نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ | رياض الصالحين (97)

الدرس ٨٨ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٥٥:٥٨

الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي جَعَلَ عُمُرَ الآدَمِيِّ سَفَرًا إِلَى الأُخْرَى طَوِيلا وَقَصِيرًا، فَسَارَ النَّاسُ بِبَضَائِعِ الأَعْمَالِ، فَرَبِحَ الْمُتَيَقِّظُونَ رِبْحًا كَثِيرًا، وَهَلَكَ الْمُفَرِّطُونَ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ عَادَ مِسْكِينًا فَقِيرًا، عَرَضَتْ لَهُمُ الشَّهَوَاتُ فِي بَرِّ الْبِرِّ فَصَارَ الْجَاهِلُ لَهَا أَسِيرًا، فَافترَسَهُ سَبُعُ الْهَوَى فَأهلَكَهُ، فَلَقِيَ هَوْنًا وَتَغْيِيرًا، وَكَمْ حَثَّهُ الشَّرْعُ عَلَى الْجد، كبيرًا كانَ أَمْ صغيرًا، {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يذَّكَّر أو أراد شكورًا} أَحْمَدُهُ حَمْدَ مَنْ جَعَلَ حَمْدَهُ مِصْبَاحًا شَهِيرًا، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ الْمَبْعُوثِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وعلى خليفته أبي بكر مَن ثبتَ على الحقِّ ثباتا كبيرَا، وعلى عمر الذي نشر الله بسببه في شرق البلاد وغربها خيرا كثيرا، وعلى عثمان الشهيدِ الذي كان رجلًا حَيِيًّا يسيرًا، وعلى علي مَن رزقه الله العلم والشجاعة والقضاء وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ، وَرَزَقَنَا حُسْنَ اتِّبَاعِهِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، أَمَّا بَعْدُ:

الحديث

فقد وصلنا إلى الحديث السابع والتسعين من كتاب رياض الصالحين للحافظ النووي رحمه الله حيث قال: الثالث: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّىْ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (نِعْمَتَانِ مَغْبُوْنٌ فِيْهِمَا كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الشرح

قال: الثالث (أي الحديث الثالث من باب المجاهدةِ أي مجاهدةِ النفس والهوى، وهو الحديث السابع والتسعون من كتاب رياض الصالحين كما ذكرتُ): عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ (هو حبر الأمة وإمام الأئمة والغوث عند الْمُلِمَّة، ما فُتحت فتنة في زمانه إلا وتصدى لها بعلمه رضي الله عنه وعن أبيه، هو عَبْدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ البَحْرُ أَبُو العَبَّاسِ الهَاشِمِيُّ حَبْرُ الأُمَّةِ، وَفَقِيْهُ العَصْرِ، وَإِمَامُ التَّفْسِيْرِ، ووالدُ الخلفاء، أَبُو العَبَّاسِ عَبْدُ اللهِ، ابْنُ عَمِّ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ القُرَشِيُّ، الهَاشِمِيُّ، المَكِّيُّ، الأَمِيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. مَوْلِدُهُ: بِشِعْبِ بَنِي هَاشِمٍ، قَبْلَ عَامِ الهِجْرَةِ بِثَلاَثِ سِنِيْنَ. صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَدَّثَ عَنْهُ بِجُمْلَةٍ صَالِحَةٍ. وَكَانَ وَسِيماً، جَمِيْلاً، مَدِيدَ القَامَةِ، مَهِيبًا، كَامِلَ العَقْلِ، ذَكِيَّ النَّفْسِ، مِنْ رِجَالِ الكَمَالِ. انتَقَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَ أَبَويهِ إِلَى دَارِ الهِجْرَةِ سَنَةَ الفَتْحِ، وَقَدْ أَسْلَمَ قَبلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِيْنَ؛ أَنَا مِنَ الوِلْدَانِ، وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ، وجاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فيما رواه البخاري قَالَ: مَسَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسِي، وَدَعَا لِي بِالحِكْمَةِ. وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له فقال: فَقَالَ: (اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ تَأْوِيْلَ القُرْآنِ). قَالَ الزُّبَيْرُ بنُ بَكَّارٍ: تُوُفِّيَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلابْنِ عَبَّاسٍ ثَلاَثَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَغَزَا ابْنُ عَبَّاسٍ إِفْرِيْقِيَةَ مَعَ ابْنِ أَبِي سَرْحٍ؛ وَرَوَى عَنْهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ: خَمسَةَ عَشَرَ نَفْساً. وَهُوَ ابْنُ خَالَةِ خَالِدِ بنِ الوَلِيْدِ المَخْزُوْمِيِّ. وثبت أَنَّ عُمَرَ دَعَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَرَّبه، وَكَانَ يَقُوْلُ: إِنِّيْ رَأَيتُ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاكَ يَوْماً، فَمَسحَ رَأْسَكَ، وَتَفَلَ فِي فِيْكَ، وَقَالَ: (اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّيْنِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيْلَ)، وهذا دليل لأهل السنة على جواز تأويل النصوص الشرعية التي توهم نسبة النقص إلى الله عز وجل، كقوله تعالى: ((نَسُوْا اللهَ فَنَسِيَهُمْ))، وكقولِه تعالى: ((يُخَادِعُوْنَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ))، وكقولِه تعالى: ((كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ))، وكقولِه تعالى: ((تَجْرِيْ بِأَعْيُنِنَا))، وروى أَنَّ العَبَّاسَ بَعثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ رَجُلاً، فَرَجَعَ، وَلَمْ يُكَلِّمْهُ. فَلَقِيَ العَبَّاسُ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَرْسَلتُ إِلَيْكَ ابْنِي، فَوَجَدَ عِنْدَكَ رَجُلاً، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُكَلِّمَك. فَقَالَ: (يَا عَمِّ! تَدْرِي مَنْ ذَاكَ الرَّجُلُ؟). قَالَ: لاَ. قَالَ: (ذَاكَ جِبْرِيْلُ لَقِيَنِي، لَنْ يَمُوْتَ ابْنُكَ حَتَّى يَذْهَبَ بَصَرُهُ، وَيُؤْتَى عِلْماً). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذَهَبَ النَّاسُ وَبَقِيَ النَّسْنَاسُ. قِيْلَ: مَا النَّسْنَاسُ؟ قَالَ: الَّذِيْنَ يُشْبِهُوْنَ النَّاسَ وَلَيْسُوا بِالنَّاسِ. وروي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ: هَلُمَّ نَسْأَلْ أَصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُمُ اليَوْمَ كَثِيْرٌ. فَقَالَ: وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! أَتَرَى النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْكَ، وَفِي النَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ مَنْ تَرَى؟ فَتَرَكَ ذَلِكَ، وَأَقْبَلْتُ عَلَى المَسْألَةِ، فَإِنْ كَانَ لَيبْلُغُنِي الحَدِيْثُ عَنِ الرَّجُلِ، فَآتِيهِ وَهُوَ قَائِلٌ، فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ، فَتَسْفِي الرِّيْحُ عَلَيَّ التُّرَابَ، فَيَخرجُ، فَيَرَانِي، فَيَقُوْلُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُوْلِ اللهِ! أَلاَ أَرْسَلتَ إِلَيَّ فَآتِيَكَ؟ فَأَقُوْلُ: أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ، فَأَسْأَلَكَ. قَالَ: فَبَقِيَ الرَّجُلُ حَتَّى رَآنِي وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيَّ، فَقَالَ: هَذَا الفَتَى أَعقَلُ مِنِّي. وفي رواية عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَجَدْتُ عَامَّةَ عِلْمِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ هَذَا الحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ، إِنْ كُنْتُ لآتِي الرَّجُلَ مِنْهُم، فَيُقَالُ: هُوَ نَائِمٌ؛ فَلَو شِئْتُ أَنْ يُوْقَظَ لِي، فَأَدَعُهُ حَتَّى يَخرُجَ لأَسْتطِيبَ بِذَلِكَ قَلْبَهُ. وصح عنه أنه قال: إِنْ كُنْتُ لأَسْأَلُ عَنِ الأَمرِ الوَاحِدِ ثَلاَثِيْنَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال الحسن البصري: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ الإِسْلاَمِ بِمَنْزِلٍ، وَكَانَ مِنَ القُرْآنِ بِمَنْزِلٍ، وَكَانَ يَقُومُ عَلَى مِنْبَرِنَا هَذَا، فَيَقرَأُ البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَيُفَسِّرُهُمَا آيَةً آيَةً. 

وروى البيهقي عن أبى حرب بن أبي الأسودِ الدؤلي رَضِيَ اللهُ عَنهُ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أُتِىَ بامرأةٍ قد وَلَدَت لِسِتَّةِ أشهرٍ، فَهَمَّ بِرَجمِها، فَبَلَغَ ذلك عليًّا رَضِيَ اللهُ عَنهُ وفي رواية بلغ عبدَ الله بنَ عباس، فقال: ليسَ عليها رَجمٌ، فَبَلَغَ ذلكَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فأرسَلَ إليهِ فسألَهُ، فقال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. وقال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرا﴾. فَسِتَّةُ أشهرٍ حَملُهُ حَولَينِ تَمامٌ لا حَدَّ عليها، أو قال: لا رَجمَ عليها، قال: فَخَلَّى عنها، ثمَّ وَلَدَت) رواه البيهقي. وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِذَا ذَكَرَهُ، قَالَ: ذَلِكَ فَتَى الكُهُولِ، لَهُ لِسَانٌ سَؤُولٌ، وَقَلْبٌ عَقُوْلٌ. وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَشِيرُ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي الأَمْرِ إِذَا أَهَمَّه، وَيَقُوْلُ: غُصْ غَوَّاصُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ لِي أَبِي: يَا بُنَيَّ! إِنَّ عُمَرَ يُدنِيكَ، فَاحفَظْ عَنِّي ثَلاَثاً: لاَ تُفْشِيَنَّ لَهُ سِرّاً، وَلاَ تَغْتَابَنَّ عِنْدَهُ أَحَداً، وَلاَ يُجَرِّبَنَّ عَلَيْكَ كَذِباً. وقال سعد بن أبي وقاص: مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَحْضَرَ فَهْماً، وَلاَ أَلَبَّ لُبّاً، وَلاَ أَكْثَرَ عِلماً، وَلاَ أَوسعَ حِلماً مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَقَدْ رَأَيْتُ عُمَرَ يَدعُوْهُ لِلمُعْضِلاَتِ فَيَقُوْلُ: قَدْ جَاءت مُعْضِلَةٌ، ثُمَّ لاَ يُجَاوِزُ قَوْلَه، وَإِنَّ حَوْلَهُ لأَهْلُ بَدْرٍ. وقال عبد الله بن مسعود: وَلَنِعْمَ تَرْجُمَانُ القُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ. وقال بعض التابعين: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَمِيْرٌ عَلَى المَوْسِمِ، فَافْتَتَحَ سُورَةَ النُّوْرَ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ، وَيُفَسِّرُ، فَجَعَلْتُ أَقُوْلُ: مَا رَأَيْتُ وَلاَ سَمِعْتُ كَلاَمَ رَجُلٍ مِثْلَ هَذَا، لَوْ سَمِعَتْهُ فَارِسُ، وَالرُّوْمُ، وَالتُّرْكُ، لأَسْلَمَتْ. وجاء عَنْ حَبِيْبِ بنِ أَبِي ثَابِتٍ: أَنَّ أَبَا أَيُّوْبَ الأَنْصَارِيَّ أَتَى مُعَاوِيَةَ، فَشَكَا دَيْناً، فَلَمْ يَرَ مِنْهُ مَا يُحِبُّ، فَقَدِمَ البَصْرَةَ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَفَرَّغَ لَهُ بَيْتَهُ، وَقَالَ: لأَصْنَعَنَّ بِكَ كَمَا صَنَعتَ بِرَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ قَالَ: كَمْ دَيْنُكَ؟ قَالَ: عِشْرُوْنَ أَلْفاً. فَأَعْطَاهُ أَرْبَعِيْنَ أَلْفاً، وَعِشْرِيْنَ مَمْلُوْكاً، وَكُلَّ مَا فِي البَيْتِ. وجاء أَنَّ ابْنَ الحَنَفِيَّةِ لَمَّا دُفِنَ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: اليَوْمَ مَاتَ رَبَّانِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ. وقال بعضهم: مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ، فَجَاءَ طَائِرٌ لَمْ يُرَ عَلَى خِلْقتِهِ، فَدَخَلَ نَعْشَهُ، ثُمَّ لَمْ يُرَ خَارِجاً مِنْهُ، فَلَمَّا دُفِنَ، تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى شَفِيْرِ القَبْرِ، لاَ يُدْرَى مَنْ تَلاَهَا: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً}. وتُوُفِّيَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَنَةَ ثَمَانٍ، أَوْ سَبْعٍ وَسِتِّيْنَ. وَقِيْلَ: عَاشَ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ سَنَةً. و (مُسْنَدُهُ): أَلْفٌ وَسِتُّ مائَةٍ وَسِتُّوْنَ حَدِيثاً. وَلَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي (الصَّحِيْحَيْنِ): خَمْسَةٌ وَسَبْعُوْنَ. وَتَفَرَّدَ: البُخَارِيُّ لَهُ بِمائَةٍ وَعشرة من الأحاديث وَتَفَرَّدَ: مُسْلِمٌ بِتِسْعَةِ  وأربعين حديثا. وجمع بعض الفقهاء فَتَاوَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي عِشْرِيْنَ كِتَاباً) 

قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّىْ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نِعْمَتَانِ (قَوْلُهُ نِعْمَتَانِ تَثْنِيَةُ نِعْمَةٍ وَهِيَ الْحَالَةُ الْحَسَنَةُ وَقِيلَ هِيَ الْمَنْفَعَةُ الْمَفْعُولَةُ عَلَى جِهَةِ الْإِحْسَانِ لِلْغَيْرِ) مَغْبُوْنٌ فِيْهِمَا كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ (أَيْ: صِحَّةُ الْبَدَنِ وَالْقُوَّةُ الْكَسْبِيَّةُ وَفَرَاغُ الْخَاطِرِ بِحُصُولِ الْأَمْنِ، وَالْمَعْنَى لَا يَعْرِفُ قَدْرَ هَاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ حَيْثُ لَا يَكْسِبُونَ فِيهِمَا مِنَ الْأَعْمَالِ كِفَايَةَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي مَعَادِهِمْ فَيَنْدَمُونَ عَلَى تَضْيِيعِ أَعْمَارِهِمْ عِنْدَ زَوَالِهَا وَلَا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ. قَالَ تَعَالَى: {ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} [التغابن: 9] وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهَا» قَالَ بن الْجَوْزِيِّ قَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ صَحِيحًا وَلَا يَكُونُ مُتَفَرِّغًا لِانشِغَالِهِ بِالْمَعَاشِ وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَغْنِيًا وَلَا يَكُونُ صَحِيحًا فَإِذَا اجْتَمَعَا فَغَلَبَ عَلَيْهِ الْكَسَلُ عَنِ الطَّاعَةِ فَهُوَ الْمَغْبُونُ وَتَمَامُ ذَلِكَ أَنَّ الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ وَفِيهَا التِّجَارَةُ الَّتِي يَظْهَرُ رِبْحُهَا فِي الْآخِرَةِ فَمَنِ اسْتَعْمَلَ فَرَاغَهُ وَصِحَّتَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ فَهُوَ الْمَغْبُوطُ وَمَنِ اسْتَعْمَلَهُمَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهُوَ الْمَغْبُونُ لِأَنَّ الْفَرَاغَ يَعْقُبُهُ الشُّغْلُ وَالصِّحَّةُ يَعْقُبُهَا السَّقَمُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الْهَرَمُ. وقد قِيلَ

 يَسُرُّ الْفَتَى طُولُ السَّلَامَةِ وَالْبَقَا
فَكَيْفَ تَرَى طُولَ السَّلَامَةِ يَفْعَلُ

 يَرُدُّ الْفَتَى بَعْدَ اعْتِدَالٍ وَصِحَّةٍ
يَنُوءُ إِذَا رَامَ الْقِيَامَ وَيُحْمَلُ 

إن العاقل إذا عرف أهمية العمر والفراغ فيه وأهمية الصحة استغلهما في طاعة الله عز وجل فلم يفتر عن عبادته سبحانه في ليل ونهار وصيف وشتاء، وقد قيل: اذْكُرِ اسْمَ مَنْ إِذَا أَطَعْتَهُ أَفَادَكَ، وَإِذَا أَتَيْتَهُ شَاكِرًا زَادَكَ وَإِذَا خَدَمْتَهُ أَصْلَحَ قَلْبَكَ وَفُؤَادَكَ. قَالَ الشِّبْلِيُّ: لَيْسَ لِلأَعْمَى مِنَ الْجَوْهَرِ إِلا لَمْسُهُ، وَلَيْسَ لِلْجَاهِلِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلا النُّطْقُ بِاللِّسَانِ. يَا مَنْ يَرْجُو الثَّوَابَ بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَيُؤخر التَّوْبَةَ بِطُولِ الأَمَلِ، أَتَقُولُ فِي الدُّنْيَا قَوْلَ الزَّاهِدِينَ وَتَعْمَلُ فِيهَا عَمَلَ الرَّاغِبِينَ، لا بِقَلِيلٍ مِنْهَا تَقْنَعُ، وَلا بِكَثِيرٍ مِنْهَا تَشْبَعُ، تَكْرَهُ الْمَوْتَ لأَجْلِ ذُنُوبِكَ وَتُقِيمُ عَلَى مَا تَكْرَهُ الْمَوْتَ لَهُ، تَغْلِبُكَ نَفْسُكَ عَلَى مَا تَظُنُّ وَلا تَغْلِبُهَا عَلَى مَا تَسْتَيْقِنُ، لا تَثِقُ مِنَ الرِّزْقِ بِمَا ضُمِنَ لَكَ وَلا تَعْمَلُ مِنَ الْعَمَلِ مَا فُرِضَ عَلَيْكَ، أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ الدُّنْيَا كَالْحَيَّةِ ، لَيِّنٌ لَمْسُهَا وَالسُّمُّ النَّاقِعُ فِي جَوْفِهَا، يَهْوِي إِلَيْهَا الصَّبِيُّ الْجَاهِلُ وَيَحْذَرُهَا ذُو اللُّبِّ الْعَاقِلُ، كَيْفَ تَقَرُّ بِالدُّنْيَا عَيْنُ مَنْ عرفها، وما أبعد أن يفطم عنها من أَلِفَهَا، طُوبَى لِمَنْ تَنَبَّهَ مِنْ رُقَادِهِ، وَبَكَى عَلَى مَاضِي فَسَادِهِ وَخَرَجَ مِنْ دَائِرَةِ الْمَعَاصِي إِلَى دَائِرَةِ سَدَادِهِ، عَسَاهُ يَمْحُو بِصَحِيحِ اعْتِرَافِهِ قَبِيحَ اقْتِرَافِهِ، قَبْلَ أَنْ يَقُولَ فَلا يَنْفَعُ، وَيَعْتَذِرَ فَلا يُسْمَعُ. قال عيسى بن مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا يَنْتَظِرُ امْرُؤٌ بِتَوْبَتِهِ غَدًا فَإِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَ غدٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَأَمْرُ اللَّهِ غَادٍ وَرَائِحُ.اهـ 

بَادِرْ أَيُّهَا الشَّابُّ قَبْلَ الْهَرَمِ، وَاغْتَنِمْ أَيُّهَا الشَّيْخُ الصِّحَّةَ قَبْلَ السَّقَمِ، قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ بَدَنِكَ الأَلَمُ، وَيَقُولَ لِسَانُ الْعِتَابِ: أَلَمْ [أَقُلْ لَكَ أَلَمْ] وقد قيل:

قُلْ لِلْمُفَرِّطِ يَسْتَعِدُّ
مَا مِنْ وُرُودِ الْمَوْتِ بُدُّ

قَدْ أَخْلَقَ الدَّهْرُ الشَّبَابَ
وما مضى لا يُستردُ

فَإِلامَ يَشْتَغِلُ الْفَتَى
فِي لَهْوِهِ وَالأَمْرُ جِدُّ

يَا مَنْ يُؤَمِّلُ أَنْ يُقِيمَ
بِهِ وَحَادِي الْمَوْتِ يَحْدُو

وَتَرُوحُ دَاعِيَةُ الْمَنُونِ
عَلَى مُؤَمِّلِهَا وَتَغْدُو

يَخْتَالُ فِي ثَوْبِ النَّعِيمِ
وَدُونَهُ قَبْرٌ وَلَحْدُ

وَالْعُمْرُ يَقْصُرُ كُلَّ يَوْمٍ
ثُمَّ فِي الآمَالِ مد

من عرف أن العمر وفراغه نعمة من نعم الله علينا فإنه يُبَادِرُ هذا الْعُمْرَ وَيُبَالِغُ فِي حِفْظِ لَحَظَاتِهِ، فقد روي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَهُ مِهْرَاسٌ أي وعاء فِيهِ مَاءٌ، فَيُصَلِّي مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ يَصِيرُ إِلَى الْفِرَاشِ فَيُغْفِي إِغَفْاءَ الطَّيْرِ ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يُصَلِّي، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَيُغْفِي إِغْفَاءَ الطَّيْرِ، ثُمَّ يَثِبُ فَيَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يُصَلِّي، يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي اللَّيْلِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَوْ خَمْسَ مَرَّاتٍ. وروي عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ {يومئذٍ تعرضون لا تخفى منكم خافية}. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّكُمْ فِي مَمَرِّ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، في آجال منقوصةٍ، وأعمالٍ محفوظةٍ، وَالْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً، فَمَنْ زَرَعَ خَيْرًا يُوشِكُ أَنْ يَحْصُدَ رَغْبَةً، وَمَنْ زَرَعَ شَرًّا يُوشِكُ أَنْ يَحْصُدَ نَدَامَةً، وَلِكُلِّ زَارِعٍ مَا زَرَعَ. وعن معاوية بن قرة عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلا ينادي فيه: يا ابن آدم أنا خلق جديد وأنا فيما تعمل عليك غدا شهيد فاعمل في خيرا أشهد لك به غدا فإني لو قد مضيت لم ترني أبدا ويقول الليل مثل ذلك. وقال الحسن البصري: لَيْسَ يومٌ يَأْتِي مِنْ أَيَّامِ الدنيا إلا يتكلم ويقول: يا أيها النَّاسُ إِنِّي يومٌ جديدٌ، وَأَنَا عَلَى مَا يُعْمَلُ فِيَّ شَهِيدٌ، وَإِنِّي لَوْ قَدْ أَفَلَتْ شَمْسِي لَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: أَحَدَهُمْ لَوْ سَقَطَ مِنْهُ دِرْهَمٌ لَظَلَّ يَوْمَهُ يَقُولُ: إِنَّا للَّهِ!! ذَهَبَ دِرْهَمِي، وَهُوَ يُذْهِبُ يَوْمَهُ؛ وَلا يَقُولُ: ذَهَبَ يَوْمِي مَا عَمِلْتُ فِيهِ. وَكَانَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: مَا أَنْزَلَ الْمَوْتَ كُنْهَ مَنْزِلَتِهِ مَنْ عدَّ غَدًا مِنْ أَجَلِهِ، وَكَمْ مستقبلٍ يَوْمًا لا يَسْتَكْمِلُهُ، وَكَمْ مُؤَمِّلٍ لِغَدٍ لا يُدْرِكُهُ، لَوْ رَأَيْتُمُ الأَجَلَ وَمَسِيرَهُ، لأَبْغَضْتُمُ الأَمَلَ وَغُرُورَهُ. وَقَالَتْ رَابِعَةُ العدوية لِسُفْيَانَ الثوري رضي الله عنهما: إِنَّمَا أَنْتَ أيامٌ مَعْدُودَةٌ، فَإِذَا ذَهَبَ يَوْمُكَ ذَهَبَ بَعْضُكَ، وَيُوشِكُ إِذَا ذَهَبَ الْبَعْضُ أَنْ يَذْهَبَ الْكُلُّ، وَأَنْتَ مَتَى تَعْلَمُ فَاعْمَلْ. وروي أَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ أَتَوْا أَبَا مُسْلِمٍ الْخَوْلانِيَّ وهو من كبار التابعين فِي مَنْزِلِهِ -وَكَانَ غَازِيًا بِأَرْضِ الرُّومِ، فَوَجَدُوهُ وَهُوَ صَائِمٌ في الغزو، فَقَالَ لَهُ النَّفَرُ: مَا يَحْمِلُكَ عَلَى الصِّيَامِ وَأَنْتَ مُسَافِرٌ وَقَدْ رَخَّصَ اللَّهُ تَعَالَى لَكَ فِي الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَالْغَزْوِ؟ فَقَالَ: لَوْ حَضَرَ قِتَالٌ لأَفْطَرْتُ وَتَقَوَّيْتُ لِلْقِتَالِ، إِنَّ بَيْنَ أَيْدِينَا أَيَّامًا لَهَا نَعْمَلُ. وكان ثابت البناني رضي الله عنه يَقُولُ: مَا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ سَارِيَةٌ، إِلا وَقَدْ خَتَمْتُ الْقُرْآنَ عِنْدَهَا، وَبَكَيْتُ عِنْدَهَا. فقد روى البيهقي في شعب الإيمان جزءا من القصة المشار إليها، فعَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ يَقُولُ: ” اللهُمَّ إِنْ كُنْتَ أَعْطَيْتَ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ يُصَلِّي لَكَ فِي قَبْرِهِ فَأعْطِنِيهِ. وعن جبير قال: “أنا والذي لا إله إلا هو أدخلت ثابتًا البناني لحده ومعي حميد الطويل فلمّا سوّينا عليه اللَّبِنَ سقطت لَبِنَةٌ (يعني حجرا) فنـزلت فأخذتها من قبره فإذا به يصلي في قبره. (وجده قائمًا يصلي في قبره) قال: فقلت للذي معي: أتراه؟ قال: اسكت، فلمّا سوّينا عليه التراب وفرغنا أتينا ابنته فقلنا لها: ما كان عمل ثابت، ماذا كان يفعل في هذه الدنيا؟ قالت: وما رأيتم؟ فأخبرناها، فقالت: كان يقوم الليل خمسين سنة فإذا كان السَحَرُ قال في دعائه: اللهمّ إن كنت أعطيت أحدًا الصلاة في قبره فأعطِنيها، فما كان الله ليردَّ ذلك الدعاء” ا هـ وروي عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى أَعْبَدِ رَجُلٍ أَدْرَكْنَاهُ فَلْيَنْظُرْ إِلَى ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، فَمَا أَدْرَكْنَا الَّذِي هُوَ أَعْبَدُ مِنْهُ؛ تَرَاهُ فِي يَوْمٍ شديدٍ حَرُّهُ يظل صائمًا. ويصلي خمسين سنة يقومها ليلها كلَّه. وكَانَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ يُصَلِّي فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ثلاثمائة رَكْعَةٍ فَإِذَا أَصْبَحَ ضَمُرَتْ قَدَمَاهُ فَيَأْخُذُهُمَا بِيَدِهِ فَيَعْصِرُهُمَا ثُمَّ يَقُولُ: مَضَى الْعَابِدُونَ وَانْقَطَعَ بِي والهفاه.اهـ وروي عَنْ هِلالِ بْنِ حُقٍّ قَالَ: كَانَ حُجَيْرُ بْنُ الرَّبِيعِ يُصَلِّي حَتَّى مَا يَأْتِي فِرَاشَهُ إِلا زَحْفًا، وَمَا يَعُدُّونَهُ مِنْ أَعْبَدِهِمْ. وقال سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: قُلْتُ لِعُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ: أرى لسانك لا يفتر من ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَكَمْ تُسَبِّحُ كُلَّ يَوْمٍ؟ قَالَ: مِائَةَ أَلْفٍ إِلا أَنْ تُخْطِئَ الأَصَابِعُ. وقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ: كَانَتْ مُعَاذَةُ الْعَدَوِيَّةُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ قَالَتْ: هَذَا يَوْمِي الَّذِي أَمُوتُ فِيهِ، فَمَا تَنَامُ حَتَّى تُمْسِيَ، فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ قَالَتْ: هَذِهِ لَيْلَتِي الَّتِي أَمُوتُ فِيهَا، فَلا تَنَامُ حَتَّى تُصْبِحَ. وَإِذَا جَاءَ الْبَرْدُ لَبِسَتِ الثِّيَابَ الرِّقَاقَ حَتَّى يَمْنَعَهَا الْبَرْدُ مِنَ النَّوْمِ. وروى نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ خَرَجَ فِي بَعْضِ نَوَاحِي الْمَدِينَةِ هُوَ وَأَصْحَابٌ لَهُ، فَوَضَعُوا سُفْرَةً لَهُمْ، فَمَرَّ بِهِمْ راعٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: هَلُمَّ! قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ: أَفِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ الصَّائِفِ الْحَارِّ وَأَنْتَ فِي هَذَا الشِّعْبِ؟! قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ أُبَادِرُ الأَيَّامَ الْخَالِيَةَ. وروي عَنْ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ قَالَ: صَامَ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، قَامَ لَيْلَهَا وَصَامَ نَهَارَهَا، وَكَانَ فِي اللَّيْلِ يَبْكِي، فَتَقُولُ لَهُ أُمُّهُ: قَتَلْتَ قَتِيلا؟ فَيَقُولُ أَنَا أَعْلَمُ بِمَا صَنَعْتُ بِنَفْسِي، وَإِذَا أَصْبَحَ كَحَّلَ عَيْنَيْهِ وَدَهَنَ رَأْسَهُ، وَبَرَّق شَفَتَيْهِ وَخَرَجَ إِلَى النَّاسِ. وروي عن بعض السلف أنه قال: كَانَتْ جَارَةٌ لِمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ وَكَانَ لَهَا ابْنَتَانِ لا تَصْعَدَانِ إِلَى السَّطْحِ إِلا بَعْدَ أَنْ يَنَامَ النَّاسُ، فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا ذَاتَ لَيْلَةٍ: يَا أُمَّاهُ مَا فَعَلَتِ القائمة التي كانت أُراها فِي سَطْحِ فُلانٍ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ قَائِمَةً، إِنَّمَا كَانَ مَنْصُورُ يُحْيِي اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي رَكْعَةٍ لا يَرْكَعُ وَلا يَسْجُدُ. 

وروي عن بعض السلف أيضا أنه قال: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ (هو أبو بكر بن عيَّاش المقرئ (95 هـ – 193 هـ) محدث وفقيه مقرئ. أحد رواة القُرَّاء السبعة، قرأ على عاصم بن أبي النجود القرآن ثلاث مرات) حضرته الْوَفَاةُ بَكَتْ أُخْتُهُ فَقَالَ: لا تَبْكِي –وَأَشَارَ إِلَى زَاوِيَةٍ فِي الْبَيْتِ-، فَقَدْ خَتَمَ أَخُوكِ فِي تِلْكَ الزَّاوِيَةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ خَتْمةٍ.اهـ وقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: مَا فَاتَتْنِي الصَّلاةُ في الجماعة مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَحَجَّ مَسْرُوقٌ التابعي وهو من تلاميذ عائشة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها فَمَا نَامَ إِلا سَاجِدًا. وَقَالَتْ دَايَةُ دَاوُدَ الطَّائِيِّ: أَمَا تَشْتَهِي الْخُبْزَ؟ فَقَالَ: بَيْنَ مَضْغِ الْخُبْزِ وَشُرْبِ الْفَتِيتِ قِرَاءَةُ خَمْسِينَ آيَةً. وروي عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ أنه كَانَ مَرَّةً يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ألف ركعة، فلما ثقل صلى أربعمائة رَكْعَةٍ، وَكُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى مَبَارِكِهِ كَأَنَّهَا مَبَارِكُ الإبل. وقال أحمد بن حنبل: «كان عطاء بن السائب من خيار عباد الله، كان يختم القرآن كل ليلة. وكَانَ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ إِذَا أَمْسَى يَقُولُ: هَذِهِ لَيْلَةُ الرُّكُوعِ، فَيَرْكَعُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ يَقُولُ إِذَا أَمْسَى: هَذِهِ لَيْلَةُ السُّجُودِ؛ فَيَسْجُدُ حَتَّى يُصْبِحَ. وقال مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ حَاجًّا فَاعْتَلَّتْ إِحْدَى قَدَمَيْهِ، فَقَامَ يُصَلِّي حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى قَدَمٍ، وَصَلَّى الْفَجْرَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ. وروي عَنْ سُحَيْمٍ مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يُصَلِّي وكنتُ أريد حاجة منه، فَتَجَوَّزَ فِي صَلاتِهِ، ثُمَّ أَقَبْلَ عَلَيَّ فَقَالَ: أَرِحْنِي بِحَاجَتِكَ فَإِنِّي أُبَادِرُ (أي إني على عجل). قُلْتُ: وَمَا تُبَادِرُ؟ قَالَ: مَلَكَ الْمَوْتِ رَحِمَكَ اللَّهُ! فَقُمْتُ عَنْهُ وَقَامَ إِلَى الصَّلاةِ. وروي عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ فَجَعَلَ يَقُولُ: سَبَقَنِي الْعَابِدُونَ، وَقُطِعَ بِي، وَالَهْفَاهْ. وَقَالَ: صَامَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وكان مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ يَقُولُ: مَكَثَ أَبِي أَرْبَعِينَ سَنَةً يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَيُصَلِّي الصُّبْحَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ. وصَلَّى عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ الْغَدَاةَ بِوُضُوءِ الْعَتَمَةِ أَرْبَعِينَ سنة. وروي أن عَبْدَةَ بِنْتَ أَبِي شَوَّالٍ وَكَانَتْ تَخْدِمُ رَابِعَةَ العدوية قَالَتْ: كَانَتْ رَابِعَةُ تُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ، وَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ هَجَعَتْ فِي مُصَلاهَا هَجْعَةً خَفِيفَةً حَتَّى يُسْفِرَ الْفَجْرُ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهَا تَقُولُ إِذَا وَثَبَتْ: يَا نَفْسُ كَمْ تَنَامِينَ؟ وَإِلَى كَمْ لا تَقُومِينَ؟ يُوشِكُ أَنْ تَنَامِي نَوْمَةً لا تَقُومِينَ مِنْهَا إِلا لِصَرْخَةِ يَوْمِ النُّشُورِ. ودَخَلَ عَلَى بعضِ العابدات نَفَرٌ مِنَ الْقُرَّاءِ يُكَلِّمُونَهَا فِي الرِّفْقِ بِنَفْسِهَا، فَقَالَتْ: مَا لِي وَلِلرِّفْقِ بِهَا، إِنَّمَا هِيَ أَيَّامُ الْمُبَادَرَةِ، فَمَنْ فَاتَهُ الْيَوْمَ شَيْءٌ لَمْ يُدْرِكْهُ غَدًا، وَاللَّهِ يَا إِخْوَتَاهُ لأُصَلِّيَنَّ للَّهِ مَا أَقَلَّتْنِي جَوَارِحِي، وَلأَصُومَنَّ لَهُ أَيَّامَ حَيَاتِي، وَلأَبْكِيَنَّ لَهُ مَا حَمَلَتِ الْمَاءَ عَيْنِي، ثُمَّ قَالَتْ: أَيُّكُمْ يَأْمُرُ عَبْدَهُ بِأَمْرٍ فَيُحِبُّ أَنْ يُقَصِّرَ فيه؟ وقال السريُّ السَقَطِيُّ: إِذَا فَاتَنِي شَيْءٌ مِنْ وِرْدِي لَمْ أَقْدِرْ أَنْ أُعِيدَهُ لانشغالي بغيره. قَالَ جُنَيْدٌ: كَانَ سريٌ مُتَّصِلَ الشُّغُلِ بالآخرة. وقال عَبْدُ الْعَزِيزِ الْعَبَّاسِيُّ: قَضَيْتُ يَوْمًا فِي صُحْبَةِ خَالِي إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى الْبَاقِلانِيِّ   فَتَلَقَّيْنَاهُ خَارِجًا مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَى دَارِهِ، وَهُوَ يُسَبِّحُ، فَقَالَ لَهُ خَالِي: ادْعُ لِي، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ شَغَلْتَنِي، انْظُرْ مَا تَظَنُّهُ فِيَّ فَافْعَلْهُ، وَادْعُ اللَّهَ لِي. فَقُلْتُ لَهُ: أَنَا بِاللَّهِ ادْعُ لِي. فَقَالَ لي: رَفَقَ اللَّهُ بِكَ. فَاسْتَزَدْتُهُ، فَقَالَ: الزَّمَانُ يَذْهَبُ وَالصَّحَائِفُ تُخْتَمُ. وَكَانَ عُثْمَانُ دَائِمَ الذِّكْرِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِذَا كَانَ وَقْتُ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَحْسَسْتُ بِرُوحِي كَأَنَّهَا تَخْرُجُ؛ لاشْتِغَالِهِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِالإِفْطَارِ عَنِ الذكر). (لما مات رأى بعضُهم بعضَ الأموات من جيرانه في المنام رآه في القبور فسأله عن فرحهم بجواره فقال: وأين هو، لما مات ووضع في قبره سمعنا قائلا يقول: إلى الفردوس الأعلى، إلى الفردوس الأعلى. ورحم الله القائل: 

قَدْ قُلْتُ لِلنَّفْسِ وَبَالَغْتُ
وَزِدْتُ فِي الْعُتْبِ وَأَكْثَرْتُ

يَا نَفْسُ قَدْ قَصَّرْتِ مَا قَدْ كَفَى
تَيَقَّظِي قَدْ قَرُبَ الْوَقْتُ

جُدِّي عَسَى أَنْ تُدْرِكِي مَا مَضَى
قَدْ سَبَقَ النَّاسُ وَخُلِّفْتُ

أَنَا الَّذِي قَدْ قُلْتُ دَهْرًا غَدًا
أَتُوبُ مِنْ ذَنْبِي فَمَا تُبْتُ

وَاحَسْرَتِي يَوْمَ حِسَابِي إِذَا
وَقَفْتُ لِلْعَرْضِ وَحُوسِبْتُ

وَاخَجْلَتِي إِنْ قِيلَ لِي قَدْ مَضَى
وَقْتُكَ تَفْرِيطًا وَوُبِّخْتُ

وَلِي كِتَابٌ نَاطِقٌ بِالَّذِي
قَدْ كُنْتُ فِي دُنْيَايَ قَدَّمْتُ

وَقَدْ تَحَيَّرْتُ وَلا عُذْرَ لِي
إِنْ قُلْتُ إني قد تحيرت

وَنَحْنُ نَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْ أَنْ نُغْبَنَ بِفَضْلِ نِعْمَتِهِ عَلَيْنَا، وَنَجْهَلَ نَفْعَ إحْسَانِهِ إلَيْنَا. 

وَقَدْ قِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: مِنْ الْفَرَاغِ تَكُونُ الصَّبْوَةُ. وهو الميل الى اللهو 

وَقَالَ المناوي في فيض القدير: مَنْ أَمْضَى يَوْمَهُ فِي غَيْرِ حَقٍّ قَضَاهُ، أَوْ فَرْضٍ أَدَّاهُ، أَوْ مَجْدٍ أَثَّلَهُ أَوْ حَمْدٍ حَصَّلَهُ، أَوْ خَيْرٍ أَسَّسَهُ أَوْ عِلْمٍ اقْتَبَسَهُ، فَقَدْ عَقَّ يَوْمَهُ وَظَلَمَ نَفْسَهُ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:

لَقَدْ أَهَاجَ الْفَرَاغُ عَلَيْك شُغْلًا
وَأَسْبَابُ الْبَلَاءِ مِنْ الْفَرَاغِ

وما قاله عمر بن الخطاب حين جاء معاوية بن خديج يبشره بفتح الإسكندرية، فوصل المدينة وقت القيلولة، فظن أنه نائم يستريح، ثم عَلِمَ أنه لا ينام في ذلك الوقت، فقال له عمر: لئن نمت النهار لأضيعنَّ حق الرعية، ولئن نمت الليل لأضيعنَّ حق الله، فكيف بالنوم بين هذين الحقين يا معاوية؟

فنجد الصالحين من عباد الله يستعملون صحتهم وفراغهم في طاعة الله وفي العلم، وقد قال ابن جُزَي:

لِكُــلِّ بَنِي الدُّنْيَـــا مُرَادٌ وَمَقْصِدُ
وَإِنَّ مُـرَادِي صِحَـــةٌ وَفَـــرَاغُ

لِأَبْلُــغَ فِي عِلْمِ الشَّرِيْـــعَةِ مَبْلَغًا
يَكُــونُ بِهِ لِي فِي الْحَيَــاةِ بَلَاغُ

فَفِي مِثْلِ هَذَا فَلْيُنَافِسْ أُولُو النُّهَى
وَحَسْبِي مِنَ الدُّنْيَا الْغَرُورِ بَلَاغُ

فَمَـا الْعَيْشُ إِلَّا فِي نَعِيْــمٍ مُؤَبَّــدٍ
بِهِ الْعَيْشُ رَغْدٌ وَالشَّرَابُ يُسَاغُ