باب المبادرة

الدرس ٧٧ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٥٨:١٦

الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي جَعَلَ عُمُرَ الآدَمِيِّ سَفَرًا إِلَى الأُخْرَى طَوِيلا وَقَصِيرًا، فَسَارَ النَّاسُ بِبَضَائِعِ الأَعْمَالِ، فَرَبِحَ الْمُتَيَقِّظُونَ رِبْحًا كَثِيرًا، وَهَلَكَ الْمُفَرِّطُونَ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ عَادَ مِسْكِينًا فَقِيرًا، عَرَضَتْ لَهُمُ الشَّهَوَاتُ فِي بَرِّ الْبِرِّ فَصَارَ الْجَاهِلُ لَهَا أَسِيرًا، فَلَقِيَ هَوْنًا وَتَغْيِيرًا، وَكَمْ حَثَّهُ الشَّرْعُ عَلَى الْجِدِّ، كَمَا يَحُثُّ الْمُسْتَأْجِرُ أَجِيرًا، {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يذكر أو أراد شكورًا} أَحْمَدُهُ حَمْدَ مَنْ جَعَلَ حَمْدَهُ مِصْبَاحًا وَمُنِيرًا، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ الْمَبْعُوثِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ، وَرَزَقَنَا حُسْنَ اتِّبَاعِهِ {وَكَانَ ربك قديرًا}، أما بعد:

قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: باب في المبادرة (أي المسارعة وعدم التأخير) إلى الخيرات (الخيرات تشمل كل ما أمر الشرع به، فكل ما أمر الشرع امتثاله فهو خير، لأن الشرع لا يأمرنا إلا بما فيه صلاحنا في الدنيا والآخرة) وحثِّ من توجَّه لخيرٍ (أي قصد فعل الخير) على الإِقبالِ عليهِ بالجدِّ (الجِد هُوَ الِاجْتِهَاد بِالْعَمَلِ) من غيرِ تردَّدٍ (فلا ينبغي لمن قصد فعل الخيرات أن يكون مترددا أي أفعل أو لا أفعل بل لا بد أن يكون عازما على ذلك عزما مؤكدا لا تردد فيه ولا تباطؤ). (وقد ذكر النووي رحمه الله تعالى هذا البابَ بعد باب التفكر في مخلوقات الله عز وجل والتفكر في أهوال الآخرة وفناء الدنيا، لأن من تفكر في مخلوقات الله وعرف حال هذه الدنيا وتقلبَها بأهلها يكون سبَّاقا للخيرات متوجها لطاعة الله عز وجل، معرضًا عن هذه الدنيا مقبلا على الآخرة الباقية). قَالَ الله تَعَالَى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} (أَيْ سَارِعُوا إِلَى الطَّاعَاتِ)، وَقالَ تَعَالَى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (الْمُسَارَعَةُ الْمُبَادَرَةُ، وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ. أَيْ سَارِعُوا إِلَى مَاهو سبب الْمَغْفِرَةَ وهي الطاعة. قال أنس بن مَالِكٍ وَمَكْحُولٌ فِي تَفْسِيرِ (سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ): مَعْنَاهُ إِلَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إِلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ. وقال عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ: إِلَى الْإِخْلَاصِ. وقال الْكَلْبِيُّ: إِلَى التَّوْبَةِ مِنَ الرِّبَا. وَقِيلَ: إِلَى الثَّبَاتِ فِي الْقِتَالِ. وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا. وَالْآيَةُ عَامَّةٌ فِي جميع ما ذُكر) 

(قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تقرن السموات وَالْأَرْضُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ كَمَا تُبْسَطُ الثِّيَابُ وَيُوصَلُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، فَذَلِكَ عَرْضُ الْجَنَّةِ، وَلَا يَعْلَمُ طُولَهَا إِلَّا اللَّهُ. وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَذَلِكَ لَا يُنْكَرُ، وَفِي الصَّحِيحِ: (إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَتَمَنَّى وَيَتَمَنَّى حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ قال الله تعالى: لك ذلك وعشرةَ أمثالٍ) خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَنَبَّهَ تَعَالَى بِالْعَرْضِ عَلَى الطُّولِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الطُّولَ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنَ الْعَرْضِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنَّمَا وَصَفَ عَرْضَهَا، فَأَمَّا طولها فلا يعلمه إلا الله، وهذا كقوله تَعَالَى:” مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ” [الرحمن: 54] فَوَصَفَ الْبِطَانَةَ بِأَحْسَنِ مَا يُعْلَمُ مِنَ الزِّينَةِ، إِذْ مَعْلُومٌ أَنَّ الظَّوَاهِرَ تَكُونُ أَحْسَنَ وَأَتْقَنَ مِنَ الْبَطَائِنِ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: بِلَادٌ عَرِيضَةٌ، وَفَلَاةٌ عَرِيضَةٌ، أَيْ وَاسِعَةٌ، وَالْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ مَوْجُودَةٌ: لِقَوْلِهِ” أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ” وَهُوَ نَصُّ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ وَغَيْرِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: إِنَّهُمَا غَيْرُ مَخْلُوقَتَيْنِ فِي وَقْتِنَا. وسقف الجنة هو العرش العظيم، ففي البخاري عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَبِّئُ النَّاسَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ ‌عَرْشُ ‌الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ»، والعرش الذي هو سقف الجنة هو أكبر مخلوقات الله حجما ومساحة، وليس إضافته إلى الله في قوله عليه الصلاة والسلام: وَفَوْقَهُ ‌عَرْشُ ‌الرَّحْمَنِ” ليس على معنى أنه يجلس عليه أو يحتاج إليه أو يستقر عليه فالله تعالى غني عن العرش وما دون العرش لا يحتاج إلى شيء من مخلوقاته، وليس معنى قوله تعالى: “الرحمن على العرش استوى” أنه يجلس عليه أو مستقر عليه، كلا وحاشا، فالاستواء إذا وُصف الله به فإننا أهلَ السنة والجماعة لا ننكره كالجهمية ولا نعتقد فيه التشبيه والتجسيم كاستواء الأجسام على الأجسام كالمجسمة ويجوز أن يُقال في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَـنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه] أي قهرَ وحفِظَ وأبقى العرش، والفائدة من ذلك أن يُعْلَم أن الله مسيطرٌ على كلّ المخلوقات لأن العرش أكبر المخلوقات حَجْمًا. 

ولا يجوز تفسير الآية المتشابِهة على معنى لا يليق بالله عزَّ وجلَّ. فلا يجوز أن يقال استوى أي جلس لأن الجلوسَ لا يكون إلا من ذي أعضاء والأعضاء مستحيلةٌ على الله. يقولُ الإمام عليٌ رضي الله عنه: « كَانَ اللَّهُ وَلاَ مَكَانَ وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ ». ويقول أيضاً في تنـزيه الله عن الجلوس: « إنَّ الله خَلَقَ العَرْشَ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ وَلَمْ يَتَّخِذهُ مَكَاناً لِذَاتِهِ »، رواه أبو منصور البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق. 

الله خلق العرش وسائر المخلوقات وكان موجودا قبلها ولا يحتاج إليها، فهو غني عن العالمين. فمن نسب إلى الله الاحتياج أو الاستقرار أو الجهة أو المكان، فقد كفر. وقال الحافظ أحمد بن سلامة الطحاوي في عقيدته التي حكى فيها عقيدة السلف: « تعالى (يعني الله) عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات »، وقال: « ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر »، وهذا بيّنٌ ظاهر لمن كان له مُسْكة من العقل. 

ءاية الاستواءَ تُحملُ على القهرِ، أو يُقالُ استوى استواءً يليقُ به، أو يقال: ﴿الرَّحْمَـنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ بلا كيف، أما من أرادَ التأويلَ التفصيليَ فيقولُ قَهَرَ ويجوزُ أن يقولَ استولى. فَيَجِبُ تَركُ الحَملِ على الَظاهِر بَل يُحَملُ على مَحْملٍ مُستَقيمٍ في العُقُولِ فتُحمَلُ لفظَةُ الاستِواءِ على القَهرِ ففي لُغَةِ العَرَبِ يُقالُ استَوى فُلانٌ على المَمَالِكِ إذا احتَوَى على مَقَالِيدِ المُلكِ واستَعلى على الرقَابِ. ومعنى: « واستعلى على الرقَابِ » أي استولى على الأشخاصِ أي على أهل البلدِ.

 وليُعلَم أن الاستواءَ في لغةِ العربِ له خمسة عشرَ معنًى كما قالَ الحافظُ أبو بكر بن العربيّ ومن معانيهِ: الاستقرارُ والتَّمامُ والاعتدَال والاستعلاءُ والعلوُّ والاستيلاءُ وغير ذلك، ثم هذه المعاني بعضُها تليقُ بالله وبعضُها لا تليقُ بالله. فما كان من صفات الأجسام فلا يليق بالله. وقد ذَكَرَ الإمامُ أبو منصورٍ الماتريديُّ في تأويلاتِهِ في قولِهِ تعالى ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ ﴾ [سورة الأعراف] يقولُ: « أي وقد استوى »، ومعناهُ أنَّ الله كانَ مستويًا على العرشِ قبلَ وجودِ السمواتِ والأرضِ، وبعضُ الناس يتوهَّم من كلمة (ثم) أن الله استوى على العرشِ بعد أن لم يكن يظنُّونَ أن ثُمَّ دائمًا للتأخُّر، (ثم) ليست دائمًا للتَّأخُّرِ في الزَّمن،يصحُّ في اللُّغة أن يقالَ أنا أعطيتُكَ يوم كذا كذا وكذا ثم إني أعطيتُكَ قبلَ ذلك كذا وكذا، فإن (ثم) ليست دائمًا للتَّأخُّرِ في الزَّمن، أحيانًا تأتي لذلكَ وأحيانًا تأتي لغيرِ ذلك، قال الشَّاعر: إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أبُوهُ ثُمّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهْ. 

ويُروى عن أمّ سلمةَ إحدى زوجاتِ الرّسولِ ويروى عن سفيانَ بنِ عيينةَ ويروى عن مالكِ بن أنسٍ أنهم فسَّروا استواء الله على عرشِهِ بقولهم: الاستواءُ معلومٌ ولا يقالُ كيفٌ والكيفُ غيرُ معقولٍ. ومعنى قولهم: (الاستواء معلومٌ) معناهُ معلومٌ ورودُهُ في القرآنِ أي بأنه مستوٍ على عرشِهِ استواءً يليقُ به، ومعنى: (والكيفُ غير معقولٍ) أي الشَّكلُ والهيئةُ والجلوسُ والاستقرارُ هذا غير معقولٍ أي لا يقبلُهُ العقلُ ولا يجوزُ على الله لأنه من صفات الأجسام، وسُئِلَ الإمامُ أحمدُ رضي الله عنه عن الاستواء فقال : « استوى كما أخبَرَ لا كما يَخطُرُ للبشرِ ». 

أما الثابت عن إمام الأئمة مالك رضي الله عنه ثلاث عبارات، واحدة رواها الترمذي “بلا كيف”، والأخريان رواهما البيهقي وذكرهما ابن حجر في شرح البخاري إحداهما “وكيف عنه مرفوع”، والأخرى “والكيف غير معقول”. وكل هذه الروايات الصحيحة الثابتة تنفي عن الله الكيفية. ثبَت عن الإمامِ مالكٍ بإسنادٍ قويّ جيدٍ أنه قال في استواء الله : « استوى كما وَصَفَ نفسَهُ ولا يقالُ كيف وكيف عنه مرفوعٌ ».  ما قال والكيف مجهول فمن قال والكيف مجهول، إن أراد أن الله له كيفية وشكل وصورة لا نعرفها فهذا لم يعرف الله ولا هو عَبَد الله رب العالمين، أما إن كان يفهم أن الاستواء لا أعرف تفسيره وأتوقف عن تفسيره لا أعرف حقيقته، فهنا نقول له توقف عن نقل هذه العبارة فإنه لا سند لك فيها إلى مالك رضي الله عنه والإسناد من الدين كما قال العلماء، ولا يكفي أنك رأيتها في كتاب ما فإن كثيرا من الكتب دخلها التحريف. والكيف كل ما كان من صفات المخلوقين كالشكل والهيئة والصورة والكون في جهة أو مكان. ثم إن بعض الناس يستعملون الكيف بمعنى الحقيقة أي نحن لا نعرف حقيقة الله، فالعبارة الواضحة والصحيحة أن يقال: لا يعلم حقيقة الله إلا الله.

 قال عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ) في كتابه الإتقان في علوم القرآن: أَخْرَجَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ في السنن عَنْ طَرِيقِ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قالت: الْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَالِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ وَالْإِقْرَارُ بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْجُحُودُ بِهِ كُفْرٌ. 

وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فَقَالَ: الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَمِنَ اللَّهِ الرِّسَالَةُ وَعَلَى الرَّسُولِ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ وَعَلَيْنَا التَّصْدِيقُ. 

وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْآيَةِ فَقَالَ: الْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَالِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ وَلَا يقال: كيف وكيف عنه مَرْفُوعٌ). (أحبابي: من تفكر في هذا الباب وفي الآيات والأحاديث التي يذكرها النووي رحمه الله عَلِمَ أنه لا بد له أن يبادرَ إلى الطاعاتِ ويتسابقَ إليها ويُسرعَ إلى عملِها على الوجهِ الذي يُرضي الله عز وجل، وقالَ بعض الفقهاءِ في الحثِّ على ذلك: اعلم أنَّ مَن له أخَوانِ غائبانِ وينتظرُ قدومَ أحدِهما في غدٍ وينتظرُ قدومَ الآخرِ بعدَ شهرٍ أو سنةٍ فلا يستعدُ للذي يقدمُ إلى شهرٍ أو سنةٍ وإنما يستعدُّ للذي ينتظرُ قدومَه غدًا فالاستعدادُ نتيجةُ قربِ الانتظارِ فمَنِ انتظرَ مجيءَ الموتِ بعدَ سنةٍ اشتغلَ قلبُه بالمدةِ ونسيَ ما وراءَ المدةِ وذلكَ يمنعُه مِنْ مبادرةِ العملِ أبدًا، يرَى لنفسِه متسَعًا في تلكَ السنةِ فيؤخرُ العملَ كمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا يَنْتَظِرُ أَحَدُكُمْ إِلَّا ‌غِنًى ‌مُطْغِيًا، أَوْ فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوِ الدَّجَّالَ وَالدَّجَّالُ شَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ» وقال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لرجل وهو يَعِظُهُ: اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ من الناس الصحة والفراغ. وفي الحديثِ «مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ الله غَالِيَةٌ أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ الله الْجَنَّةُ» أخرجه الترمذي. وفي الحديث أيضا يقول صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُهَا النَّاسُ اذْكُرُوا الله اذْكُرُوا الله جَاءَتْ الرَاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ». أخرجه الترمذي. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أَنِسَ من أصحابه غفلة أو غِرةً نادى فيهم بصوت رفيع «أَتَتْكُمُ الْمَنِيَّةُ رَاتِبَةً لاَزِمَةً إِمَّا بِشَقَاوَةٍ وَإِمَّا بِسَعَادَةٍ» أخرجه ابن أبي الدنيا. وفي الحديث عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «يا بَنِي قُصَيٍّ، يا بَنِي (يا بَنِي هَاشِمٍ) يا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنَّا النَّذِيرُ، والمَوْتُ المُغيرُ، والسَّاعَةُ المَوْعِدُ». أخرجه أبن أبي الدنيا. وقال صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ هَذِهِ الدُّنْيَا ‌مَثَلُ ‌ثَوْبٍ ‌شُقَّ ‌مِنْ ‌أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، فَبَقِيَ مُتَعَلِّقًا بِخَيْطٍ فِي آخِرِهِ، فَيُوشِكُ ذَلِكَ الْخَيْطُ أَنْ يَنْقَطِعَ» أخرجه ابن أبي الدنيا. 

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: قَالَ : تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} [الأنعام: 125]، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ النُّورَ إِذَا ‌دَخَلَ ‌الصَّدْرَ ‌انْفَسَحَ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِذَلِكَ مِنْ عَلَامَةٍ تُعْرَفُ بِهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، التَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالْإِنَابَةُ إِلَى دَار ِالْخُلُودِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ»، وقال السدي: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] ” أَيْ: أَيُّكُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، ‌وَأَحْسَنُ ‌لَهُ ‌اسْتِعْدَادًا، وَأَشَدُّ مِنْهُ خَوْفًا، فَاحْذَرُوا ” وقال حذيفة: ” مَا مِنْ صَبَاحٍ، وَلَا مَسَاءٍ إِلَّا وَمُنَادٍ يُنَادِي: يَا ‌أَيُّهَا ‌النَّاسُ ، ‌الرَّحِيلَ ‌الرَّحِيلَ وَإِنَّ تَصْدِيقَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ  أَوْ يَتَأَخَّرَ} [المدثر: 37] قَالَ: فِي الْمَوْتِ ” وقال سُحَيْمٌ مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ: جَلَسْتُ إِلَى عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يُصَلِّي، فَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: «‌أَرِحْنِي ‌بِحَاجَتِكَ فَإِنِّي أُبَادِرُ» قُلْتُ: وَمَا تُبَادِرُ؟ قَالَ: «مَلَكَ الْمَوْتِ، رَحِمَكَ اللَّهُ»، قَالَ: فَقُمْتُ عَنْهُ، وَقَامَ إِلَى صَلَاتِهِ. قال عمر رضي الله عنه: «‌التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ خَيْرٌ، إِلَّا فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ» وقال المنذر: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ، يَقُولُ لِنَفْسِهِ : «وَيْحَكِ بَادِرِي ‌قَبْلَ ‌أَنْ ‌يَأْتِيَكِ ‌الْأَمْرُ، وَيْحَكِ بَادِرِي ‌قَبْلَ ‌أَنْ ‌يَأْتِيَكِ ‌الْأَمْرُ، وَيْحَكِ بَادِرِي ‌قَبْلَ ‌أَنْ ‌يَأْتِيَكِ ‌الْأَمْرُ» قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ سِتِّينَ مَرَّةً أسمعه ولا يراني. وَكَانَ الحسن يَقُولُ فِي مَوْعِظَتِهِ الْمُبَادِرَةَ الْمُبَادِرَةَ فَإِنَّمَا هِيَ الْأَنْفَاسُ لَوْ حُبِسَتِ انْقَطَعَتْ عَنْكُمْ أَعْمَالُكُمُ الَّتِي تَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وجل رحم الله امرأ نَظَرَ إِلَى نَفْسِهِ وَبَكَى عَلَى عَدَدِ ذُنُوبِهِ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عدًّا يَعْنِي الْأَنْفَاسَ آخِرُ الْعَدَدِ خُرُوجُ نَفْسِكَ آخِرُ الْعَدَدِ فِرَاقُ أَهْلِكَ آخِرُ الْعَدَدِ دُخُولُكَ فِي قبرك. واجْتَهَدَ الْأَشْعَرِيُّ قَبْلَ مَوْتِهِ ‌اجْتِهَادًا ‌شَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ أَمْسَكَتَ أَوْ رَفَقْتَ بِنَفْسِكَ بَعْضَ الرِّفْقِ؟ فَقَالَ: «إِنَّ الْخَيْلَ إِذَا أُرْسِلَتْ فَقَارَبَتْ رَأْسَ مُجْرَاهَا، أَخْرَجَتْ جَمِيعَ مَا عِنْدَهَا، وَالَّذِي بَقِيَ مِنْ أَجْلِي أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ» . قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ رضي الله عنه. وقال بعض الخلفاء على منبره: ” اتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَكُونُوا قَوْمًا ‌صِيحَ ‌بِهِمْ فَانْتَبَهُوا، وَعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ، فَاسْتَبْدِلُوا، وَاسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ، وَتَرَحَّلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ، وَإِنَّ غَائِبًا يَجِدُّ بِهِ الْجَدِيدَانِ: اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، لَحَرِيٌّ بِسُرْعَةِ الْأَوْبَةِ، وَإِنَّ قَادِمًا يَحُلُّ بِالْفَوْزِ أَوِ الشِّقْوَةِ لَمُسْتَحِقٌ لِأَفْضَلِ الْعُدَّةِ، فَالتَّقِيُّ عِنْدَ رَبِّهِ مَنْ نَاصَحَ نَفْسَهُ، وَقَدَّمَ تَوْبَتَهُ، وَغَلَبَ شَهْوَتَهُ، فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ، وَأَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ، وَالشَّيْطَانُ مُوَكَّلٌ بِهِ يُمَنِّيهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَا، وَيُزَيِّنُ إِلَيْهِ الْمَعْصِيَةَ لِيَرْتَكِبَهَا، حَتَّى تَهْجُمَ مَنِيَّتُهُ عَلَيْهِ أَغْفَلَ مَا يَكُونُ عَنْهَا، وَإِنَّهُ مَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلَّا الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ، فَيَالَهَا حَسْرَةً عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَةٍ، أَنْ يَكُونَ عُمْرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً، وَأَنْ تُرْدِيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى شِقْوَةٍ، جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ لَا تُبِّطُرُهُ نِعْمَةٌ، وَلَا تَقْصُرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ مَعْصِيَةٌ، وَلَا يَحُلُّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ حَسْرَةٌ، إِنَّهُ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، وَإِنَّهُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَإِنَّهُ فَعَّالٌ لِمَا يَشَاءُ”. 

وقال بعض المفسرين فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {‌فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} [الحديد: 14] ، قَالَ: «بِالشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ» ، {وَتَرَبَّصْتُمْ} [الحديد: 14] ، قَالَ: «بِالتَّوْبَةِ» ، {وَارْتَبْتُمْ} [الحديد: 14] قَالَ: «شَكَكْتُمْ»  الى ان قال{حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ} [الحديد: 14] ، قَالَ: «الْمَوْتُ» ، {وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [الحديد: 14] قَالَ: «الشَّيْطَانُ». وقال ابن مسعود: «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ أَصْبَحَ إِلَّا ‌وَهُوَ ‌ضَيْفٌ، وَمَالُهُ عَارِيَةٌ وَالضَّيْفُ مُرْتَحِلٌ  وَالْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ». وقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «لَقَدْ نَغَّصَ هَذَا الْمَوْتُ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَا هُمْ فِيهِ مِنْ غَضَارَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، فَبَيْنَمَا هُمْ فِيهَا كَذَلِكَ وَعَلَى ذَلِكَ، أَتَاهُمْ حِيَاضُ الْمَوْتِ فَاخْتَرَمَهُمْ، فَالْوَيْلُ، وَالْحَسْرَةُ هُنَالِكَ لِمَنْ لَمْ يَحْذَرِ الْمَوْتَ وَيَذْكُرْهُ فِي الرَّخَاءِ، فَيُقَدِّمُ لِنَفْسِهِ خَيْرًا يَجِدُهُ بَعْدَمَا فَارَقَ الدُّنْيَا وَأَهْلَهَا» ، قَالَ: ثُمَّ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ فَقَامَ. 

وروي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: «أَيْنَ الْوِضَاءُ وَالْحَسَنَةُ وُجُوهُهُمْ، الْمُعْجَبُونَ بِشَبَابِهِمْ؟ أَيْنَ الْمُلُوكُ الَّذِينَ بَنَوُا الْمَدَائِنَ وَحَصَّنُوهَا بِالْحِيطَانِ؟ أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُعْطَوْنَ الْغَلَبَةَ فِي مَوَاطِنِ الْحَرْبِ؟ قَدْ تَضَعْضَعَ بِهِمُ الدَّهْرُ وَأَصْبَحُوا فِي ظُلُمَاتِ الْقُبُورِ الْوَحَاءَ الْوَحَاءَ، النَّجَاءَ النَّجَاءَ». الوَحَاءُ الوَحَاءُ يقال في الاستعجال: الوَحاءَ الوَحاءَ: البدَارَ البِدَارَ .

وقال عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ صَفْوَانَ: كُنَّا مَعَ الْحَسَنِ فِي جِنَازَةٍ، فَقَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً عَمِلَ لِمِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ، إِنَّكُمُ الْيَوْمَ تَقْدِرُونَ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِخْوَانُكُمْ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ، فَاغْتَنِمُوا الصِّحَّةَ وَالْفَرَاغَ، قَبْلَ يَوْمِ الْفَزْعَةِ وَالْحِسَابِ»).

ومن أعظم ما يُتَبَادر إلى فعله والتسابق إليه وخصوصا في هذه الأيام علم الدين والاشتغال به تعلُّمًا وتعليمًا، ونشرُهُ بين الصغير والكبير، فإن به صلاحَ الفرد والأسرة والمجتمع وبه تُنار القلوب وبه ينتشر مذهب الاعتدال والوسطية بين المسلمين، وهذا هو دأب المسلمين ومنهج الإسلام وإن كان حالُ الكثيرين ممن ينتسب إلى الإسلام بخلاف هذا، فالعلم به حياة القلوب، وبه حياة الإسلام أي قوته وعزته، فإذا ذكرنا المبادرة إلى فعل الطاعات، فإن العلم من أفضل ما يتبادر الواحد منا للاشتغال به، 

وفي ‌المبادرة ‌إلى الخيرات قيل:

‌سابق ‌إِلَى ‌الْخَيْرِ ‌وَبَادِرْ بِهِ
فَإِنَّ مَنْ بَعْدَكَ مَا تَعْلَمُ

وَقَدِّمِ الْخَيْرَ فَكُلُّ امْرِئٍ
عَلَى الَّذِي قَدَّمَهُ يَقْدَمُ

يَا لَيْتَ شِعْرِي بَعْدَنَا مَا الَّذِي
أَوْرَثَكَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ 

وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ:

قَدِّمْ لِنَفْسِكَ تَوْبَةً مَرْجُوَّةً
قَبْلَ الْمَمَاتِ وَقَبْلَ حَبْسِ الْأَلْسُنِ

وَقَالَ آخَرُ:

وَلَدَتْكَ إِذْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ بَاكِيًا
وَالْقَوْمُ حَوْلَكَ يَضْحَكُونَ سُرُورَا

فَاعْمَلْ لِيَوْمِ تَكُونُ فِيهِ إِذَا بَكَوْا
فِي يَوْمِ مَوْتِكَ ضَاحِكًا مَسْرُورَا