احفظ الله يحفظك: وصية النبي ﷺ لابن عباس | رياض الصالحين (96)

الدرس ٨٧ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ١:١٧:٥٦

الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي نَصَبَ مِنْ كُلِّ كَائِنٍ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ بُرْهَانًا، وَتَصَرَّفَ فِي خَلقِه كَمَا شَاءَ عِزًّا وَسُلْطَانًا، وَاخْتَارَ الْمُتَّقِينَ فَوَهَبَ لَهُمْ بِنِعْمَتِهِ عِلمًا وَإِيمَانًا، وَلَمْ يَقْطَعْ أَرْزَاقَ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ جُودًا وَامْتِنَانًا، وَأَكْرَمَ الْمُؤْمِنَ إِذْ كَتَبَ الإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ، وَدَعَا الْمُذْنِبَ إِلَى تَوْبَةٍ لِغُفْرَانِ ذَنْبِهِ، جَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَالْقَمَرَ نُورًا بَيْنَ شَرْقِهِ وَغَرْبِهِ. لَيْسَ بِجِسْمٍ فَيُشْبِهُ الأَجْسَامَ، وَلا بِمُتَجَوِّفٍ فَيَحْتَاجُ إِلَى الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ، وَلا تَحْدُثُ لَهُ صِفَةٌ فَيَتَطَرَّقُ عَلَيْهَا انْعِدَامٌ، نَصِفُهُ بما وصَفَ نَفسَه مِنْ غَيْرِ كَيْفٍ وَالسَّلامُ. أَحْمَدُهُ حَمْدَ عَبْدٍ مُعتَرف بذَنْبِهِ، وَأُقِرُّ بِتَوْحِيدِهِ إِقْرَارَ مُخْلِصٍ مِنْ قَلْبِهِ، وَأُصَلِّي وأُسَلِم عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ وَءالِهِ وَصَحْبِهِ، أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ضَجِيعِهِ فِي تُرْبِهِ، وَعُمَرَ الَّذِي لا يَسِيرُ الشَّيْطَانُ فِي سَرْبِهِ، وَعُثْمَانَ الشَّهِيدِ لا فِي صَفِّ حَرْبِهِ، وَعَلَى عَلِيٍّ مُعِينِهِ وَمُغِيثِهِ فِي كَرْبِهِ. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ كُلًّا مِنَّا بِإِصْلاحِ قَلْبِهِ، وَأَنْعِمْ عَلَيْهِ بِغُفْرَانِ ذَنْبِهِ، وَانْفَعْنِي وَكُلَّ مستَمِعٍ بِجَسَدِهِ وَلُبِّهِ. ءامين، أما بعد 

مقدمة

مقدمة فيها التذكير بالثبات على طاعة الله بعد رمضان، وقبل البدء بشرح الحديث

يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ))، مَعْنَاهُ لَا تُفَارِقْ هَذَا حَتَّى تَمُوتَ، وَسُمِّيَ الْمَوْتُ بِالْيَقِينِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُتَيَقِّنٌ، والْمُرَادُ مِنْهُ: وَاعْبُدْ رَبَّكَ فِي زَمَانِ حَيَاتِكَ وَلَا تَخْلُ لَحْظَةٌ مِنْ لَحَظَاتِ الْحَيَاةِ عَنْ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، فَالْمُرَادُ اسْتِمْرَارُ الْعِبَادَةِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحِ: ((وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا))، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ يَقِينًا أَشْبَهَ بِالشَّكِّ مِنْ يَقِينِ النَّاسِ بِالْمَوْتِ ثُمَّ لَا يَسْتَعِدُّونَ لَهُ، يَعْنِي كَأَنَّهُمْ فِيهِ شَاكُّونَ. أحببت أن أذكركم إخواني بعد انقضاء شهر رمضان المبارك بالثبات على طاعة الله وعبادته وأن لا يقتصر الواحد على الطاعة لربه عز وجل فقط في رمضان، بل في رمضان وفي غيره، وفي كل أوقاتِ عمره، ونحن بفضل الله وَمَنِّهِ كما كنا في رمضان ثابتون على طاعة الله وعلى مجالس العلم، صحيح أننا في رمضان كنا نلتقي يوميا لحضور دروس تفسير كتاب الله تعالى وكذلك بعد رمضان رجعنا ولله الحمد إلى مجالس تفسير أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ورجعنا إلى هذا الكتاب المبارك كتابِ رياض الصالحين للحافظ النووي رحمه الله تعالى.

الحديث

وكنا وصلنا فيه إلى باب المجاهدة أي مجاهدة النفس، ووصلنا إلى الحديث السادس والتسعين من هذا الكتاب.

يقول الحافظ النووي رحمه الله رحمة واسعة: الثاني: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّىْ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيْمَا يَرْوِيْهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: (إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِذَا أَتَانِيْ يَمْشِيْ أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

الشرح

الثاني (أي الحديث الثاني من باب المجاهدة وهو الحديث السادس والتسعون من كتاب رياض الصالحين) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّىْ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيْمَا يَرْوِيْهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ (هذه العبارة تعني أن هذا الحديثَ حديثٌ قدسي وقد سبق وبيَّنَّا ما معنى الحديث القدسي والفرق بينه وبين القرآن الكريم، ولكن نذكر ونقول إن الأحاديث القدسية أكثرُ من مائة حديث جمعها بعضهم في جزء كبير والفرق بينه وبين القرآن أن القرآن اللفظُ المنزل للإعجاز والقدسي ما أخبر الله به نبيه بالإلهام أو رؤية المنام أو غيره من كيفيات الوحي فعبر عنه صلى الله عليه وسلم بعبارته فلا يكون معجزا ولا متواترا كالقرآن ولذا لم يثبت له شيء من أحكامه من حرمة حمله ومسه على المحدث وقراءته على الجنب و حصول الثواب على كل حرف منه لقارئه بعشر حسنات وغير ذلك) قَالَ: (إِذَا تَقَرَّبَ (أَيْ: طَلَبَ الْقُرْبَةَ) (أولا لِنَعْلَمْ أن القرب من الله عز وجل ليس قرب الأجسام إلى الأجسام إنما هو قربٌ بطاعة الله والثبات على عبادته عز وجل، فالقرب من الله عز وجل ليس قربَ مكان وجهة وليس معناه أن الله متحيز في جهة والعبد بعمله الطاعاتِ يتقرب من الله بالمسافة، لا، قال أبو حنيفة رضي الله عنه: «وليس قربُ الله تعالى ولا بعده من طريق طول المسافة وقصرها ولكن على معنى الكرامة والهوان، ولكنَّ المطيعَ قريبٌ منه بلا كيفٍ، والعاصي بعيدٌ عنه بلا كيفٍ. الْعَبْدُ (وكونك عبدا لله عز وجل هذا مقام عالٍ فاعْلَمْ أَنَّ مَنْ عَرَفَ فَوَائِدَ الْعِبَادَةِ طَابَ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِهَا، وَثَقُلَ عَلَيْهِ الِاشْتِغَالُ بِغَيْرِهَا، وَأَكْمَلُ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ وَأَقْوَاهَا فِي كَوْنِهَا سَعَادَةً اشْتِغَالُهُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَنِيرُ قَلْبُهُ بِنُورِ الْإِيمان، وَيَتَشَرَّفُ لِسَانُهُ بِشَرَفِ الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ للقرآن، وَتَتَجَمَّلُ أَعْضَاؤُهُ بِجَمَالِ طاعةِ الله، وَهَذِهِ الْأَحْوَالُ مِنْ أَشْرَفِ الْمَرَاتِبِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالدَّرَجَاتِ الْبَشَرِيَّةِ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ زَالَ عَنْهُ ثِقَلُ الطَّاعَاتِ وَعَظُمَتْ حَلَاوَتُهَا فِي قَلْبِهِ. وأيضًا فالْعِبَادَةُ أَمَانَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ. وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَاجِبٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها. ومن أدى أمانة الله أدى الله له أمانته، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «يَا غُلَامُ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ» أي احفظ أوامر الله يحفظ لك ما تحب، والِاشْتِغَالُ بِالْعِبَادَةِ انْتِقَالٌ مِنْ عَالَمِ الْغُرُورِ إِلَى عَالَمِ السُّرُورِ، وَمِنَ الِاشْتِغَالِ بِالْخَلْقِ إِلَى الاشتغال بطاعةِ الْحَقِّ سبحانه، وَذَلِكَ يُؤدي إلى كَمَالِ اللَّذَّةِ وَالْبَهْجَةِ: يُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حَيَّةً سَقَطَتْ مِنَ السَّقْفِ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَشْعُرْ بِهَا، وَوَقَعَتِ الْآكِلَةُ فِي بَعْضِ أَعْضَاءِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَاحْتَاجُوا إِلَى قَطْعِ ذَلِكَ الْعُضْوِ، فَلَمَّا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ قَطَعُوا مِنْهُ ذَلِكَ الْعُضْوَ فَلَمْ يَشْعُرْ عُرْوَةَ بِذَلِكَ الْقَطْعِ. وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ حِينَ يَشْرَعُ فِي الصَّلَاةِ كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ صَدْرِهِ، أَزِيزًا كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ، يعني: كالصوت الذي يصدر من القِدر إذا استجمعت غليانًا، وصارت تغلي، يكون لها صوت، فهذا الصوت يصدر من جوفه -عليه الصلاة والسلام- من البكاء. وَمَنِ اسْتَبْعَدَ هَذَا فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ [يُوسُفَ: 31] فَإِنَّ النِّسْوَةَ لَمَّا غَلَبَ عَلَى قُلُوبِهِنَّ جَمَالُ يوسف عليه السلام وصلت تلك الغلبة إلى حَيْثُ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَمَا شَعَرْنَ بِذَلِكَ، فَإِذَا جَازَ هَذَا فِي حَقِّ الْبَشَرِ فَلَأَنْ يَجُوزَ عِنْدَ اسْتِيلَاءِ عَظَمَةِ اللَّهِ عَلَى الْقَلْبِ أَوْلَى، وَلَأَنَّ مَنْ دَخَلَ عَلَى مَلِكٍ مَهِيبٍ فَرُبَّمَا مَرَّ بِهِ أَبَوَاهُ وَبَنُوهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يَعْرِفُهُمْ لِأَجْلِ أَنَّ اسْتِيلَاءَ هَيْبَةِ ذَلِكَ الملك تَمْنَعُ الْقَلْبَ عَنِ الشُّعُورِ بِهِمْ، فَإِذَا جَازَ هَذَا فِي حَقِّ مَلِكٍ مَخْلُوقٍ مُجَازَى فَلَأَنْ يَجُوزَ فِي حَقِّ خَالِقِ الْعَالَمِ أَوْلَى. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِبَادَةَ وَالْعُبُودِيَّةَ مَقَامٌ عَالٍ شَرِيفٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ آيَاتٌ: الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ الْحِجْرِ: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ. أَمَرَهُ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: التَّسْبِيحُ: وَهُوَ قَوْلُه فَسَبِّحْ وَالتَّحْمِيدُ: وَهُوَ قَوْلُهُ بِحَمْدِ رَبِّكَ، وَالسُّجُودُ: وَهُوَ قَوْلُهُ: وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَالْعِبَادَةُ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ تُزِيلُ ضِيقَ الْقَلْبِ، وَتُفِيدُ انْشِرَاحَ الصَّدْرِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ الْعِبَادَةَ تُوجِبُ الرُّجُوعَ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى الْحَقِّ، وَذَلِكَ يُوجِبُ زَوَالَ ضِيقِ الْقَلْبِ. الْآيَةُ الثَّانِيَةُ: فِي شَرَفِ الْعُبُودِيَّةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) وَلَوْلَا أَنَّ الْعُبُودِيَّةَ أَشْرَفُ الْمَقَامَاتِ، وَإِلَّا لَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فِي أَعْلَى مَقَامَاتِ الْمِعْرَاجِ، الْآيَةُ الثَّالِثَةُ: فِي شَرَفِ الْعُبُودِيَّةِ: أَنَّ عِيسَى أَوَّلَ مَا نَطَقَ قَالَ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [مَرْيَمَ: 30] وَصَارَ ذِكْرُهُ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ سَبَبًا لِطَهَارَةِ أُمِّهِ، وَلِبَرَاءَةِ وُجُودِهِ عَنِ الطَّعْنِ، وَصَارَ مِفْتَاحًا لِكُلِّ الْخَيْرَاتِ، وَدَافِعًا لِكُلِّ الآفات، وَأَيْضًا لَمَّا كَانَ أَوَّلُ كَلَامِ عِيسَى ذِكْرَ الْعُبُودِيَّةِ كَانَتْ عَاقِبَتُهُ الرِّفْعَةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَرافِعُكَ إِلَيَّ، أي رافعك إلى محل كرامتي وهو السماء، فالَّذِي ادَّعَى الْعُبُودِيَّةَ بِالْقَوْلِ وعمل بها رُفِعَ إِلَى الْجَنَّةِ وإلى أعالي الدرجات وأعظم المقامات، الْآيَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طَهَ: 14] أَمَرَهُ بِعْدَ التَّوْحِيدِ بِالْعُبُودِيَّةِ، لِأَنَ التَّوْحِيدَ أَصْلٌ، وَالْعُبُودِيَّةَ فَرْعٌ، وَالتَّوْحِيدُ شَجَرَةٌ، وَالْعُبُودِيَّةُ ثَمَرَةٌ، وَلَا قِوَامَ لِأَحَدِهِمَا إِلَّا بِالْآخَرِ، فَهَذِهِ الْآيَاتُ دَالَّةٌ عَلَى شَرَفِ الْعُبُودِيَّةِ. فَكُلُّ شَرَفٍ وَكَمَالٍ وَبَهْجَةٍ وَفَضِيلَةٍ وَمَسَرَّةٍ وَمَنْقَبَةٍ حَصَلَتْ لِلْعَبْدِ فَإِنَّمَا حَصَلَتْ بِسَبَبِ الْعُبُودِيَّةِ، فَثَبَتَ أَنَ الْعُبُودِيَّةَ مِفْتَاحُ الْخَيْرَاتِ، وَعُنْوَانُ السَّعَادَاتِ، وَمَطْلَعُ الدَّرَجَاتِ، وَيَنْبُوعُ الْكَرَامَاتِ. وَكَانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ يَقُولُ: (كَفَى بِي فَخْرًا أَنْ أَكُونَ لَكَ عَبْدًا، وَكَفَى بِي شَرَفًا أَنْ تَكُونَ لِي رَبًّا)، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين يعبدونه كما أمر عز وجل ويكرمَنا بالجزاء الذي وعده لعباده الصالحين وهو الجنة) إِلَيَّ (أَيْ: بِالطَّاعَةِ) شِبْرًا (أَيْ: مِقْدَارًا قَلِيلًا، والشبر مقدار خمسة أصابع أَيْ: مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ مِقْدَارَ شِبْرٍ) تَقَرَّبْتُ (أَيْ: الرَّحْمَةُ) إِلَيْهِ ذِرَاعًا (قِيلَ: أَيْ: أَوْصَلْتُ رَحْمَتِي إِلَيْهِ مِقْدَارًا أَزْيَدَ مِنْهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مُجَازَاتُهُ وَإِثَابَتُهُ بِأَضْعَافِ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَسُمِّيَ الثَّوَابُ تَقَرُّبًا عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ،  وهي أن تذكر الشىء بلفظ غيره أن تذكر الشىء بلفظ يدل على غيره في الأصل هو دال على غيره لأنه وقع مصاحبا له أن تذكر الشىء بلفظ غيره لأنه وقع بصحبته مصاحبا له ومكروا ومكر الله والمقصود جازاهم الله على مكرهم لكن ما ذكر الفعل بلفظ جازا إنما ذكر بلفظ مكر عبر عنه بلفظ مكر لماذا لأنه جاء مصاحبا لمكر الذي قبله لما جاء بصحبته استعمل بالتعبير عنه لفظ غيره لفظ دال على غيره، وَكَانَ الْمَعْنَى إِذَا قَصَدَ ذَلِكَ وَعَمِلَهُ أَعَنْتُهُ عَلَيْهِ وَسَهَّلْتُهُ لَهُ)، وَإِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا (الباع هو وحدة قياس طولي ويقيس به المسافة ما بين الكفين إذا انبسطت الذراعان يمينا ويسارا. إذن طول ذراعي الإنسان وعضديه وصدره وذلك قدر أربعة أذرع وجمعه: أبواع) (وَهُوَ قَدْرُ مَدِّ الْيَدَيْنِ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْبَدَنِ، وَعَلَى هَذَا كُلَّمَا زَادَ الْعَبْدُ قُرْبَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى زَادَ اللَّهُ رَحْمَتَهُ بِهِ، فَذِكْرُ الذِّرَاعِ لِلتَّمْثِيلِ وَالتَّصْوِيرِ لِإِفْهَامِهِمْ لِمُجَازَاةِ الْعَبْدِ فِيمَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ بِمُضَاعَفَةِ لُطْفِهِ وَإِحْسَانِهِ)، وَإِذَا أَتَانِيْ (أي حَالَ كَوْنِهِ) يَمْشِيْ (أَيْ: فِي طَاعَتِي) أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً (وَهِيَ الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ دُونَ الْعَدْوِ، أَيْ: صَبَبْتُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةَ، وَقِيلَ: أَيْ: مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي بِسُهُولَةٍ وَصَلَتْ إِلَيْهِ رَحْمَتِي بِسُرْعَةٍ)). (وقَالَ ابن حجر: قال ابن بَطَّالٍ وَصَفَ سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إِلَى عَبْدِهِ وَوَصَفَ الْعَبْدَ بِالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَوَصَفَهُ بِالْإِتْيَانِ وَالْهَرْوَلَةِ كُلُّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ فَحَمْلُهَا ‌عَلَى ‌الْحَقِيقَةِ ‌يَقْتَضِي ‌قَطْعَ ‌الْمَسَافَاتِ وَتَدَانِي الْأَجْسَامِ وَذَلِكَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مُحَالٌ فَلَمَّا اسْتَحَالَتِ الْحَقِيقَةُ تَعَيَّنَ الْمَجَازُ لِشُهْرَتِهِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَيَكُونُ وَصْفُ الْعَبْدِ بِالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ شِبْرًا وَذِرَاعًا وَإِتْيَانُهُ وَمَشْيُهُ مَعْنَاهُ التَّقَرُّبُ إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ وَأَدَاءِ مُفْتَرَضَاتِهِ وَنَوَافِلِهِ وَيَكُونُ تَقَرُّبُهُ سُبْحَانَهُ مِنْ عَبْدِهِ واتيانه وَالْمَشْي عبارَة عَن إثابته عَلَى طَاعَتِهِ وَتَقَرُّبِهِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً أَيْ أَتَاهُ ثَوَابِي مُسْرِعًا) (والحديث فِيهِ التَّرْغِيبُ وَالتَّحْثِيثُ عَلَى الْمُجَاهَدَةِ فِي الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ دَفْعًا لِلْفُتُورِ وَالتَّكَاسُلِ وَالْقُصُورِ، قالوا: فَالْحَدِيثُ مَعْجُونٌ مُرَكَّبٌ نَافِعٌ لِأَمْرَاضِ قُلُوبِ السَّالِكِينَ، وَمُحَرِّكٌ لِشَوْقِ الطَّالِبِينَ، وَمُقَوٍّ لِصُدُورِ الْمُذْنِبِينَ) (قَالَ القاضي عياض: الْمُرَادُ بِمَا جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سُرْعَةُ قَبُولِ تَوْبَةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ أَوْ تَيْسِيرُ طَاعَتِهِ وَتَقْوِيَتُهُ عَلَيْهَا وَتَمَامُ هِدَايَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ) (هذا الحديث دليل لأهل السنة على التأويل وأنه سائغ لا ضرر فيه بل ينبغي ويتحتم في مثل هذا الحديث ونحوه من نصوص الكتاب والسنة المطهرة. فقد أجمَعَتِ الأُمّةُ على أنّ في القرءانِ ءاياتٍ محكَماتٍ وءاياتٍ مُتشابهاتٍ، وهو ما يَدُلُّ عليه صريحُ قولِه تعالى: ((هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ))، فالمحكَمات هي الّتي دِلالتها على المراد واضحة، والمتشابهةُ هي التي دِلالتها على المراد غيرُ واضحة، وقد ذمّ الله تعالى الذين يتّبعون ما تَشابَه منه ابتغاء الفتنة أي ابتغاء الإيقاع في الأمر المحظور وهو التشبيه، والذين في قلوبهم زيغ هم أهل الأهواء كالمعتزلة والمجسّمةِ وأمثالهم. وقد سمّى الله تعالى المحكمات، أمَّ الكتاب أي أمَّ القرءان لأنّها الأصل الذي يُردُّ إليه المتشابهات، مثل قوله تعالى: ((هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا)) أي مِثلًا أي ليس له مثيلٌ ولا شبيه. ثمّ المتشابِه قسمان: أحدهما ما لا يَعلَمُه إلا الله كوَجْبة القيامة، والثاني يَعلَمُه الرّاسخون في العِلم كمعنى الاستواء المذكور في قوله تعالى: ((إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ)) فإنّ الراسخِين فسّروه بالقَهر. وقال علماء أهلِ السُّنّةِ إنّ كلّ ما ورد في القرءان الكريم أو في الحديث الشريف مما ظاهره يوهم التشبيه لله تعالى بخلقه فهو قطعًا ليس على الظاهر وإنّما له معنًى يليق بالله سبحانه وتعالى ثم سلكوا في ذلك مسلكين فغلب على السلف منهم تأويل هذه الآيات والأحاديث تأويلًا إجماليًّا بالإيمان بها واعتقاد أنّ لها معانيَ تليق بجلال الله وعظمته ليست من صفات المخلوقين بلا تعيين كآية: ((ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ)) وحديث النّزول الذي فيه: «يَنْزِل ربُّنا تباركَ وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السّماءِ الدُّنيا حِينَ يَبقَى ثُلُثُ اللّيلِ الآخرُ فيقولُ: مَن يَدْعُونِي فأستَجِيبَ له، ومَن يَسألُنِي فأُعطِيَه، ومَن يَستغفِرُني فأغفِرَ له» بأنْ يقولوا بلا كيفٍ أو على ما يَلِيقُ بالله أي مِن غير أن يكون بهيئةٍ، مِن غيرِ أن يكون كالجلوسِ والاستقرارِ والجوارح والطُّول والعَرض والعُمق والمِساحة والحركة والسكون والانفعال ممّا هو صفة حادثة وهو كما قال الإمام الشّافعي رضي الله عنه: «ءامنتُ بما جاء عن الله على مُرادِ الله وبما جاءَ عن رسول الله على مُرادِ رسول الله» يعني رضي الله عنه لا على ما تذهب إليه الأوهام والظنون من المعاني الحسيّة الجسميّة التي لا تجوز في حقّ الله تعالى. وأما الخَلَف فغلَب عليهم التأويل التفصيلي وذلك بتعيين معانٍ لهذه الآيات والأحاديث المتشابهة مما تقتضيه لغة العرب ويليق بجلال الله سبحانه وتعالى فقالوا في تفسير قوله تعالى: ((ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ)) قهر العرش ومعنى قهر الله للعرش الذي هو أعظم المخلوقات أنّ العرش تحت تصرّف الله، هو خلَقَه وهو يحفظه، يحفظ عليه وجوده، ولولا حفظ الله تعالى له لَهَوى إلى الأسفل فتحطّم، فالله تعالى هو أوجده ثم هو حفظه وأبقاه. وفائدة تخصيص العرش بالذّكر أنّه أعظم مخلوقات الله تعالى حجمًا فيُعلم شمول ما دونه من باب الأولى. قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إنّ اللهَ خلَقَ العَرشَ إظهارًا لِقُدْرَتِه ولم يَتَّخِذْهُ مَكانًا لِذَاتِه». 

أمَّا احتجاج هؤلاء المشبّهة بآية ﴿ءأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ فالجواب أن يقال لهم (من في السماء) المراد الملائكة وليس المراد بكلمة “من” الله. لأن الملائكة لو أمرهم الله أن يخسفوا بالمشركين الأرض لخسفوا بِهم، كذلك الآية الأخرى التي تليها، ﴿أَمْ أمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُّرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصبًا﴾ أي ريحا شديدة، فالملائكة هم يرسلون الريح فالله تعالى لو أمرهم بأن يرسلوا ريحاً تبيدهم لفعلوا هذا معنى الآيتين ﴿ءَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَّخْسفَ بِكُم الأَرْضَ﴾ والآية التي تليها ﴿أَمْ أمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُّرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصبًا﴾. وهذه الآية تفسَّر بِما ورد في الحديث الصّحيح «ارْحَمُوا مَن فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُم من فِي السَّمَاءِ» ووردت رواية صحيحة أخرى «ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ» هذه الرواية فسرت “من في السَّماء” المذكورة في الآية أن المراد بِمن في السَّماء الملائكة لأنَّ الله لا يُعَبَّرُ عنه بأهل السَّماء إنَّما يُعَبَّرُ بأهل السَّماء عن الملائكة لأنَّـهم سكانـها أي سكان السَّمـوات، بِهذا يُجاب عن تمسك المشبّهة بالاحتجاج بِهاتين الآيتين. وقال الإمام النووي في شرحه على مسلم ما نصه: قال القاضي عياض: لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم ومحدثهم ومتكلمهم ونظارهم ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء كقوله تعالى ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ ونحوه ليست على ظاهرها بل متأولة عند جميعهم” انتهى. ومِن سِخافة عقول المجسمة أنهم قالوا: إنّ جهة فوق تليق بالله وجهة تحت نقص على الله فلذلك لا نؤول الآيات والأحاديث التي تدلّ ظواهرها على أنّه في جهة فوق بل نؤول الآيات والأحاديث التي تدلّ ظواهرها على أنّه في جهة تحت، فالجواب: أنّ جهة فوق مَسكَن الملائكة، وكذلك مدار النّجوم والشمس والقمر جهة فوق وليس هؤلاء أفضل من الأنبياء الذين منشؤهم في جهة تحت وحياتهم في جهة تحت إلى أن يموتوا فيدفنوا فيها، والأنبياء أفضل من الملائكة لأنّ الله أمر الملائكة بالسجود لآدم تحيّةً فسجدوا له والمسجود له أفضل من السّاجد فبطل قولهم: إنّ جهة فوق كمال لله وجهة التحت نقص على الله، لأنّ الله لا يتشرّف بشيء من خلقه، فلا يتشرّف بالعرش، ولا بالسّماء ولا بالجهات، وقد قال تعالى: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ))، قال القرطبي في شرح هذه الآية: وَهُوَ مَعَكُمْ) يَعْنِي بِقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ وَعِلْمِهِ (أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) يُبْصِرُ أَعْمَالَكُمْ وَيَرَاهَا ولا يخفى عليه شي مِنْهَا. وَقَدْ جَمَعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيْنَ (اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) وَبَيْنَ (وَهُوَ مَعَكُمْ) وَالْأَخْذُ بِالظَّاهِرَيْنِ تَنَاقُضٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنِ التَّأْوِيلِ اعْتِرَافٌ بِالتَّنَاقُضِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْمَعَالِي: [وهو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين: أعلم المتأخرين، من أصحاب الشافعي. ولد في جوين من نواحي نيسابور] قال:)إِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ لَمْ يَكُنْ بِأَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى حِينَ كَانَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ. انتهى كلام القرطبي.

وأما حديث النّزول السّابق الذكر فأحسن ما يقال في ذلك هو نزول المَلَكِ بأمر الله فينادي مبلّغًا عن الله تلك الكلمات: «مَن ذا الّذي يَدعُوني فأستجِيبَ له، مَن ذا الذي يستغفرني فأغفر له مَن ذا الذي يسألني فأُعطِيَه» فيمكثُ المَلَكُ في السّماء الدّنيا من الثُّلُثِ الأخير مِن اللَّيل إلى الفجر. وقالوا في تفسير قوله تعالى: ((كُلُّ شيءٍ هالكٌ إلا وجهه)) [القَصَص: 88] إلا مُلكَه أي إلا سُلطانه، فمُلكُ الله أزلي أبدِيّ لا يفنى وأمّا مُلك غيرِه فيَفنى، مُلك الملوك الكفار كنمرود وفرعون الذين أعطاهم الله تبارك وتعالى هذا الملك الذي هو غير أبدي يفنى ومُلك أحباب الله كسليمان وذي القرنين يفنى، أما مُلك الله فهو صفة من صفاته. وقال بعضهم: أي إلا ما أريد به وجهه، أي الأعمال الصالحة تبقى. وقالوا في تفسير قوله تعالى: ((والسماءَ بنيناها بأيدٍ)) أي بقوّة، فاليدُ تأتي بمعنى القُدرة وهي القُوّة، وتأتي بمعنَى العهد كما في قوله تعالى: ((يَدُ اللهِ فوقَ أيديهم)) أي عَهد الله فوق عُهودهم أي ثبَت عليهم عهد الله لأنّ معاهدتَهم للرسول ﷺ تحت شجرة الرِّضوان في الحدَيبية على أن لا يفرّوا معاهدةٌ لله تبارك وتعالى، لأنّ الله تعالى هو الذي أمَر نبيَّه ﷺ بهذه المبايَعة. وأوَّلوا النُّور الواردَ في قوله تعالى: ((الله نور السماوات والأرض)) بنور الهداية ومعناه أنّ الله تعالى هادِي أهلِ السماوات وهم الملائكةُ وهادِي المؤمنِين مِن أهل الأرض مِن إنسٍ وجنّ إلى نُورِ الإيمان، والذي في ءاخِر الآية: ((يهدي الله لنوره من يشاء)) يفسِّر ما في أوّلها، فالله تعالى ليس نورًا بمعنى الضَّوء، بل هو الذي خلَق النّور قال تعالى: ((وجعل الظلماتِ والنور)) أي خلَق الظلماتِ والنّورَ فكيف يمكن أن يكون نورًا كخَلْقه؟! تعالى الله عن ذلك عُلوًّا كبيرًا. والحاصل من وفقه الله للفهم وأرشده للحق علم أنَّ عقيدة الإسلام هي تنـزيه الله عن مشابَهة المخلوقين وأنَّه تعالى موجود بلا كيف ولا مكان) 

إذًا الحديث معناه: أن ثواب الله له على طاعته أعظم من عمله. قال جل جلاله: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ)، كما جاء في حديث الترمذي أنه إذا قال العبد في سوق من أسواق المسلمين لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير رافعا بها صوته كتب الله له بذلك ألف ألف حسنة ومحا عنه بها ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة وبنى له بيتا في الجنة. وهذا الذي ذكرناه إنما هو على مقدار معرفتنا لا على مقدار فضل الله سبحانه وتعالى فإنه أعظم من أن يحده أحد أو يحصره خلق والله تعالى أعلم.

(هذا الحديث القدسي مذكور في باب المجاهدة أي مجاهدة النفس والهوى) وكل ما ذكرنا من أمر التقرب إلى الله بالعمل وأن يتذكر العبد أن ثواب الله له على طاعته أعظم من عمله كل هذا يحتاج إلى كسر النفس ومغالبتها ومجاهدتها ولذلك ذكر النووي رحمه الله هذا الحديث في باب المجاهدة، وهذا الأمر أي أمر مجاهدة النفس له طريق وسبيل وهو مخالفة هوى هذه النفس ومخالفة الشيطان فإنه عدو لك ونفسك التي بين جنبيك أعدى أعدائك وأحيانا تكون أشدَّ على بعض الأشخاص من الشيطان، فبعضهم إذا كان بين الناس يستطيع مخالفة الشيطان ولكن إلى خلا بنفسه فإنه لا يقدر أن يكبح جماح شهوته وما تجره إليه من المعصية فيتجرَّأ على معصية الله والعياذ بالله تعالى، وقد قال تعالى في محكم التنزيل: ((فَأَمَّا مَنْ طَغى، وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى، وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ ‌وَنَهَى ‌النَّفْسَ ‌عَنِ الْهَوى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى))، فالطريق في معالجة أمراض القلب ترك الشهوات وأن مادة أمراضها هي اتباع الشهوات، فالنفس عدو منازع يجب على العبد مجاهدتها، وقال عيسى عليه السلام طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعود غائب لم يره. وقال سفيان الثوري ما عالجت شيئًا أشد علي من نفسي مرة لي ومرة علي. وكان أبو العباس الموصلي يقول لنفسه يا نفس لا في الدنيا مع أبناء الملوك تتنعمين ولا في طلب الآخرة مع العباد تجتهدين يا نفس ألا تستحين. 

وقال يحيى بن معاذ الرازي: [قال عنه أبو نعيم الأصفهاني في كتابه حلية الأولياء: المادح الشكّار ، القانع الصبّار: يحيى بن معاذ، الواعظ الذكّار، لزم الحداد توقّيًا من العباد، واستلذ السُهاد تحرّيًا للوداد، واحتمل الشداد توصلًا إلى المراد.اهـ وقال عنه ابن الجوزي في كتابه صفوة الصفوة: نزيل الري، ثم انتقل إلى نيسابور فسكنها وبها مات وكانوا ثلاثة إخوة: إسماعيل ويحيى وإبراهيم فإسماعيل أكبرهم سنًّا ويحيى أوسطهم وإبراهيم أصغرهم وكانوا كلهم زهادًا.اهـ وقال عنه ابن العماد في كتابه شذرات الذهب: يحيى بن معاذ الرازي الزاهد العارف حكيم زمانه وواعظ عصره توفي في نيسابور.اهـ] قال يحيى بن معاذ رضي الله عنه: جاهد نفسك بأسياف الرياضة والرياضة على أربع أوجه القوت من الطعام والغَمْضُ من المنام والحاجةُ من الكلام وحملُ الأذى من الأنام فيتولد من قلة الطعام موت الشهوات ومن قلة المنام صفو الإرادات ومن قلة الكلام السلامة من الآفات ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات.اهـ وقال يحيى بن معاذ أيضًا: أعداء الإنسان ثلاثة دنياه وشيطانه ونفسه فاحترس من الدنيا بالزهد فيها ومن الشيطان بمخالفته ومن النفس بترك الشهوات. وقال بعض الحكماء من استولت عليه النفس صار أسيرًا في حب شهواتها محصورًا في سجن هواها مقهورًا مغلولًا زمامه في يدها تجره حيث شاءت فتمنع قلبه من الفوائد. 

وقال أبو يحيى الوراق: من أرضى الجوارح بالشهوات فقد غرس في قلبه شجر الندامات.اهـ وقال الجنيد: أرقت ليلة فقمت إلى وردي فلم أجد الحلاوة التي كنت أجدها فأردت أن أنام فلم أقدر فجلست فلم أطق الجلوس فخرجت فإذا رجل ملتف في عباءة مطروحٍ على الطريق فلما أحس بي قال يا أبا القاسم إلى الساعة فقلت يا سيدي من غير موعد قال بلى سألت الله عز وجل إن يحرك لي قلبَك فقلتُ قد فعل فما حاجتك قال فمتى يصير داءُ النفس دواءها فقلت إذا خالَفَتِ النفس هواها فأقبل على نفسه فقال اسمعي فقد أجبتك بهذا سبع مرات فأبيت أن تسمعيه إلا من الجنيد ها قد سمعتيه ثم انصرف وما عرفته. وقال رجل لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى متى أتكلم قال إذا اشتهيت الصمت قال متى أصمت قال إذا اشتهيت الكلام.اهـ وقال علي رضي الله عنه: من اشتاق إلى الجنة ترك الشهوات في الدنيا. وكان مالك بن دينار يطوف في السوق فإذا رأى الشيء يشتهيه قال لنفسه اصبري فوالله ما أمنعك إلا من كرامتك علي.اهـ 

فإذن قد اتفق العلماء والحكماء على أن لا طريق إلى سعادة الآخرة إلا بنهي النفس عن الهوى ومخالفة الشهوات فالإيمان بهذا معلوم. وَمَنْ كَانَ راكضًا لخدمة نفسه لاحقا لتلبية شهواتها كيفما كانت لَمْ يُرْجَ لَهُ صَلَاحٌ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ فَضْلٌ. وقد قيل:

يَا خَادِمَ الْجِسْمِ كَمْ تَشْقَى بِخِدْمَتِهِ
لِتَطْلُبَ الرِّبْحَ مِمَّا فِيهِ خُسْرَانُ

أَقْبِلْ عَلَى النَّفْسِ وَاسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا
فَأَنْتَ بِالنَّفْسِ لَا بِالْجِسْمِ إنْسَانُ