باب التفكر

الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ قَدِيمًا دَائِمًا، وَخَبِيرًا بِالأَسْرَارِ عَالِمًا، قَرَّبَ مَنْ شَاءَ فَجَعَلَهُ صَائِمًا قَائِمًا، وَطَرَدَ مَنْ شَاءَ فَصَارَ فِي بَيْدَاءِ الضَّلالِ هَائِمًا، يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ وَإِنْ يَأْبَى الْعَبْدُ رَاغِمًا، وَيَقْبَلُ تَوْبَةَ التَّائِبِ إِذَا أَمْسَى نَادِمًا، أَحْمَدُهُ حَمْدًا مِنَ التَّقْصِيرِ سَالِمًا، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي رُفِعَ إِلَى قَابِ قَوْسَيْنِ ثُمَّ عَادَ غَانِمًا، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي لَمْ يَزَلْ رَفِيقًا مُلائِمًا، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي يَعْبُدُ رَبَّهُ مُسِرًّا كَاتِمًا، وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي قُتِلَ مَظْلُومًا وَلَمْ يَكُنْ ظَالِمًا، وَفِيهِ أُنْزِلَ: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا}، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي كَانَ فِي الْعُلُومِ بَحْرًا وَفِي الْحُرُوبِ صَارِمًا، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَاجْعَلْ ذِكْرَ الآخِرَةِ لِقُلُوبِنَا مُلازِمًا، وَوَفِّقْنَا لِلتَّوْبَةِ تَوْفِيقًا جَازِمًا، وَذَكِّرْنَا رَحِيلَنَا قَبْلَ أَنْ نَرَى الْمَوْتَ هَاجِمًا، وَاقْبَلْ صَالِحَنَا وَاغْفِرْ لِمَنْ كَانَ آثِمًا. أما بعد:

فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: بابٌ في التفَكُّر في عظيمِ مخلوقاتِ اللهِ تَعَالَى وفناءِ الدنيا وأهوالِ الآخرةِ وسائرِ أمورِهِما وتقصيرِ النفسِ وتهذيبِها وحملِها عَلَى الاستقامةِ.

قَالَ اللَّه تَعَالَى: {إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا}

وَقالَ تَعَالَى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَاب الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ} الآياتِ.

وَقالَ تَعَالَى: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ}.

وَقالَ تَعَالَى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا} الآية، والآيات في الباب كثيرةٌ.

ومِنْ الأحَاديث الحديث السَّابق: “الْكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسَه وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ“.

شرح مسألة التبرك بالنبي ﷺ قبل البدء بشرح الباب

اعلمْ أنَّ الصحابةَ رضوانُ اللهِ عليهمْ كانوا يتبركونَ بآثارِ النَّبي صلى اللهُ عليهِ وسلمَ في حياتِهِ وبعدَ مماتِهِ ولا زالَ المسلمونَ بعدَهُم إلى يومِنا هذا على ذلِك. فقد ثبت في كتاب الله عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه شواهد على البركة والتبرك، فقد قال عز وجل عن الكعبة المشرفة: ((إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا)) فهذا بناء من حجارة قال عنه ربنا عز وجل (مُبَارَكًا) أي أنه خصه ببركة عظيمة، وقد قال الزركشي في إعلام الساجد بأحكام المساجد: فإن أراد التبرك أتى بطيب من عنده فمسحها به ثم أخذه قاله النووي في الروضة من زوائده. ورأيته منقولا عن النبي ﷺ قال عطاء: كان أحدنا إذا أراد أن يستشفي به جاء بطيب من عنده فمسح به الحجر.اهـ  والحجر الأسود أصله من الجنة وأُهبِطَ مع آدم من الجنة وقال السيوطي في الدر المنثور: وَأخرج الْأَزْرَقِيّ والجندي عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: لَوْلَا مَا طبع من الرُّكْن من أنجاس الْجَاهِلِيَّة وأرجاسها وأيدي الظلمَة والأثمة لاستشفي بِهِ من كل عاهة.اهـ  وأخرج الحاكم وابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ الْحَجَرَ ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي. فَقَالَ: ((يَا عُمَرُ هـهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ)).

ومما ثبت في الشرع بركته كمقام إبراهيم وما حول بيت المقدس وطور سيناء فقد وصفه الله عز وجل بأنه واد مقدس فقال سبحانه لموسى عليه السلام: ((إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى))، وقميص يوسف عليه السلام فقد ألقي على وجه يعقوب عليه السلام فارتد بصيرا وهذا من بركة قميص نبي الله يوسف عليه السلام قال تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: ((اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ، وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ، قَالُواْ تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ، فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا)) ، وبركة يوسف عليه السلام بعد موته، فقد قال الخازن في تفسيره: ولما مات يوسف عليه الصلاة والسلام دفنوه في النيل في صندوق من رخام وقيل من حجارة المرمر وذلك أنه لما مات يوسف تشاحن الناس فيه فطلب كل أهل محلة أن يدفن في محلتهم رجاء بركته حتى هموا أن يقتتلوا ثم رأوا أن يدفنوه في النيل بحيث يجري الماء عليه ويتفرق عنه وتصل بركته إلى جميعهم وقال عكرمة إنه دفن في الجانب الأيمن من النيل فأخصب ذلك الجانب وأجدب الجانب الآخر فنقل إلى الجانب الأيسر فأخصب وأجدب الجانب الأيمن فدفنوه في وسط النيل وقدروه بسلسلة فأخصب الجانبان فبقي إلى أن أخرجه موسى عليه الصلاة والسلام وحمله معه حتى دفنه بقرب آبائه بالشام في الأرض المقدسة.اهـ وقد ثبت في الشرع بركة ماء زمزم والدعاء عند شربه ففي مسند أحمد: «أن النبيّ ﷺ أتى بدلو من ماء زمزم فتمضمض فمج فيه أطيب من المسك ـ أو قال: مسك ـ واستنثر خارجًا من الدلو». وروى السيوطي أن النبي ﷺ بعد دخوله مكة وبعد أن خطب بالناس: ((عَدَلَ إِلى جَانِبِ المَسْجِدِ فَأَتى بِدَلْوٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، فَغَسَلَ مِنْهَا وَجْهَهُ، مَا تَقَعُ مِنْهُ قَطْرَةٌ إِلَّا فِي يَدِ إِنْسَانٍ، إِنْ كَانَ قَدِرَ أَنْ يَحْسُوهَا حَسَاهَا، وَإِلَّا مَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ، وَالمُشْرِكُونَ يَنْظُرُونَ، فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا مَلِكاً قَطُّ أَعْظَمَ مِنَ الْيَوْمِ))، وكذلك تربة المدينة المنورة فيها البركة فقد روى البخاري في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ – رضى الله عنها – أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ لِلْمَرِيضِ «بِسْمِ اللَّهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا».

ومن أدلة ذلك: روى البيهقي في دلائل النبوة أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ أَصَابَهَا وَرَمٌ فِي رَأْسِهَا وَوَجْهِهَا، وَأَنَّهَا بَعَثَتْ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ اذْكُرِي وَجَعِي لِرَسُولِ اللهِ ﷺ لَعَلَّ اللهَ يَشْفِينِي، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعَ أَسْمَاءَ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أَسْمَاءَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهَا وَرَأْسِهَا مِنْ فَوْقِ الثِّيَابِ، فَقَالَ: «بِسْمِ اللهِ أَذْهِبْ عَنْهَا سُوءَهُ وَفُحْشَهُ بِدَعْوَةِ نَبِيِّكَ الطَّيِّبِ الْمُبَارَكِ الْمَكِينِ عِنْدَكَ، بِسْمِ اللهِ» صَنَعَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَقُولَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَذَهَبَ الْوَرَمُ.اهـ

وفي صحيح مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا وَلَيْسَتْ فِيهِ قَالَ: فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَامَ علَى فِرَاشِهَا. فَأُتِيتْ فَقِيلَ لَهَا: هذَا النَّبِيُّ نَامَ فِي بَيْتِكِ، عَلَى فِرَاشِكِ. قَالَ: فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرِقَ، وَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ علَى قِطْعَةِ أَدِيمٍ، عَلَى الْفِرَاشِ. فَفَتَحَتْ عَتِيدَتَهَا فَجَعَلَتْ تُنَشِّفُ ذلِكَ الْعَرَقَ فَتَعْصِرُهُ فِي قَوَارِيرِهَا فَفَزِعَ النَّبِيُّ (أي استيقظ) فَقَالَ: «مَا تصْنَعِينَ؟ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ» فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا. قَالَ: «أَصَبْتِ». ولم يقل النبي ﷺ لها أشركت فلو كان شركا لنهاها عنه.

وأورد ابن حجر في المطالب العالية بابًا سماه بابَ التبرك بآثار الصالحين: وروى فيه عن ابْنِ سِيرين قال: “استَوْهَبْتُ من أم سُليم رضي الله عنها من المسك التي كَانَتْ تَعْجِنُهُ بِعَرَقِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَهَبَتْ لِي مِنْهُ”. فَلَمَّا مَاتَ محمَّد بن سيرين، حنط بذلك المسك.اهـ 

وفي كتاب الشفا: ورؤي ابن عُمَر وَاضِعًا يَدَه عَلَى مَقْعَد النَّبِيّ ﷺ من المنبر ثم وَضَعَهَا عَلَى وَجْهِه.اهـ 

وروى ابن أبي شيبة عن أبي مودودة قال: قال حدثني يزيد ابن عبد الملك بن قسيط قال: رأيت نفرًا من أصحاب النبيّ ﷺ إذا خلا لهم المسجد قاموا إلى رمانة المنبر القرعاء فمسحوها ودعوا، قال: ورأيت يزيد يفعل ذلك.

وأورد البخاري في صحيحه بابًا سماه باب المساجدِ التي على طُرُقِ المَدِينةِ والمَواضِعِ التي صلَّى فيها النبيُّ ﷺ: ذكر فيه أن عبد الله بن عمر بن الخطاب كان يتتبع أماكن في طريق مكة والمدينة يصلي عندها للبركة وأن النبي ﷺ كان ينزل بها. وقال ابن حجر في شرحه لهذا الباب: ومحصل ذلك أن ابن عمر كان يتبرك بتلك الأماكن، وتشدده في الاتباع مشهور، فهو حجة في التبرك بآثار الصالحين. 

وروى البخاري عن عيسى بن طهمانَ قال: «أخرج إلينا أنسٌ نَعلين جَرْداوَينِ لهما قِبالانِ، فحدَّثني ثابتٌ البُنانيِّ بعدُ عن أنسٍ أنَّهما نَعلا النبيِّ ﷺ».

وقد كثر العلماء والشعراء والفقهاء من السلف والخلف المحبين لنبيهم ﷺ ممن كان يذكر نعل النبي ﷺ وينظم القصائد لذلك وتراه يعظمه ويتبرك به ويعتبره أغلى من تيجان الملوك وهو كذلك وقد ألف أكثر من واحد منهم مؤلفا خاصا في نعل النبي ﷺ كابن عساكر والسلمي والسيوطي وغيرهم الكثير ألف في مدح نعل النبي ﷺ وإذا دل هذا على شيء فإنه يدلنا على شدة حبهم وتعظيمهم لنبيهم ﷺ.  وقد قال شيخ الحفاظ زين الدين العراقي رحمه الله في ألفية السيرة النبوية في نعل النبي ﷺ:

ونعلُهُ الكريمةُ المَصونهْ
طُوبى لمنْ مَسَّ بها جَبينهْ

لها قِبالانِ بسَيْرٍ وَهُما
سِبْتِيَّتانِ سَبَتوا شعرهُما

وطولُها شبرٌ وإصبعانِ
وعرضُها مِمَّا يلي الكعبانِ

سبعُ أصابعَ وبطنُ القدَمِ
خمسٌ وفوقَ ذا فَسِتٌّ فاعلمِ

ورأسُها مُحدَّدٌ وعرضُ ما
بينَ القِبالَينِ اصبعانِ اضْبِطْهُما

وهذهِ تِمثالُ تلكَ النعلِ
ودورها أكْرِمْ بها مِنْ نعلِ

قال المناوي في شرح الألفية: وأما صفة نعله الكريمة المصونة عن الأدناس فهي التي تُسمى التاسومة طوبى لمن مس بها جبينه، وكان لنعله قبالان كما في البخاري وغيره وهما تثنية قِبال بقاف مكسورة وهو الزمام الذي بين الأصبع الوسطى والتي تليها، والباء في قول الناظم: “بسيرٍ” بمعنى من أي القِبال من سَير وهما أي النعلان سبتِيَّتَان مخصوفَتان أي سبتوا (أي أزالوا شعرهما) شعرهما وقيل كانت صفراء، والسبتية بالكسر جلود البقر المدبوغةُ سميت به لأن شعرها سُبِتَ أي حُلِقَ وأزيل أو لأنها أُسْبِتَتْ بالدباغ أي لانَت، وكان طولها شبرًا وإصبعين وعرضها من جهة الكعبين سبع أصابع مستوية وبطن القدم منهما خمس أصابع وفوق بطن القدم ست أصابع فاعلم هذه الحدود، ورأسها أي رأس النعل محدودٌ، قال السُّهَيْلِي: جاء في صفة نعله أنها كانت مُعَقَّبَةً مخصرة مُلَسَّنَةً محترمة هو كالتحديد في مقدمها وكان [عرض ما] بين القبالين إصبعين ملتصقين، وهذه الصفة التي ذكرها الناظم هي صفة تمثال لتلك النعل الشريفة وتحديد دورها فأكرم بها من نعل مباركة شريفة.

وفي تاج العروس للزبيدي: وَمن أغرب مَا منح الله بِهِ الْمجد صَاحب الْقَامُوس أَنه قَرَأَ بِدِمَشْق بَين بَاب النَّصْر والفرج تجاه نَعْل النَّبِي على نَاصِر الدّين أبي عبد الله مُحَمَّد بن جهبل صَحِيح مُسلم فِي ثَلَاثَة أَيَّام. روى البخاري في صحيحه عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ قَالَ رَأَيْتُ قَدَحَ النَّبِىِّ ﷺ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ قَدِ انْصَدَعَ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ قَالَ وَهْوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ عَرِيضٌ مِنْ نُضَارٍ. قَالَ قَالَ أَنَسٌ لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِى هَذَا الْقَدَحِ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا. قَالَ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ إِنَّهُ كَانَ فِيهِ حَلْقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ فَأَرَادَ أَنَسٌ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ لاَ تُغَيِّرَنَّ شَيْئًا صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَرَكَهُ.اهـ قال العيني: إنما كانوا يشربون من قدح النبي ﷺ، لأجل التبرك به، أما في حياته فلا نزاع فيه، وأما بعد موته فكذلك للتبرك به. وقال أيضا: وفيه: أن الشرب من قدحه ﷺ وآنيته من باب التبرك بآثاره. وقال ابن حجر: وذكر القرطبي في «مختصر البخاري» أنه رأى في بعض النسخ القديمة من صحيح البخاري «قال أبو عبد الله البخاري: رأيت هذا القدح بالبصرة وشربت منه، وكان اشتري من ميراث النضر بن أنس بثمانمائة ألف». وروى الحافظ النووي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: وأوصى أن يدفن معه شيء كان عنده من شعر النبي ﷺ وأظفار من أظفاره وقال: إذا مت فاجعلوه في كفني ففعلوا ذلك .وفي تعليق التعليق للحافظ ابن حجر في أخبار البخاري ما نصه: (وقال وراقة –أي كاتبه- وكان معه –أي البخاري- شيء من شعر النبي ﷺ في ملبوسه).

بداية باب التفكر

 (ذكر الحافظ النووي رحمه الله هذا البابَ بعد باب الاستقامة، لأن التفكرَ في عظيم مخلوقات الله عز وجل والتفكرَ في فناء الدنيا والتفكرَ في أهوال الآخرة والتفكرَ في تقصير النفس يودي بالعبد المؤمن أن يثبت على الاستقامة ولا يختارَ طريقا غير الاستقامة، فإن من عرف عظيمَ خلق الله وعظمةَ الخالق عز وجل كان أبعدَ عن معصيته، ومن كان متذكرا أن هذه الدارَ التي هي الدنيا ستفنى لا يتزود منها إلا بتقوى الله عز وجل، ومن عرف أهوالَ الآخرة استعدَّ واتخذَ صالح الأعمال زادا وعُدةً لهولها، لذا أراد النووي رحمه الله أن يذكِّر طالب العلم وقارئ كتابِه هذا بأنه لا مناص لك إلا أن تستقيم، فالاستقامة هي المخلَصُ لك من كل ما ستتفكر به مما سنذكره) بابٌ في التفَكُّر في عظيمِ مخلوقاتِ اللهِ تَعَالَى (إِنَّ النَّظَرَ فِي مَخْلُوقَاتِ اللهِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الخَالِقِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاءُ أَهْلِ السُّنَّةِ إِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَكُونَ فِي قَلْبِهِ الدَّلِيلُ الإِجْمَالِيُّ عَلَى وُجُودِ اللهِ، فَالوَاحِدُ مِنَّا يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ ثُمَّ وُجِدَ وَخُلِقَ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ وَأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ أَوجَدَهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّ العَقْلَ السَّلِيمَ يَحْكُمُ بِأَنَّ وُجُودَ الشىء بَعْدَ عَدَمِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى مُوجِدٍ لَهُ وَهَذَا الموجِدُ هُوَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فهَذَا العَالَمُ مُتَغَيِّرٌ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، الهَوَاءُ يَهُبُّ تارةً وَيَسْكُنُ تارةً وَيَسْخُنُ وَقْتًا وَيَبْرُدُ فِي وَقْتٍ ءاخرَ وَتُشْرِقُ الشَّمْسُ مِنَ المشْرِقِ وَتَغْرُبُ مِنَ المغْرِبِ وَتَكُونُ الشَّمْسُ فِي وَسَطِ النَّهَارَ بَيْضَاءَ وَفِيْ ءاخرِهِ صَفْرَاءَ فَكُلُّ هَذِهِ التَّغَيُّرَاتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ حَادِثَةٌ مَخْلُوقَةٌ لَهَا مُغَيِّرٌ غَيَّرَهَا وَطَوَّرَهَا، وَهَذِهِ الأَشْيَاءُ أَجْزَاءُ مِنْ هَذَا العَالَمِ فَهَذَا العَالَمُ مَخْلُوقٌ حَادِثٌ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ خَلَقَهُ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى فَلَوْ قَالَ مُلْحِدٌ لَا يُؤْمِنُ بِوُجُودِ اللهِ نَحْنُ لَا نَرَى اللهَ فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ بِوُجُودِهِ؟ يُقَالُ لَهُ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَانَّ ءاثارَ فِعْلِهِ كَثِيرَةٌ، فَوُجُودُ هَذَا العَالَمِ وَمَا فِيهِ مِنَ المخْلُوقَاتِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ اللهِ فَالكِتَابُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ كَاتِبٍ وَالبِنَاءُ لَا بُدَّ لَهُ مَنْ بَنَّاءٍ وَكَذَلِكَ هَذَا العَالَمُ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ خَالِقٍ خَلَقَهُ وَأَوْجَدَهُ، وَأَمَّا كَوْنكَ لَا تَرَاهُ فَلَيْسَ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ وُجُودِهِ فَكَمْ مِنَ الأَشْيَاءِ الَّتِي تُؤْمِنُ بِوُجُودِهَا وَأَنْتَ لَا تَرَاهَا وَمِنْ ذَلِكَ عَقْلُكَ وَرُوحُكَ وَأَلَمُكَ وَفَرَحُكَ. يُرْوَى أَنَّ بَعْضَ الملَاحِدَةِ دَخَلُوا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ t وَأَرَادُوا الفَتْكَ بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يفتأُ يَرُدُّ ضَلَالَاتِهِمْ وَيَفْضَحُ زيغَهُم، فَقَالَ لَهُمْ: أجبوني عَلَى مَسْأَلَةٍ ثُمَّ افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَالُوا لَهُ: هَاتِ فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ يَقُولُ لَكُمْ: إِنَّي رَأَيْتُ سَفِينَةً مَشْحُونَةً بِالأَحْمَالِ مَمْلُوءَةً بِالأَثْقَالِ قَدِ احْتَوَشَتْهَا فِي لُجَّةِ البَحْرِ أَمْوَاجٌ مُتَلَاطِمَةٌ وَرِيَاحٌ مُخْتَلِفَةٌ وَهِيَ مِنْ بَيْنِهَا تَجْرِي مُسْتَوِيَةً لَيْسَ لَهَا مَلَّاحٌ يُجْرِيْهَا وَلَا مُدَبِّرٌ يُدَبِّرُ أَمْرَهَا هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي العَقْلِ؟ قَالُوا لَا هَذَا شَىءٌ لَا يَقْبَلُهُ العَقْلُ. فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: سُبْحَانَ اللهِ إِذَا لَمْ يُجِزِ العَقْلُ سَفِينَةً تَجري مِنْ غَيْرِ مَلَّاحٍ يُدِيرُهَا فِي جَرَيَانِهَا، فَكَيْفَ يَجُوزُ قِيَامُ هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِهَا وَتَغَيُّرِ أَعْمَالِهَا وَسَعَةِ أَطْرَافِهَا مِنْ غَيْرِ صَانِعٍ وَحَافَظٍ؟! فَبَكَوا جَمِيعًا وَقَالُوا: صَدَقْتَ وَأَغْمَدُوا سُيُوفَهُمْ وَتَابُوا بِالإِسْلَامِ.اهـ 

قال تعالى: [وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا، وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ، أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وَأُولَٰئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ، وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ، هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]، فَتَأْمَّلْ تُرْبَةً تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَتَأْثِيرُ الشَّمْسِ فِيهَا مُتَسَاوٍ، وَالثِّمَارُ الَّتِي تَجِيءُ مِنْهَا مُخْتَلِفَةٌ فِي الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ وَالطَّبِيعَةِ وَالشَّكْلِ وَالرَّائِحَةِ وَالمنَافِعِ وَالخَاصِّيَّةِ مَعَ العِلْمِ أَنَّ الأَرْضَ وَاحِدَةٌ وَالماءَ وَاحِدٌ فَلَوْ كَانَ حُدُوثُ الأَشْيَاءِ بِفِعْلِ الطَّبِيعَةِ كَمَا يَقُولُ الملْحِدُونَ لَجَاءَتْ مُتَشَابِهَةً فَإِنَّ الطَّبِيعَةَ الوَاحِدَةَ تَفْعَلُ فِي الجِسْمِ الوَاحِدِ فِعْلًا مُتَمَاثِلًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُدُوثَ الحَوَادِثِ هُوَ بِفِعْلِ قَادِرٍ مُخْتَارٍ عَالِمٍ. وَبِمثْلِ هَذَا اسْتَدَلَّ الإِمَامُ الشَّافِعِي t فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: “وَرَقَةُ التُّوتِ رِيحُهَا وَطَعْمُهَا وَلَوْنُهَا وَاحَدٌ تَأْكُلُ مِنْهَا الغَزَالَةُ فَيَخْرُجُ مِنْهَا المسْكُ وَتَأْكُلُ مِنْهَا دُودَةُ القَزِّ فَيَخْرُجُ مِنْهَا الحَرِيرُ وَيَأْكُلُ مِنْهَا الجَمَلُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ البَعَرُ وَيَأْكُلُ مِنْهَا الماعِزُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ اللَّبَنُ أَيِ الحَلِيبُ”اهـ. وَسُئِلَ أعرابيٌ عَنْ وُجُودِ اللهِ فَقَالَ: البعرةُ تَدُلُّ عَلَى البَعِيرِ وءاثارُ الأَقْدَامِ تَدُلُّ عَلَى المسِيرِ أَفَلَا يَدُلُّ هَذَا العَالَمُ عَلَى وُجُودِ اللَّطِيفَ الخَبِيرِاهـ. بَلَىْ تَبَاْرَكَ اللهُ الخَلَّاقُ العَظِيْمُ، ثُمَّ إِنَّ العَقْلَ يُدْرِكُ بِالنَّظَرِ السَّلِيمِ فِي مَخْلُوقَاتِ اللهِ تَعَالَى أَنَّ خَالِقَهَا لَا يُشْبِهُهَا بِوَجْهٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ خَالِقُ العَالَمِ يَشْبِهُهُ بَأَيِّ وَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِجَازَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَى هَذَا العَالِمِ مِنَ الحُدُوثِ وَالحَاجَةِ وَالافْتِقَارِ وَالتَّغَيُّرِ، لِأَنَّ المتَشَابِهَاتِ يَجُوزُ عَلَيْهَا مَا يَجُوزُ عَلَى بَعْضِهَا، وَلاحْتَاجَ إِلَى مُوجِدٍ أَوجَدَهُ وَمُحدِثٍ أَحْدَثَهُ، فَإِنَّ الحَادِثَ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ أَوْجَدَهُ وَخَصَّصَهُ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الهَيْئَةِ وَالصُّورَةِ وَالمتَغَيِّرُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ يُغَيِّرُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَالمتَحَيِّزُ فِي المكَانِ وَالجِهَةِ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ جِسْمًا وَافْتِقَارُ الجِسْمِ إِلَى مَنْ حَدَّهِ بِهَذَا المِقْدَارِ مِنْ طُولٍ وَعَرْضٍ وَسَمْكٍ وَاضِحٌ لَا لبْسَ فِيهِ لِصَاحِبِ عَقْلٍ سَلِيمٍ، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحْتَاجًا لشىءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ لَكَانَ مَخْلُوقًا حَادِثًا وَلَمْ يَكُنْ إلَهًا أزليًا. سُئلَ سُفيانُ الثوريُّ: بمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: “بِفَسْخِ العَزْمِ وَنَقْضِ الهِمَّةِ”. اهـ وَسُئِلَ أبو نُواسٍ عَنْ وُجُودِ اللهِ فَقَالَ:

تَأَمَّلْ فِي رِيَاضِ الأَرْضِ وَانْظُرْ
إِلَى ءَاثَارِ مَا صَنَعَ الْمَلِيكُ

عُيُونٌ مِنْ لُجَـيْنٍ شَاخِصَـاتٌ
وَأَحْدَاقٌ لَهَا ذَهَبٌ سَبِيكُ

عَلَى قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شَاهِدَاتٌ
بِأَنَّ اللهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيـكُ

وَسُئلَ أَعْرَابيٌّ بمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: “عَرَفْتُهُ بِنَحْلَةٍ بِأَحَدِ طَرَفَيهَا تَعْسِلُ وَالآخَرِ تَلْسَعُ وَالعَسَلُ مَقْلُوبُ اللَّسْعِ”.اهـ وَالوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَعْتَقِدَ بِوُجُودِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ مَعَ تَنْزِيهِهِ عَنْ مُشَابَهَةِ خَلْقِهِ وَعَدَمِ تَصَوُّرِهِ وَتَخَيُّلِهِ بِالفِكْرِ وَلَا بِالقَلْبِ فَمَعْرِفَةُ اللهِ لَا تُطْلَبُ بِالتَّصَوُّرِ، فَقَدْ قَالَ ذُو النونِ المِصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “مَهْمَا تَصَوَّرْتَ بِبَالِكَ فَالله بِخِلَافِ ذَلِكَ”، وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَا تَتَصَوَّرُهُ بِبَالِكَ فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَالخَالِقُ لَا يُشْبِهُ مَخْلُوقَهُ، كَمَا قَالَ إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: “مِنِ انْتَهَضَ لِمَعْرِفَةِ مُدَبِّرِهُ فَاطْمَأَنَّ إِلَى مَوْجُودٍ يَنْتَهِي إِلَيْهِ فِكْرُهُ فَهُوَ مُشَبِّهٌ وَإِنِ اطْمَأَنَّ إِلَى العَدَمِ الصِّرْفِ فَهُوَ مُعَطِّلٌ وَإِنِ اطْمَأَنَّ إِلَى مَوْجُودٍ وَاعْتَرَفَ بِالعَجْزِ عَنْ إِدْرَاكِهِ فَهُوَ مُوَحِّدٌ”.اهـ لِذَلِكَ نَهى السَّلَفُ عَنِ التَّفَكُّرِ فِي ذَاتِ اللهِ تَعَالَى لِلوُصُولِ إِلَى حَقِيقَتِهِ لِأَنَّهُ لَا يَعرفُ اللهَ عَلَى الحَقِيقَةِ إِلَّا اللهُ إِنَّمَا مَعْرِفَتُنَا بِاللهِ هِيَ بِمَعْرِفَةِ مَا يَجِبُ لَهُ تَعَالَى وَمَا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ وَمَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: “تَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ اللهِ وَلا تَفَكَّرُوا فِي اللهِ “. وَكَلُّ مَنْ يَتَفَكَّرُ فِي ذَاتِهِ تَعَالَى فَيَتَخَيَّلُ بِخَيَالِهِ صُورَةً وَيَعْتَقِدُ أَنَّ مَا تَخَيَّلَهُ هُوَ اللهُ فَهُوَ لَيْسَ مُسْلِمًا مُوَحِّدًا إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهِ وَبِينَ عَابِدِ الصَّنَمِ، فَعَابِدُ الصَّنَمِ عَبَدَ صُورَةً نَحَتَهَا وَهَذَا عَبَدَ صُورَةً تَخَيَّلَهَا وَأَمَّا المؤْمِنُ المصَدِّقُ فَيَعْبُدُ مَنْ لَا شَبِيهَ لَهُ وَلَا مَثِيلَ، كَمَا قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ الرفاعيُّ t: “غَايَةُ المعْرَفَةِ بِاللهِ الإِيقَانُ بِوُجُودِهِ تَعَالَى بِلَا كَيْفٍ وَلَا مَكَانٍ”، وَهَذَا كُلُّهُ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الآيَةِ المحْكَمَةِ الجَامِعَةِ: [لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ]) (توضيح زيادة لهذه المسألة: التوحيدُ هو معرفة الله على ما يليق به ومعرفةُ النبي صلى الله عليه وسلم على ما يليق به، والمقصود بمعرفةِ الله أي معرفةُ صفاته عز وجل الثابتةِ في الكتاب والسنة وإجماعِ الأمة، وليست معرفةَ إحاطةٍ، كمعرفتي لكم مثلا، أو معرفتي للطريقِ الفلانية، فإن هذه المعرفةَ معرفةُ إحاطةٍ ومعرفتي لله ليست معرفةَ إحاطةٍ بل هي اعتقادُ إثباتِ وجودِه عز وجل على ما يليق به مع تنزيهِه عن مشابهة المخلوقات، ولذلك قال الإمام الشافعي رضي الله عنه لما سئل عن الاستواء: ءامنتُ بلا تشبيه وصدَّقتُ بلا تمثيل واتَّهمتُ نفسي في الإدراك وأمسكتُ عن الخوض فيه كل الإمساك.اهـ ذكره الإمام أحمد الرفاعي في البرهان المؤيد والعز بن عبد السلام في حل الرموز والشيخ تقي الدين الحصني في دفع شبه من شبه وتمرد.اهـ وقال أيضا: ءامنتُ بما جاءَ عن الله على مرادِ الله وبما جاء عن رسولِ الله على مراد رسول الله.اهـ ذكره الشيخ الحصني في دفع شبه من شبه وتمرد، ومعناه لا على ما قد تذهب إليه الأوهام والظنون من المعاني الحسيةِ والجسميةِ التي لا تجوز في حق الله تعالى. ولما سئل عن صفات الله تعالى قال: حرام على العقولِ أن تمثِّل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحدَّ وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكرَ وعلى الضمائر أن تعمقَ وعلى الخواطر أن تحيطَ إلا ما وصف به نفسه [أي الله] على لسانِ نبيه صلى الله عليه وسلم.اهـ ذكره السبكي في الطبقات. وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه أيضا جامعا جميع ما قيل في التوحيد: من انتهض لمعرفة مدبره فانتهى إلى موجود ينتهي إليه فكره فهو مشبه، وإن اطمأنّ إلى العدم الصرف فهو معطل، وإن اطمأن لموجود واعترف بالعجز عن إدراكه فهو موحد. اهـ ذكر ذلك عنه الإمام أحمد الرفاعي في البرهان المؤيد، والإمام بدر الدين الزركشي في تشنيف المسامع. فما أدقها من عبارة أخذها من قوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىءٌ) [سورة الشورى]، ومن قوله عز وجل (فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ) [سورة النحل] ومن قوله تعالى (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) [سورة مريم]، ومن قوله تعالى (أَفِي اللّهِ شَكٌّ) [سورة إبراهيم] وكلُّ هذا يدل على أن الإمامَ الشافعيَّ رضي الله عنه على تنزيهِ اللهِ عما يخطرُ في الأذهانِ مِن معاني الجسميةِ وصفاتِها كالجلوس والتحيزِ في جهةٍ وفي مكانٍ والحركةِ والسكونِ ونحو ذلك. إذًا: معرفتنا لله ليست معرفةَ إحاطةٍ وإنما هي معرفةُ ما ثبتَ لله مع تنزيههِ عن مشابهةِ المخلوقاتِ. وكذلكَ ينبغي أن يُعلَمَ أنه ليس المطلوبُ منا عند دراسةِ التوحيدِ وصفاتِ الله عز وجل أن نتصورَ فإننا مخلوقون لله جعل الله لعقولنا وقلوبِنا حدًّا لا نستيطعُ تصورَ بعضِ المخلوقاتِ فكيفَ يتجرؤُ البعضُ بأن يحاولوا أن يتصوروا الخالقَ عز وجل ولنْ يقدروا على ذلك بل إنهم سيقعونَ في التشبيهِ والعياذ بالله تعالى. نضربُ أمثلةً لذلكَ أي أننا لا نستيطعُ تصورَ المخلوقاتِ فكيف نتصورُ الخالقَ عز وجل؟ كلا وحاشا. فقد وردَ أن المسافةَ بين الأرضِ والسماءِ هي مسيرةُ خمسمائةِ عامٍ وسمكُ السماءِ كذلك وبين الأولى والثانيةِ كذلك وهكذا إلى السابعة، وفوقَ السماواتِ السبعِ يوجدُ بحرٌ ثم مسافةٌ كبيرةٌ، ثم بحرٌ آخرُ ثم الجنةُ والعرشُ، وورد عن حجمِ بعضِ الملائكةِ أنَّ رأسَه تحتَ العرشِ وقدمَه تحتَ الأرضِ السابعةِ، فهل لنا أن نتصورَ هذا الحجمَ العظيمَ؟ لا. فهنا ينهارُ الوهمُ. وكذلكَ نقول: إن اللهَ خلقَ النورَ والظلامَ وكانَ يوجدُ فترةٌ لا ظلامَ ولا نورَ فيها، فهل لنا أن نتصورَ هذه الفترةَ؟ لا. هذا يدلُّ أنه يوجدُ خَلْقٌ من خَلْقِ الله لا نستطيعُ تصوّرَه فكيف نتصورُ الخالقَ؟! لا نقدر. قالَ المناويُّ: سئلَ الصدِّيقُ عنِ اللهِ تعالى هلْ يمكنُ بشرٌ أنْ يدركَه؟ فقالَ: العجزُ عن دَرَكِ الإِدْرَاكِ إِدْرَاكٌ. وسئل مصباحُ التوحيدِ وصباحُ التفريدِ عليٌّ كرمَ اللهُ وجهَه عنِ اللهِ تعالى فقالَ: لا يُدْرَكُ بِالحَوَاسِ وَلَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ.اهـ ومعناهُ أَنَّ اللهَ تعالى لا تدركُه العقولُ ولَا يتخيلُه القلبُ ولَا تطلبُ معرفتُه بالتصورِ. وقالَ الجنيدُ: أشرفُ كلمةٍ في التوحيدِ قولُ الصِدِّيقِ: الحمدُ للـهِ الذي لمْ يجعلْ للخلقِ سبيلًا إلى معرفَتِهِ إلا بالعجزِ عن معرفَتِهِ.اهـ) (تَفَكَّرْ وَتَأَمَّلْ فِي إِثْبَاتِ أَنَّ اللهَ وَاْحِدٌ: فقد قالَ أبو العتاهيةِ:

فَيَـــا عَجَبًا كَيْفَ يُعْصَىَ الإِلَهُ
أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الجَاحِدُ

وَفِـْـــي كُــــلِّ تَحْرِيْكَةٍ آيَةٌ
وَفِي كُلِّ تَسْكِيْنَةٍ شَاهِدُ

وَفِـــي كُـلِّ شَىءٍ لَــهُ ءايَــةٌ
تَدُلُّ عَلَـى أَنَّهُ وَاحِدُ

هلْ تفكرتَ عظمةَ اللهِ سبحانَه وتعالى؟ إذا سَكنَ الليلُ وعمَّ الظلامُ، وهدأتِ العيونُ وغارتِ النجومُ أذكرْ قولَ اللهِ تعالى: [قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ، أَفَلَا تَسْمَعُونَ] وهلْ تأملتَ إذا بَزغَ الفجرُ وسطعَ الضياءُ كاشفًا عَتمَةَ الليلِ وأشرقتِ الشمسُ فَمَلَأَتِ الأفقَ ضياءً ونورًا، عندَها قفْ وتفكرْ في عظمةِ اللهِ الخالقِ العظيمِ وقدرتِه وعظيمِ فضلِه وكرمِه وكثرةِ نَعْمَائِهِ على الناسِ قالَ اللهُ تعالى: [قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ، أَفَلَا تُبْصِرُونَ] تفكَّرْ في هذا وقلْ سبحانَ اللهِ الواحدِ الأحدِ، سبحانَ اللهِ الخالقِ العظيمِ: أيِ اللهُ منزهٌ عنْ كلِّ نقصٍ وعيبٍ كالشبيهِ والمثيلِ والولدِ والحدِّ والمكانِ والصورةِ والشكلِ تعالى اللهُ عنْ ذلك كلِّه وتنزَّهَ، واللهُ أعظمُ مِنْ كلِّ عظيمٍ في القدرِ والجلالِ وهوَ الخالقُ وحدَه الموجِدُ للأشياءِ مِنَ العدمِ جلَّ جلالُه. 

وإذا مَا رأيتَ الجبالَ الشاهقةَ الشامخةَ الراسيةَ الثابتةَ تذكرْ عظمةَ اللهِ تعالى كيفَ نَصَبَها ورَفَعَها وأمسَكَهَا بقدرَتِه وجعلَ فيها الفوائدَ ومَكَّنَ الإنسانَ مِنَ الصعودِ والنزولِ عليها قالَ اللهُ تعالى: [وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ]، وإذا رأيتَ خليةَ النحلِ ودقةَ ونظامَ ما فيها مِنْ عجيبِ قدرةِ اللهِ تعالى تَعْجَبُ وتحتارُ في عظيمِ صنعِ اللهِ تعالى كيفَ أُلْهِمَتْ بناءَ خلِيَّتِها بطريقةٍ مذهلةٍ مِنَ الهندسةِ والنظافةِ والحفظِ للعسلِ وكلُّ ذلكَ مسخرٌ للبشرِ، وانظرْ في مجموعاتِ النملِ وأنواعِها وما خلقَ اللهُ فيها مِنَ الأعضاءِ الصغيرةِ ومِنْ حَمْلِ غذائِها وبناءِ بيوتاتِها وادِّخَارِ الحبوبِ فيها بطريقةٍ فيها العجبُ.اهـ ثم انظرْ إلى السماءِ وهيَ مرفوعةٌ فوقَنا تحملُ ما فيها مِنْ مخلوقاتٍ مِنَ الملائكةِ الكرامِ سكانِ السماواتِ وغيرِهم، وتأمَّلِ النجومَ وزينَتَها وكثرَتَها وضَوْئَها ثُمَّ الشمسَ وحسنَها وجمالَها مَعَ شدةِ حرارتِها واذكُرْ عظيمَ نفعِها وفوائِدَها والكواكبَ وروعَتَها والبدرَ وإشراقَه واكتمالَه واضمحلالَه ومنازلَه وتحوُّلَه مِنْ مكانٍ لمكانٍ ومِنْ شكلٍ لآخرَ وارتباطَ الناسِ بهِ بالشهورِ والمواقيتِ وغيرِها والفضاءَ الفسيحَ الواسعَ برحابَتِه، سترى جمالًا وحسنًا مبهرًا مدهشًا يتوقفُ عندَه أولو الألبابِ والعقولِ النيِّرَةِ متفكرينَ متبصرينَ مستذكرينَ عظمةَ الخالقِ العظيمِ لَا إلَه إلَّا هَو خالقُ كلِّ شىءٍ، قالَ اللهُ تعالى: [فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ، يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ] بلِ انظرْ إلى نفسكَ التي بينَ جَنبَيكَ وما جعلَ اللهُ فيها مِنَ العجبِ العُجابِ سُبحانَ مَنْ خَلقكَ، وعلى مَا شَاءَ جَعلَ شَكلكَ وهيئَتَكَ وأَسْمَعَكَ وَأَبْصَرَكَ وَأَضْحَكَكَ وَأَبْكَاكَ وَأَضْعَفَكَ وَقَوَّاكَ قَالَ اللهُ تعالى: [يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ]) (فهذه دَعْوَةٌ لِلْتَفَكُّرِ فِي آثَارِ قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى: اللهُ تعالى العظيمُ القادرُ لَا إلهَ إِلَّا هوَ ينبغي علينَا أنْ نتفكرَ في عظيمِ قدرتِهِ وننظرَ في ملكوتِهِ، فبالنظرِ بعينِ الاعتبارِ في الخلقِ تستدلُّ على الخالقِ، مَنْ تَبَصَّرَ في الكونِ وجدَ آياتٍ وعلاماتٍ وإشاراتٍ تدلُّ على أنَّ اللهَ هوَ الخالقُ الذي يجبُ علينَا أنْ نعبدَه ونُعَظِّمَهُ ونؤمنَ بهِ وبصفاتِه كالعلمِ والسمعِ والقدرةِ والإرادةِ والحياةِ وأَنَّه مُنزهٌ عنْ مشابهةِ الخلقِ كلامُه ليسَ ككلامِ البشرِ، البَشرُ يتكلمونَ بالحرفِ والصوتِ المخلوقِ وكلامُ اللهِ تعالى ليسَ بحرفٍ ولا صوتٍ ولا يشبِهُ كلامَ البشرِ وكذا سَمعُه وبصرُهُ وحياتُهُ وبقائُه وسائرُ صفاتِه، جلَّتْ عظمتُهُ وتنزَّهَ عنْ كلِّ ما لا يليقُ بهِ، فَمَنْ نظرَ في السماءِ وعِظَمِ خلقِها ونظرَ في الأرضِ وانبساطِها وتفكرَ في الجنةِ واتساعِها وكثرةِ نعيمِها وتذكرَ النارَ وشدةَ عذابِها، وسمعَ وصفَ الزبانيةِ فيهَا ووصفَ دركاتِها، علمَ أَنَّ لهذا الخلقِ ربًّا قادرًا عليهِ لَا يعجِزُهُ شىءٌ في الأرضِ ولَا في السماءِ، ومَنْ قرأَ السيرَ والتاريخَ وأخبارَ القرونِ الماضيةِ ومشى على هذهِ الأرضِ متفكرًا بهذَا متدبرًا بهِ، يسألُ نفسَهُ: أينَ شدادُ وأينَ عادٌ؟ أينَ فرعونُ وأينَ قارونُ؟ أينَ الجبابرةُ الذينَ طَغَوا في البلادِ؟ أينَ الذينَ قالَ عنهُم ربُّنا في القرآنِ العظيمِ: [الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ] أينَ الذينَ ضربُوا الأرضَ بأرجُلِهم متكبرينَ على خلقِ اللهِ، أينَ الذينَ مَشَوا على ظهرِ الأرضِ ونَسوا أَنَّهم سينزلوَن بطنَها منهم مَنْ دَكَّتْهُ الأرضُ ومنهُم مَنْ أَخَذَتْهُ الصيحةُ، ومنهُمْ مَنْ أدركَهُ الغرقُ ومنهُمْ مَنْ خُسِفَتْ بِهِ الأرضُ، واقرأْ إنْ شئتَ قولَهُ تعالَى: [وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ، وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ، فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ، فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] بماذا تعلَّقُوا؟ وعلى أيِّ شىءٍ اتَّكَلُوا؟ ونَسوا أَنَّ اللهَ خلقَهم وأَنَّهُ قادرٌ عليهِمْ، وبيدِهِ ملكوتُ كلِّ شىءٍ وهوَ يقضي بالحقِّ، ومشيئَتُهُ نافذةٌ في خَلْقِهِ، هوَ القادرُ المقتدرُ الذي لا يلحقُ قدرتَه عجزٌ سبحانَه، تعلقُوا بأوهامِهِم، ومَشوا وراءَ شهواتِهم وغَرَّتْهُمُ الأمانيُّ، إِنَّما تعلقُوا بشىءٍ لا يصحُّ التعلقُ بهِ، هوَ أضعفُ ممَّا ظنُّوا، وفي ذلكَ قالَ تعالَى: [مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا، وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ، لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ] وبعدَ كلِّ هذهِ الآياتِ، يأتي قولُه تعالَى ليذكِّرَنا بأَنَّ اللهَ خالقٌ قادرٌ مقتدرٌ، لا يُعجزُه شىءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ،[وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ، وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ]على هذا يا عبدَ اللهِ تفكرْ في خلقِ اللهِ، لتذكرَ وتتذكرَ إشاراتٍ وعلاماتٍ ودلالاتٍ تدلُّ على عظمةِ اللهِ تعالَى، فيزيدَ بعدَ ذلكَ إيمانُك ويقوى يقينُكَ والتزامُكَ بأحكامِ شرعِ ربِّكَ عزَّ وجلَّ) (قالَ الشيخُ أحمدُ الدردير: قالَ الله تبارك وتعالى: [وَفِيْ أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُوْنَ] فأنتَ إذا نظرتَ إلى مبدإِ خلقِكَ وجدْتَ ربَّك [أي علِمْتَ وأيقَنْتَ] سبحانه وتعالى قادَ والِدَيك بزمامِ الشهوةِ مقهورَينِ [أي منساقينَ إلى فِعلِ ما يصدرُ عنهم باختيارِهم لا بالإكراهِ والجبرِ] في صورةِ مختارَينِ مع تمامِ الأنسِ والبسطِ، حتى إذا حصلَ الوِقاعُ صانَك اللهُ في قرارٍ مكينٍ، فخلَقَ تلكَ النطفةَ علقةً ثم خلقَ العلقةَ مضغةً، ثم مدَّها وصوَّرَها في أحسنِ صورةٍ، فجعلَ الرأسَ في أحسنِ خلقةٍ، وخلقَ العينَ والأذنَ والأنفَ وصوَّرَ الوجهَ في أحسنِ صورةٍ، وأودَعَها من الجمالِ والكمالِ ما لا يخفى، ثم أودَعَ البصرَ في العينِ والسمعِ في الأذنِ والشمِّ في الأنفِ، وخلقَ الفمَ وزيَّنَهُ بالشَّفَتين، وخلَقَ اللسانَ وخلَقَ فيه الذوقَ وجعَلَه يترجمُ عمَّا في الفؤادِ من العلومِ والمعارفِ، وجعلَ الرقبةَ حاملةً لعرشِ الرأسِ في حُسنٍ بديع، وجعلَ فيها المنفذَ الموصلَ الأكلَ والشربَ إلى المعدة، وأودَع البطنَ مِنَ الأمعاءِ والمصارِينِ والقلبِ والكبدِ وغيرِها مما لا يعلمُ حقيقَته إلا هو تعالى. وخلَقَ الأيديَ وخلَقَ فيها الأكفَّ والأصابعَ وجعلَها مفاصلَ وأبدَعَها والأرجلَ كذلكَ. وخلقَ العظامَ وكساهَا لحمًا، ثم نفخَ[أي أمرَ الملكَ فنفَخ] فيكَ الروحَ، وهيَ سرٌّ عظيمٌ عجيبٌ من أسرارِه تعالى، فتحركْتَ في بطنِ أمِّكَ، وما زال بكَ رؤوفًا رحيمًا، حافظًا في أضيقِ مكانٍ يوصلُ لكَ غذاءَك وأنتَ لا تعلمُ شيئًا، حتى إذا تمَّ خلقُك أنزلَك مِن الرحمِ مِن أضيقِ محلٍّ، فلطَفَ بكَ وبأمِّك، حتَّى إذا برزْتَ ألهَمَكَ بمجردِ النزولِ إلى ثدْيِ أمِّك وأجرَى فيهِ اللبنَ وأنزلَ في قلبِها الرأفةَ والرحمةَ. ولَمَّا ءانَ أوانُ الأكلِ خلقَ لكَ الأسنانَ والأضراسَ ورتَّبها ترتيبًا عجيبًا، معَ ما فيها من كمالِ الزينةِ والجمالِ والكمالِ، ثم لَمَّا قَرُبَ بلوغُك وكانَتْ هذهِ الأسنانُ ضعيفةً أسقَطَها وأبدَلَهَا بأقوى منها. ثم إذا أكلتَ فجَّرَ في فمِك عينًا جاريةً وهي الريقُ، لا ينقطعُ جريانُها ما دمتَ تأكلُ، لتبتَلَّ اللقمةُ بها، ويَسهُلَ بلعُها لا تمَلُّها النفسُ، فانظر إلى هذهِ الحكمةِ البديعةِ التي أنتَ في غايةِ الافتقارِ إليها، وليسَ في قدرتِك إجراؤُها ولا منعُها بالضرورة. فإذا نزلَ الطعامُ والشرابُ في المعدةِ صرَّفَه إلى ما يشاء، فبعضُه يتربَّى به اللحمُ، وبعضُه يتربَّى به العظمُ، وبعضُه يتربَّى به الشحمُ وبعضُه يتربَّى به الدمُ، مع كمالِ اللذةِ حالَ الأكلِ وبعدَه، ثم ما فضلَ عن ذلكَ وكانَ فيهِ الإيذاءُ للبدنِ على تقديرِ إبقائِه في البطنِ أخرجَه من مخرَجَيك، وانظرْ لهذينِ المخرجَينِ وبديعِ حكمتِهما، وإلى إقدارِك على مسكِهما عندَ تهيُؤِ الفضلةِ للخروجِ. وبالجملةِ فلمْ يزلْ سبحانه وتعالى بك رؤوفًا رحيمًا ودودًا كريمًا وأنتَ غافلٌ عن نفسِك. وَمِنْ أَكْبَرِ عِبَرِهِ العقلُ، الذي به التمييزُ والتدبيرُ، وإدراكُ العلومِ والمعارفِ، وما يضرُّ وما ينفعُ، [وَإِنْ تَعُدُّوْا نِعْمَةَ اللهِ لِا تُحْصُوْهَا] فتباركَ اللهُ أحسنُ الخالِقِينَ [أي المصورينَ والمقدِّرينَ]. فيا ليتَ شعري، أهذا ينبغي أن يُعصى فيما أَمَر ونَهَى.اهـ) وفناءِ الدنيا (مهما طالَ المكثُ في الدنيا فهوَ قصيرٌ فلذاتُها سريعةُ الزوالِ وأيامُها تجري كالخيالِ، وقدْ قيلَ في وصفِها: عدوٌ في ثيابِ صديقٍ. ضاحكةٌ مستعبرَةٌ. عدوةٌ للناسِ معشوقةٌ. مَنْ بخِلَ بالدنيا جادتْ به. غدارةٌ غرارةٌ، إن بقيتْ لكَ لمْ تبقَ لها. أفٍ مِن أشغالِهَا إذا أقبلتْ، ومِن حسراتِها إذا أدبرتْ. واجدُها سكران، وفاقدُها حيرانُ. مَن نالَ الدنيا ماتَ بها، ومَن لم ينلْها ماتَ حسرةً عليهَا. مَثَلُ الدنيا كمثلِ الحيّةِ: لينٌ مسُّها، ‌قاتلٌ ‌سمُّها، يحذرُها العاقلُ، ويهوي إليها الجاهلُ. لا بدَّ في الدنيا مِن الهمِّ. إنَّ الدنيا ليستْ تعطيكَ لتسُرَّك؛ إنما تعطيكَ لتغُمَّك، ولمْ أرَ كالدنيا تذمُّ وتُهْلِكُ، أشبهُ الأشياءِ بالدنيا أحلامُ النائمِ. مَن أكرمَ الدنيا أهانتْه.. مثلُ الدنيا كمثلِ رجلٍ نامَ نومةً فرأى فيها ما يحبُّ ويكرهُ، ثم انتبَه، مَن مالَ إلى الدنيا صالتْ عليه، ومَن مالَ عليها مالَت إليهِ. إذا أقبلَتِ الدنيا على إنسانٍ أعطتْه محاسنَ غيرِه، وإذا أدبرتْ عنه سلبتْه محاسنَ نفسِه. قيلَ لأميرِ المؤمنينَ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهُ: لِمَ حَرِصَ الناسُ علَى الدنيا؟ فقالَ: همْ أبناؤُها، قالَ الحسنُ: حلالُهَا حسابٌ، وحرامُها عذابٌ. وقالَ يحيى بنُ معاذٍ: الدنيا خمرُ الشيطانِ، مَنْ شربَ منها لم يُفِقْ إلا في عسكرِ الموتى، نادمًا خاسرًا.. من عجائبِ الدنيا أن تبكيَ على من تدفِنه، وتطرحَ الترابَ على وجهِ من تُكرِمه. أهل الدنيا كركبٍ يسارُ بهم، وهم نيام. أهل الدنيا كصورةٍ في صحيفةٍ، كلما طُوي بعضُها نُشِر بعضُها. طلاقُ الدنيا مهرُ الجنة. أجودُ الناسِ مَن زهدَ في الدنيا، ووهبَها للناس. خيرُ الدنيا حسرةٌ، وشرها ندمٌ. ترقَعُ خرقَ الدنيا فيتسع، وتُشَعِّبُها فتنصدع، ويَجتمِع منها ما لا يجتَمع. وقدْ قيلَ:

أَصْبَحَتِ الدُّنْيَا لَنَا عِبْرَةً
وَالْحَمْدُ للهِ عَلَى ذَلِكَا

قَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى ذَمِّهَا
وَمَا أَرَى فِيْهِمْ لَهَا تَارِكَا

وَقِيلَ: 

أُفٍّ لِلدُّنْيَا الدَّنِيَّه
خَبُثَتْ فِعْلًا وَنِيَّه

عَيْشُهَا هَمٌّ وَغَمٌّ
ثُمَّ عُقْبَاهَا الْمَنِيَّه

وقالوا: مصائبُ الدنيا أكثرُ مِن نباتِ ‌‌الأرضِ) وأهوالِ الآخرةِ (وأهوالُ الآخرةِ شديدةٌ عظيمةٌ إلا على مَن هوَّنه اللهُ عليه، فقد روى أحمدُ عن جابرِ بن عبدِ الله كانَ يقول: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «لا تَمنَّوا المَوْتَ فإنَّ هَوْلَ المَطْلِعِ شَدِيدٌ، وإنَّ مِنَ السَّعَادَةِ أنْ يَطُولَ عُمْرُ العَبْدِ وَيَرْزُقَهُ الله الإنابَةَ». وقال أبو الدرداءِ رضي الله عنه: أضحكَني ثلاثٌ وأبكاني ثلاث، أضحكَني مؤملُ دنيا والموتُ يطلبُه، وغافلٌ وليس بمغفولٍ عنه، وضاحكٌ بملءِ فيه لا يدري أأرضي اللهَ أم أسخَطَه؟ وأبكاني: فراقُ الأحبةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وحزبِه، وأحزنني هولُ المطلعِ عندَ غمَرَاتِ الموت، والوقوفُ بين يدي اللهِ يوم تبدو السريرةُ علانيةً ثم لا يدري إلى الجنةِ أو إلى النارِ.اهـ 

وقال أنسُ بنُ مالكٍ: ألا أحدِّثُكم بيومينِ وليلتينِ لم تسمعِ الخلائقُ بمثلِهِن: أولُ يومٍ يجيئُكَ مِن الله تعالى، إما برضاهُ وإما بسخَطِه ويومٌ تعرضُ فيه على ربِّك آخذًا كتابَك، إما بيمينِك وإما بشمالِك وليلةٌ تَستأنفُ فيها المبيتَ في القبورِ ولم تبتْ فيها قطٌّ وليلةٌ تكونُ صبيحتُها يومُ القيامةِ.

 قال المحاسِبيُّ في كتابِ التوهُّمِ والأهوالِ: يحشرُ اللهُ الأممَ مِن الإنسِ والجنِّ أغلبُهم عراةً أذلاءَ قد نُزِعَ الْمُلكُ من ملوكِ الأرضِ ولزمَهم الصَّغَارُ بعدَ عتُوِّهِم والذلَّةُ بعدَ تجبُّرِهم على عبادِ اللهِ في أرضِهِ إلا من اتَّقى اللهَ تعالَى ثم أقبَلَتِ الوحوشُ من أماكِنِها منكِّسَةً رؤوسَها بعدَ توحُّشِها مِن الخلائقِ وانفرادِها ذليلةً من هَولِ يومِ النشورِ مِن غيرِ ريبةٍ ولا خطيةٍ أصابَتْها حتى وَقَفَتْ مِن وراءِ الخلقِ بالذلةِ والانكسارِ للمَلِكِ الجبارِ، وأقبلَتِ الشياطينُ بعد تمرُّدِها وعتوِّها خاضعةً ذليلةً للعرضِ على الملِكِ الدَّيَّانِ، حتى إذا تكامَلَتْ عُدةُ أهلِ الأرضِ مِن إنسِها وجنِّها وشياطينِها ووحوشِها وسباعِها وأنعامِها وهوامِّها تناثرَتْ نجومُ السماءِ مِنْ فوقِهم وطُمِسَتِ الشمسُ والقمرُ فأظْلَما عليهمْ ومَارَتْ سماءُ الدنيا مِن فوقِهم فدارَتْ مِنْ فوقِهم بِعِظَمِها فوقَ رؤوسِهم وهيَ خمسُمائةِ عامٍ فيا هولَ صوتِ انشقاقِها في سمعِهم وتمزقَت وتفطَّرَت لهولِ يومِ القيامةِ مِنْ عِظَمِ يومِ الطامةِ ثم ذابَتْ حتَّى صارَتْ مثلَ الفضةِ الْمُذَابَةِ كمَا قالَ الجبَّارُ تبارَكَ وتعالَى {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} وقالَ {يَوْمَ تَكُوْنُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ، وَتَكُوْنُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ} أيْ كالصوفِ المنفوشِ وهوَ أضعفُ الصوفِ وهبَطَتِ الملائكةُ مِنْ حافَّاتِها إلى الأرضِ بالتقديسِ لربِّها فتَخَيَّلِ انحدارَهم مِنَ السماءِ لِعِظَمِ أجسامِهِم وكثرةِ أخطارِهِم وهَوْلِ أصواتِهِم وشدةِ فَرَقِهِم مِنْ خوفِ ربِّهِم فتخَيَّل فزَعَك حينئذٍ وفزعَ الخلائقِ لنزولِهِم مخافةَ أن يكونوا قدْ أُمِرُوا بهِم فأخذُوا مصافَّهُم مُحْدِقِيْنَ بالخلائقِ  قدْ تَسَرْبَلُوا أجنِحَتَهُم ونَكَّسُوا رؤوسَهُم بالذِّلَّةِ والخضوعِ لربِّهِم، وكذلكَ ملائكةُ كلِّ سماءٍ إلَى السماءِ السابعةِ قدْ أَضْعَفَ أهلَ كلِّ سماءٍ علَى أهلِ السماءِ الذينَ قبلَهم فِي العُدَّةِ وعِظَمِ الأجسامِ والأصواتِ حتَّى إِذَا وافَى الموقفَ أهلُ السمواتِ السبعِ والأرَضِينَ السبعِ كُسِيَتِ الشمسُ حرَّ عشرِ سنينَ، ثمَّ أُدْنِيَتْ مِنَ الخلائِقِ قابَ قوسَينِ أو قوسٍ فَلَا ظلَّ ذلكَ اليومِ إلَّا ظلَّ عرشِ الرحمنِ فَمِنْ بينِ مستَظِلٍّ بظلِّ العرشِ وبينَ مضحٍ بحرِّ الشمسِ قدْ صهَرَتْهُ واشتَدَّ فيهَا كربُهُ وأقْلَقَتْهُ وقدِ ازْدَحَمَتِ الأممُ وتضَايَقَتْ ودَفَعَ بعضُهُمْ بعضاً، واختَلَفَتِ الأقدامُ وانْقَطَعَتِ الأعنَاقُ مِنَ العَطَشِ قدِ اجْتَمَعَ عليهِمْ فِيْ مَقَامِهِمْ حَرُّ الشمسِ معَ وَهجِ أنفاسِهِم وتزاحُمِ أجسَامِهِم ففَاضَ العَرَقُ منهُم علَى وجهِ الأرضِ، ثمَّ علَى أقدامِهم، ثم على قدرِ مراتِبِهم ومنازِلِهِم عندَ ربِّهِم مِنَ السعادةِ والشقاءِ، فمِنْهم مَنْ يَبْلُغُ العرقُ مَنْكِبَيْهِ وحِقْوَيْهِ، ومنهُم إلَى شحمةِ أذُنَيْه، ومنهُم مَنْ قَدْ أَلْجَمَهُ العرقُ فكَادَ أَنْ يَغِيْبَ فيهِ.اهـ).

الحمدُ لله الذي قهرَ بالموتِ العباد، وأذل به رقاب أهل التجبر والعناد، وجعله تذكرة لأهل المعرفة والسداد، وسوى به بين الشريف والخسيس، والقريب والنائي، وشرح صدور عباده المتقين، وألهمهم المعرفة والرشاد، وأحيا بذكره قلوب المخلصين، وعمرها بحبه وشاد، وجعل زبدة أعمالهم السكونَ لعظمته والانقياد، فمن اقتدى بهم ساد، وجعل لهم السعادة في الدنيا والعاقبة في الأُخرى، يوم النفخ والتناد، فسبحانه مِن إله تفرَّد بالعظمة والبقاء والإيجاد، وقضى على عباده بالسعادة والشقاء، فكم من متكبر أباد، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له؛ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أقواله، ولا في أفعاله، فهو المنزه عن الصاحبة والأولاد والمكان والأجساد، شهادة عبد مذنبٍ قد قالها من صميم الفؤاد، وادَّخرها عند مَن لا تضيع لديه الودائع يومَ تذوبُ الأكباد، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وحبيبه وخليله النبيُّ الهاد، الذي أرسله رحمة للعالمين فأظهر الحق وأباد الفسَاد، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأنصاره وأحزابه الأئمة الأمجاد، صلاةً وسلاما دائمين ما دامت السموات والأرض والبياض والسواد، وعلى العلماء العاملين، والأئمةِ المجتهدين الذين بذلوا نفوسهم النفيسةَ في مرضاته، وجاهدوا حق الجهاد، أما بعد: 

فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: بابٌ في التفَكُّر في عظيمِ مخلوقاتِ اللهِ تَعَالَى وفناءِ الدنيا وأهوالِ الآخرةِ وسائرِ أمورِهِما وتقصيرِ النفسِ وتهذيبِها وحملِها عَلَى الاستقامةِ. 

وصلنا إلى قول الحافظ النووي رحمه الله تعالى: وأهوالِ الآخرةِ وسائرِ أمورِهِما وتقصيرِ النفسِ وتهذيبِها وحملِها عَلَى الاستقامةِ. (أي التفكر في أهوال الآخرة). (قال أنسُ بنُ مالكٍ: ألا أحدِّثُكم بيومينِ وليلتينِ لم تسمعِ الخلائقُ بمثلِهِن: أولُ يومٍ يجيئُكَ مِن الله تعالى، إما برضاهُ وإما بسخَطِه ويومٌ تعرضُ فيه على ربِّك آخذًا كتابَك، إما بيمينِك وإما بشمالِك وليلةٌ تَستأنفُ فيها المبيتَ في القبورِ ولم تبتْ فيها قطّ وليلةٌ تكونُ صبيحتُها يومُ القيامةِ.اهـ قال الحارث المحاسِبيُّ في كتابِ التوهُّمِ والأهوالِ: يحشرُ اللهُ الأممَ مِن الإنسِ والجنِّ أغلبُهم عراةً أذلاءَ قد نُزِعَ الْمُلكُ من ملوكِ الأرضِ ولزمَهم الصَّغَارُ بعدَ عتُوِّهِم والذلَّةُ بعدَ تجبُّرِهم على عبادِ اللهِ في أرضِهِ إلا من اتَّقى اللهَ تعالَى ثم أقبَلَتِ الوحوشُ من أماكِنِها منكِّسَةً رؤوسَها بعدَ توحُّشِها مِن الخلائقِ وانفرادِها ذليلةً من هَولِ يومِ النشورِ مِن غيرِ ريبةٍ ولا خطيةٍ أصابَتْها حتى وَقَفَتْ مِن وراءِ الخلقِ بالذلةِ والانكسارِ للمَلِكِ الجبارِ، وأقبلَتِ الشياطينُ بعد تمرُّدِها وعتوِّها خاضعةً ذليلةً للعرضِ على الملِكِ الدَّيَّانِ، حتى إذا تكامَلَتْ عُدةُ أهلِ الأرضِ مِن إنسِها وجنِّها وشياطينِها ووحوشِها وسباعِها وأنعامِها وهوامِّها تناثرَتْ نجومُ السماءِ مِنْ فوقِهم وطُمِسَتِ الشمسُ والقمرُ فأظْلَما عليهمْ ومَارَتْ سماءُ الدنيا مِن فوقِهم فدارَتْ مِنْ فوقِهم بِعِظَمِها فوقَ رؤوسِهم وهيَ خمسُمائةِ عامٍ فيا هولَ صوتِ انشقاقِها في سمعِهم وتمزقَت وتفطَّرَت لهولِ يومِ القيامةِ مِنْ عِظَمِ يومِ الطامةِ ثم ذابَتْ حتَّى صارَتْ مثلَ الفضةِ الْمُذَابَةِ كمَا قالَ الجبَّارُ تبارَكَ وتعالَى {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} وقالَ {يَوْمَ تَكُوْنُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ، وَتَكُوْنُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ} أيْ كالصوفِ المنفوشِ وهوَ أضعفُ الصوفِ وهبَطَتِ الملائكةُ مِنْ حافَّاتِها إلى الأرضِ بالتقديسِ لربِّها فتَخَيَّلِ انحدارَهم مِنَ السماءِ لِعِظَمِ أجسامِهِم وكثرةِ أخطارِهِم وهَوْلِ أصواتِهِم وشدةِ فَرَقِهِم مِنْ خوفِ ربِّهِم فتخَيَّل فزَعَك حينئذٍ وفزعَ الخلائقِ لنزولِهِم مخافةَ أن يكونوا قدْ أُمِرُوا بهِم فأخذُوا مصافَّهُم مُحْدِقِيْنَ بالخلائقِ  قدْ تَسَرْبَلُوا أجنِحَتَهُم ونَكَّسُوا رؤوسَهُم بالذِّلَّةِ والخضوعِ لربِّهِم، وكذلكَ ملائكةُ كلِّ سماءٍ إلَى السماءِ السابعةِ قدْ أَضْعَفَ أهلَ كلِّ سماءٍ علَى أهلِ السماءِ الذينَ قبلَهم فِي العُدَّةِ وعِظَمِ الأجسامِ والأصواتِ حتَّى إِذَا وافَى الموقفَ أهلُ السمواتِ السبعِ والأرَضِينَ السبعِ كُسِيَتِ الشمسُ حرَّ عشرِ سنينَ، ثمَّ أُدْنِيَتْ مِنَ الخلائِقِ قابَ قوسَينِ أو قوسٍ فَلَا ظلَّ ذلكَ اليومِ إلَّا ظلَّ عرشِ الرحمنِ فَمِنْ بينِ مستَظِلٍّ بظلِّ العرشِ وبينَ مضحٍ بحرِّ الشمسِ قدْ صهَرَتْهُ واشتَدَّ فيهَا كربُهُ وأقْلَقَتْهُ وقدِ ازْدَحَمَتِ الأممُ وتضَايَقَتْ ودَفَعَ بعضُهُمْ بعضًا، واختَلَفَتِ الأقدامُ وانْقَطَعَتِ الأعنَاقُ مِنَ العَطَشِ قدِ اجْتَمَعَ عليهِمْ فِيْ مَقَامِهِمْ حَرُّ الشمسِ معَ وَهجِ أنفاسِهِم وتزاحُمِ أجسَامِهِم ففَاضَ العَرَقُ منهُم علَى وجهِ الأرضِ، ثمَّ علَى أقدامِهم، ثم على قدرِ مراتِبِهم ومنازِلِهِم عندَ ربِّهِم مِنَ السعادةِ والشقاءِ، فمِنْهم مَنْ يَبْلُغُ العرقُ مَنْكِبَيْهِ وحِقْوَيْهِ، ومنهُم إلَى شحمةِ أذُنَيْه، ومنهُم مَنْ قَدْ أَلْجَمَهُ العرقُ فكَادَ أَنْ يَغِيْبَ فيهِ.اهـ). (أما ما ينجي من أهوال وكرب يوم القيامة فهو كثير بفضل الله تعالى فقد روى مسلم «عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة».اهـ) (وأخرج القرطبي والترمذي في نوادر الأصول عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم ونحن في مسجد المدينة فقال إِنِّي رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ عَجَبًا، رَأَيْتُ مِنَ أُمَّتِي رَجُلًا نَزَلَ بِهِ عَذَابُ الْقَبْرِ فَجَاءَهُ وُضُوءُهُ فَاسْتَنْقَذَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي احْتَوَشَتْهُ الشَّيَاطِينُ فَجَاءَهُ ذِكْرُ اللَّهِ فَخَلَّصَهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي قَدِ احْتَوَشَتْهُ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ فَجَاءَتْهُ صَلَاتُهُ فَاسْتَنْقَذَتْهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي يَتَلَهَّفُ عَطَشًا فَكُلَّمَا قَصَدَ حَوْضًا مُنِعَ، فَجَاءَ صِيَامُهُ شَهْرَ رَمَضَانَ فَاسْتَنْقَذَهُ وَأَرْوَاهُ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي وَالنَّبِيُّونَ حِلَقًا حِلَقًا كُلَّمَا دَنَا إِلَى حَلْقَةٍ طُرِدَ، فَجَاءَهُ اغْتِسَالُهُ مِنَ الْجَنَابَةِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَجْلَسَهُ إِلَى جَنْبِهِمْ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي أَحَاطَتْ بِهِ الظُّلُمَاتُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَتَحَيَّرَ فِيهَا فَجَاءَتْهُ حَجَّتُهُ وَعُمْرَتُهُ فَاسْتَخْرَجَاهُ مِنَ الظُّلُمَاتِ وَأَدْخَلَاهُ النُّورَ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي يُكَلِّمُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يُكَلِّمُوهُ فَجَاءَتْهُ صِلَةُ الرَّحِمِ، فَقَالَتْ: يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ كَلِّمُوهُ فَقَدْ كَانَ وَاصِلًا لِرَحِمِهِ فَكَلَّمَهُ الْمُؤْمِنُونَ وَصَافَحُوهُ وَكَانَ مَعَهُمْ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي يَتَّقِي حَرَّ النَّارِ وَشَرَرَهَا بِيَدِهِ وَوَجْهِهِ فَجَاءَتْ صَدَقَتُهُ فَصَارَتْ ظِلًّا عَلَى رَأْسِهِ وَسِتْرًا عَلَى وَجْهِهِ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي احْتَوَشَتْهُ الزَّبَانِيَةُ فَجَاءَهُ أَمْرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُهُ عَنِ الْمُنْكَرِ فَاسْتَنْقَذَهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي قَدْ هَوَتْ صَحِيفَتُهُ إِلَى شِمَالِهِ فَجَاءَ خَوْفُهُ مِنَ اللَّهِ فَأَخَذَ صَحِيفَتَهُ فَجَعَلَهَا فِي يَمِينِهِ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي قَائِمًا عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَجَاءَهُ وَجَلُهُ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَنْقَذَهُ مِنْ ذَلِكَ وَمَضَى، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي خَفَّ مِيزَانُهُ فَجَاءَهُ أَفْرَاطُهُ (الولد يموت صغيرا) فَثَقَّلُوا مِيزَانَهُ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي هَوَى فِي النَّارِ فَجَاءَهُ دُمُوعُهُ الَّذِي سَالَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ فَاسْتَنْقَذَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي قَائِمًا عَلَى الصِّرَاطِ يُرْعِدُ كَمَا يُرْعِدُ السَّعَفُ فِي يَوْمِ رِيحٍ عَاصِفٍ فَجَاءَهُ حُسْنُ ظَنِّهِ بِاللَّهِ فَكَفَّ عَنْهُ رُعْبَتَهُ وَمَضَى عَلَى الصِّرَاطِ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي يَزْحَفُ أَحْيَانًا وَيَنْطَلِقُ أَحْيَانًا فَجَاءَتْهُ صَلَاتُهُ عَلَيَّ فَأَقَامَتْهُ عَلَى رِجْلِهِ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي انْتَهَى إِلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَغُلِّقَتْ دُونَهُ فَجَاءَتْ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَفَتَحَتْ لَهُ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ فَوَلَجَ وأدخلته الجنة».اهـ) وسائرِ أمورِهِما وتقصيرِ النفسِ وتهذيبِها وحملِها عَلَى الاستقامةِ (ينبغي على العاقلِ أن يحرصَ على شدةِ مغالبةِ النفسِ وقهرِها فإنها في بعضِ الأحوالِ تكونُ أشدَّ أعداءِ الشخصِ، وقد قال عليه الصلاة والسلام لبعضِ أصحابِه عند رجوعِه مِن بعضِ الغزواتِ: رجعتُم من الجهادِ الأصغرِ إلى الجهادِ الأكبرِ، وسمَّاه في بعضِ الرواياتِ فقال: جهادُ النفسِ والهوى، فسمَّى النبي صلى الله عليه وسلم مقاتلةَ العدوِّ بالسلاحِ والسيفِ الجهادَ الأصغرَ مقارنةً بمجاهدةِ النفسِ والهوى فقد سمَّاه الجهادَ الأكبرَ لِمَا يجدُ الشخصُ عادةً مِن المشقةِ في مجاهدةِ نفسِه وهواه، فمحاسبةُ النفسِ فيها نفعٌ للمسلمِ ورَفْعٌ للدرجاتِ وهي شديدةٌ إلا على مَن يسَّرَها اللهُ عليه، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ” حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا؛ فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ}، وروي عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: «لَا يَكُونُ الرَّجُلُ تَقِيًّا حَتَّى يَكُونَ لِنَفْسِهِ أَشَدَّ مُحَاسَبَةً مِنَ الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ» وكان مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، يَقُولُ: ” رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا قَالَ لِنَفْسِهِ النَّفِيسَةِ: أَلَسْتِ صَاحِبَةَ كَذَا؟ أَلَسْتِ صَاحِبَةَ كَذَا؟ ثُمَّ ذَمَّهَا ثُمَّ خَطَمَهَا، ثُمَّ أَلْزَمَهَا كِتَابَ اللَّهِ؛ فَكَانَ لَهَا قَائِدًا”. وقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: ” مَثَّلْتُ نَفْسِي فِي الْجَنَّةِ، آكُلُ ثِمَارَهَا، وَأَشْرَبُ مِنْ أَنْهَارِهَا، وَأُعَانِقُ أَبْكَارَهَا، ثُمَّ مَثَّلْتُ نَفْسِي فِي النَّارِ، آكُلُ مِنْ زَقُّومِهَا، وَأَشْرَبُ مِنْ صَدِيدِهَا، وَأُعَالِجُ سَلَاسِلَهَا وَأَغْلَالَهَا؛ فَقُلْتُ لِنَفْسِي: أَيْ نَفْسِي، أَيُّ شَيْءٍ تُرِيدِينَ؟، قَالَتْ: أُرِيدُ أَنْ أُرَدَّ إِلَى الدُّنْيَا؛ فَأَعْمَلَ صَالِحًا قَالَ: قُلْتُ: فَأَنْتِ فِي الْأُمْنِيَةِ فَاعْمَلِي “. وروي عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: ” مَكْتُوبٌ فِي حِكْمَةِ آلِ دَاوُدَ: حَقٌّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يَغْفَلَ عَنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ، سَاعَةٍ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهِ، وَسَاعَةٍ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٍ يَخْلُو فِيهَا مَعَ إِخْوَانِهِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَهُ بِعُيُوبِهِ وَيَصْدُقُونَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَسَاعَةٍ يَخْلُو فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّاتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَيُحْمَدُ؛ فَإِنَّ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ عَوْنًا عَلَى تِلْكَ السَّاعَاتِ، وَإِجْمَامًا لِلْقُلُوبِ، وَحَقٌّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِزَمَانِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ”. وروي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ فَكَانَ فِي آخِرِ كِتَابِهِ «أَنْ حَاسِبْ نَفْسَكَ فِي الرَّخَاءِ قَبْلَ حِسَابِ الشِّدَّةِ، فَإِنَّهُ مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الرَّخَاءِ قَبْلَ حِسَابٍ فِي الشِّدَّةِ؛ عَادَ مَرْجِعُهُ إِلَى الرْضَا وَالْغِبْطَةِ، وَمَنْ أَلْهَتْهُ حَيَاتُهُ، وَشَغَلَتْهُ أَهْوَاؤُهُ عَادَ أَمْرُهُ إِلَى النَّدَامَةِ وَالْحَسْرَةِ فَتَذَكَّرْ مَا تُوعَظُ بِهِ لِكَيْمَا تُنْهَى عَمَّا يَنْهَى عَنْهُ وَتَكُونَ عِنْدَ التَّذْكِرَةِ وَالْمَوْعِظَةِ مِنْ أُولِي النُّهَى». وجاء عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ” الْمُؤْمِنُ قَوَّامٌ عَلَى نَفْسِهِ يُحَاسِبُ نَفْسَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّمَا خَفَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ حَاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا شَقَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ أَخَذُوا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ غَيْرِ مُحَاسَبَةٍ، إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَوْمٌ أَوْقَفَهُمُ الْقُرْآنُ وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَلَكَتِهِمْ أَنَّ الْمُؤْمِنَ أَسِيرٌ فِي الدُّنْيَا يَسْعَى فِي فِكَاكِ رَقَبَتِهِ لَا يَأْمَنُ شَيْئًا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ عَلَيْهِ فِي سَمْعِهِ، وَفِي بَصَرِهِ، وَفِي لِسَانِهِ، وَفِي جَوَارِحِهِ، مَأْخُوذٌ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ “. قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ أَبُو أُمَيَّةَ الْغِفَارِيُّ: ” كُنَّا فِي غَزَاةٍ لَنَا، فَحَضَرَ عَدُوُّهُمْ، فَصِيحَ فِي النَّاسِ، فَهُمْ يَثُوبُونَ إِلَى مَصَافِّهِمْ، وَفِي يَوْمٍ شَدِيدِ الرِّيحِ، إِذَا رَجُلٌ أَمَامِي، رَأْسُ فَرَسِي عِنْدَ عَجُزِ فَرَسِهِ، وَهُوَ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ، فَيَقُولُ: أَيْ نَفْسِي، أَلَمْ أَشْهَدْ مَشْهَدَ كَذَا وَكَذَا؟ فَقُلْتِ لِي: أَهْلُكَ وَعِيَالُكَ، وَأَطَعْتُكِ فَرَجَعْتُ، أَلَمْ أَشْهَدْ مَشْهَدَ كَذَا وَكَذَا؟، فَقُلْتِ لِي: أَهْلُكَ وَعِيَالُكَ، فَأَطَعْتُكِ، فَرَجَعْتُ، وَاللَّهِ، لَأَعْرِضَنَّكِ الْيَوْمَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَخَذَكِ أَوْ تَرَكَكِ، فَقُلْتُ: لَأَرْمُقَنَّهُ الْيَوْمَ فَرَمَقْتُهُ فَحَمَلَ النَّاسُ عَلَى عَدُوِّهِمْ فَكَانَ فِي أَوَائِلِهِمْ، ثُمَّ إِنَّ الْعَدُوَّ حَمَلَ عَلَى النَّاسِ فَانْكَشَفُوا وَكَانِ فِي حُمَاتِهِمْ، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَكَانَ فِي أَوَائِلِهِمْ، ثُمَّ حَمَلَ الْعَدُوُّ وَانْكَشَفَ النَّاسُ فَكَانَ فِي حُمَاتِهِمْ، قَالَ: فَوَاللَّهِ، مَازَالَ ذَلِكَ دَأْبَهُ حَتَّى رَأَيْتُهُ صَرِيعًا فَعَدَدْتُ بِهِ وِبَدَابَّتِهِ سِتِّينَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ طَعْنَةً”). قَالَ اللَّه تَعَالَى: {إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} (قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ إِنَّما ‌أَعِظُكُمْ ‌بِواحِدَةٍ) تَمَّمَ الْحُجَّةَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، أَيْ قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: (إِنَّما أَعِظُكُمْ) أَيْ أُذَكِّرُكُمْ وَأُحَذِّرُكُمْ سُوءَ عَاقِبَةِ مَا أَنْتُمْ فِيهِ. (بِواحِدَةٍ) أَيْ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى جَمِيعِ الْكَلَامِ، تَقْتَضِي نفي الشرك لإثبات الْإِلَهِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (ومعنى لا إله إلا الله أي لا خالق إلا الله، فالله تعالى هو الذي خلق كل شيء من أعمال العباد وحركاتهم وسكناتهم، ولا يحتاج سبحانه لشيء من مخلوقاته، لا يحتاج إلى الملائكة ولا إلى الزمان ولا إلى المكان ولا إلى العرش ولا إلى الكرسي، هو الغني ونحن الفقراء إليه سبحانه) وَقِيلَ: بِالْقُرْآنِ، لِأَنَّهُ يَجْمَعُ كُلَّ الْمَوَاعِظِ. وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ بِخَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ، ثم بينها بقوله: (أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى). أَيْ لِوَجْهِ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَهَذَا الْقِيَامُ مَعْنَاهُ الْقِيَامُ إِلَى طَلَبِ الْحَقِّ لَا الْقِيَامُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْقُعُودِ، وَهُوَ كَمَا يُقَالُ: قَامَ فُلَانٌ بِأَمْرِ كَذَا. وَكَمَا قَالَ تَعَالَى:” وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ”.” مَثْنى وَفُرادى ” أَيْ وُحْدَانًا وَمُجْتَمِعِينَ قَالَهُ السُّدِّيُّ. (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ) الْمَعْنَى: ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا هَلْ جَرَّبْتُمْ عَلَى صَاحِبِكُمْ كَذِبًا، أَوْ رَأَيْتُمْ فِيهِ جِنَّةً، أَوْ فِي أَحْوَالِهِ مِنْ فَسَادٍ، أَوِ اخْتَلَفَ إِلَى أَحَدٍ مِمَّنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ بِالسِّحْرِ، أَوْ تَعَلَّمَ الْأَقَاصِيصَ وَقَرَأَ الْكُتُبَ، أَوْ عَرَفْتُمُوهُ بِالطَّمَعِ فِي أَمْوَالِكُمْ، أَوْ تَقْدِرُونَ عَلَى مُعَارَضَتِهِ فِي سُورَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِذَا عَرَفْتُمْ بِهَذَا الْفِكْرِ صِدْقَهُ فَمَا بَالُ هَذِهِ الْمُعَانَدَةِ) وَقالَ تَعَالَى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَاب الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ} الآياتِ (سبب نزولها أن المشركين قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: اجعل لنا الصفا ذهباً إن كنت صادقاً فنزلت هذه الآية.اهـ فَخَتَمَ تَعَالَى هَذِهِ السُّورَةَ سورةَ آل عمران بِالْأَمْرِ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فِي آيَاتِهِ، إِذْ لَا تصدر إلا عن حي قيوم قدير قدوس سَلَامٍ غَنِيٍّ عَنِ الْعَالَمِينَ، حَتَّى يَكُونَ إِيمَانُهُمْ مُسْتَنِدًا إِلَى الْيَقِينِ لَا إِلَى التَّقْلِيدِ. (لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ) الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهُمْ فِي تَأَمُّلِ الدَّلَائِلِ. وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ يُصَلِّي، فأتاه بلال يؤذنه بالصلاة، فرءاه يَبْكِي فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ! فَقَالَ: (يَا بِلَالُ، أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا وَلَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةً” إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ”- ثُمَّ قَالَ: وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا. قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ لِمَنِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى وَجْهِهِ، وَيَسْتَفْتِحَ قِيَامَهُ بِقِرَاءَةِ هَذِهِ الْعَشْرِ الْآيَاتِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَسَيَأْتِي، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ التَّفَكُّرِ وَالْعَمَلِ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْعَمَلِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ” آلِ عِمْرَانَ” كُلَّ لَيْلَةٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ) ذَكَرَ تَعَالَى ثلاث هيئات لا يخلوا ابْنُ آدَمَ مِنْهَا فِي غَالِبِ أَمْرِهِ، فَكَأَنَّهَا تَحْصُرُ زَمَانَهُ. وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَ (قِياماً وَقُعُوداً) (وَعَلى جُنُوبِهِمْ) أي ومضطجعين. (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) وَالْفِكْرَةُ: تَرَدُّدُ الْقَلْبِ فِي الشَّيْءِ، وَإِنَّمَا التَّفَكُّرُ وَالِاعْتِبَارُ وَانْبِسَاطُ الذِّهْنِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا قَالَ:” وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ”. وَحُكِيَ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا رَأَى الْكَوَاكِبَ غُشِيَ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (بَيْنَمَا رَجُلٌ مُسْتَلْقٍ عَلَى فِرَاشِهِ إِذْ رَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَى النُّجُومِ وَإِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ لَكِ رَبًّا وَخَالِقًا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي فَنَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فَغَفَرَ لَهُ)  وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: قِيلَ لِأُمِّ الدَّرْدَاءِ: مَا كَانَ أَكْثَرُ شَأْنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ قَالَتْ: كَانَ أَكْثَرُ شَأْنِهِ التَّفَكُّرَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: الْفِكْرَةُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ يَنْظُرُ فِيهَا إِلَى حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ. وَمِمَّا يَتَفَكَّرُ فِيهِ مَخَاوِفُ الْآخِرَةِ مِنَ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالْجَنَّةِ، وَنَعِيمِهَا وَالنَّارِ وَعَذَابِهَا. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ، وَفِيهِ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ قَرَأَ الْآيَاتِ العشر الخواتم مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَقَامَ إِلَى شَنٍّ «1» مُعَلَّقٍ فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا ثُمَّ صَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، الْحَدِيثَ. فَانْظُرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ إِلَى جَمْعِهِ بَيْنَ التَّفَكُّرِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ ثُمَّ إِقْبَالِهِ عَلَى صَلَاتِهِ بَعْدَهُ، وَهَذِهِ السُّنَّةُ هِيَ الَّتِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هَذَا باطِلًا) أَيْ يَقُولُونَ: مَا خَلَقْتَهُ عَبَثًا وَهَزْلًا، بَلْ خَلَقْتَهُ دَلِيلًا عَلَى قُدْرَتِكَ وَحِكْمَتِكَ. وَالْبَاطِلُ: الزَّائِلُ الذَّاهِبُ. وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: أَلَا كل شي ما خلا الله باطل. أَيْ زَائِلٌ. (سُبْحانَكَ) أَسْنَدَ النَّحَّاسُ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَعْنَى” سُبْحَانَ اللَّهِ” فَقَالَ: (تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ السُّوءِ). ومنه قول الملائكة: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) أَيْ نُنَزِّهُكَ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِصِفَاتِكَ. وَالتَّسْبِيحُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّبْحِ وَهُوَ الْجَرْيُ وَالذَّهَابُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:” إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً «1» طَوِيلًا” [المزمل: 7] فَالْمُسَبِّحُ جَارٍ فِي تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَبْرِئَتِهِ مِنَ السُّوءِ. والمعنى أي تنزه الله وتبارك عما لا يليق به من الوصف بصفات المخلوقات كالجسم والجوارح والجهة والمكان والتغير والجلوس والنزول الحقيقي ونحوه فالتسبيح كما قال الزبيدي وغيره التنزيه أي تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات). وَقالَ تَعَالَى: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} (قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَمْرَ أَهْلِ الدَّارَيْنِ، تَعَجَّبَ الْكُفَّارُ مِنْ ذَلِكَ، فَكَذَّبُوا وَأَنْكَرُوا، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ صَنْعَتَهُ وَقُدْرَتَهُ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ على كل شي، كَمَا خَلَقَ الْحَيَوَانَاتِ وَالسَّمَاءَ وَالْأَرْضَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْإِبِلَ أَوَّلًا، لِأَنَّهَا كَثِيرَةٌ فِي الْعَرَبِ، وَلَمْ يروا الفيلة، فنبههم جل ثَنَاؤُهُ عَلَى عَظِيمٍ مِنْ خَلْقِهِ، قَدْ ذَلَّلَهُ لِلصَّغِيرِ، يَقُودُهُ وَيُنِيخُهُ وَيُنْهِضُهُ وَيَحْمِلُ عَلَيْهِ الثَّقِيلَ مِنَ الْحِمْلِ وَهُوَ بَارِكٌ، فَيَنْهَضُ بِثَقِيلِ حِمْلِهِ، وليس ذلك في شي مِنَ الْحَيَوَانِ غَيْرِهِ. فَأَرَاهُمْ عَظِيمًا مِنْ خَلْقِهِ، مُسَخَّرًا لِصَغِيرٍ مِنْ خَلْقِهِ، يَدُلُّهُمْ بِذَلِكَ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ. فمَرَافِقُ الْإِبِلِ أَكْثَرُ مِنْ مَرَافِقِ الْحَيَوَانَاتِ الْأُخَرِ، فَهِيَ مَأْكُولَةٌ، وَلَبَنُهَا مَشْرُوبٌ، وَتَصْلُحُ لِلْحَمْلِ وَالرُّكُوبِ، وَقَطْعِ الْمَسَافَاتِ الْبَعِيدَةِ عَلَيْهَا، وَالصَّبْرِ عَلَى الْعَطَشِ، وَقِلَّةِ الْعَلَفِ، وَكَثْرَةِ الْحَمْلِ، وَهِيَ مُعْظَمُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ. فَأُمِرُوا بِالنَّظَرِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَإِنَّهَا أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى الصَّانِعِ الْمُخْتَارِ القادر. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَلِأَنَّ الْإِبِلَ أَجْمَعُ لِلْمَنَافِعِ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ، لِأَنَّ ضُرُوبَهُ أَرْبَعَةٌ: حَلُوبَةٌ، وَرَكُوبَةٌ، وَأَكُولَةٌ، وَحَمُولَةٌ. وَالْإِبِلُ تَجْمَعُ هَذِهِ الْخِلَالَ الْأَرْبَعَ، فَكَانَتِ النِّعْمَةُ بِهَا أَعَمَّ، وَظُهُورُ الْقُدْرَةِ فِيهَا أَتَمَّ. وَالْإِبِلُ: لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ) أَيْ رُفِعَتْ عَنِ الْأَرْضِ بِلَا عَمَدٍ. (وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ) أَيْ كَيْفَ نُصِبَتْ عَلَى الْأَرْضِ، بِحَيْثُ لَا تَزُولُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَرْضَ لَمَّا دُحِيَتْ مَادَتْ، فَأَرْسَاهَا بِالْجِبَالِ. كَمَا قَالَ: وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ. (وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) أَيْ بُسِطَتْ وَمُدَّتْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَذَكِّرْ أَيْ فَعِظْهُمْ يَا مُحَمَّدُ وَخَوِّفْهُمْ. إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ أَيْ وَاعِظٌ)، وَقالَ تَعَالَى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا} الآية (إِلَى مَصَارِعِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ لِأَنْبِيَائِهِمْ فَيَعْتَبِرُوا)، والآيات في الباب كثيرةٌ. 

ومِنْ الأحَاديث الحديث السَّابق: “الْكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسَه وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ”. (”الكَيِّس) (أي العاقل الفطن الذكي، فالكيس الذكي هو التقي الذي يتقي الله تعالى، قال ابن الوردي: 

لَيـسَ مـنْ يَقطعُ طُـرُقًا بَطَـلًا
إِنَّمَـا مَـنْ يَتَّقِـي اللهَ البَطَـلْ

وقال الغزالي: فإنَّ كلَّ فاسق فهو أحمق وجاهل ولولا حمقه لما عصى الله تعالى بل كل من ليس بكيس فهو أحمق، والكيس مَنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم بالكياسة حيث قال الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعاجزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى على الله) مَنْ دَانَ نَفْسَهُ (أي: حاسبها ومنعها مستلذاتها وشهواتها التي فيها هلاك دينها) (ففي هذا الحديث الشريف دعوة إلى محاسبة النفس ومراجعتها، وروي عَنِ الْحَسَنِ البصري في قوله تعالى {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [الْقِيَامَة: 2] قَالَ: «لَا يُلْقَى الْمُؤْمِنُ إِلَّا يُعَاتِبُ نَفْسَهُ مَاذَا أَرَدْتُ بِكَلِمَتِي مَاذَا أَرَدْتُ بِأَكْلَتِي مَاذَا أَرَدْتُ بِشَرْبَتِي وَالْعَاجِزُ يَمْضِي قُدُمًا لَا يُعَاتِبُ نَفْسَهُ»، وروي عَنْ قَتَادَةَ في قوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الْكَهْف: 28] قَالَ: «أَضَاعَ أَكْبَرَ الضَّيْعَةِ أَضَاعَ نَفْسَهُ » وروي عَنِ الْحَسَنِ البصري أنه قَالَ: ” الْمُؤْمِنُ قَوَّامٌ عَلَى نَفْسِهِ يُحَاسِبُ نَفْسَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّمَا خَفَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ حَاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا شَقَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ أَخَذُوا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ غَيْرِ مُحَاسَبَةٍ. وإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَوْمٌ أَوْقَفَهُمُ الْقُرْآنُ وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَلَكَتِهِمْ أَنَّ الْمُؤْمِنَ أَسِيرٌ فِي الدُّنْيَا يَسْعَى فِي فِكَاكِ رَقَبَتِهِ لَا يَأْمَنُ شَيْئًا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ عَلَيْهِ فِي سَمْعِهِ، وَفِي بَصَرِهِ، وَفِي لِسَانِهِ، وَفِي جَوَارِحِهِ، مَأْخُوذٌ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ”، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ (من القبر وما بعده من صالح العمل المؤنس له في الوحدة والوحشة، ومن أحسن ما قيل في ذلك  

بالله يا نفس اسمعي واعقلي
مقالة قد قالها ناصح

لا ينفع الإنسان في قبره
إلا التقى والعملُ الصالح 

وَالْعَاجِزُ (التارك لما يجب فعله بالتسويف) مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَه هَواهَا (أي: جعلها تابعة لما تهواه مؤثرة لشهواتها مُعرِضَة عن صالح الأعمال لكونه على خلاف ما تدعو إليه النفس، وقال أبو الليث السمرقندي بعد إيراده هذا الحديث: رُوِيَ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ , أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ الْعَجَبُ مِمَّنْ هَلَكَ كَيْفَ هَلَكَ، وَلَكِنَّ الْعَجَبَ مِمَّنْ نَجَا كَيْفَ نَجَا يَعْنِي أَنَّ الْجَنَّةَ قَدْ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، وَالنَّارَ قَدْ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، وَإِنَّ فِي أغلب الأنْفُسِ شَيْطَانًا يُوَسْوِسُ إِلَيْهِ وَمَلَكًا يُلْهِمُهُ وَلَا يَزَالُ الشَّيْطَانُ يُزَيِّنُ وَيَخْدَعُ، وَلَا يَزَالُ الْمَلَكُ يَمْنَعُهُ فَأَيُّهُمَا كَانَتِ النَّفْسُ مَعَهُ كَانَ هُوَ الْغَالِبَ) وتمَنَّى عَلَى اللهِ (الفوزَ في الآخرة. 

في هذا الحديث العظيم النفع دعوة للتفكر في أهوال الآخرة فهي التي تأتي بعد الموت وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((وعمل لما بعد الموت))، وهي شديدة إلا على من هونها الله عليه، (قال أنسُ بنُ مالكٍ: ألا أحدِّثُكم بيومينِ وليلتينِ لم تسمعِ الخلائقُ بمثلِهِن: أولُ يومٍ يجيئُكَ مِن الله تعالى، إما برضاهُ وإما بسخَطِه ويومٌ تعرضُ فيه على ربِّك آخذًا كتابَك، إما بيمينِك وإما بشمالِك وليلةٌ تَستأنفُ فيها المبيتَ في القبورِ ولم تبتْ فيها قطّ وليلةٌ تكونُ صبيحتُها يومُ القيامةِ.اهـ

 قال المحاسِبيُّ في كتابِ التوهُّمِ والأهوالِ: يحشرُ اللهُ الأممَ مِن الإنسِ والجنِّ أغلبُهم عراةً أذلاءَ قد نُزِعَ الْمُلكُ من ملوكِ الأرضِ ولزمَهم الصَّغَارُ بعدَ عتُوِّهِم والذِلَّةُ بعدَ تجبُّرِهم على عبادِ اللهِ في أرضِهِ إلا من اتَّقى اللهَ تعالَى ثم أقبَلَتِ الوحوشُ من أماكِنِها منكِّسَةً رؤوسَها بعدَ توحُّشِها مِن الخلائقِ وانفرادِها ذليلةً من هَولِ يومِ النشورِ مِن غيرِ ريبةٍ ولا خطيةٍ أصابَتْها حتى وَقَفَتْ مِن وراءِ الخلقِ بالذلةِ والانكسارِ للمَلِكِ الجبارِ، وأقبلَتِ الشياطينُ بعد تمرُّدِها وعُتِوِّها خاضعةً ذليلةً للعرضِ على الملِكِ الدَّيَّانِ، حتى إذا تكامَلَتْ عُدةُ أهلِ الأرضِ مِن إنسِها وجنِّها وشياطينِها ووحوشِها وسباعِها وأنعامِها وهوامِّها تناثرَتْ نجومُ السماءِ مِنْ فوقِهم وطُمِسَتِ الشمسُ والقمرُ فأظْلَما عليهمْ ومَارَتْ سماءُ الدنيا مِن فوقِهم فدارَتْ مِنْ فوقِهم بِعِظَمِها فوقَ رؤوسِهم وهيَ خمسُمائةِ عامٍ فيا هولَ صوتِ انشقاقِها في سمعِهم وتمزقَت وتفطَّرَت لهولِ يومِ القيامةِ مِنْ عِظَمِ يومِ الطامةِ ثم ذابَتْ حتَّى صارَتْ مثلَ الفضةِ الْمُذَابَةِ كمَا قالَ الجبَّارُ تبارَكَ وتعالَى {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} وقالَ {يَوْمَ تَكُوْنُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ، وَتَكُوْنُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ} أيْ كالصوفِ المنفوشِ وهوَ أضعفُ الصوفِ وهبَطَتِ الملائكةُ مِنْ حافَّاتِها إلى الأرضِ بالتقديسِ لربِّها فتَخَيَّلِ انحدارَهم مِنَ السماءِ لِعِظَمِ أجسامِهِم وهَوْلِ أصواتِهِم وشدةِ فَرَقِهِم مِنْ خوفِ ربِّهِم فتخَيَّل فزَعَك حينئذٍ وفزعَ الخلائقِ لنزولِهِم مخافةَ أن يكونوا قدْ أُمِرُوا بهِم فأخذُوا مصافَّهُم مُحْدِقِيْنَ بالخلائقِ  قدْ نَكَّسُوا رؤوسَهُم بالذِّلَّةِ والخضوعِ لربِّهِم، حتَّى إِذَا وافَى الموقفَ أهلُ السمواتِ السبعِ والأرَضِينَ السبعِ كُسِيَتِ الشمسُ حرَّ عشرِ سنينَ، ثمَّ أُدْنِيَتْ مِنَ الخلائِقِ قابَ قوسَينِ أو قوسٍ فَلَا ظلَّ ذلكَ اليومِ إلَّا ظلَّ عرشِ الرحمنِ فَمِنْ بينِ مستَظِلٍّ بظلِّ العرشِ وبينَ مضحٍ بحرِّ الشمسِ قدْ صهَرَتْهُ واشتَدَّ فيهَا كربُهُ وأقْلَقَتْهُ وقدِ ازْدَحَمَتِ الأممُ وتضَايَقَتْ ودَفَعَ بعضُهُمْ بعضاً، واختَلَفَتِ الأقدامُ وانْقَطَعَتِ الأعنَاقُ مِنَ العَطَشِ قدِ اجْتَمَعَ عليهِمْ فِيْ مَقَامِهِمْ حَرُّ الشمسِ معَ وَهجِ أنفاسِهِم وتزاحُمِ أجسَامِهِم ففَاضَ العَرَقُ منهُم علَى وجهِ الأرضِ، ثمَّ علَى أقدامِهم، ، فمِنْهم مَنْ يَبْلُغُ العرقُ مَنْكِبَيْهِ وحِقْوَيْهِ، ومنهُم إلَى شحمةِ أذُنَيْه، ومنهُم مَنْ قَدْ أَلْجَمَهُ العرقُ فكَادَ أَنْ يَغِيْبَ فيهِ.اهـ). (أما ما ينجي من أهوال وكرب يوم القيامة فهو كثير بفضل الله تعالى فقد روى مسلم «عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة».اهـ) 

(وأخرج القرطبي والترمذي في نوادر الأصول عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم ونحن في مسجد المدينة فقال إِنِّي رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ عَجَبًا، رَأَيْتُ مِنَ أُمَّتِي رَجُلًا نَزَلَ بِهِ عَذَابُ الْقَبْرِ فَجَاءَهُ وُضُوءُهُ فَاسْتَنْقَذَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي احْتَوَشَتْهُ الشَّيَاطِينُ فَجَاءَهُ ذِكْرُ اللَّهِ فَخَلَّصَهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي قَدِ احْتَوَشَتْهُ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ فَجَاءَتْهُ صَلَاتُهُ فَاسْتَنْقَذَتْهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي يَتَلَهَّفُ عَطَشًا فَكُلَّمَا قَصَدَ حَوْضًا مُنِعَ، فَجَاءَ صِيَامُهُ شَهْرَ رَمَضَانَ فَاسْتَنْقَذَهُ وَأَرْوَاهُ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي وَالنَّبِيُّونَ حِلَقًا حِلَقًا كُلَّمَا دَنَا إِلَى حَلْقَةٍ طُرِدَ، فَجَاءَهُ اغْتِسَالُهُ مِنَ الْجَنَابَةِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَجْلَسَهُ إِلَى جَنْبِهِمْ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي أَحَاطَتْ بِهِ الظُّلُمَاتُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَتَحَيَّرَ فِيهَا فَجَاءَتْهُ حَجَّتُهُ وَعُمْرَتُهُ فَاسْتَخْرَجَاهُ مِنَ الظُّلُمَاتِ وَأَدْخَلَاهُ النُّورَ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي يُكَلِّمُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يُكَلِّمُوهُ فَجَاءَتْهُ صِلَةُ الرَّحِمِ، فَقَالَتْ: يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ كَلِّمُوهُ فَقَدْ كَانَ وَاصِلًا لِرَحِمِهِ فَكَلَّمَهُ الْمُؤْمِنُونَ وَصَافَحُوهُ وَكَانَ مَعَهُمْ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي يَتَّقِي حَرَّ النَّارِ وَشَرَرَهَا بِيَدِهِ وَوَجْهِهِ فَجَاءَتْ صَدَقَتُهُ فَصَارَتْ ظِلًّا عَلَى رَأْسِهِ وَسِتْرًا عَلَى وَجْهِهِ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي احْتَوَشَتْهُ الزَّبَانِيَةُ فَجَاءَهُ أَمْرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُهُ عَنِ الْمُنْكَرِ فَاسْتَنْقَذَهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي قَدْ هَوَتْ صَحِيفَتُهُ إِلَى شِمَالِهِ فَجَاءَ خَوْفُهُ مِنَ اللَّهِ فَأَخَذَ صَحِيفَتَهُ فَجَعَلَهَا فِي يَمِينِهِ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي قَائِمًا عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَجَاءَهُ وَجَلُهُ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَنْقَذَهُ مِنْ ذَلِكَ وَمَضَى، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي خَفَّ مِيزَانُهُ فَجَاءَهُ أَفْرَاطُهُ (الولد يموت صغيرا) فَثَقَّلُوا مِيزَانَهُ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي هَوَى فِي النَّارِ فَجَاءَهُ دُمُوعُهُ الَّذِي سَالَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ فَاسْتَنْقَذَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي قَائِمًا عَلَى الصِّرَاطِ يُرْعِدُ كَمَا يُرْعِدُ السَّعَفُ فِي يَوْمِ رِيحٍ عَاصِفٍ فَجَاءَهُ حُسْنُ ظَنِّهِ بِاللَّهِ فَكَفَّ عَنْهُ رُعْبَتَهُ وَمَضَى عَلَى الصِّرَاطِ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي يَزْحَفُ أَحْيَانًا وَيَنْطَلِقُ أَحْيَانًا فَجَاءَتْهُ صَلَاتُهُ عَلَيَّ فَأَقَامَتْهُ عَلَى رِجْلِهِ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي انْتَهَى إِلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَغُلِّقَتْ دُونَهُ فَجَاءَتْ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَفَتَحَتْ لَهُ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ فَوَلَجَ وأدخلته الجنة».اهـ) وفي هذا الحديث أيضا تذكير بالموت ووقت الخروج من هذه الدنيا الفانية، وَقَدْ قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ: 

مَنْ لَمْ يَمُتْ عَبْطَةً «أي شابا صحيحا» يَمُتْ هَرَمًا
للموت كأس والمرء ذَائِقُهَا

وَقَالَ آخَرُ: 

الْمَوْتُ بَابٌ وَكُلُّ النَّاسِ دَاخِلُهُ
فَلَيْتَ شَعْرِيَ بَعْدَ الْبَابِ مَا الدَّارُ 

وقد قال بعض الوعاظ: ويحكِ يا نفسِ لا ينبغي أن تغرَّك الحياةُ الدنيا ولا يغرَّنك بالله الغَرور، فانظري لنفسِك فما أمرُك بمهمٍّ لغيركِ ولا تضيعي أوقاتَك فالأنفاسُ معدودة؛ فإذا مضى منكِ نفَسٌ فقد ذهبَ بعضُك، فاغتنمي الصحةَ قبلَ السَّقَمِ والفراغَ قبل الشُّغُلِ والغنى قبلَ الفقرِ والشبابَ قبل الهرمِ والحياةَ قبلَ الموتِ، واستعدي للآخرة على قدرِ بقائِكِ فيها. يا نفسِ أما تستعدينَ للشتاءِ بقدرِ طولِ مدتِه؛ فتجمعينَ له القوتَ والكسوةَ والحطَبَ وجميعَ الأسبابِ، ولا تتكلينَ في ذلكَ على فضلِ اللهِ وكرمِه حتى يدفعَ عنكِ البردَ مِن غيرِ جبةٍ ولَبِدٍ وحطَبٍ وغيرِ ذلك فإنه قادرٌ على ذلك، أفتظنينَ أيتُها النفسُ أن زمهريرَ جهنمَ أخفُّ برداً وأقصرُ مدّةً مِن زمهرير الشتاءِ أم تظنينَ أنَّ ذلكَ دونَ هذا؟ كلا أنْ يكونَ هذا كذلكَ أو أن يكونَ بـينَهما مناسبةٌ في الشدّةِ والبرودةِ؟ أفتظنينَ أن العبدَ ينجو منها بغيرِ سعيٍ هيهاتَ كما لا يندفعُ بردُ الشتاءِ إلا بالجُبَّةِ والنارِ وسائرِ الأسبابِ فلا يندفعُ حرُّ النارِ وبردُها إلا بحصنِ التوحيدِ وخَنْدَقِ الطاعاتِ، وإنما كَرَمُ الله تعالى في أنْ عرَّفَكَ طريقَ التَّحَصُّنِ ويسَّرَ لك أسبابَه لا في أن يندفعَ عنكَ العذابُ دونَ حصنِه، كما أن كرمَ الله تعالى في دفعِ بردِ الشتاءِ أن خلقَ النارَ وهداكَ لطريقِ استخراجِها مِن بـين حديدةٍ وحجرٍ حتى تدفعي بها بردَ الشتاءِ عن نفسِك، وكما أن شراءَ الحطبِ والجبةِ مما يستغني عنهُ خالقُك ومولاك وإنما تشترينَه لنفسِك إذ خلَقَه سبباً لاستراحَتِك فطاعاتُك ومجاهداتُك أيضاً هو مستغنٍ عنها وإنما هي طريقُك إلى نجاتِك، فمَنْ أحسنَ فلنفسِه ومَنْ أساءَ فعليهَا واللهُ غنيٌّ عنِ العالمين. 

أحبابي: من كان هذا حالَه: يفكر بالآخرة وبالقبر وبما فيهما من أهوال فإنه سيحمل نفسه على الاستقامة ويغالب نفسه ويقهرها لأداء الواجبات واجتناب المحرمات، فالتفكر في كل الذي ذكرت يحمل النفس على الاستقامة، وهو الذي حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((الكيِّس من دان نفسه)).

فمحاسبةُ النفسِ فيها نفعٌ للمسلمِ ورَفْعٌ للدرجاتِ وهي شديدةٌ إلا على مَن يسَّرَها اللهُ عليه، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ” حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا؛ فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ}، وروي عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: «لَا يَكُونُ الرَّجُلُ تَقِيًّا حَتَّى يَكُونَ لِنَفْسِهِ أَشَدَّ مُحَاسَبَةً مِنَ الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ» وقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: ” مَثَّلْتُ نَفْسِي فِي الْجَنَّةِ، آكُلُ ثِمَارَهَا، وَأَشْرَبُ مِنْ أَنْهَارِهَا، وَأُعَانِقُ أَبْكَارَهَا، ثُمَّ مَثَّلْتُ نَفْسِي فِي النَّارِ، آكُلُ مِنْ زَقُّومِهَا، وَأَشْرَبُ مِنْ صَدِيدِهَا، وَأُعَالِجُ سَلَاسِلَهَا وَأَغْلَالَهَا؛ فَقُلْتُ لِنَفْسِي: أَيْ نَفْسِي، أَيُّ شَيْءٍ تُرِيدِينَ؟، قَالَتْ: أُرِيدُ أَنْ أُرَدَّ إِلَى الدُّنْيَا؛ فَأَعْمَلَ صَالِحًا قَالَ: قُلْتُ: فَأَنْتِ فِي الْأُمْنِيَةِ فَاعْمَلِي “. وروي عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: ” مَكْتُوبٌ فِي حِكْمَةِ آلِ دَاوُدَ: حَقٌّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يَغْفَلَ عَنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ، سَاعَةٍ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهِ، وَسَاعَةٍ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٍ يَخْلُو فِيهَا مَعَ إِخْوَانِهِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَهُ بِعُيُوبِهِ وَيَصْدُقُونَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَسَاعَةٍ يَخْلُو فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّاتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَيُحْمَدُ؛ فَإِنَّ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ عَوْنًا عَلَى تِلْكَ السَّاعَاتِ، وَإِجْمَامًا أي راحةً لِلْقُلُوبِ، وَحَقٌّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِزَمَانِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ”.