الاستحاضة: تعريفها وأحكامها

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

إِنَّ مِنَ المَسَائِلِ الَّتِي يَكثُرُ فِيهَا الاضطِرَابُ، وَيَشتَدُّ فِيهَا الإِشكَالُ عِندَ كَثِيرٍ مِنَ النِّسَاءِ، مَسأَلَةَ الاستِحَاضَةِ، تِلكَ الحَالُ الَّتِي تَختَلِطُ فِيهَا الأَحكَامُ، وَتَتَدَاخَلُ فِيهَا الظُّنُونُ، فَيَقَعُ الحَرَجُ، وَتَضِيقُ النُّفُوسُ بَينَ خَوفِ التَّقصِيرِ فِي العِبَادَةِ، وَالوُقُوعِ فِي مُخَالَفَةِ الحُكمِ الشَّرعِيِّ.

فَالاستِحَاضَةُ لَيسَت حَيضًا، وَمَع ذَلِكَ تُشَارِكُهُ فِي الظَّاهِرِ، فَتُورِثُ لُبسًا عِندَ مَن لَم يَتَبَيَّن فِقهَهَا، مِمَّا يَجعَلُ تَعَلُّمَ أَحكَامِهَا مِنَ الضَّرُورَاتِ الَّتِي لَا غِنَى لِلمَرأَةِ عَنهَا.

وَسَنَتَنَاوَلُ فِي هَذَا المَقَالِ الكَلَامَ عَنِ المُستَحَاضَةِ وَأَحكَامِهَا عَلَى مَذهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ. 

تعريف الاستحاضة

هِيَ دَمُ عِلَّةٍ يَخرُجُ مِنَ المَرأَةِ فِي غَيرِ زَمَنِ الحَيضِ وَالنِّفَاسِ، مِن عِرقٍ أَدنَى الرَّحِمِ يُقَالُ لَهُ العَاذِلُ.

أحكم المستحاضة 

  • الاستِحَاضَةُ كَسَلَسٍ، فَلَا تَمنَعُ مَا يَمنَعُهُ الحَيضُ مِن صَلَاةٍ وَصَومٍ وَطَوَافٍ وَغَيرِ ذَلِكَ.
  • المُستَحَاضَةُ يَجِبُ عَلَيهَا أَن تُصَلِّيَ فَإِذَا أَرَادَت أَن تُصَلِّيَ تَغسِلُ فَرجَهَا ثُمَّ تَحشُوهُ بِنَحوِ قُطنَةٍ ثُمَّ تَعصِبَهُ بِأَن تَشُدَّهُ بِخِرقَةٍ مَشقُوقَةِ الطَّرَفَينِ تُخرِجَ أَحدَهُمَا أَمَامَهَا وَالآخَرُ وَرَاءَهَا وَتَربِطَهُمَا بِخِرقَةٍ تَشُدَّ بِهَا وَسَطَهَا. وَلَا يَتَعَيَّنُ فِعلُ هَذَا، بَل لَو فَعَلَت شَيئًا آخَرَ مِمَّا يُفِيدُ مَا يُفِيدُهُ هَذَا مِن دَفعِ الدَّمِ كَفَى. وَإِن تَأَذَّتِ المَرأَةُ بِالحَشوِ وَالعَصبِ لَم يَلزَمهَا، وَإِن كَانَت صَائِمَةً يَجِبُ عَلَيهَا أَن تَترُكَ الحَشوَ حَتَّى لَا يَفسُدَ صِيَامُهَا. 
  • وَتَتَوَضَّأُ المُستَحَاضَةُ بِنِيَّةِ الوُضُوءِ أَوِ استِبَاحَةِ الصَّلَاةِ، لَا بِنِيَّةِ رَفعِ الحَدَثِ لِأَنَّهَا دَائِمَةُ الحَدَثِ. وَيَجِبُ عَلَيهَا المُوَالَاةُ فِي أَعضَاءِ الوُضُوءِ بِأَن تَغسِلَ العُضوَ قَبلَ أَن يَجِفَّ العُضوُ الَّذِي قَبلَهُ. وَإِن لَم تَجِدِ المُستَحَاضَةُ المَاءَ تَيَمَّمَت.
  • وَتَفعَلُ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ لِكُلِّ فَرضٍ بَعدَ دُخُولِ وَقتِهِ لَا قَبلَهُ، وَعَلَيهَا أَن تُبَادِرَ بِالفَرضِ بَعدَ التَّطَهُّرِ تَقلِيلًا لِلحَدَثِ، فَإِن أَخَّرَت أَعَادَت جَمِيعَ ذَلِكَ، إِلَّا أَن تَكُونَ قَد أَخَّرَت لِمَصلَحَةِ الفَرضِ كَسَترٍ لِلعَورَةِ وَانتِظَارِ جَمَاعَةٍ وَإِجَابَةِ مُؤَذِّنٍ وَاجتِهَادٍ فِي قِبلَةٍ فَلَا يَضُرُّ.

فَالاستِحَاضَةُ لَا تُحَرِّمُ مَا يُحَرِّمُهُ الحَيضُ، فَالمُستَحَاضَةُ حُكمُهَا فِيمَا يَلزَمُهَا وَتَستَبِيحُهُ حُكمُ النِّسَاءِ الطَّاهِرَاتِ، إِلَّا فِي الطَّهَارَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، فَتُصَلِّي وَتَصُومُ وتَطُوفُ وَلَهَا حَملُ المُصحَفِ إِن تَطَهَّرَت، وَتَقرَأُ القُرءَانَ وَتَمكُثُ فِي المَسجِدِ إِن أَمِنَت تَلوِيثَهُ، وَلِزَوجِهَا أَن يَطَأَهَا، وَلَا يَحرُمُ طَلَاقُهَا حَالَ الاستِحَاضَةِ. 

ألوان الدم 

  • أَسوَدُ، وَالمُرَادُ بِالأَسوَدِ الأَحمَرُ الَّذِي مِن شِدَّتِهِ يَضرِبُ إِلَى السَّوَادِ، لَا الأَسوَدُ الصَّافِي فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ حَيضًا.
  • وَأَحمَرُ، مَعرُوفٌ. 
  • وَأَشقَرُ، الأَحمَرُ المُشرِقُ، يَمِيلُ إِلى الزَّهرِيِّ.
  • وَأَصفَرُ، يَمِيلُ إِلى لَونِ القَيحِ.
  • وَأَكدَرُ، مَا لَونُهُ قَرِيبٌ مِن لَونِ التُّرَابِ، يُشبِهُ غُسَالَةَ اللَّحمِ.

فاَلأَسوَدُ قَوِيٌّ بِالنِّسبَةِ لِلأَحمَرِ وَالأَحمَرُ قَوِيٌّ بِالنِّسبَةِ لِلأَشقَرِ وَالأَشقَرُ قَوِيٌّ بِالنِّسبَةِ لِلأَصفَرِ وَالأَصفَرُ قَوِيٌّ بِالنِّسبَةِ لِلأَكدَرِ.

صفات الدماء

  • الثُّخُونَةُ.   
  • الرِّقَّةُ 
  • النُّتنُ: أَيِ الرَّائِحَةُ الكَرِيهَةُ.  

فَالَّذِي لَهُ رَائِحَةٌ أَقوَى مِنَ الَّذِي لَا رَائِحَةَ لَهُ، وَالثَّخِينُ أَقوَى مِنَ الرَّقِيقِ، وَالَّذِي لَهُ ثَلَاثُ صِفَاتٍ أَقوَى مِنَ الَّذِي لَهُ صِفَتَانِ كَأَسوَدَ ثَخِينٍ مُنتِنٍ أَقوَى مِن أَسوَدَ ثَخِينٍ غَيرِ مُنتِنٍ أَو أَسوَدَ رَقِيقٍ. 

أقسام المستحاضة

أَكثَرُ الحَيضِ خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا، فَإِذَا رَأَتِ المَرأَةِ الدَّمَ أَكثَرَ مِن خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا لَا يُمكِنُ اعتِبَارُ جَمِيعِهِ حَيضًا، وَكَذَا لَو جَاوَزَ الدَّمُ النَّازِلُ بَعدَ الوَلَدِ سِتِّينَ يَومًا لَا يُمكِنُ اعتِبَارُ جَمِيعِهِ نِفَاسًا، لِأَنَّ أَكثَرَ النِّفَاسِ سِتُّونَ يَومًا، فَتَحتَاجُ أَن تَعرِفَ مَا الَّذيِ يَكُونُ حَيضًا أَو نِفَاسًا وَمَا الَّذِي يَكُونُ استِحَاضَةً، وَلِمَعرِفَةِ ذَلِكَ قَوَاعِدُ يُرجَعُ إِلَيهَا فِي ذَلِكَ تُبَيَّنُ فِي مَا يَأتِي.

صور المستحاضة:

مُبتَدَأَةٌ مُمَيِّزَةٌمُبتَدَأَةٌ غَيرُ مُمَيِّزَةٍ. 
مُعتَادَةٌ مُمَيِّزَةٌ. مُعتَادَةٌ غَيرُ مُمَيِّزَةٍ 
مُعتَادَةٌ غَيرُ مُمَيِّزَةٍ نَاسِيَةٌ لِعَادَتِهَا قَدرًا وَوَقتًا، وَهِيَ المُتَحَيِّرَةُ.مُعتَادَةٌ غَيرُ مُمَيِّزَةٍ ذَاكِرَةٌ لِعَادَتِهَا قَدرًا لَا وَقتًا، وَهِيَ المُتَحَيِّرَةُ.
مُعتَادَةٌ غَيرُ مُمَيِّزَةٍ ذَاكِرَةٌ لِعَادَتِهَا وَقتًا لَا قَدرًا، وَهِيَ المُتَحَيِّرَةُ. 

المميِّزة

هِيَ مَن تَرَى الدَّمَ بِصِفَتَينِ قَوِيٍّ وَضَعِيفٍ، فَيُحَكَمُ عَلَى القَوِيِّ بِأَنَّهُ حَيضٌ، وَعَلَى الضَّعِيفِ وَلَو طَالَ بِأَنَّهُ استِحَاضَةٌ. وَلَا تَرجِعُ المَرأَةُ حِينَئِذٍ إِلَى عَادَتِهَا، وَإِنَّمَا تَعتَمِدُ عَلَى التَّميِيزِ.

وَالأَصلُ فِي هَذَا القِسمِ مَا أَخرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَن فَاطِمَةَ بِنتِ أَبِي حُبَيشٍ أَنَّهَا كَانَت تُستَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا كَانَتِ الحَيْضَةُ فَإِنَّهَا دَمٌ أَسوَدُ يُعرَفُ، فَإِن كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، وَإِن كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي».

 وَفِي الدَّورِ الأَوَّلِ أَي إِذَا جَاوَزَ الدَّمُ الخَمسَةَ عَشَرَ يَومًا أَوَّلَ مَرَّةٍ، لَا تَحكُمُ المَرأَةُ عَلَى الضَّعِيفِ بِأَنَّهُ استِحَاضَةٌ إِلَّا بَعدَ مُجَاوَزَةِ الدَّمِ خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا، فَإِذَا استَمَرَ نُزُولُ الدَّمِ، فَفِي الدَّورِ الثَّانِي وَمَا بَعدَهُ تَغتَسِلُ المُمَيِّزَةُ بَعدَ انقِطَاعِ الدَّمِ القَوِيِّ وَتُصَلِّي مَعَ استِمرَارِ نُزُولِ الدَّمِ الضَّعِيفِ، وَلَا تَنتَظِرُ مُجَاوَزَةَ الدَّمِ خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا لِتَحكُمَ عَلَى الضَّعِيفِ بِأَنَّهُ استِحَاضَةٌ، لِأَنَّ الاستِحَاضَةَ عِلَّةٌ مُزْمِنَةٌ، فَالظَّاهِرُ دَوَامُهَا.

شروط اعتبار الدم حيضا أو استحاضة

  1. وَيُشتَرَطُ أَن لَا يَقِلَّ الدَّمُ القَوِيُّ عَن يَومٍ وَلَيلَةٍ وَلَا يَزِيدُ عَلَى خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا، لِأَنَّ المُمَيِّزَةَ تَعتَبِرُ القَوِيَّ حَيضًا، وَالحَيضُ هَذَا شَرْطُهُ.
  2. وَيُشتَرَطُ أَن لَا يَقِلَّ مَا بَينَ القَوِيَّينِ عَن خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا، فَإِذَا نَزَلَ دَمٌٌ ضَعِيفٌ بَعدَ القَوِيِّ وَاستَمَرَّ حَتَّى اتَّصَلَ بِقَوِيٍّ بَعدَهُ اشتُرِطَ أَن لَا يَقِلَّ الضَّعِيفُ عَن خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا وِلَاءً، بِأَن لَا يَتَخَلَّلَ هَذَا الضَّعِيفَ قَوِيٌّ ءاخَرَ.

أمثلة

  • امرَأَةٌ رَأَت عَشَرَةَ أَيَّامٍ دَمًا قَوِيًّا، ثُمَّ خَمسَةَ عَشَرَ دَمًا ضَعِيفًا، ثُمَّ عَشَرَةً دَمًا قَوِيًّا، فَيُقَالُ شُرُوطُ التَّميِيزِ اكتَمَلَت هُنَا، تَرَى دَمًا عَلَى صِفَتَينِ، وَالقَوِيُّ لَم يَتَجَاوَزِ الخَمسَةَ عَشَرَ يَومًا، وَالضَّعِيفُ لَم يَقِلَّ عَن خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا 
10 أَسوَدُ 15 أَحمَرُ 10 أَسوَدُ 
حَيضٌاستِحَاضَةٌ (طُهرٌ بَينَ حَيضَتَينِ)حَيضٌ
  • مثال: لَو رَأَتِ امرَأَةٌ ثَلَاثَةً أَسوَدَ ثُمَّ يَومًا أَحمَرَ ثُمَّ يَومًا أَسوَدَ ثُمَّ نَزَلَ الأَصفَرُ وَاستَمَرَّ إِلَى أَن جَاوَزَ الخَمسَةَ عَشَرَ يَومًا.
 3أَسوَدُ 1أَحمَرُ 1أَسوَدُأَصفَرُ وَاستَمَرَ أَكثَرَ مِن 15 يَومًا
حَيضٌحَيضٌحَيضٌاستِحَاضَةٌ
  • مثال: لَو رَأَت يَومًا أَسوَدَ ثُمَّ انقَطَعَ الدَّمُ لِيَومٍ ثُمَّ بَعدَهُ رَأَت يَومًا دَمًا أَسوَدَ، ثُمَّ أَطبَقَ الأَحمَرُ، أَي نَزَلَ وَاستَمَرَ إِلَى أَن جَاوَزَ الدَّمُ خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا، 
 1أَسوَدُانقَطَعَ 1أَسوَدُأَحمَرُ استَمَرَ أَكثَرَ مِن 15 يَومًا
حَيضٌحَيضٌحَيضٌاستِحَاضَةٌ
  • مثال: امرَأَةٌ رَأَت ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَسوَدَ ثُمَّ ثَلَاثَةً أَحمَرَ ثُمَّ أَطبَقَ الأَشقَرُ.  
3 أَسوَدُ3 أَحمَرُأَشقَرُ استَمَرَ أَكثَرَ مِن 15 يَومًا
حَيضٌحَيضٌاستِحَاضَةٌ

يَصلُحُ أَن يَكُونَ الأَسوَدُ وَالأَحمَرُ حَيضًا لِأَنَّهُمَا لَم يُجَاوِزَا الخَمسَةَ عَشَرَ يَومًا

  • أَمَّا لَو رَأَت سَبعَةً أَسوَدَ مَثَلًا ثُمَّ عَشَرَةً أَحمَرَ ثُمَّ عَشَرَةً أَصفَرَ، فَهُنَا لَا يُمكِنُ اعتِبَارُ الأَحمَرِ حَيضًا مَعَ الأَسوَدِ، لِأَنَّ الأَحمَرَ مَعَ الأَسوَدِ يُجَاوِزَانِ خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا، فَيَكُونُ حَيضُهَا الأَسوَدُ فَقَط، وَالبَاقِي استِحَاضَةٌ.

تقدم وتوسط وتأخر الدم القوي

الدَّمُ القَوِيُّ قَد يَتَقدَّمُ وَقَد يَتَأَخَّرُ وَقَد يَتَوَسَّطُ.

  1. فَمِثَالُ الأَوَّلِ-التَّقَدُّمُ-: مَا مَرَّ سَابِقًا.
  2. وَمِثَالُ الثَّانِي-التَّأَخُّرُـ: امرَأَةٌ نَزَلَ لَهَا دَمٌ أَشقَرُ لِعَشَرَةِ أَيَّامٍ ثُمَّ دَمٌ أَسوَدُ لِسَبعَةِ أَيَّامٍ.
 10أَشقَرُ7 أَسوَدُ
استِحَاضَةٌحَيضٌ

لِأَنَّ الدَّمَ جَاوَزَ الخَمسَةَ عَشَرَ يَومًا وَهِيَ مُمَيِّزَةٌ فَتَحكُمُ عَلَى القَوِيِّ أَنَّهُ حَيضٌ وَعَلَى الضَّعِيفِ أَنَّهُ استِحَاضَةٌ.

  • وَمِثَالُ الثَّالِثِ-التَّوَسُطِ-: امرَأَةٌ رَأَت عَشَرَةً أَحمَرَ ثُمَّ عَشَرَةً أَسوَدَ ثُمَّ عَشَرَةً أَحمَرَ، فَهُنَا حَيضُهَا الأَسوَدُ فَقَط.
10 أَحمَرُ 10أَسوَدُ 10أَحمَرُ
استِحَاضَةٌحَيضٌاستِحَاضَةٌ

لِأَنَّ الدَّمَ جَاوَزَ الخَمسَةَ عَشَرَ يَومًا وَهِيَ مُمَيِّزَةٌ فَتَحكُمُ عَلَى القَوِيِّ أَنَّهُ حَيضٌ وَعَلَى الضَّعِيفِ أَنَّهُ استِحَاضَةٌ.

غير المميزة

إِذَا لَم تَكتَمِل شُرُوطُ التَّميِيزِ فِي المَرأَةِ، بِأَن رَأَتِ المَرأَةُ كُلَّ الدَّمِ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَط مَثَلًا، أَو نَقَصَ القَوِيُّ عَن يَومٍ وَلَيلَةٍ، أَو جَاوَزَ خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا، فَيُنظَرُ هَل هَذِهِ المَرأَةُ مُبتَدَأَةٌ أَو مُعتَادَةٌ.

المبتدأة

هِيَ الَّتِي لَم يَسبِق لَهَا حَيضٌ، بَل هَذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ تَحِيضُ. 

إِذَا جَاوَزَ دَمُ المُبتَدَأَةِ خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا وَلَم تَكُن مُمَيِّزَةً، حُكِمَ أَنَّ حَيضَهَا هُوَ اليَومُ الأَوَّلُ فَقَط مَعَ لَيلَتِهِ، لِأَنَّهُ أَقَلُّ الحَيضِ وَهُوَ المُتَيَقَّنُ، وَكُلُّ مَا زَادَ استِحَاضَةٌ، لَكِنَّهَا فِي الدَّوْرِ الأَوَّلِ تَحكُمُ عَلَى الدَّمِ النَّازِلِ أَنَّهُ حَيضٌ مَا دَامَ ضِمنَ خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا، فَإِذَا جَاوَزَ الدَّمُ أَكثَرَ الحَيضِ اغتَسَلَت وَقَضَت مَا فَاتَهَا مِن صَلَاةِ وَصِيَامِ مَا زَادَ عَلَى اليَومِ وَاللَّيلَةِ. وَإِذَا استَمَرَّ نُزُولُ الدَّمِ فَفِي الدَّورِ الثَّانِي تَغتَسِلُ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ، وَلَا تَنتَظِرُ مُجَاوَزَةَ الدَّمِ خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا لِتَحكُمَ عَلَى الزَّائِدِ عَلَى يَومٍ وَلَيلَةٍ أَنَّهُ استِحَاضَةٌ، لِأَنَّ الاستِحَاضَةَ عِلَّةٌ مُزمِنَةٌ، فَالظَّاهِرُ دَوَامُهَا.

المعتادة

هِيَ مَن سَبَقَ لَهَا حَيضٌ وَطُهرٌ وَلَو مَرَّةً وَاحِدَةً.

المُعتَادَةُ تَرُدُّ إِلَى عَادَتِهَا حَيضًا وَطُهرًا.  

رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَن أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ امرَأَةً كَانَت تُهَرَاقُ  الدَّمَ عَلَى عَهدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «لِتَنظُرْ عِدَّةَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَت تَحِيْضُهُنَّ مِنَ الشَّهرِ قَبلَ أَن يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا فَلْتترُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلتَغتَسِلْ ثُمَّ لْـتَـسْـتَـثْـفِـر  بِثَوبٍ ثُمَّ تُصَلِّي».

الاستِثفَارُ: أَن تَشُدَّ فَرجَهَا وَدُبُرَهَا بِثَوبٍ مَشدُودٍ أَحَدُ طَرَفَيهِ مِن خَلفِ دُبُرِهَا فِي وَسَطِهَا وَالآخَرُ مِن قُبُلِهَا أَيضًا كَذَلِكَ في وَسَطِهَا.

وَالعَادَةُ تَثبُتُ بِمَرَّةٍ، فَإِن رَأَتِ المَرأَةُُ الدَّمَ أَوَّلَ مَا حَاضَت خَمسَةَ أَيَّامٍ، وَطَهُرَت خَمسَةً وَعِشرِينَ يَومًا، ثُمَّ استُحِيضَت فِي الشَّهرِ الَّذِي يَلِيهِ فَجَاوَزَ الدَّمُ خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا وَلَم تَكُن مُمَيِّزَةً، تَرجِعُ إِلَى عَادَتِهَا، فَتَعتَبِرُ الأَيَّامَ الخَمسَةَ الأُوَلَ هِيَ الحَيضُ، وَالبَاقِيَ إِلَى انقِضَاءِ الشَّهرِ استِحَاضَةً

5 أحمر25 نقاء25 أحمر
حَيضٌطُهرٌ5 حَيضٌ (تُرَدُّ إِلَى عَادَتِهَا)20 استِحَاضَةٌ

وَقَد ذَكَرَ بَعضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا اختَلَفَت عَادَةُ المَرأَةِ ثُمَّ استُحِيضَت وَلَم تَكُن مُمَيِّزَةً تُرَدُّ إِلَى مَا قَبلَ الاستِحَاضَةِ مُطلَقًا، فَتَعتَبِرُ أَيَّامَ حَيضِهَا وَطُهرِهَا الَّتِي سَبَقَتِ الاستِحَاضَةَ فَتُرَدُّ إِلَيهَا.

5 أَحمَرُ25 نَقَاءٌ7 أَحمَرُ23 نَقَاءٌ35 أَحمَرُ
حَيضٌطُهرٌحَيضٌطُهرٌ7 حَيضٌ23استِحَاضَةٌ (تُرَدُّ إِلَى آخِرِ عَادَةٍ)5 حَيضٌ

المتحيرة

لغة: التَّرَدُدُ، وَتَحَيَّرَ المَاءُ: اجتَمَعَ وَدَارَ، وَتَحَيَّرَ الرَّجُلُ إِذَا ضَلَّ فَلَم يَهتَدِ لِسَبِيلِهِ. 

اصطِلَاحًا: هِيَ مَن نَسِيَت عَادَتَهَا قَدرًا أَو وَقتًا وَلَا تَميِيزَ لَهَا.   

أقسام المتحيرة

  1. النَّاسِيَةُ لِعَادَتِهَا قَدرًا وَوَقتًا 
  2. النَّاسِيَةُ لِعَادَتِهَا قَدرًا لَا وَقتًا
  3. النَّاسِيَةُ لِعَادَتِهَا وَقتًا لَا قَدرًا

الناسية لعادتها قدرًا ووقـتًا 

المَرأَةُ النَّاسِيَةُ لعَادَتِهَا قَدرًا وَوَقتًا، وَهِيَ غَيُر مُمَيِّزَةٍ، فَهَذِهِ تَحتَاطُ فِي أَمرِهَا، لِاحتِمَالِ كُلِّ زَمَنٍ يَمُرُّ عَلَيهَا الحَيضُ، فَتَكُونُ كَحَائِضٍ فِي التَّمَتُّعِ وَمَسِّ المُصحَفِ وَقِرَاءَةِ القُرءَانِ فِي غَيرِ صَلَاةٍ، لَا فِي الطَّلَاقِ وَعِبَادَةٍ تَفتَقِرُ لِنِيَّةٍ كَصَلَاةٍ وَطَوَافٍ وَصَومٍ فَرضًا أَو نَفلًا، فَلَا يَحرُمُ طَلَاقُهَا، وَتَعْتَدُّ حِينَئِذٍ بِثَلَاثَةِ أَشهُرِ، وَتُصَلِّي وَتَطُوفُ وَتَصُومُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فَرضًا أَم نَفلًا. وَلَهَا أَن تَمكُثَ فِي المَسجِدِ إِذَا تَوَقَّفَت صِحَّةُ العِبَادَةِ عَلَى المَسجِدِ كَمَا فِي الطَّوَافِ وَالاعتِكَافِ، وَإِلَّا فَلَا.

وَتَغتَسِلُ المُتَحَيِّرَةُ لِكُلِّ فَرضٍ فِي وَقتِهِ إِن جَهِلَت وَقتَ انقِطَاعِ الدَّمِ، أَمَّا إِن عَلِمَت وَقتَ الانقِطَاعِ كَأَن كَانَت تَذكُرُ أَنَّ دَمَهَا كَانَ يَنقَطِعُ عِندَ الغُرُوبِ، لَم يَلزَمهَا الغُسلُ فِي كُلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ إِلَّا عِندَ الغُرُوبِ دُونَ مَا عَدَاهُ. وَهَذَا هُوَ الاحتِيَاطُ.

الناسية لعادتها قدرا لا وقتا 

 كَأَن تَقُولَ: “كَانَ حَيضِي يَبتَدِئُ أَوَّلَ الشَّهرِ لَكِن لَا أَذكُرُ قَدرَهُ”، فَيَومٌ وَلَيلَةٌ أَوَّلَ الشَّهرِ حَيضٌ بِيَقِينٍ، لِأَنَّ الحَيضَ لَا يَقِلُّ عَن هَذَا، وَنِصفُ الشَّهرِ الثَّانِي طُهرٌ بِيَقِينٍ، لِأَنَّ الحَيضَ لَا يَزِيدُ عَلَى خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا، وَمَا بَينَ ذَلِكَ يَحتَمِلُ الحَيضَ وَالطُّهرَ وَالانقِطَاعَ، فَتَحتَاطُ.

الناسية لعادتها وقتا لا قدرا

كَأَن تَقُولَ: “كَانَ حَيضِي خَمسَةً فِي العَشْرِ الأُوَلِ مِنَ الشَّهرِ لَا أَعلَمُ ابتِدَاءَهَا، وَأَعلَمُ أَنِّي فِي اليَومِ الأَوَّلِ طَاهِرٌ”، فَالسَّادِسُ حَيضٌ بِيَقِينٍ، وَالأَوَّلُ طُهرٌ بِيَقِينٍ، وَكَذَلِكَ العَشْرَينِ الأَخِيرَينِ، وَالثَّانِي إِلَى آخِرِ الخَامِسِ مُحتَمِلٌ لِلحَيضِ وَالطُّهرِ فَتَحتَاطُ فِيهِ، لَكِنَّهُ مُحتَمِلٌ لِطُرُوءِ الحَيضِ لَا لِانقِطَاعِهِ، فَلَا يَلزَمُهَا الغُسلُ فِيهِ، وَالسَّابِعُ إِلَى آخِرِ العَاشِرِ مُحتَمِلٌ لِلحَيضِ وَالطُّهرِ وَلِلانقِطَاعِ، فَتَحتَاطُ فِيهِ. وَتَغتَسِلُ لِكُلِّ فَرضٍ إِن لَم تَذكُر وَقتَ الانقِطَاعِ كَمَا سَبَقَ، فَمَا يَحتَمِلُ الانقِطَاعَ يُسَمَّى طُهرًا مَشكُوكًا فِيهِ، وَهُوَ فِي مِثَالِنَا مِنَ السَّابِعِ إِلَى آخِرِ العَاشِرِ، وَمَا لَا يَحتَمِلُ الانقِطَاعَ يُسَمَّى حَيضًا مَشكُوكًا فِيهِ، وَهُوَ فِي مِثَالِنَا مِنَ الثَّانِي إِلَى آخِرِ الخَامِسِ.

الناسية لعادتها قدرا ووقتا

أَمَّا لَو نَسِيَتِ المَرأَةُ هَل كَانَ الحَيضُ يَأتِيهَا أَوَّلَ الشَّهرِ أَو وَسَطَهُ أَو ءاخِرَهُ، فَتَحتَاطُ كُلَّ الشَّهرِ كَالمُتَحَيِّرَةِ النَّاسِيَةِ لِلقَدرِ وَالوَقتِ، وَلَو كَانَت تَذكُرُ قَدرَ حَيضِهَا، لِاحتِمَالِ كُلِّ زَمَانٍ لِلحَيضِ وَالطُّهرِ وَالانقِطَاعِ.

إن جاوز النفاس ستين يومًا

إِن جَاوَزَ النِّفَاسُ سِتِّينَ يَومًا فَالحُكمُ كَمَا لَو جَاوَزَ الحَيضُ خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا، تُرَدُّ المُمَيِّزَةُ إِلَى التَّميِيزِ فَتَعتَبِرُ القَوِيَّ نِفَاسًا وَالضَّعِيفَ استِحَاضَةً، وَغَيرُ المُمَيِّزَةِ تَرُدُّ إِن كَانَت مُبتَدِأَةً إِلَى أَقَلِّ النِّفَاسِ أَي لَحظَةً، وَإِن كَانَت مُعتَادَةً ذَاكِرَةً لِعَادَتِهَا تُرَدُّ إِلَى عَادَتِهَا، وَإِلَّا فَفِيهَا التَّفصِيلُ السَّابِقُ فِي الحَيضِ.

الخاتمة

وَفِي خِتَامِ هَذَا البَيَانِ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ الاستِحَاضَةَ وَإِن كَانَت مِمَّا يُورِثُ الإِشكَالَ فِي ظَاهِرِهَا، فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ قَد أَحَاطَتهَا بِبَيَانٍ شَافٍ، وَأَحكَامٍ وَاضِحَةٍ، تُخرِجُ المُكلَّفَةَ مِنَ الحَرَجِ إِلَى السَّعَةِ، وَمِنَ الاضطِرَابِ إِلَى اليَقِينِ.

فَلَيسَتِ الاستِحَاضَةُ عُذرًا فِي تَركِ العِبَادَاتِ، بَل هِيَ حَالٌ مَخصُوصَةٌ لَهَا أَحكَامُهَا، الَّتِي مَتَى تَعَلَّمَتهَا المَرأَةُ وَاستَقَامَت عَلَيهَا، أَدَّت عِبَادَتَهَا عَلَى بَصِيرَةٍ وَطُمَأنِينَةٍ.

وَإِنَّ مِمَّا يَنبَغِي التَّأكِيدُ عَلَيهِ أَنَّ طَلَبَ العِلمِ فِي مِثلِ هَذِهِ المَسَائِلِ ضَرُورَةٌ  تُصَحِّحُ عِبَادَتَها، وَتَحفَظُ لَهَا دِينَهَا، فَإِنَّ الجَهلَ بِهَا قَد يُوقِعُ فِي تَركِ وَاجِبٍ، أَو فِعلِ مُحرَّمٍ.

نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَن يُفَقِّهَ نِسَاءَ المُسلِمِينَ فِي دِينِهِنَّ، وَأَن يَرزُقَهُنَّ العَمَلَ بِمَا عَلِمنَ، وَأَن يَجعَلَ هَذَا البَيَانَ نَافِعًا، خَالِصًا لِوَجهِهِ الكَرِيمِ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ.  

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

القُرءَانِ الكَرِيمِ.

  • السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  • صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  • صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  • سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
  • رَوضَةُ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةُ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
  • فَتحُ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.