بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعْدُ:
قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
سُورَة الإِسْرَاء/1
اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعَثَ الأَنْبِيَاءَ رَحْمَةً لِلْعِبَادِ إِذْ لَيْسَ فِى الْعَقْلِ مَا يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْهُمْ لِأَنَّ الْعَقْلَ لا يَسْتَقِلُّ بِمَعْرِفَةِ الأَشْيَاءِ الْمُنْجِيَةِ فِى الآخِرَةِ فَاللَّهُ تَعَالَى مُتَفَضِّلٌ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ.
وَقَدْ أَيَّدَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الأَنْبِيَاءَ بِمُعْجِزَاتٍ لِتَكُونَ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِمْ.
ما هي المعجزة؟
الْمُعْجِزَةُ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ يَظْهَرُ عَلَى يَدِ مُدَّعِى النُّبُوَّةِ مُوَافِقٌ لِلدَّعْوَةِ سَالِمٌ مِنَ الْمُعَارَضَةِ بِالْمِثْلِ
معجزة الإسراء
ثابتة بنص القرءان والحديث
مُعْجِزَةُ الإِسْرَاءِ ثَابِتَةٌ بِنَصِّ الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَيَجِبُ الإِيمَانُ بِأَنَّ اللَّهَ أَسْرَى بِالنَّبِىِّ ﷺ لَيْلًا مِنْ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى.
وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَقِّ مِنْ سَلَفٍ وَخَلَفٍ وَمُحَدِّثِينَ وَمُتَكَلِّمِينَ وَمُفَسِّرِينَ وَفُقَهَاءَ عَلَى أَنَّ الإِسْرَاءَ كَانَ بِالْجَسَدِ وَالرُّوحِ وَفِى الْيَقَظَةِ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَأَنَسٍ وَعُمَرَ وَحُذَيْفَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقَوْلُ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَئِمَّةِ وَقَوْلُ الطَّبَرِىِّ وَغَيْرِهِ.
كيف أسري بالنبي ﷺ؟
شُقَّ صَدْرُ النَّبِىِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُسْرَى بِهِ لَيْلًا مِنْ بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ مِنْ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وقَالَ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ “فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِى وَأَنَا بِمَكَّةَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِى ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيـمَانًا فَأَفْرَغَهَا فِى صَدْرِى ثُمَّ أَطْبَقَهُ” رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أُسْرِىَ بِكَ قَالَ
صَلَّيْتُ لِأَصْحَابِى صَلاةَ الْعَتَمَةِ بِمَكَّةَ مُعْتِمًا وَأَتَانِى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِدَابَّةٍ بَيْضَاءَ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ فَقَالَ ارْكَبْ فَاسْتَصْعَبَتْ عَلَىَّ فَدَارَهَا بِأُذُنِهَا ثُمَّ حَمَلَنِى عَلَيْهَا فَانْطَلَقَتْ تَهْوِى بِنَا يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا حَتَّى بَلَغْنَا أَرْضًا ذَاتَ نَخْلٍ فَأَنْزَلَنِى فَقَالَ صَلِّ فَصَلَّيْتُ ثُمَّ رَكِبْنَا فَقَالَ أَتَدْرِى أَيْنَ صَلَّيْتَ قُلْتُ اللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ صَلَّيْتَ بِيَثْرِبَ صَلَّيْتَ بِطَيْبَةَ فَانْطَلَقَتْ تَهْوِى بِنَا يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا ثُمَّ بَلَغْنَا أَرْضًا فَقَالَ انْزِلْ فَنَزَلْتُ ثُمَّ قَالَ صَلِّ فَصَلَيْتُ ثُمَّ رَكِبْنَا فَقَالَ أَتَدْرِى أَيْنَ صَلَّيْتَ، صَلَّيْتَ بِطُورِ سَيْنَاءَ حَيْثُ كَلَّمَ اللَّهُ عزَّ وَجَلَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ انْطَلَقَتْ تَهْوِى بِنَا يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا ثُمَّ بَلَغْنَا أَرْضًا بَدَتْ لَنَا قُصُورٌ فَقَالَ انْزِلْ فَنَزَلْتُ فَقَالَ صَلِّ فَصَلَّيْتُ ثُمَّ رَكِبْنَا قَالَ أَتَدْرِى أَيْنَ صَلَّيْتَ قُلْتُ اللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِى حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ مِنْ بَابِهَا الْيَمَانِىِّ فَأَتَى قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ فَرَبَطَ بِهِ دَابَّتَهُ وَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ مِنْ بَابٍ فِيهِ تَمِيلُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فَصَلَّيْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ.
وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِمْ فِى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ ءَادَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ فَمَنْ بَعْدَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ إِمَامًا.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى حَدِيثِ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ “ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَجُمِعَ لِىَ الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَقَدَّمَنِى جِبْرِيلُ حَتَّى أَمَمْتُهُمْ ثُمَّ صُعِدَ بِىَ إِلَى السَّمَاءِ” رَوَاهُ النَّسَائِىُّ.
من عجائب ما رأى الرسول ﷺ فى الإسراء
الدُّنْيَا
رَأَى وَهُوَ فِى طَرِيقِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ الدُّنْيَا بِصُورَةِ عَجُوزٍ، وهذا يدل على أن ما مضى من الدنيا أكثر مما بقي.
إِبْلِيسُ
رَأَى شَيْئًا مُتَنَحِّيًا عَنِ الطَّرِيقِ يَدْعُوهُ وَهُوَ إِبْلِيسُ وَكَانَ مِنَ الْجِنِّ الْمُؤْمِنِينَ فِى أَوَّلِ أَمْرِهِ ثُمَّ كَفَرَ لِاعْتِرَاضِهِ عَلَى اللَّهِ
قال الله تعالى
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾
سُورَةَ الْكَهْف/50
وَلا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ إِبْلِيسَ كَانَ طَاوُوسَ الْمَلائِكَةِ فَهُوَ لَمْ يَكُنْ مَلَكًا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾.
وَالرَّسُولُ ﷺ قَالَ: “خُلِقَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ” فَتَبَيَّنَ أَنَّ إِبْلِيسَ مِنَ الْجِنِّ حَقِيقَةً بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ .
ماشطة بنت فرعون
شَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَائِحَةً طَيِّبَةً مِنْ قَبْرِ مَاشِطَةِ بِنْتِ فِرْعَوْنَ وَكَانَتْ مُؤْمِنَةً صَالِحَةً، وَجَاءَ فِى قِصَّتِهَا أَنَّهَا بَيْنَمَا كَانَتْ تَمْشُطُ رَأْسَ بِنْتِ فِرْعَوْنَ سَقَطَ الْمِشْطُ مِنْ يَدِهَا فَقَالَتْ بِسْمِ اللَّهِ فَسَأَلَتْهَا بِنْتُ فِرْعَوْنَ أَوَ لَكِ رَبٌّ إِلَهٌ غَيْرُ أَبِى فَقَالَتِ الْمَاشِطَةُ نَعَمْ رَبِّى وَرَبُّ أَبِيكِ هُوَ اللَّهُ فَأَخْبَرَتْ أَبَاهَا فَطَلَبَ مِنْهَا الرُّجُوعَ عَنْ دِينِهَا فَأَبَتْ فَحَمَّى لَهَا مَاءً فَأَلْقَى فِيهِ أَوْلادَهَا ثُمَّ كَلَّمَهَا طِفْلُهَا الرَضِيعُ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَهُ «يَا أُمَّاهُ اصْبِرِى فَإِنَّ عَذَابَ الآخِرَةِ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا فَلا تَتَقَاعَسِى فَإِنَّكِ عَلَى حَقٍّ» فَقَالَتْ لِفِرْعَوْنَ «لِى عِنْدَكَ طَلَبٌ أَنْ تَجْمَعَ الْعِظَامَ وَتَدْفِنَهَا» فَقَالَ «لَكِ ذَلِكَ» فَأَلْقَاهَا فِيهِ وَقَدْ مَاتَتْ شَهِيدَةً هِىَ وَأَوْلادُهَا.
المجاهدون فى سبيل الله
رَأَى قَوْمًا يَزْرَعُونَ وَيَحْصُدُونَ فِى يَوْمَيْنِ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ هَؤُلاءِ الْمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ.
خطباء الفتنة
رَأَى أُنَاسًا تُقْرَضُ ـ أي تُقَصُّ ـ أَلْسِنَتُهُمْ وَشِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ ـ أي مِقَصَّاتٍ ـ مِنْ نَارٍ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ هَؤُلاءِ خُطَبَاءُ الْفِتْنَةِ يَعْنِى الَّذِينَ يَخْطُبُونَ وَيَدعُونَ لِلشَّرِّ وَالْفِتْنَةِ أَيْ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الضَّلالِ وَالْفَسَادِ وَالْغَشِّ وَالْخِيَانَةِ.
الذى يتكلم بالكلمة الفاسدة
وَرَأَى ثَوْرًا يَخْرُجُ مِنْ مَنْفَذٍ ضَيِّقٍ ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَعُودَ فَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعُودَ إِلَى هَذَا الْمَنْفَذِ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ هَذَا الَّذِى يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ الْفَاسِدَةِ الَّتِى فِيهَا ضَرَرٌ عَلَى النَّاسِ وَفِتْنَةٌ ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَرُدَّهَا فَلا يَسْتَطِيعُ.
الذين لا يؤدون الزكاة
وَرَأَى أُنَاسًا يَسْرَحُونَ كَالأَنْعَامِ وعَلَى عَوْرَاتِهِمْ رِقَاعٌ (قِطَعُ قِمَاشٍ صَغِيرَةٌ) قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ.
تاركو الصلاة
وَرَأَى قَوْمًا تَرْضَخُ رُءُوسُهُمْ (وَالرَّضْخُ كَسْرُ الرَّأْسِ) ثُمَّ تَعُودُ كَمَا كَانَتْ فَقَالَ جِبْرِيلُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَتَثَاقَلُ رُءُوسُهُمْ عَنْ تَأْدِيَةِ الصَّلاةِ.
الزُّناة
وَرَأَى قَوْمًا يَتَنَافَسُونَ عَلَى اللَّحْمِ الْمُنْتِنِ وَيَتْرُكُونَ اللَّحْمَ الْجَيِّدَ الْمُشَرَّحَ فَقَالَ جِبْرِيلُ هَؤُلاءِ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِكَ يَتْرُكُونَ الْحَلالَ فَلا يَطْعَمُونَهُ وَيَأْتُونَ الْحَرَامَ الْخَبِيثَ فَيَأْكُلُونَهُ وَهُمُ الزُّنَاة.
شاربو الخمر
وَرَأَى أُنَاسًا يَشْرَبُونَ مِنَ الصَّدِيدِ الْخَارِجِ مِنَ الزُّنَاةِ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ هَؤُلاءِ شَارِبُو الْخَمْرِ الْمُحَرَّمِ فِى الدُّنْيَا.
الذين يمشون بالغيبة
رَأَى قَوْمًا يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ بِأَظْفَارٍ نُحَاسِيَّةٍ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَغْتَابُونَ النَّاسَ.
ما هي الغيبة؟
الْغِيبَةُ: هي أن تَذكُر أخاكَ المُسلِمَ بِصِفَةٍ فِيهِ وهُو يَكرَه أن تَذكُره بِها.
وَهِي مِنْ أَشَدِّ أَسْبَابِ عَذَابِ الْقَبْرِ هِىَ وَالنَّمِيمَةُ وَتَرْكُ الِاسْتِنْزَاهِ مِنَ الْبَوْلِ.
وَغِيبَةُ الأَتْقِيَاءِ مِنَ الْكَبَائِرِ ثُمَّ الْغِيبَةُ لا تُفْسِدُ الصَّوْمَ قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ لَوْ كَانَتِ الْغِيبَةُ تُفْسِدُ الصَّوْمَ لَمَا صَحَّ لَنَا صَوْمٌ.
المعراج
الْمِعْرَاجُ ثَابِتٌ بِنَصِّ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَأَمَّا الْقُرْءَانُ فَلَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ نَصًّا صَرِيحًا لَكِنْ وَرَدَ فِيهِ مَا يَكَادُ يَكُونُ نَصًّا صَرِيحًا.
الْمِعْرَاجُ ثَابِتٌ بِنَصِّ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَأَمَّا الْقُرْءَانُ فَلَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ نَصًّا صَرِيحًا لَكِنْ وَرَدَ فِيهِ مَا يَكَادُ يَكُونُ نَصًّا صَرِيحًا.
فَقَد قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ﴾ أَي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى جِبرِيلَ لِلمَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَلَى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ عِندَ سِدرَةِ المُنتَهَى.
حديث المعراج
عُرُوجُهُ إِلى السَّمَاوَات وَالتِقاؤُهُ ﷺ بِبعضِ الأنبِيَاء
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى حَدِيثِهِ عَنِ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ: ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ مَنْ أَنْتَ قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ قَالَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ [وَمَعْنَى وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ هَلْ طُلِبَ لِلْعُرُوجِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَلائِكَةَ يَسْأَلُونَ هَلْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْىُ أَمْ لا] قَالَ قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ فَرَحَّبَ بِى وَدَعَا لِى بِخَيْرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقِيلَ مَنْ أَنْتَ قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ قَالَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ قَالَ قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِابْنَىِ الْخَالَةِ عِيسَى بنِ مَرْيَمَ وَيَحْيَى بنِ زَكَرِيَّا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا فَرَحَّبَا وَدَعَوَا لِى بِخَيْرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِى إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ مَنْ أَنْتَ قَالَ جِبْرِيلُ قَيِلَ وَمَنْ مَعَكَ قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ قِيلَ وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ قَالَ قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ ﷺ إِذْ هُوَ قَدْ أُعْطِىَ شَطْرَ الْحُسْنِ فَرَحَّبَ وَدَعَا لِى بِخَيْرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ قَالَ مُحَمَّدٌ قَالَ وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ قَالَ قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ فَرَحَّبَ وَدَعَا لِى بِخَيْرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ قَالَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ قَالَ قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ ﷺ فَرَحَّبَ وَدَعَا لِى بِخَيْرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ قَالَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ قَالَ قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَمَامِى مُوسَى ﷺ فَرَحَّبَ وَدَعَا لِى بِخَيْرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ قِيلَ وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ قَالَ قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ ﷺ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إِلَيْهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِى إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلالِ [جَمْعُ قُلَّةٍ وَهِىَ الْجَرَّةُ الْعَظِيمَةُ] قَالَ فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا غَشِىَ تَغَيَّرتْ فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا
فَرضُ الصَّلَوَاتِ الخَمس
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى حَدِيثِهِ عَنِ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ:
فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَىَّ مَا أَوْحَى فَفَرَضَ عَلَىَّ خَمْسِينَ صَلاةً فِى كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى ﷺ فَقَالَ مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ قُلْتُ خَمْسِينَ صَلاةً قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ [هَذَا لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ فِى مَكَانٍ يَسْكُنُهُ اللَّهُ إِنَّمَا مَعْنَاهُ ارْجِعْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِى تَتَلَقَّى فِيهِ الْوَحْىَ مِنْ رَبِّكَ فَاللَّهُ مَوْجُودٌ بِلا مَكَانٍ] فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذَلِكَ فَإِنِّى قَدْ بَلَوْتُ بَنِى إِسْرَائِيلَ وَخَبِرْتُهُمْ قَالَ فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّى فَقُلْتُ يَا رَبِّ خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِى فَحَطَّ عَنِّى خَمْسًا فَرَجِعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ حَطَّ عَنِّى خَمْسًا قَالَ إِنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذَلِكَ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ قَالَ فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّى تَبَارَكَ وَتَعَالَى [أَىِ الْمَكَانِ الَّذِى كُنْتُ أَتَلَقَّى فِيهِ الْوَحْىَ مِنْ رَبِّى] وَبَيْنَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ حَتَّى قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِكُلِّ صَلاةٍ عَشْرٌ فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلاةً وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ [الْهَمُّ أَمْرٌ دُونَ الْعَزْمِ وَدُونَ الْفِعْلِ] فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً قَالَ فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّى حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ
يَجْدُرُ بِنَا أَنْ نَذْكُرَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَخَالِقُ الأَمَاكِنِ كُلِّهَا وَأَنَّ اللَّهَ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ خَلْقِ الأَمَاكِنِ بِلا هَذِهِ الأَمَاكِنِ كُلِّهَا.
فَلا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ فِى مَكَانٍ أَوْ فِى كُلِّ الأَمْكِنَةِ أَوْ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِى السَّمَاءِ بِذَاتِهِ أَوْ مُتَمَكِّنٌ عَلَى الْعَرْشِ أَوْ حَالٌّ فِى الْفَضَاءِ أَوْ أَنَّهُ قَرِيبٌ مِنَّا أَوْ بَعِيدٌ عَنَّا بِالْمَسَافَةِ تَعَالَى اللَّهُ وَتَنَزَّهَ عَنْ ذَلِكَ وَيَيخرُجُ مِنَ الإِسلَامِ مَنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ.
مَا الْمَقْصُودُ مِنَ الْمِعْرَاجِ
الْمَقْصُودُ مِنَ الْمِعْرَاجِ تَشْرِيفُ الرَّسُولِ بِإِطْلاعِهِ عَلَى عَجَائِبِ الْعَالَمِ الْعُلْوِىِّ وَتَعْظِيمُ مَكَانَتِهِ.
من عجائب ما رأى الرسول ﷺ فى المعراج
مالك خازن النار
مِنْ جُمْلَةِ مَا رَءَاهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ وَلَمْ يَضْحَكْ فِى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ الرَّسُولُ جِبْرِيلَ لِمَاذَا لَمْ يَرَهُ ضَاحِكًا إِلَيْهِ كَغَيْرِهِ فَقَالَ إِنَّ مَالِكًا لَمْ يَضْحَكْ مُنْذُ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ ضَحِكَ لِأَحَدٍ لَضَحِكَ إِلَيْكَ.
البيت المعمور
وَرَأَى فِى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ وَهُوَ بَيْتٌ مُشَرَّفٌ وَهُوَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ كَالْكَعْبَةِ لِأَهْلِ الأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ يَدْخُلُهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ فِيهِ ثُمَّ يَخْرُجُونَ وَلا يَعُودُونَ أَبَدًا.
وَالْمَلائِكَةُ أَجْسَامٌ نُورَانِيَّةٌ ذَوُو أَجْنِحَةٍ لَيْسُوا ذُكُورًا وَلا إِنَاثًا لا يَأْكُلُونَ وَلا يَشْرَبُونَ وَلا يَتَنَاكَحُونَ وَلا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ وَعَدَدُهُمْ لا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ.
سدرة المنتهى
وَهِىَ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ بِهَا مِنَ الْحُسْنِ مَا لا يَصِفُهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَغْشَاهَا فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ وَأَصْلُهَا فِى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ وَتَصِلُ إِلَى السَّابِعَةِ وَرَءَاهَا الرَّسُولُ ﷺ فِى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ.
الجنة
وَهِىَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ مُنْفَصِلَةٌ عَنْهَا، أَعَدَّ اللَّهُ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ الأَتْقِيَاءِ خَاصَّةً مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، وَلِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَعِيمٌ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ مَعَهُمْ.
الحور العين
وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى الْجَنَّةِ الْحُورَ الْعِينِ فَطَلَبَ مِنْهُ سَيِّدُنَا جِبْرِيلُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِنَّ بِالْقَوْلِ فَقُلْنَ لَهُ نَحْنُ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ أَزْوَاجُ قَوْمٍ كِرَامٍ.
الولدان المخلدون
وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى الْجَنَّةِ الْوِلْدَانَ الْمُخَلَّدِينَ وَهُمْ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَيْسُوا مِنَ الْبَشَرِ وَلا مِنَ الْمَلائِكَةِ وَلا مِنَ الْجِنِّ اللَّهُ تَعَالَى خَلَقَهُمْ مِنْ غَيْرِ أُمٍّ وَأَبٍ كَاللُّؤْلُؤِ الْمَنْثُورِ لِيَخْدِمُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ وَالْوَاحِدُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَقَلُّ مَا يَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ هَؤُلاءِ الْوِلْدَانِ عَشَرَةُ ءَالافٍ بِإِحْدَى يَدَىْ كُلٍّ مِنْهُمْ صَحِيفَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَبِالأُخْرَى صَحِيفَةٌ مِنْ فِضَّةٍ.
العرش
ثُمَّ رَأَى الْعَرْشَ وَهُوَ أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ وَحَوْلَهُ مَلائِكَةٌ لا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ وَلَهُ قَوَائِمُ كَقَوَائِمِ السَّرِيرِ يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَعْظَمِ الْمَلائِكَةِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكونُونَ ثَمَانِيَةً. وَقَدْ وَصَفَ الرَّسُولُ أَحَدَهُمْ بِأَنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمائَةِ عَامٍ بِخَفَقَانِ الطَّيْرِ الْمُسْرِعِ، وَالْكُرْسِىُّ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَرْشِ كَحَلْقَةٍ فِى أَرْضٍ فَلاةٍ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ فِى جَنْبِ الْكُرْسِىِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ فِى أَرْضٍ فَلاةٍ وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِىِّ كَفَضْلِ الْفَلاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ“، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ حَجمِ العَرشِ وَالكُرسِيِّ.
وَالْعَرْشُ أَوَّلُ الْمَخْلُوقَاتِ بَعْدَ الْمَاءِ ثُمَّ الْقَلَمُ الأَعْلَى ثُمَّ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ ثُمَّ بَعْدَ أَنْ كَتَبَ الْقَلَمُ عَلَى اللَّوْحِ مَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ.
قَالَ الإِمَامُ عَلِىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَرْشَ إِظْهَارًا لِقُدْرَتهِ وَلَمْ يَتَّخِذْهُ مَكَانًا لِذَاتِهِ» رَوَاهُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِىُّ. فَيَخرُجُ مِنَ الإِسلَامِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ لِأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَلِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَوْجُودٌ بِلا مَكَانٍ.
وصوله ﷺ إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام
ثُمَّ انْفَرَدَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ جِبْرِيلَ بَعْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى حَتَّى وَصَلَ إِلَى مُسْتَوًى يَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلامِ الَّتِى تَنْسَخُ بِهَا الْمَلائِكَةُ فِى صُحُفِهَا مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ.
وَأَمَّا مَا يُقَالُ إِنَّ الرَّسُولَ وَصَلَ مع جِبْرِيل إِلَى مَكَانٍ فَقَالَ جِبْرِيلُ جُزْ فَأَنَا إِنِ اخْتَرَقْتُ احْتَرَقْتُ وَأَنْتَ إِنِ اخْتَرَقْتَ وَصَلْتَ فَهَذَا وَنَحْوُهُ كَذِبٌ وَبَاطِلٌ.
سماعه ﷺ كلام الله تعالى الذاتى الأزلى الأبدى
مِنَ الْمَعْلُومِ لَدَى أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ كَلامَ اللَّهِ الَّذِى هُوَ صِفَةُ ذَاتِهِ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ لا ابْتِدَاءَ لَهُ لَيْسَ كَكَلامِنَا الَّذِى يُبْدَأُ ثُمَّ يُخْتَمُ فَكَلامُهُ تَعَالَى أَزَلِىٌّ لَيْسَ بِصَوْتٍ وَلا حَرْفٍ وَلا لُغَةٍ لِأَنَّ اللُّغَاتِ وَالْحُرُوفَ وَالأَصْوَاتَ مَخْلُوقَةٌ وَلا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَتَّصِفَ بِصِفَةٍ مَخْلُوقَةٍ، فَلِذَلِكَ نَعْتَقِدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ الذَّاتِىَّ الأَزَلِىَّ بِغَيْرِ صَوْتٍ وَلا حَرْفٍ وَلا حُلُولٍ فِى الأُذُنِ.
فَفِى تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ أَزَالَ اللَّهُ عَنْ أَفْضَلِ خَلْقِهِ الْحِجَابَ الَّذِى يَمْنَعُ مِنْ سَمَاعِ كَلامِ اللَّهِ الأَزَلِىِّ الأَبَدِىِّ الَّذِى لَيْسَ كَكَلامِ الْعَالَمِينَ وَفَهِمَ الرَّسُولُ مِنْهُ الأَوَامِرَ الَّتِى أَمَرَ بِهَا وَالأُمُورَ الَّتِى بَلَّغَهَا.
أَسْمَعَهُ اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ كَلامَهُ فِى ذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِى فَوْقَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى لِأَنَّهُ مَكَانُ عِبَادَةِ الْمَلائِكَةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مَكَانٌ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيهِ وَلَيْسَ مَكَانًا يَنْتَهِى إِلَيْهِ وُجُودُ اللَّهِ كَمَا فِى بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُزَيَّفَةِ لِأَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ بِلا مَكَانٍ.
ماذا فهم رسول الله ﷺ من كلام الله الذاتى
فَهِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ كَلامِ اللَّهِ الذَّاتِىِّ فَرْضِيَّةَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَفَهِمَ أَيْضًا أَنَّهُ يُغْفَرُ لِأُمَّتِهِ كَبَائِرُ الذُّنُوبِ لِمَنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ. أَمَّا الْكَافِرُ فَلا يُغْفَرُ لَهُ مَهْمَا كَانَتْ مُعَامَلَتُهُ لِلنَّاسِ حَسَنَةً وَلا يَرْحَمُهُ اللَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلا يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ أَبَدًا إِنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
وَفَهِمَ أَيْضًا مِنْ كَلامِ اللَّهِ الأَزَلِىِّ الأَبَدِىِّ أَنَّ مَنْ عَمِلَ حَسَنَةً وَاحِدَةً كُتِبَتْ لَهُ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَعَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةً وَاحِدَةً.
رؤيته ﷺ لله عز وجل بفؤاده لا بعينه
وَمِمَّا أَكْرَمَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ فِى الْمِعْرَاجِ أَنْ أَزَالَ عَنْ قَلْبِهِ ﷺ الْحِجَابَ الْمَعْنَوِىَّ فَرَأَى اللَّهَ بِفُؤَادِهِ أَىْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ قُوَّةَ الرُّؤْيَةِ فِى قَلْبِهِ لا بِعَيْنِهِ لِأَنَّ اللَّهَ لا يُرَى بِالْعَيْنِ الْفَانِيَةِ فِى الدُّنْيَا.
وَإِنَّمَا يُرَى اللَّهُ فِى الآخِرَةِ بِالْعَيْنِ الْبَاقِيَةِ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الأَشْيَاءِ بِلا مَكَانٍ وَلا جِهَةٍ وَلا مُقَابَلَةٍ وَلا ثُبُوتِ مَسَافَةٍ وَلا اتِّصَالِ شُعَاعٍ بَيْنَ الرَّائِى وَبَيْنَهُ عَزَّ وَجَلَّ.
يرى المؤمنون الله عز وجل لا كما يرى المخلوق
رَوَى الْبُخَارِىُّ وَغَيْرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: “أَمَا إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لا تَضَامُّونَ فِى رُؤْيَتِهِ” أَىْ لا تَشُكُّونَ أَنَّ الَّذِى تَرَوْنَ هُوَ اللَّهُ كَمَا لا تَشُكُّونَ فِى قَمَرِ لَيْلَةِ الْبَدْرِ وَلا يَعْنِى أَنَّ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ الْقَمَرِ مُشَابَهَةٌ. أَمَّا الْكُفَّارُ فَلا يَرَوْنَ اللَّهَ فِى الدُّنْيَا وَلا فِى الآخِرَةِ وَهُمْ مُخَلَّدُونَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ رَأَى رَبَّهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ فِى الْمِعْرَاجِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ [سُورَةَ النَّجْم/11] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ﴾ [سُورَةَ النَّجْم/13] قَالَ رَءَاهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ.
رؤيته ﷺ لسيدنا جبريل عليه السلام على هيئته الأصلية
كَانَ ﷺ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِى الْمَرَّةِ الأُولَى فِى مَكَّةَ عَلَى هَيْئَتِهِ الأَصْلِيَّةِ فَغُشِىَ عَلَيْهِ أَمَّا فِى هَذِهِ اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ فَقَدْ رَءَاهُ لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَلَى هَيْئَتِهِ الأَصْلِيَّةِ فَلَمْ يُغْشَ عَلَيْهِ إِذْ إِنَّهُ ازْدَادَ تَمَكُّنًا وَقُوَّةً فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا فِى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾ [سُورَةَ النَّجْم] قَالَتْ ذَاكَ جِبْرِيلُ كَانَ يَأْتِيهِ وَإِنَّهُ أَتَاهُ فِى هَذِهِ الْمَرَّةِ فِى صُورَتِهِ الَّتِى هِىَ هَيْأَتُهُ الأَصْلِيَّةُ فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ.
وَلَيْسَ مَعْنَى هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾ أَنَّ اللَّهَ دَنَا مِنَ الرَّسُولِ حَتَّى قَرُبَ مِنْهُ بِالْمَسَافَةِ قَدْرَ ذِرَاعَيْنِ أَوْ أَقَلَّ وَالَّذِى يَعْتَقِدُ هَذَا يَضِلُّ وَيَكْفُرُ. أَمَّا الْمَعْنَى الصَّحِيحُ فَهُوَ أَنَّ جِبْرِيلَ دَنَا مِنْ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿فَتَدَلَّىٰ﴾ أَىْ جِبْرِيلُ فِى دُنُوِّهِ مِنْ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ أَىْ ذِرَاعَيْنِ ﴿أَوْأَدْنَىٰ﴾ أَىْ بَلْ أَقْرَبَ وَهُنَاكَ ظَهَرَ لَهُ بِهَيْأَتِهِ الأَصْلِيَّةِ وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ وَكُلُّ جَنَاحٍ يَسُدُّ مَا بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ.
وَيُقَالُ إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ مَرَّ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ بِقَوْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ كُفَّارٌ مِنَ الْبَشَرِ وَبَلَّغَهُمُ الدَّعْوَةَ. وَكَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ رَجُلٌ وَلِىٌّ صَالِحٌ بَنَى عَلَيْهِمْ سَدًّا مِنْ حَدِيدٍ وَنُحَاسٍ أَذَابَهُمَا فَهُمْ مَحْجُوزُونَ خَلْفَ السَّدِّ فِى هَذِهِ الأَرْضِ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ.
ماذا حصل بعد رجوع الرسول من المعراج
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَانَ ذَهَابُهُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى وَعُرُوجُهُ إِلَى أَنْ عَادَ إِلَى مَكَّةَ فِى نَحْوِ ثُلُثِ لَيْلَةٍ أَخْبَرَ أُمَّ هَانِئٍ بِذَلِكَ ثُمَّ أَخْبَرَ الْكُفَّارَ أَنَّهُ أُسْرِىَ بِهِ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ فَتَجَهَّزَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى أَبِى بَكْرٍ فَقَالُو لَهُ هَلْ لَكَ فِى صَاحِبِكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فِى لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَوَ قَالَ ذَلِكَ قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَأَشْهَدُ لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ قَالُوا فَتُصَدِّقُهُ بِأَنْ يَأْتِىَ الشَّامَ فِى لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَى مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ قَالَ نَعَمْ إِنِّى أُصَدِّقُهُ بِأَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ فَبِهَا سُمِّىَ أَبُو بَكْرٍ بالصِّدِّيقِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَطَلَبَ الْكُفَّارُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَصِفَ لَهُمُ الْمَسْجِدَ الأَقْصَى لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَمْ يَرْحَلْ مَعَ أَهْلِ بَلَدِهِ إِلَى هُنَاكَ قَطُّ فَجَمَعَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ قَوْمَهُ فَحَدَّثَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِمَا رَأَى فَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ مِمَّنْ كَانَ قَدْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ وَرَأَى الْمَسْجِدَ أَمَّا النَّعْتُ فَقَدْ وَاللَّهِ أَصَابَ.
تنبيه مهم
عَلَى كُلِّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ وَأَنَّهُ مُتَحَيِّزٌ فِى مَكَانٍ أَوْ أَنَّهُ دَنَا مِنَ الرَّسُولِ بِذَاتِهِ أَوْ أَنَّهُ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ الرُّجُوعُ عَنْ هَذَا وَالنُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّهُ يَكونُ بِذَلِكَ قَدْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ وَكَذَّبَ الْقُرْءَانَ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سُورَةَ الشُّورَى/11] وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِىُّ السَّلَفِىُّ تَعَالَى يَعْنِى اللَّهَ عَنِ الْحُدُودِ وَالْغَايَاتِ وَالأَرْكَانِ وَالأَعْضَاءِ وَالأَدَوَاتِ. وَهَذَا تَنْزِيهٌ صَرِيحٌ صَرَّحَ بِهِ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِىُّ الَّذِى كَانَ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنَ الْقَرْنِ الرَّابِعِ وَعَشَرَاتٍ مِنَ السِّنِينَ مِنَ الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهِجْرِىِّ فِى عَقِيدَتِهِ الَّتِى هِىَ عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَىِ الَّذِينَ هُمْ عَلَى مَا عَلَيْهِ الرَّسُولُ وَالْجَمَاعَةِ أَىِ الَّذِينَ هُمْ مَعَ جُمْهُورِ الأُمَّةِ.
وَصَدَقَ الْقَائِلُ
يَا مَنْ بِهَدْيِكَ أَفْلَحَ السُّعَدَاءُ *** هَذِى عِظَاتُكَ لِلْقُلُوبِ دَوَاءُ
يَا مَنْ بُعِثْتَ إِلَى الْخَلائِقِ رَحْمَةً *** أَقْسَمْتُ إِنَّكَ رَحْمَةٌ وَضِيَاءُ
وَبُعِثْتَ أُمِّيًّا تَقُولُ فَتَغْتَذِى *** مِنْكَ الْعُقُولُ وَتَسْتَقِى الْعُلَمَاءُ
وَعَدَلْتَ فِى أَمْرِ الْعِبَادِ فَيَسْتَوِى *** فِى دِينِكَ الْفُقَرَاءُ وَالأُمَرَاءُ
وَسَرَيْتَ مَسْرَى الْبَدْرِ يَسْطَعُ مُشْرِقًا *** فِى الْكَائِنَاتِ فَتَنْجَلِى الظَّلْمَاءُ
وَالْمَسْجِدُ الأَقْصَى عَلَيْهِ مِنَ التُّقَى *** حُلَلٌ وَمِنْ نُورِ الْهُدَى لَأْلاءُ
وَالأَنْبِيَاءُ بِبَابِهِ قَدْ شَاقَهُمْ *** نَحْوَ النَّبِىِّ مَحَبَّةٌ وَرِضَاءُ
يَا صَاحِبَ الْمِعْرَاجِ فَوْقَ الْمُنْتَهَى *** لَكَ وَحْدَكَ الْمِعْرَاجُ وَالإِسْرَاءُ
يَا وَاصِفَ الأَقْصَى أَتَيْتَ بِوَصْفِهِ *** وَكَأَنَّكَ الرَّسَّامُ وَالْبَنَّاءُ