلفَاظُ الكُفرِيَّةُ لَا تُؤَثِّرُ إِلَّا أَن تَكُونَ شَارِحًا صَدرَكَ بِهَا وَنَاوِيًا مَعنَاهَا وَمُعتَقِدًا، فَإِنَّهُم جَعَلُوا بِقَولِهِم هَذَا كُلَّ العِبَادِ فِي حُكمِ المُكرَهِ، وَاللهُ تَعَالَى استَثنَى المُكرَهَ فِي كِتَابِهِ بِحُكمٍ خَاصٍّ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إِن شَاءَ اللهُ.
حكم المكره في الآية وهو المهدد بالقتل أو نحوه
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾، فِي الآيَةِ تَقدِيمٌ وَتَأخِيرٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ مَن كَفَرَ بِاللهِ فَعَلَيهِم غَضَبٌ مِنَ اللهِ.
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، أَي قَلبُهُ سَاكِنٌ بِهِ مُطمَئِنٌ وَرَاضٍ عَنهُ وَلَا يَقبَلُ غَيرَهُ.
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾، أَي طَابَ بِهِ نَفسًا وَرَضِيَ بِهِ وَاعتَقَدَهُ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، فَهَذَا الذِي يَكفُرُ مِنَ المُكرَهِينَ، الَّذِي اعتَقَدَ الكُفرَ لَمَّا قَالَهُ وَرَضِيَ بِهِ، أَمَّا مَن لَم يَرضَ بِهِ وَكَانَ قَلبُهُ يُرِيدُ الإِيمَانَ فَلَا يَكفُرُ.
فَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى لِلمُكرَهِ حُكمًا خَاصًا لَا يَتَجَاوَزُهُ إِلَى غَيرِهِ وَهُوَ أَن المُكرَهَ – أَي الَّذِي هُدِّدَ – بِالقَتلِ أَو نَحوِهِ مِمَّا يُفضِي إِلَى المَوتِ كَقَطعِهِ نِصفَينِ أَو قَطعِ يَدَيهِ وَرِجلَيهِ، إِذَا نَطَقَ بِكَلِمَةِ الكُفرِ تَحتَ الإِكرَاهِ وَقَلبُهُ مُطمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ عِندَ نُطقِهِ بِمَا أُكرِهَ عَلَيهِ مِنَ القَولِ الكُفرِيِّ لَيسَ عَلَيهِ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَا يُعَذَّبُ لِأَنَّهُ لَم يَكفُر، هَذَا مَعنَى الآيَةِ. وَلَكنَّ المُكرَهَ إِذَا ثَبَتَ فَلَم يُجِب الكُفَّارَ لِمَا أَرَادُوا مِنهُ فَقَتَلُوهُ يَكُونُ قَد فَازَ بِالشَّهَادَةِ.
وَأَمَّا غَيرُ المُكرَهِ فَإِنَّهُ:
- لَا يُشتَرَطُ لِلحُكمِ عَلَيهِ بِالكُفرِ انشِرَاحُ الصَّدرِ
- وَلَا مَعرِفَةُ الحُكمِ
- وَلَا اعتِقَادُ مَعنَى اللفظِ
لا يشترط للحكم عليه بالكفر انشراح الصدر
لِيُعلَم أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ يعودُ إلى المُكْرَهِ بِالقَتلِ الَّذِي انشَرَحَ صَدْرُهُ لِكَلِمَةِ الكُفْرِ الَّتِي أُكْرِهَ عَلَيهَا – أَي رَضِيَ بِهَا -، هَذَا هُوَ الَّذِي يَكْفُرُ، فَإِنْ لَم يَنشَرِحْ صَدرُهُ لِكَلِمَةِ الكُفرِ الَّتِي أُكْرِهَ عَلَيهَا فَلَا يَكْفُرُ.
أَمَّا غَيرُ المُكْرَهِ بِالقَتلِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ إِذَا نَطَقَ بِكَلَامِ الكُفْرِ إِذَا كَانَ يَفهَمُ مَا يَقُولُ عَلَى غَيرِ وَجْهِ سَبْقِ اللِّسان، سَوَاءٌ أَنْشَرَحَ صَدرُهُ لِمَا تَلَفَّظَ بِهِ مِنَ الكُفْرِ أَم لَا، وَسَواءٌ أَقَصَدَ الخُرُوجَ مِنَ الإِسلَامِ أَم لَا وَلَقَد ذَكَرَ الفُقَهَاءُ الحَنَفِيُّونَ والشَّافِعِيُّونَ أَمثِلَةً كَثِيرَةً تُثْبِتُ كُفْرَ غَيرِ المُكْرَهِ بِالقَتلِ إِذَا نَطَقَ بِكَلَامٍ كُفْرِيٍّ مُتَعَمِّدًا وَهُوَ غَضبَانُ مِن غَيرِ انشِرَاحِ صَدْرِهِ لِمَا يَقُولُ وَمِن غَيرِ أَنْ يَنوِيَ الخُرُوجَ مِنَ الإِسلَامِ كَأَنْ سَبَّ اللهَ تَعَالَى أَو القُرءَانَ أَو الصَّلاةَ أو الصِّيامَ أو الزَّكاةَ أو الحَجَّ أَو أَحَدَ أَنبِيَاءِ اللهِ كَمُوسَى وَعِيسَى وَءَادَمَ يَكُونُ كَافِرًا إِذَا لَم يَكُنْ مُكْرَهًا عَلَى هَذَا السَّبِّ بِالقَتلِ فَفَعَلَ هَذَا فِي حَالِ الرِّضَى أَو فِي حَالِ الغَضَبِ يَكُونُ كَافِرًا، فَإِنَّه كَافرٌ بِإِجمَاعِ العُلَمَاءِ بِلَا شَكٍّ هَذِهِ هِي الفَتوَى الَّتِي عَلَيهَا المُسلِمُونَ جَمِيعُهُم.
وَقَالَ الإِمَامُ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي كِتَابِهِ فَتحُ البَارِي مَا نَصُّهُ: “إِنَّ مِنَ المُسلِمِينَ مَنْ يَخرُجُ مِنَ الدِّينِ مِن غَيرِ أَنْ يَقْصِدَ الخُرُوجَ مِنهُ وَمِن غَيرِ أَن يَختَارَ دِينًا غَيرَ دِينِ الإِسلَامِ”.
لا يشترط للحكم عليه بالكفر معرفة الحكم
وَليُعلَم كَذَلِكَ أَنَّ أُنَاسًا صَارُوا يَنْطِقُونَ بِكَلِمَاتٍ قَبِيحَةٍ خَرَجُوا بِسَبَبِهَا مِنَ الإِسلَامِ إِلَى الكُفرِ وَهُم لَا يَدرُونَ بَأَنَّهُم صَارُوا كَافِرِينَ وَذَلِكَ لِشِدَّةِ جَهلِهِم بِالأَحكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَيسَ جَهلُهُم هَذَا عُذرًا يُنْجِيهِمْ مِنَ الوُقُوعِ فِي الكُفْرِ.
فَإِنَّ مَنْ سَبَّ اللهَ تَعَالَى فِي حَالِ الغَضَبِ أَو نَبِيًّا مِن أَنبِيَائِهِ أَوِ الإِسلَامَ مَثَلًا فَهُوَ كَافِرٌ هَذَا هُوَ الحُكْمُ الشَّرْعِيُّ وَلَيسَ شَرطًا لِتَكفِيرِهِ أَنْ يَكُونَ الشَّاتِمُ عَالِمًا بِهَذَا الحُكمِ الشَّرْعِيِّ، بَل يَكفِي لِتَكفِيرِهِ أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ صَحْوِهِ وَمِنْ غَيرِ سَبْقِ لِسَانٍ وَمِن غَيرِ أَن يَكُونَ مُكْرَهًا عَلَى كَلَامِ الكُفرِ بِالقَتلِ.
الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ
جَاءَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ وَحَسَّنَهُ وَأَقَرَّ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ تَحسِينَهُ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قَال: “إِنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأسًا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبعِينَ خَرِيفًا“، أَي مَسَافَةَ سَبعِينَ عَامًا فِي النُّزُولِ وَذَلِكَ مُنتَهَى جَهَنَّمُ وَهُو خَاصٌّ بِالكٌفَّارِ، فَمَعنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا أَخبَرَ أَنَّهُ يَصِلُ لِلمَكَانِ الخَاصِّ بِالكُفَّارِ يَكُونُ قَد حَكَمَ عَلَيهِ بِالكُفرِ.
فَأَفهَمَنَا رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم بِقَولِهِ: “لَا يَرَى بِهَا بَأسًا” أَنَّهُ لَيسَ شَرطًا لِلوُقُوعِ فِي الكُفْرِ أَنْ يَكُونَ النَّاطِقُ بِكَلَامِ الكُفْرِ عَالِمًا بِحُكْمِ هَذَا الكَلَامِ وَلَا أَنْ يَكُونَ مُعتَقِدًا لِمَعنَاهُ وَإِنَّمَا يَكفِي أَنْ يَكُونَ الشَّخصُ يَفْهَمُ مَعنَى مَا يَقُولُ مِن غَيرِ أَنْ يَكُونَ مُكْرَهًا بِالقَتلِ وَمِنْ غَيرِ سَبقِ اللِّسَانِ.
وَرَوَى هَذَا الحَدِيثَ أَيضًا البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَبِي هُرَيرَةَ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِلَفظِ: “إِنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبعَدَ مِمَّا بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ“.
عمق جهنم مسافة سبعين عاما في النزول
ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ مَعَ بَعضِ أَصحَابِهِ فَسَمِعُوا وَجْبَةً – أَي صَوتَ ارتِطَامِ شَيءٍ بِالأَرضِ – فَقَالَ: “أَتَدرُونَ مَا هَذَا” فَقِيلَ لَهُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، فَقَالَ: “هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنذُ سَبعِينَ خَرِيفًا فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الآنَ حَتَّى انتَهَى إِلَى قَعرِهَا“، رَوَاهُ مُسلِمٌ عَن أَبِي هُرَيرَةَ.
ما هو الكلام المخرج من الإسلام
قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي الكَلَامِ الَّذِي يُوجِبُ الوُصُولَ إِلَى قَعرِ جَهَنَّمَ: “وَذَلِكَ مَا كَانَ فِيهِ استِخفَافٌ بِاللهِ تَعَالَى أَو بِشَرِيعَتِهِ”.
فَالقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ اعتِقَادٍ أَو قَولٍ أَو فِعلٍ يَدُلُّ عَلَى استِخفَافٍ بِاللهِ – كَالسَّبِّ وَالاستِهزَاءِ مَثَلًا – أو كُتُبِهِ أَو رُسُلِهِ أَو مَلَائِكَتِهِ أَو شَعَائِرِهِ – أَي مَا يُعَظِّمُهُ اللهُ كَالمَسَاجِدِ وَالصَّلَاةِ وَنَحوِ ذَلِكَ – أَو مَعَالِمِ دِينِهِ – أَي الأشيَاءِ المُعَظَّمَةِ فِي الدِّينِ – أَو أَحكَامِ شَرِيعَتِهِ أَو وَعدِهِ – كَالجَنَّةِ – أَو وَعِيدِهِ – كَالنَّارِ – كُفرٌ، فَليَحذَرِ الإِنسَانُ مِن ذَلِكَ جَهدَهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ.
فائدة
المُكْرَهُ عَلَى الكُفْرِ بِالقَتلِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْطِقَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ وَهَذَا الحُكْمُ وَارِدٌ فِي شَرعِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَفِي شَرْعِ الأَنبِيَاءِ الَّذِينَ مَضَوْا قَبلَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.