الدليل العقلي على وجود الله تعالى

الدليل العقلي على وجود الله

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

قَالَ تَعَالَى

﴿وَيَعلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ المُبِينُ

سُورَةُ النُّورِ:25

اللهُ تَعَالَى وُجُودُهُ ثَابِتٌ لَا شَكَّ فِيهِ عِندَ أَهلِ العَقلِ، وَقَد وَضَعَ اللهُ لَنَا أَدِلَّةً تَدُلُّ دِلَالَةً ظَاهِرَةً عَلَى وُجُودِهِ، وَبَيَّنَ لَنَا أَوضَحَ طَرِيقٍ لِنَهتَدِيَ إِلَى وُجُودِهِ بِالعَقلِ، إِضَافَةً إِلَى إِرسَالِ الرُّسُلِ المُصَرِّحِينَ بِوُجُودِ اللهِ تَعَالَى، فَيَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ أَن يَتَعَلَّمَ الدَّلِيلَ عَلَى وُجُودِ اللهِ مِن حَيثُ الإِجمَالُ، لَكِنَّ الدَّلِيلَ عَلَى وُجُودِ اللهِ يَنقَسِمُ إِلَى قِسمَينِ: إِجمَالِيٍّ وَتَفصِيلِيٍّ، وَسَنُبَيِّنُ فِي هَذَا المَقَالِ الدَّلِيلَ بِقِسمَيهِ مَعَ فَوَائِدَ وَزِيَادَاتٍ تَزِيدُ اليَقِينَ وَتُقَوِّي الإِيمَانَ.

ذَكَرَ العُلَمَاءُ أَنَّ الدَّلِيلَ العَقلِيَّ عَلَى وُجُودِ اللهِ يَنقَسِمُ إِلَى قِسمَينِ: دَلِيلٍ إِجمَالِيٍّ بَسِيطٍ، وَدَلِيلٍ تَفصِيلِيٍّ.

الدليل العقلي الإجمالي

هُوَ كَأَن يَقُولَ الشَّخصُ فِي نَفسِهِ إِذَا رَأَى كِتَابَةً فِي كِتَابٍ أَو عَلَى وَرَقَةٍ: الكِتَابَةُ لَا بُدَّ لَهَا مِن شَخصٍ كَتَبَهَا، وَإِذَا رَأَى بَيتًا أَو نَحوَهُ يَقُولُ: البِنَاءُ لَا بُدَّ لَهُ مِن شَخصٍ بَنَاهُ، وَالكِتَابَةُ وَالبِنَاءُ جُزءٌ مِن هَذَا العَالَمِ، فَهَذَا العَالَمُ بِالأَولَى لَا بُدَّ لَهُ مِن خَالِقٍ خَلَقَهُ، وَهَذَا الخَالِقُ لَا يُشبِهُهُ بِوَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

أَو يَقُولَ فِي نَفسِهِ: أَنَا كُنتُ مَعدُومًا غَيرَ مَوجُودٍ ثُمَّ صِرتُ مَوجُودًا، وَمَا كَانَ مَعدُومًا ثُمَّ صَارَ مَوجُودًا فَهُوَ حَادِثٌ لَا بُدَّ لَهُ مِن خَالِقٍ خَلَقَهُ، فَالوَاحِدُ مِنَّا يَعرِفُ مِن نَفسِهُ أَنَّهُ لَم يَكُن مَوجُودًا فِي وَقتٍ مِنَ الأَوقَاتِ ثُمَّ صَارَ مَوجُودًا، وَمَن كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ وَأَنَّهُ مُحتَاجٌ إِلَى مَن خَلَقَهُ، لِأَنَّ العَقلَ السَّلِيمَ يَحكُمُ بِأَنَّ وُجُودَ الشَّيءِ بَعدَ أَن لَم يَكُن مَوجُودًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُحتَاجٌ إِلَى خَالِقٍ لَهُ، وَهَذَا الخَالِقُ هُوَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَإِذًا أَنَا لَا بُدَّ لِي مِن خَالِقٍ خَلَقَنِي، وَهَذَا الخَالِقُ مَوجُودٌ لَا يُشبِهُ شَيئًا، وَهَكَذَا فِي سَائِرِ أَفرَادِ العَالَمِ لَا بُدَّ لَهَا مِن خَالِقٍ خَلَقَهَا لَا يُشبِهُهَا.

الدليل العقلي التفصيلي

أَمَّا الدَّلِيلُ العَقلِيُّ التَّفصِيلِيُّ عَلَى وُجُودِ اللهِ تَعَالَى فَقَد قَالَ عُلَمَاءُ أَهلِ السُّنَّةِ: وَذَلِكَ مِثلُ أَن يُقَالَ: العَالَمُ بِجَمِيعِ أَجزَائِهِ حَادِثٌ مَخلُوقٌ لَا يَخلُو مِنَ التَّغَيُّرَاتِ كَالحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَهَذَا أَمرٌ ظَاهِرٌ يُدرَكُ بِالبَدِيهَةِ، فهَذَا العَالَمُ مُتَغَيِّرٌ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ، الهَوَاءُ يَهُبُّ تَارَةً وَيَسكُنُ تَارَةً، وَيَسخُنُ وَقتًا وَيَبرُدُ فِي وَقتٍ آخَرَ، وَتُشرِقُ الشَّمسُ مِنَ المَشرِقِ وَتَغرُبُ مِنَ المَغرِبِ، وَتَكُونُ الشَّمسُ فِي وَسَطِ النَّهَارَ بَيضَاءَ وَفِي آخِرِهِ صَفرَاءَ، فَكُلُّ هَذِهِ التَّغَيُّرَاتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الأَشيَاءَ حَادِثَةٌ مَخلُوقَةٌ لَهَا مُغَيِّرٌ غَيَّرَهَا وَطَوَّرَهَا، وَهَذِهِ الأَشيَاءُ أَجزَاءُ مِن هَذَا العَالَمِ فَهَذَا العَالَمُ مَخلُوقٌ حَادِثٌ مُحتَاجٌ إِلَى مَن خَلَقَهُ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى.

فَلَو قَالَ مُلحِدٌ لَا يُؤمِنُ بِوُجُودِ اللهِ: نَحنُ لَا نَرَى اللهَ فَكَيفَ تُؤمِنُونَ بِوُجُودِهِ؟ يُقَالُ لَهُ: إِن لَم تَكُن تَرَاهُ فَانَّ آثَارَ فِعلِهِ كَثِيرَةٌ، فَوُجُودُ هَذَا العَالَمِ وَمَا فِيهِ مِنَ المخلُوقَاتِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ اللهِ، فَالكِتَابُ لَا بُدَّ لَهُ مِن كَاتِبٍ، وَالبِنَاءُ لَا بُدَّ لَهُ مَن بَنَّاءٍ، وَكَذَلِكَ هَذَا العَالَمُ لاَ بُدَّ لَهُ مِن خَالِقٍ خَلَقَهُ وَأَوجَدَهُ، وَأَمَّا كَونُكَ لَا تَرَاهُ فَلَيسَ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ وُجُودِهِ، فَكَم مِنَ الأَشيَاءِ الَّتِي تُؤمِنُ بِوُجُودِهَا وَأَنتَ لَا تَرَاهَا، وَمِن ذَلِكَ عَقلُكَ وَرُوحُكَ وَأَلَمُكَ وَفَرَحُكَ.

ثُمَّ المَخلُوقُ مُحتَاجٌ إِلَى خَالِقٍ فَاعِلٍ بِالإِرَادَةِ وَالِاختِيَارِ، وَلَا يَصِحُّ أَن يَكُونَ وُجُودُ العَالَمِ بِالصُّدفَةِ، لِأَنَّهُ يَستَحِيلُ عَقلًا وُجُودُ شَيءٍ بِدُونِ فَاعِلٍ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَن يَكُونَ العَالَمُ خَلَقَ نَفسَهُ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ جَمعًا بَينَ الضِّدَّينِ.

فَتَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا العَالَمَ حَادِثٌ لَا بُدَّ لَهُ مِن خَالِقٍ خَلَقَهُ، بِنَاءً عَلَى القَاعِدَةِ بِأَنَّ كُلَّ فِعلٍ لَا بُدَّ لَهُ مِن فَاعِلٍ.

وَقَد رُوِيَ أَنَّ بَعضَ المَلَاحِدَةِ دَخَلُوا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرَادُوا الفَتكَ بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَفتَأُ يَرُدُّ ضَلَالَاتِهِم وَيَفضَحُ زَيغَهُم، فَقَالَ لَهُم: أَجِيبُونِي عَلَى مَسأَلَةٍ ثُمَّ افعَلُوا مَا شِئتُم، فَقَالُوا لَهُ: هَاتِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ يَقُولُ لَكُم: إِنَّي رَأَيتُ سَفِينَةً مَشحُونَةً بِالأَحمَالِ مَملُوءَةً بِالأَثقَالِ فِي وَسَطِ البَحرِ بَينَ أَموَاجٍ مُتَلَاطِمَةٍ وَرِيَاحٍ مُختَلِفَةٍ، وَهِيَ مِن بَينِهَا تَجرِي مُستَوِيَةً لَيسَ لَهَا مَلَّاحٌ يُجرِيهَا وَلَا مُدَبِّرَ يُدَبِّرُ أَمرَهَا، هَل يَجُوزُ ذَلِكَ فِي العَقلِ؟ قَالُوا: لَا، هَذَا شَيءٌ لَا يَقبَلُهُ العَقلُ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: سُبحَانَ اللهِ إِذَا لَم يُجِزِ العَقلُ سَفِينَةً تَجرِي مِن غَيرِ مَلَّاحٍ يُدِيرُهَا فِي جَرَيَانِهَا، فَكَيفَ يَجُوزُ قِيَامُ هَذِهِ الدُّنيَا عَلَى اختِلَافِ أَحوَالِهَا وَتَغَيُّرِ أَعمَالِهَا وَسَعَةِ أَطرَافِهَا مِن غَيرِ صَانِعٍ وَحَافَظٍ؟! فَبَكَوا جَمِيعًا وَقَالُوا: صَدَقتَ، وَأَغمَدُوا سُيُوفَهُم وَتَابُوا بِالإِسلَامِ.اهـ

التفكر في مخلوقات الله تعالى

صَحَّ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ عَن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاختِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلبَابِ﴾، [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:190]: «وَيلٌ لِمَن قَرَأَهَا وَلَم يَتَفَكَّر فِيهَا»، رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ.

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوجَينِ اثنَينِ يُغشِي اللَّيلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الأَرضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِن أَعنَابٍ وَزَرعٌ وَنَخِيلٌ صِنوَانٌ وَغَيرُ صِنوَانٍ يُسقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعضَهَا عَلَىٰ بَعضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَومٍ يَعقِلُونَ﴾، [سُورَةُ الرَّعدِ:3-4].

فَالنَّظَرُ وَالتَّفَكُّرُ فِي مَخلُوقَاتِ اللهِ يَدُلُّنَا عَلَى وُجُودِ الخَالِقِ وَوَحدَانِيَّتِهِ، فَتَأمَّل تُربَةً تُسقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَتَأثِيرُ الشَّمسِ فِيهَا مُتَسَاوٍ لَكِنَّ الثِّمَارَ الَّتِي تَجِيءُ مِنهَا مُختَلِفَةٌ فِي الطَّعمِ وَاللَّونِ وَالطَّبِيعَةِ وَالشَّكلِ وَالرَّائِحَةِ وَالمَنَافِعِ وَالخَاصِّيَّةِ، فَلَو كَانَ حُدُوثُ الأَشيَاءِ بِفِعلِ الطَّبِيعَةِ كَمَا يَقُولُ المُلحِدُونَ لَجَاءَت مُتَشَابِهَةً، فَإِنَّ الطَّبِيعَةَ الوَاحِدَةَ تَفعَلُ فِي الجِسمِ الوَاحِدِ فِعلًا مُتَمَاثِلًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُدُوثَ الحَوَادِثِ هُوَ بِفِعلِ قَادِرٍ مُختَارٍ عَالِمٍ.

لطائف في أقوال من استدل على وجود الله

استَدَلَّ الإِمَامُ الشَّافِعِي رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلَى وُجُودِ اللهِ فِيمَا يُروَى عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: “وَرَقَةُ التُّوتِ رِيحُهَا وَطَعمُهَا وَلَونُهَا وَاحَدٌ، تَأكُلُ مِنهَا الغَزَالَةُ فَيَخرُجُ مِنهَا المِسكُ، وَتَأكُلُ مِنهَا دُودَةُ القَزِّ فَيَخرُجُ مِنهَا الحَرِيرُ، وَيَأكُلُ مِنهَا الجَمَلُ فَيَخرُجُ مِنهُ البَعَرُ، وَيَأكُلُ مِنهَا المَاعِزُ فَيَخرُجُ مِنهُ اللَّبَنُ أَيِ الحَلِيبُ”.اهـ 

وَسُئِلَ أَعرَابِيٌّ عَن وُجُودِ اللهِ فَقَالَ: البَعرَةُ تَدُلُّ عَلَى البَعِيرِ وَآثَارُ الأَقدَامِ تَدُلُّ عَلَى المَسِيرِ أَفَلَا يَدُلُّ هَذَا العَالَمُ عَلَى وُجُودِ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ.اهـ بَلَى، تَبَارَكَ اللهُ الخَلَّاقُ العَظِيمُ.

وَسُئلَ سُفيَانُ الثَّورِيُّ: بِمَ عَرَفتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: “بِفَسخِ العَزمِ وَنَقضِ الهِمَّةِ”.اهـ أَي أَنَا أَعزِمُ عَلَى شَيءٍ فَلَا يَتِمُّ مُرَادِي بَل مَشِيئَةُ خَالِقِي هِيَ الَّتِي تَنفُذُ وَمَشِيئَتِي لَا تَمضِي وَلَا تَنفُذُ.

وَسُئِلَ أَبُو نُوَاسٍ عَن وُجُودِ اللهِ فَقَالَ:

تَأَمَّل فِي رِيَاضِ الأَرضِ وَانظُر *** إِلَى آثَـــارِ مَا صَنَعَ المَلِيكُ

عُيُونٌ مِن لُجَينٍ شَاخِصَاتٌ *** وَأَحدَاقٌ هِيَ الذَّهَبُ السَّبِيكُ

عَلَى قُضُبِ الزَّبَرجَدِ شَاهِدَاتٌ *** بِأَنَّ اللهَ لَيــــسَ لَهُ شَرِيـكُ

وَصَفَ أَبُو نُوَاسٍ وَردَةَ النَّرجِسِ وَصفًا بَلِيغًا، فَقَد قَالَ لَهُم: انظُرُوا إِلَى آثَارِ صُنعِ اللهِ فِي الأَرضِ، فَهَذِهِ وَردَةُ النَّرجِسِ كَعُيُونٍ مِن لُجَينٍ أَي مِنَ الفِضَّةِ لِأَنَّ لَونَهَا أَبيَضُ، لَهَا أَحدَاقٌ مِنَ الذَّهَبِ، لِأَنَّ دَاخِلَ الوَردَةِ أَصفَرُ فَشَبَّهَ مَا بِدَاخِلِهَا بِالحَدَقَةِ الصَّفرَاءِ الذَّهَبِيَّةِ وَمَا حَولَهَا بَيَاضُ العَينِ الَّذِي يُحِيطُ بِالحَدَقَةِ، ثُمَّ قَالَ تَقِفُ هَذِهِ العُيُونِ عَلَى أَعوَادٍ مِن زَبَرجَدٍ أَخضَرَ تَشهَدُ أَنَّ اللهَ لَيسَ لَهُ شَرِيكٌ، فَمِثلُ هَذَا الخَلقِ البَدِيعِ لَا بُدَّ لَهُ مِن خَالِقٍ قَادِرٍ أَوجَدَهُ.

وَسُئلَ أَعرَابِيٌّ بِمَ عَرَفتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: “عَرَفتُهُ بِنَحلَةٍ، بِأَحَدِ طَرَفَيهَا تَعسِلُ وَالآخَرِ تَلسَعُ، وَالعَسَلُ مَقلُوبُ اللَّسعِ”.اهـ

صفة الخالق الصانع

الوَاجِبُ عَلَينَا أَن نَعتَقِدَ وُجُودَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، مَعَ تَنزِيهِهِ عَن مُشَابَهَةِ خَلقِهِ وَعَدَمِ تَصَوُّرِهِ وَتَخَيُّلِهِ بِالفِكرِ وَلَا بِالقَلبِ، فَمَعرِفَةُ اللهِ لَا تُطلَبُ بِالتَّصَوُّرِ. 

قَالَ ذُو النُّونِ المِصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “مَهمَا تَصَوَّرتَ بِبَالِكَ فَالله بِخِلَافِ ذَلِكَ”، وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَا تَتَصَوَّرُهُ بِبَالِكَ فَهُوَ مَخلُوقٌ وَالخَالِقُ لَا يُشبِهُ مَخلُوقَهُ، كَمَا قَالَ إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “مِنِ انتَهَضَ لِمَعرِفَةِ مُدَبِّرِهُ فَاطمَأَنَّ إِلَى مَوجُودٍ يَنتَهِي إِلَيهِ فِكرُهُ فَهُوَ مُشَبِّهٌ وَإِنِ اطمَأَنَّ إِلَى العَدَمِ الصّرفِ فَهُوَ مُعَطِّلٌ وَإِنِ اطمَأَنَّ إِلَى مَوجُودٍ وَاعتَرَفَ بِالعَجزِ عَن إِدرَاكِهِ فَهُوَ مُوَحِّدٌ”.اهـ 

لِذَلِكَ نَهَى السَّلَفُ عَنِ التَّفَكُّرِ فِي ذَاتِ اللهِ تَعَالَى لِلوُصُولِ إِلَى حَقِيقَتِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَعرفُ اللهَ عَلَى الحَقِيقَةِ إِلَّا اللهُ، إِنَّمَا مَعرِفَتُنَا بِاللهِ هِيَ بِمَعرِفَةِ مَا يَجِبُ لَهُ تَعَالَى وَمَا يَستَحِيلُ فِي حَقِّهِ وَمَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: “تَفَكَّرُوا فِي خَلقِ اللهِ وَلا تَفَكَّرُوا فِي اللهِ”.اهـ 

حكم من يتصور الخالق بأنه يشبه خلقه والعياذ بالله

كَلُّ مَن يَتَفَكَّرُ فِي ذَاتِهِ تَعَالَى فَيَتَخَيَّلُ بِخَيَالِهِ صُورَةً وَيَعتَقِدُ أَنَّ مَا تَخَيَّلَهُ هُوَ اللهُ فَهُوَ لَيسَ مُسلِمًا مُوَحِّدًا إِذ لَا فَرقَ بَينَهِ وَبِينَ عَابِدِ الصَّنَمِ، فَعَابِدُ الصَّنَمِ عَبَدَ صُورَةً نَحَتَهَا وَهَذَا عَبَدَ صُورَةً تَخَيَّلَهَا وَأَمَّا المؤمِنُ المصَدِّقُ فَيَعبُدُ مَن لَا شَبِيهَ لَهُ وَلَا مَثِيلَ، كَمَا قَالَ الإِمَامُ أَحمَدُ الرفاعيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “غَايَةُ المعرَفَةِ بِاللهِ الإِيقَانُ بِوُجُودِهِ تَعَالَى بِلَا كَيفٍ وَلَا مَكَانٍ”.اهـ، وَهَذَا كُلُّهُ يُؤخَذُ مِن قَولِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الآيَةِ المحكَمَةِ الجَامِعَةِ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ  وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.

الخاتمة

لَا بُدَّ لِصِحَّةِ الإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى أَن يُؤمِنَ بِهِ الشَّخصُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ، فَيَصِفُهُ بِمَا يَجِبُ وَصفُهُ بِهِ وَيُنَزِّهُهُ عَمَّا يَجِبُ تَنزِيهُهُ عَنهُ، وَيَجِبُ تَنزِيهُ اللهِ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقِينَ، وَهَذَا يُدرَكُ بِالدَّلِيلِ العَقلِيِّ أَيضًا، فالعَقلُ يُدرِكُ بِالنَّظَرِ السَّلِيمِ فِي مَخلُوقَاتِ اللهِ تَعَالَى أَنَّ خَالِقَهَا لَا يُشبِهُهَا بِوَجهٍ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ خَالِقُ العَالَمِ يَشبِهُهُ بَأَيِّ وَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِجَازَ عَلَيهِ مَا يَجُوزُ عَلَى هَذَا العَالِمِ مِنَ الحُدُوثِ وَالحَاجَةِ وَالافتِقَارِ وَالتَّغَيُّرِ، لِأَنَّ المُتَشَابِهَاتِ يَجُوزُ عَلَيهَا مَا يَجُوزُ عَلَى بَعضِهَا، وَلَو كَانَ كَذَلِكَ لَاحتَاجَ إِلَى خَالِقٍ خَلَقَه، فَإِنَّ الحَادِثَ مُحتَاجٌ إِلَى مَن خَلَقَهُ وَخَصَّصَهُ بِمَا هُوَ عَلَيهِ مِنَ الهَيئَةِ وَالصُّورَةِ، وَالمُتَغَيِّرُ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ مُحتَاجٌ إِلَى مَن يُغَيِّرُهُ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَالمتَحَيِّزُ فِي المَكَانِ وَالجِهَةِ لاَ بُدَّ أَن يَكُونَ جِسمًا، وَافتِقَارُ الجِسمِ إِلَى مَن جعله على هَذَا المِقدَارِ مِن طُولٍ وَعَرضٍ وَسَمكٍ وَاضِحٌ لَا لَبسَ فِيهِ لِصَاحِبِ عَقلٍ سَلِيمٍ، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَن ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُحتَاجًا لِشَيءٍ مِنَ الأَشيَاءِ لَكَانَ مَخلُوقًا حَادِثًا وَلَم يَكُن إِلَهًا أَزَلِيًّا.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  3. صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ.
  4. التَّفسِيرِ الكَبِيرِ لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ.
  5. زَادِ المَسِيرِ لِابنِ الجَوزِيِّ.
  6. حِليَةِ الأَولِيَاءِ لِأَبِي نُعَيمٍ.
  7. تَارِيخِ دِمَشقَ لِابنِ عَسَاكِرَ.
  8. الدُّرِّ الثَّمِينِ لِمُحَمَّد مَيَّارَةَ المَالِكِيِّ.