أحكام الحيض

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

إِنَّ مِن أَدَقِّ أَبوَابِ الفِقهِ وَأَشَدِّهَا حَاجَةً إِلَى البَيَانِ، مَا يَتَعَلَّقُ بِأَحكَامِ النِّسَاءِ، وَلَا سِيَّمَا بَابُ الحَيضِ والنِّفَاسِ وَالاستِحَاضَةِ، إِذ يَكثُرُ فِيهِ الإِشكَالُ، وَتَلتَبِسُ فِيهِ الأَحكَامُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النِّسَاءِ، لِمَا يَعتَرِيهِ مِن تَغَيُّرٍ فِي الصِّفَاتِ، وَاختِلَافٍ فِي الأَزمَانِ، وَتَعَدُّدٍ فِي الحَالَاتِ.

وَهَذَا البَابُ لَيسَ مِن مَسَائِلِ العِبَادَاتِ فَحَسبُ، بَل هُوَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيهِ صِحَّةُ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَسَائِرِ التَّكَالِيفِ، مِمَّا يَجعَلُ فَهمَهُ ضَرُورَةً لَا تَرَفًا، وَعِلمًا لَا يُستَغنَى عَنهُ. وَقَدِ اعتَنَى بِهِ العُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، فَفَصَّلُوا القَولَ فِيهِ، وَبَيَّنُوا أَحكَامَهُ بِدِقَّةٍ وَإِحكَامٍ، رَفعًا لِلحَرَجِ، وَتَيسِيرًا عَلَى المُكَلَّفَاتِ.

وَفِي هَذَا المَقَالِ نَسعَى إِلَى عَرضِ أَهَمِّ مَسَائِلِ الحَيضِ وَالاستِحَاضَةِ عَرضًا وَاضِحًا، جَامِعًا بَينَ التَّأصِيلِ الفِقهِيِّ وَالتَّطبِيقِ العَمَلِيِّ عَلَى مَا قَرَّرَهُ أَئِمَّةُ الفِقهِ الشَّافِعِيِّ.

تعريف الحيض والاستحاضة والنفاس

الحَيضُ لُغَةً: السَّيَلَانُ، يُقَالُ: حَاضَ الوَادِي إِذَا سَالَ نَهَرُهُ، وَتَقُولُ: حَاضَتِ السُّيُوفُ إِذَا سَالَت عَلَيهَا الدِّمَاءُ وَتَقَاطَرَت.

وَشَرعًا: دَمُ جِبِلَّةٍ يَخرُجُ مِن أَقصَى رَحِمِ المَرأَةِ فِي أَوقَاتٍ مَخصُوصَةٍ. وَيَكُونُ أَسْوَدَ مُحْتَدِمًا أَيْ حَارًّا كَأَنَّهُ مُحْتَرِقٌ.

وَالاستِحَاضَةُ: دَمُ عِلَّةٍ يَخرُجُ مِنَ المَرأَةِ فِي غَيرِ زَمَنَيِ الحَيضِ وَالنِّفَاسِ، مِن عِرقٍ أَدنَى الرَّحِمِ يُقَالُ لَهُ العَاذِلُ.

النِّفَاسُ: لُغَةً: الوِلَادَةُ.

وَشَرعًا: دَمُ الوِلَادَةِ، وَهُوَ الدَّمُ الخَارِجُ بَعدَ فَرَاغِ الرَّحِمِ مِنَ الحَملِ، وَلَو مُضْغَةً قَالَتِ القَوَابِلُ فِيهَا خَلقُ ءادَمِيٍّ. أَمَّا الدَّمُ الخَارِجُ مَعَ الوَلَدِ أَو قَبلَهُ عِندَ الطَّلْقِ فَلَا يُعتَبَرُ نِفَاسًا وَلَا حَيضًا، إِنَّمَا هُوَ دَمُ فَسَادٍ تُصَلِّي المَرأَةُ مَعَ نُزُولِهِ.

أقل سن الحيض وأكثره

أَقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ فِيهِ المَرأَةُ تِسعُ سِنِينَ تَقرِيبًا، فَلَو رَأَتِ الدَّمَ قَبلَ تِسعِ سِنِينَ، فَإِن كَانَ قَبلَهَا بِزَمَنٍ لَا يَسَعُ حَيضًا وَطُهرًا، أَي رَأَتهُ قَبلَ التِّسعِ بِأَقَلَّ مِن سِتَّةَ عَشَرَ يَومًا، فَهُوَ حَيضٌ، وَإِلَّا فَهُو دَمُ عِلَّةٍ.

وَلَا حَدَّ لِآخِرِ سِنِّهِ بَلْ هُوَ مُمْكِنٌ مَا دَامَتْ الْمَرْأَةُ حَيَّةً.

أقل الحيض وأكثره

أَقَلُّ الحَيضِ: عِندَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ يَومٌ وَلَيلَةٌ أَي أَربَعٌ وَعِشرُونَ سَاعَةً فإن انقَطَعَ الدَّمُ قَبلَ مُرُورِ يَومٍ وَلَيلَةٍ استَنجَت وَصَلَّت وَقَضَت مَا تَرَكَت مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَإِنِ انقَطَعَ بَعدَ مُرُورِ يَومٍ وَلَيلَةٍ تَغتَسِلُ وَتُصَلِّي وَلَا تَقضِي لِأَنَّهُ بَانَ أَنَّهُ كَانَ حَيضًا.

وَأَكثَرُهُ: خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا.

وَغَالِبُهُ: سِتَّةُ أَو سَبعةُ أَيَّامٍ. 

وَكُلُّ هَذَا قَالَهُ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ بِالاستِقرَاءِ أَي بِتَتَبُّعِ عَادَاتِ النِّسَاءِ.

فَمَثَلًا: لَو رَأَتِ الدَّمَ ثَلَاثَ عَشرَةَ يَومًا كَانَ كُلُّهُ حَيضًا أَو خَمسَةَ عَشرَ يَومًا كَذَلِكَ حَيضٌ أَو ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ كَذَلِكَ حَيضٌ.

أقل النفاس وأكثره وغالبه 

أَقَلُّ النِّفَاسِ: لَحظَةٌ. 

وَأَكثَرُهُ: سِتُّونَ يَومًا. 

وَغَالِبُهُ: أَربَعُونَ يَومًا.

أقل الطهر في الحيض وأكثره

أقلُّ الطُّهْرِ الفَاصِلِ بينَ الحَيْضتيْنِ خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا بِلَيَالِيهَا. وَلَا حَدَّ لِأَكثَرِ الطُّهرُبِالإِجمَاعِ فَقَد تَمكُثُ المَرأَةُ دَهْرَهَا بِلَا حَيْضٍ وَقَد تَحِيضُ فِي عُمُرِهَا مَرَّةً.

فَإِذَا رَأَتِ المَرأَةُ دَمًا لَم يَقِل عَن أَربَعٍ وَعِشرِينَ سَاعَةً وَلَم يَزِد عَلَى خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا فَهُوَ حَيضٌ. فَإِذَا نَزَلَ دَمٌ آخَرُ بَعدَ ذَلِكَ وَكَانَ بَينَهُ وَبَينَ الدَّمِ الَّذِي قَبلَهُ خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا مِنَ الطُّهرِ عَلَى الأَقَلِّ فَهَذَا النَّازِلُ أَيضًا حَيضٌ.

مثال: امرَأَةٌ رَأَتِ الدَّمَ ٤ أَيَّامٍ ثُمَّ طَهُرَت ١٦ يَومًا ثُمَّ نَزَلَ الدَّمُ ٨ أَيَّامٍ. 

الدَّمُ الأَوَّلُ: لَم يَقِلَّ عَن ٢٤ سَاعَةً، وَلَم يُجَاوِز ١٥ يَومًا. 

الدَّمُ الثَّانِي: لَم يَقِلَّ عَن ٢٤ سَاعَةً، وَلَم يُجَاوِز ١٥ يَومًا.  

وَالطُّهرُ بَينَ الدَّمَينِ ١٥ يَومًا فَأَكثَرَ.   

إِذًا كُلُّهُ حَيضٌ، الدَّمُ الأَوَّلُ حَيضَةٌ أُولَى وَالدَّمُ الثَّانِي حَيضَةٌ ثَانِيَةٌ .

الطهر بين الحيض والنفاس

يَجُوزُ أَن يَكُونَ الطُّهرُ بَينَهُمَا أَقَلَّ خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الحَيضُ عَلَى النِّفَاسِ أَم تَأَخَّرَ. 

مِثَالُ تَقَدُّمِ الحَيضِ عَلَى النِّفَاسِ مَا لَو حَاضَتِ الحَامِلُ – عِندَ الشَّافِعِيِّ الحَامِلُ تَحِيضُ- ثُمَّ انقَطَعَ الدَّمُ يَومًا ثُمَّ وَلَدَت، فَإِنَّ الدَّمَ الخَارِجَ بَعدَ الوَلَدِ يُعتَبَرُ نِفَاسًا، مَعَ أَنَّهُ لَم يَمُرَّ خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا بَينَهُ وَبَينَ الحَيضِ الَّذِي سَبَقَهُ.

وَمِثَالُ مَا لَو تَأَخَّرَ الحَيضُ عَنِ النِّفَاسِ فَإِن طَرَأَ الحَيضُ بَعدَ السِّتِّينَ، كَأَن رَأَت النِّفَاسَ سِتِّينَ يَومًا ثُمَّ انقَطَعَ يَومًا وَعَادَ الدَّمُ فَهُوَ حَيضٌ، أَو رَأَتِ النِّفَاسَ خَمسَةً وَخَمسِينَ يَومًا ثُمَّ انقَطَعَ سِتَّةَ أَيَّامٍ ثُمَّ نَزَلَ الدَّمُ فَهُوَ حَيضٌ كَذَلِكَ.

أَمَّا لَوِ انقَطَعَ دَمُ النُّفَسَاءِ ثُمَّ رَأَت دَمًا ضِمنَ السِّتِّينَ، فَإِن فَصَلَ بَينَ الدَّمَينِ خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا فَأَكثَرَ اعتُبِرَ الدَّمُ الثَّانِي حَيضًا، فَلَو نُفِسَت أَربَعِينَ يَومًا ثُمَّ انقَطَعَ الدَّمُ خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا فَأَكثَرَ ثُمَّ نَزَلَ، اعتَبَرنَا النَّازَلَ حَيضًا. أَمَّا إِن لَم يَفصِل بَينَ الدَّمَينِ خَمسَةَ عَشَر يَومًا بَل أَقَلُّ، اعتُبِرَ الدَّمُ الثَّانِي نِفَاسًا، فَلَو نَفَسَت أَربَعِينَ يَومًا ثُمَّ انقَطَعَ الدَّمُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ نَزَلَ، فَهُنَا لَم يَبلُغِ النِّفَاسُ أَكثَرَهُ وَلَم يَفْصِل بَينَ الدَّمَينِ خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا، فَتَعتَبِرُهُ نِفَاسًا.

ألوان الحيض 

أَلوَانُ الحَيضِ خَمسَةٌ:

  • أَسوَدُ، وَالمُرَادُ بِالأَسوَدِ الأَحمَرُ الَّذِي مِن شِدَّتِهِ يَضرِبُ إِلَى السَّوَادِ، لَا الأَسوَدُ الصَّافِي فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ حَيضًا
  • وَأَحمَرُ.
  • وَأَشقَرُ، الأَحمَرُ المُشرِقُ.
  • وَأَصفَرُ.
  • وَأَكدَرُ، مَا لَونُهُ قَرِيبٌ مِن لَونِ التُّرَابِ.

ما يحرم بالحيض والنفاس

يحرم بالحيض والنفاس: 

  1. الصَّلَاةُ لَقَولِهِ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنتِ أَبِي حُبَيشٍ: «إِذَا أَقبَلَتِ الحَيضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
  2. الطَّوَافُ لِقَولِهِ ﷺ: «الطَّوَافُ بِمَنزِلَةِ الصَّلَاةِ» رَوَاهُ البَيهَقِيُّ.
  3. قِرَاءَةُ القُرءَانِ لِقَولِهِ ﷺ: «لَا يَقرَإِ القُرءَانَ الجُنُبَ وَلَا الحَائِضَ» رَوَاهُ ابنُ مَاجَه.
  4. الصَّومُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَينِ: «أَلَيسَ إِذَا حَاضَتِ المَرأَةُ لَم تُصَلِّ وَلَم تَصُم». وَيَجِبُ عَلَيهَا قَضَاءُ مَا فَاتَهَا مِنَ الصِّيَامِ أَثنَاءَ الحَيضِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لِخَبَرِ مُسلِمٍ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «كُنَّا نُؤمَرُ بِقَضَاءِ الصَّومِ وَلَا نُؤمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ».
  5.  وَعُبُورُ المَسجِدِ إِن خَافَت تَلوِيثَهُ بِالدَّمِ لِغَلَبَتِهِ أَو لِعَدَمِ إِحكَامِهَا الشَّدَّ صِيَانَةً لِلمَسجِدِ،فَإِن أَمِنَتهُ جَازَ لَهَا العُبُورُ بِأَن تَدخُلَ مِن بَابٍ وَتَخرُجَ مِن آخَرَ مِن غَيرِ مُكثٍ.
  6.  وَطُهرٍ عَن حَدَثٍ أَو لِعِبَادَةٍ لِتَلَاعُبِهَا إِلَّا أَغسَالَ الحَجِّ وَنَحوِهَا فَتُندَبُ.
  7.  وَالاستِمتَاعُ بِمَا بَينَ سُرَّتِهَا وَرُكبَتِهَا بِوَطءٍ أَو غَيرِهِ. وَقِيلَ لَا يَحرُمُ غَيرُ الوَطءِ.
  8. وَالطَّلَاقُ بِشَرطِ كَونِهَا مَوطُوءَةً تَعتَدُّ بِالأَقرَاءِ مُطَلَّقَةً بِلَا عِوَضٍ مِنهَا وَذَلِكَ لِتَضَرُّرِهَا بِطُولِ المُدَّةِ فَإِنَّ زَمَنَ الحَيضِ وَالنِّفَاسِ لَا يُحسَبُ مِنَ العِدَّةِ وَهَذَا الطَّلَاقُ يُسَمَّى طَلَاقًا بِدعِيًّا، وَمَعَ حُرمَتِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ.

وَإِذَا انقَطَعَ الدَّمُ لَم يَحِلَّ مِمَّا ذُكِرَ قَبلَ الطُهرِ شَيءٌ إِلَّا الصَّومَ وَالطَّلَاقَ، فَلِلمَرأَةِ أَن تَصُومَ وَلَو لَم تَتَطَهَّر بَعدُ بِالغُسلِ مَثَلًا، أَمَّا حُرمَةُ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَقِرَاءَةِ القُرءَانِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ فَتَبقَى حَتَّى الغُسلِ.

مسائل في الحيض

  • إِنَّ المَرأَةَ مَتَى مَا رَأَتِ الدَّمَ فِي وَقتِ الحَيضِ تَتَجَنَّبُ مَا تَجتَنِبُهُ الحَائِضُ وَلَا تَنتَظِرُ بَلُوغَهُ يَومًا وَلَيلَةً ثُمَّ إِن نَقُصَ عَن يَومٍ وَلَيلَةٍ قَضَت مَا كَانَت قَد تَرَكَتهُ مِن صَومٍ وَصَلَاةٍ وَلَا يَلزَمُهَا غُسلٌ عِندَ ذَلِكَ لِعَدَمِ الحَيضِ.
  • وَمِنهَا أَنَّهُ مَتَى مَا انقَطَعَ الدَّمُ بَعدَ بُلُوغِ أَقَلِّ الحَيضِ تَغتَسِلُ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ وَيَحِلُّ وَطؤُهَا فَإِن عَادَ فِي زَمَنِ الحَيضِ تَبَيَّنَ وُقُوعُ عِبَادَتِهَا فِي الحَيضِ فَتُؤمَرُ بِقَضَاءِ الصَّومِ فَقَط وَلَا إِثمَ بِالوَطءِ لِبِنَاءِ الأَمرِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَإِذَا انقَطَعَ حُكِمَ بِطُهرِهَا وَهَكَذَا مَا لَم يَعْبُر خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا.
  • وَمِنهَا أَنَّ الانقِطَاعَ يُعرَفُ بِأَن تَكُونَ بِحَيثُ لَو أَدخَلَتِ القُطنَةَ فَرجَهَا خَرَجَت بَيضَاءَ،وَيُعرَفُ انقِطَاعُهُ أَيضًا إِذَا رَأَتِ القَصَّةَ البَيضَاءَ فَإِنَّهَا عَلَامَةٌ عَلَى انتِهَاءِ حَيضِهَا.

طروء الحيض والنفاس وانقطاعهما في وقت الصلاة

  • إِذَا طَرَأَ الحَيضُ أَوِ النِّفَاسُ بَعدَ دُخُولِ وَقتِ الصَّلَاةِ وَلَم تَكُنِ المَرأَةُ صَلَّت بَعدُ، فَإِن كَانَ مَضَى مِن وَقتِ الصَّلَاةِ قَبلَ طُرُوءِ المَانِعِ مَا يَسَعُ الصَّلَاةَ وَجَبَت عَلَيهَا هَذِهِ الصَّلَاةُ، فَتَقضِيَهَا بَعدَ انقِضَاءِ الحَيضِ أَوِ النِّفَاسِ.
  • وَإِذَا انقَطَعَ دَمُ الحَيضِ أَوِ النِّفَاسِ فِي وَقتِ الصَّلَاةِ، فَإِن كَانَ البَاقِي مِن الوَقتِ قَدرَ تَكبِيرَةٍ فَأَكثَرَ لَزِمَتهَا، وَكَذَا مَا قَبلَهَا إِن جُمِعَت مَعَهَا، فَتَجِبُ العَصرُ مَعَ الظُّهرِ بِإِدرَاكِ قَدرِ تَكبِيرَةٍ قَبلَ المَغرِبِ، وَالعِشَاءُ مَعَ المَغرِبِ بِإِدرَاكِ قَدرِ تَكبِيرَةٍ قَبلَ الفَجرِ.

غسل الحائض

اتَّفَقَ الفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الحَيضَ مُوجِبٌ مِن مُوجِبَاتِ الغُسلِ فَإِذَا انقَطَعَ الدَّمُ وَجَبَ عَلَى المَرأَةِ أَن تَغتَسِلَ لاستِبَاحَةِ مَا كَانَت مَمنُوعَةً مِنهُ بِالحَيضِ لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنتِ أَبِي حُبَيشٍ دَعِي الصَّلَاةً قَدرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنتِ تَحِيضِينَ ثُمَّ اغتَسِلِي وَصَلِّي.

تنبيه:

لَا خِلَافَ بَينَ الفُقَهَاءِ فِي طَهَارَةِ جَسَدِ الحَائِضِ وَعَرَقِهَا وَسُؤرِهَا وَجَوازِ أَكلِ طَبخِهَا وَعَجنِهَا وَمَا مَسَّتهُ مِنَ المَائِعَاتِ وَالأَكلِ مَعَهَا وَمُسَاكَنَتُهَا مِن غَيرِ كَرَاهَةٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [سُورَةُ البَقَرَةِ:٢٢٢] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ، فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ، فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، فَلَا نُجَامِعُهُنَّ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا، فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.

وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.

الاستحاضة

فَإِن كَانَ أَكثَرُ الحَيضِ خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا، فَيُفهَمُ أَنَّ المَرأَةَ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ أَكثَرَ مِن خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا لَا يُمكِنُ اعتِبَارُ جَمِيعِهِ حَيضًا، فَتَحتَاجُ أَن تَعرِفَ مَا الَّذِي تَعتَبِرُهُ حَيضًا وَمَا الَّذِي تَعتَبِرُهُ استِحَاضَةً.

الفرق بين الاستحاضة والحيض

  • الحَيضُ لَهُ وَقتٌ وَذَلِكَ حِينَ تَبلُغُ المَرأَةُ تِسعَ سِنِينَ فَصَاعِدًا فَلَا يَكُونُ المَرئِيُّ فِيمَا دُونَهُ حَيضًا، أَمَّا الاستِحَاضَةُ فَلَيسَ لَهَا وَقتٌ مَعلُومٌ.
  • الحَيضُ دَمٌ يَعتَادُ المَرأَةَ فِي أَوقَاتٍ مَعلُومَةٍ مِن كُلِّ شَهرٍ أَمَّا الاستِحَاضَةُ فَهِي دَمٌ شَاذٌّ يَخرُجُ مِن فَرجِ المَرأَةِ فِي أَوقَاتٍ غَيرِ مُعتَادَةٍ. 
  • الحَيضُ دَمٌ طَبِيعِيٌّ لَا عِلَاقَةَ لَهُ بِأَيِّ سَبَبٍ مَرَضِيٍّ فِي حِينِ أَنَّ دَمَ الاستِحَاضَةِ دَمٌ نَاتِجٌ عَن فَسَادٍ أَو مَرَضٍ أَو نَزفِ عِرقٍ.
  • لَونُ دَمِ الحَيضِ أَسوَدُ ثَخِينٌ مُنتِنٌ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ غَالِبًا، بَينَمَا لَونُ دَمِ الاستِحَاضَةِ أَحمَرُ رَقِيقٌ لَا رَائِحَةَ لَهُ.
  • والاستحاضة لَا تَمْنَعُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَغَيْرَهُمَا مِمَّا يَمْنَعُهُ الْحَيْضُ كَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ؛ لِلضَّرُورَةِ فَهِيَ كَسَلِسِ البَولِ، وَلِأَمْرِهِ ﷺ حَمْنَةَ بِهِمَا وَكَانَتْ مُسْتَحَاضَةً كَمَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.

خاتمة

يَتَبَيَّنُ مِن خِلَالِ هَذِهِ المَسَائِلِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الغَرَّاءَ جَاءَت بِضَبطٍ دَقِيقٍ لِأَحوَالِ النِّسَاءِ، مَعَ مُرَاعَاةِ مَا يَعتَرِيهِنَّ مِن أَعذَارٍ، فَفَرَّقَت بَينَ الحَيضِ وَالاستِحَاضَةِ، وَرَفَعَت الحَرَجَ عَنِ المُبتَلَاةِ، فَجَعَلَت لَهَا أَحكَامًا تَحفَظُ عِبَادَتَهَا وَلَا تُكَلِّفُهَا مَا لَا تُطِيقُ.

فَعَلَى المُسلَمَةِ أَن تَتَفَقَّهَ فِي هَذِهِ الأَحكَامِ، مُستَرشِدَةً بِأَقوَالِ الأَئِمَّةِ المُعتَبَرِينَ

قَالَتْ عَائِشَةُ: “نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الحَيَاءُ أَن يَتَفَقَّهنَ فِي الدِّينِ”، رَوَاهُ مُسلِمٌ.

نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى الفِقهَ فِي الدِّينِ، وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالتَّيسِيرَ فِي كُلِّ أَمرٍ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

القُرءَانِ الكَرِيمِ.

صَحِيحُ البُخَارِيِّ. 

صَحِيحُ مُسلِمٍ. 

سُنَنُ التِّرمِذِيِّ. 

رَوضَةُ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةُ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.

فَتحُ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ. 

المَجمُوعُ لِلنَّوَوِيِّ.

أَسنَى المَطَالِبِ فِي شَرحِ رَوضِ الطَّالِبِ.

كِفَايَةُ النَّبِيهِ فِي شَرحِ التَّنبِيهِ لِابنِ الرِّفعَةِ.