الإنصات إلى خطبة الجمعة وحكم الكلام أثناءها

الإنصات إلى خطبة الجمعة وحكم الكلام أثناءها

المقدمة

إِنَّ الجُمُعَةَ وَصَلَاتَهَا مِن شَعَائِرِ الإِسلَامِ الَّتِي يَنبَغِي عَلَى مَن يَأتِي إِلَيهَا مِنَ المُصَلِّيْنَ أَن يُقبِلَ أَثنَاءَ الخُطبَةِ عَلَى الإِمَامِ بِكُلِّيَتِهِ، وَأَن يُفرِغَ قَلبَهُ مِن عَوَالِقِ الدُّنيَا وَيَشغَلَهُ بِالِاستِمَاعِ وَالإِصغَاءِ وَالإِنصَاتِ لِلخُطبَةِ بِخُشُوعٍ وَتَدَبُّرٍ وَأَدَبٍ وَفَهمٍ لِمَعَانِيهَا، فَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَبِي الدَّردَاءِ: “إِذَا سَمِعتَ إِمَامَكَ يَتَكَلَّمُ فَأَنصِت حَتَّى يَفرُغَ“، رَوَاهُ أَحمَدُ.

حكم الإنصات والكلام أثناء الخطبة

يُسَنُّ لِمَن سَمِعَ الخُطبَةَ السُّكُوتُ وَالِاستِمَاعُ لَهَا، وَالكَلَامُ وَالإِمَامُ يَخطُبُ مَكرُوهٌ وَيُؤَثِّرُ عَلَى ثَوَابِ الجُمُعَةِ وَيَنقُصُ مِنهُ، وَقَالَ المَالِكِيَّةُ وَالحَنَابِلَةُ: يَجِبُ الإِنصَاتُ أَثنَاءَ الخُطبَةِ، وَالكَلَامُ فِيهَا حَرَامٌ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرآنُ فَاستَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾، [سورة الأعراف: 204]، وَقَد ذُكِرَ فِي التَّفسِيرِ أَنَّهَا نَزَلَت فِي الخُطبَةِ، وَسُمِّيَتِ الخُطبَةُ قُرآنًا لِاشتِمَالِهَا عَلَيهِ.

وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: “إِذَا قُلتَ لِصَاحِبِكَ يَومَ الجُمُعَةِ: أَنصِت وَالإِمَامُ يَخطُبُ فَقَد لَغَوتَ“، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.

وَقَالَ ﷺ: “مَن قَالَ: صَه، فَقَد لَغَا، وَمَن لَغَا فَلَا جُمُعَةَ لَهُ“، رَوَاهُ أَحمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.

قَالَ ابنُ الأَثِيرِ: “صَهْ”: وَهِيَ كلمةُ زَجْر تُقَال عِنْدَ الإسْكَات، وَتَكُونُ للواحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ، والمذكَّر والمُؤَنث، بِمَعْنَى اسْكُت.

وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “وَالَّذِي يَقُولُ: أَنصِت لَيسَ لَهُ جُمُعَةٌ“، رَوَاهُ أَحمَدُ.

وَمَعنَى “لَا جُمُعَةَ لَهُ” أَو “لَيسَ لَهُ جُمُعَةٌ” أَي لَا جُمُعَةَ كَامِلَةٌ لَهُ، بَل يَنقُصُ الكَلَامُ مِن ثَوَابِ جُمُعَتِهِ وَلَيسَ المَعنَى أَنَّ جُمُعَتَهُ تَبطُلُ أَو لَا تَصِحُّ.

أَمَّا مَن لَم يَسمَعِ الخُطبَةَ كَأَن كَانَ فِي مَسجِدٍ كَبِيرٍ وَلَا يَصِلُهُ صَوتُ الإِمَامِ فَلَهُ أَن يَسكُتُ وَلَهُ أَن يَشتَغِلَ بِالذِّكرِ أَوِ القِرَاءَةِ.

حكم كلام الخطيب بغير الخطبة إذا كان لمصلحة

أَمَّا الخَطِيبُ فَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيهِ الجُمهُورُ أَنَّ لَهُ أَن يَتَكَلَّمَ أَثنَاءَ الخُطبَةِ بِغَيرِ الخُطبَةِ لِمَصلَحَةٍ، فَقَد رَوَى البَيهَقِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخطُبُ يَومَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَأَومَأَ النَّاسُ إلَيهِ بِالسُّكُوتِ، فَلَم يَقبَل وَأَعَادَ الكَلَامَ ثَلَاثًا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الثَّالِثَةِ: «مَا أَعدَدتَ لَهَا؟» فَقَالَ حُبَّ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّكَ مَعَ مَن أَحبَبتَ».

الإشارة في الخطبة

تَجُوزُ الإِشَارَةُ أَثنَاءَ الخُطبَةِ لِلحَاجَةِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي المَجمُوعِ وَالخَطِيبُ الشِّربِينِيُّ فِي مُغنِي المُحتَاجِ، وَيُستَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ الأَعرَابِيِّ السَّابِقِ الذِّكرِ حَيثُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ مَتَى السَّاعَةُ؟ فَأَومَأَ أَي أَشَارَ النَّاسُ إِلَيهِ بِالسُّكُوتِ، وَلَو كَانَت إِشَارَتُهُم مُحَرَّمَةً لَنَهَاهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ.

ما يستثنى من تحريم الكلام

يُستَثنَى مِن حُكمِ الكَلَامِ أَثنَاءَ الخُطبَةِ أُمُورٌ مِنهَا:

  1. الكَلَامُ لِأَمرٍ مُهِمٍّ نَاجِزٍ أَي مُستَعجَلٍ: فَلَو رَأَى أَعمى يَمشِي إِلَى بِئرٍ وَأَوشَكَ أَن يَقَعَ فِيهِ، أَو عَقرَبًا أَو نَحوَهُ يَمشِي إِلَى إِنسَانٍ لَا يَرَاهُ فَأَنذَرَهُ، أَو عَلَّمَ إِنسَانًا خَيرًا، أَو نَهَاهُ عَن مُنكَرٍ، فَهَذَا لَيسَ بِحَرَامٍ بِلَا خِلَافٍ، نَصَّ عَلَيهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ الأَصحَابُ عَلَى التَّصرِيحِ بِهِ، لَكِن قَالُوا: يُستَحَبُّ أَن يَقتَصِرَ عَلَى الإِشَارَةِ إِن حَصَلَ بِهَا المَقصُودُ.
  2. رَدُّ السَّلَامِ: فَيَجِبُ رَدُّ السَّلَامِ لَو دَخَلَ شَخصٌ أَثنَاءَ الخُطبَةِ وَسَلَّمَ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّيخُ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيُّ فِي فَتحِ الوَهَّابِ.
  3. تَشمِيتُ العَاطِسِ أَثنَاءَ الخُطبَةِ: فَيُسَنُّ تَشمِيتُ العَاطِسِ أَيضًا أَي قَولُ يَرحَمُكَ اللهُ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّيخُ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيُّ فِي فَتحِ الوَهَّابِ.
  4. الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِندَ ذِكرِهِ فِي الخُطبَةِ: فَيُسَنُّ رَفعُ الصَّوتِ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِندَ قِرَاءَةِ الخَطِيبِ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، [سورة الأحزاب: 56]، لَكِن قَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: يَقُولُهَا سِرًّا وَلَا يَرفَعُ صَوتَهُ بِهَا.

كيف يدعو الشخص حال الخطبة وهو مأمور بالإنصات

قَالَ ابنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ فِي شَرحِ العُبَابِ: وَقَد سُئِلَ البُلقِينِيُّ: كَيفَ يَدعُو حَالَ الخُطبَةِ وَهُوَ مَأمُورٌ بِالإِنصَاتِ؟، فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَيسَ مِن شُرُوطِ الدُّعَاءِ التَّلَفُظُّ، بَلِ استِحضَارُهُ بِقَلبِهِ كَافٍ، فَلِهَذَا هُنَاكَ خِلَافٌ فِي استِحبَابِ قَولِ ءَامِينَ وَالإِمَامُ يَدعُو.

الخاتمة

تَنَبَّه أَخِي المُسلِمَ إِلَى أَنَّ المَقصُودَ مِنَ الخُطبَةِ هُوَ الوَعظُ وَتَعلِيمُ النَّاسِ مَسَائِلَ الدِّينِ، فَلَا يَنبَغِي أَن تَشغَلَ هَذَا الوَقتَ القَصِيرَ فِيمَا لَا خَيرَ فِيهِ وَتَشغَلَ قَلبَكَ وَفِكرَكَ فِي عَوَالِقِ الدُّنيَا، بَلِ اشغَل قَلبَكَ فِي فَهمِ مَعَانِي الخُطبَةِ وَتَدَبَّرِ النَّصَائِحَ المُوَجَّهَةَ إِلَيكَ فِيهَا، اخشَع للهِ تَعَالَى وَاتَّعِظ فَإِنَّهُ يَجتَمِعُ فِي وَقتِ الخُطبَةِ فَضَائِلُ عَدِيدَةٌ، فَأَنتَ تَجلِسُ فِي المَسجِدِ الَّذِي هُوَ مِن خَيرِ بِقَاعِ الأَرضِ وَالِاعتِكَافُ فِيهِ مُستَحَبٌّ، وَيَومُ الجُمُعَةِ خَيرُ أَيَّامِ الأُسبُوعِ وَهُوَ يَومُ عِيدٍ لِلمُسلِمِينَ لِمَا فِيهِ مِنَ الفَضَائِلِ وَالخَيرَاتِ، زِد عَلَى ذَلِكَ أَنَّكَ تَحضُرُ مَجلِسَ عِلمٍ يُتلَى فِيهِ كَلَامَ اللهِ وَيُذَاكَرُ فِيهِ المَعلُومَاتُ الشَّرعِيَّةُ، وَأَضِف إِلَى كُلِّ هَذَا أَنَّ فِي استِمَاعِكَ لِلخُطبَةِ ثَوَابًا، فَلَا تُضَيِّع عَلَى نَفسِكَ هَذَا الخَيرَ العَظِيمَ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  3. صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  4. صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  5. سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
  6. مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ.
  7. المَجمُوعِ للإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
  8. فَتحِ الوَهَّابِ للشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
  9. شَرحِ العُبَابِ لِابنِ حَجَرٍ الهَيتَمِيِّ.
  10. مُغنِي المُحتَاجِ لِلخَطِيبِ الشِّربِينِيِّ.
  11. النِّهَايَةِ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ لِابنِ الأَثِيرِ الجَزَرِيِّ.