الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ الذي أحسنَ خَلْقَ الإنسانِ وعدَلَه، وألهمَهُ نورَ الإيمانِ فزيّنَهُ به وجمّلَه، وعلَّمَهُ البيانَ فقدَّمَهُ به وفضَّلَه، وأرسلَ عليه سِتْرًا من رحمتِهِ وأسبلَه، ثم أمدّهُ بلسانٍ يترجمُ به عمَّا حواهُ القلبُ وعَقِلَه، من عَلمَ ذلك حصَّلَه ونطقَ به خيرًا يُنزلهُ يومَ القيامةِ منزِله. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ولا ضدَّ ولا ندّ له، وأشهدُ أنّ سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه الذي أكرمَه وبجَّلَه، ونبيَّه الذي أرسلَه بكتابٍ أنزلَهُ وبيَّنَ سُبُلَه، اللهم صلِّ وسلم وباركْ على سيدِنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبِه ما كبَّرَ اللهَ عبدٌ وهلَّلَه.
عبادَ اللهِ اتقُوا اللهَ تعالَى وخافوه، واعلموا أنكم صائرونَ سائرونَ للحساب، وسيُسألُ كلُّ واحدٍ منكم عن قولِهِ وفعلِهِ واعتقادِهِ، “يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ” (الحاقة:18) فاتقوا اللهَ تعالى القائلَ في كتابهِ العظيمِ:“يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ” (ءال عمران:30).
إخوة الإسلام: يقولُ اللهُ تبارك وتعالى في القرءانِ الكريم:” إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ” (سورة هود:114) فاللهُ تعالى تفضّل على عبادِهِ المؤمنينَ بأن جعلَ حسناتِهم كفّاراتٍ لسيئاتِهم، فالحسنةُ الواحدةُ تمحو عشرَ سيئاتٍ من الصغائرِ؛ إذ إن الحسنةَ بعشرةِ أمثالِها، والله تعالى كريمٌ يضاعفُ لمن يشاء. ومن الحسناتِ ما يمحو اللهُ بسببِها عشرَ سيئاتٍ من الكبائرِ. ثم إن اللهَ تعالى لم يقلْ إن السيئاتِ يُذهبنَ الحسناتِ؛ وذلك لأن مظاهرَ رحمةِ اللهِ تعالى أكثرُ من مظاهرِ غضبِهِ، فلا تستوي الحسنةُ مع السيئةِ، فالحسنةُ نورٌ والسيئةُ ظلام، يقول اللهُ تبارك وتعالى:”وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ” (فصّلت:34) فاللهُ تعالى يأمرُنا أن ندفَعَ ونردَّ على السيئةِ بالحسنةِ، فالنجاسةُ لا تزالُ بالنجاسةِ إنما تزالُ بالماء، فإذا أساء إليك أحدٌ فادفع هذه الاساءةَ بالحسنةِ وذلك بأن تعفوَ عنه مثلا؛ بل وتحسنَ إليه؛ إذ ذلك من علاماتِ حسنِ الخلقِ وكمالِ الإيمان.
إخوة الإسلام: لنا في رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم القدوةُ الحسنةُ، فقد روى البخاريُّ في صحيحِه عن السيدةِ الجليلةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: “وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا” فكان صلى الله عليه وسلم معلّما في قولِه وفعله؛ فقد روى البخاريُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَوْصِنِي” أي دلّني على خيرَي ديني ودنياي، فقَالَ صلى الله عليه وسلم: “لَا تَغْضَبْ” فَرَدَّدَ مِرَارًا(1) قَالَ صلى الله عليه وسلم :“لَا تَغْضَبْ”. فهذا حثٌّ منه صلى الله عليه وسلم بقولِهِ على تركِ الغضبِ إذ الغضبُ يجمعُ خصالَ الشرِّ كلِّهِ، وأما في فعلِهِ صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاريُّ في صحيحِه عَنْ الصحابيِّ الجليلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: “كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ(2) نَجْرَانِيٌّ(3) غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً (4)حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ(5) النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ ثُمَّ قَالَ: مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ”. فيا أخي المسلم: سلْ نفسَكَ لو أن أحدَهم جاء إليكَ يطلبُ المالَ وشدّكَ من ثيابِك مثلا، ماذا تفعلُ معه؟ أتقتدي برسولِ اللهِ صلى الله عليهِ وسلم فتدفعُ الاساءةَ بالتي هي أحسنُ فتعفو عنه وتبتسمُ له وتعطيه من المالِ؟ أو ماذا أنت بفاعل؟! نسألُ اللهَ أن يرزقَنا حسنَ الخلق.
إخوة الإيمان: العفوُ عن الناسِ ومقابلةُ الاساءةِ بالإحسان لا يعني بحالٍ أنك ضعيفٌ أو أنك عديمُ الشخصيةِ كما يزعمُ البعضُ، بل هو علامةُ القوةِ والترقي، فقد روى البخاريُّ ومسلمٌ في صحيحَيهِما عن الصحابيِّ الجليلِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ(6) إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ” ، وقد روى الحافظُ البيهقيُ(7) أنَّ جاريةً لعليِّ بنِ الحسينِ بن علي بن أبي طالب رضي اللهُ عنهم كانت تسكُبُ عليه الماءَ ليتهيّأَ للصلاةِ فسقطَ الإبريقُ من يدِ الجاريةِ على وجهِهِ فشجَّهَ(8) فرفَعَ عليُّ بنُ الحسينِ رضي الله عنهما رأسَه إليهَا، فقالت الجاريةُ إن اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ : “وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ” فقال لها قد كظمتُ غَيظِي قالت : “وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ” فقال لها قد عفوتُ عنكِ قالت: “وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” (ءال عمران:134) قال اذهبي فأنتِ حرةٌ. فيا أخي المسلم ادفعِ الاساءةَ بالتي هي أحسنُ واكظُمْ غيظَكَ وأحسنْ للمسيءِ فإن ذلك من أخلاقِ الأتقياء، ونتيجةَ ذلك يومَ القيامةِ دخولُ الجنةِ؛ فقد قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَفِّذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الْحُورِ شَاءَ(9)“(10) ، وما ذاك إلا لأنه قهرَ نفسَه وجاهدَها، فصدَقَ فيه قولُ اللهِ تعالى: “وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)”.(النازعات) ، نسأل اللهَ أن يرزقَنا الجنةَ وما يقرِّبُ إليها من قولٍ أو عملٍ، هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ:
رُوِي عن الإمامِ أحمدَ بنِ حنبل أنه قال: “تسعةُ أعشارِ حسنِ الخلقِ في التغافلِ” أي فلا يقفُ المرءُ على كلِّ شاردةٍ وواردةٍ مما لا خيرَ ولا ضرورةَ في الوقوفِ عليها كما يفعلُ كثيرٌ من الناسِ اليوم، فترى كثيرا من الأزواجِ يقِفُون على كلِّ هفوةٍ وسَقْطةٍ ولا يتجاوزونَ ذلك، فيكثرُ العتابُ فيؤدي ذلك إلى التنافرِ والتباعد، وقد روى الإمامُ مسلمٌ في صحيحِه عن الصحابيِّ الجليلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: “خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ(11) وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي أُفًّا قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا” .نسألُ اللهَ تعالى أن يرزقَنا حسنَ الخلقِ، إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: “إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم اجعلنا من أصحابِ الهممِ العاليةِ، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا وحسّن أخلاقَنا يا رب العالمين. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.
الحاشية
- أي ردد الرجل قوله :”أوصني” أكثر من مرة، وفي كل مرة الرسول صلى الله عليه وسلم يقول له :”لا تغضب”.
- نوع من الثياب.
- نسبة إلى بلدة نجران في اليمن.
- أي شدّه.
- صفحة الشيء: وجهه، والعاتق ما بين المنكب والعنق.
- أي الذي يكثر منه صرع الناس والتغلب عليهم ببدنه.
- شعب الإيمان.
- جرحه.
- كناية عن إدخالِه الجنة.
- رواه الترمذي في سننه وحسنه.
- في رواية: “تسع سنين”.